بسم الله الرحمن الرحيم
منشورات حزب الحكمة:

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

ألقي المجلس العسكري بعود في نار الفتنة ليزيد أوارها فذكر الشريعة الإسلامية. ومصيبة الجاهلين، منذ بدء الخليقة، هو الفهم الخاطئ الذي يؤدّي للعجز. فالجاهل ليس من لا يعلم ولكن من يظنّ علمه هو منتهي الحقيقة.

وُظِّف الإنسان خليفة قبل خلقه، ثمّ خلق في أحسن تقويم، ثمّ تبعته الشريعة، وفي هذا مُنتهي التكريم لهذا الإنسان. وما شريعته إلا هداه ومنهجه لإكمال إنسانيته، ولذلك فأيّ أمر، أو عمل يفارق معايير الإنسانية، ولو بذرَّة، فهو ليس من الشريعة ومنهجها أو الإسلام في شيء، ولا تمتُّ له بصلة، وإن نادي بها شيخ شيوخ المسلمين من أعلى المنابر. الإسلام يساوي الإنسانية في أعلى مراتبها، رحمة وعافية في الدنيا والآخرة.

وتجد الناس تُرِّدد مفاهيم لا تعرف تعريفها، ولذلك لا تفهمها، وقد فعلت ذلك حكومة الإنقاذ، ومنها مفهوم الشريعة الإسلامية. وهو معني تبنّاه بعض علماء المسلمين، فنسبوا الشريعة للإسلام ولم ينسبوها للمسلمين. وما اجتهاد الفقهاء على مرِّ السنين إلا محاولة فهم وتقنين شريعة ومنهج المسلمين في سياقيهما الزمني والمكاني، ولذلك فهذا الفهم، لا الشريعة والمنهج، قابل للتغيير خاصّة فيما يخصُّ فقه المعاملات.
ولكن التشريع والمنهج يختلفان من أمّة إلى أمّة، حسب ظروفها، وهو ما وضّحه المولي عزّ وجلّ:
"‫"لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا‬‬‬

ومعني ذلك أنّ الله سبحانه وتعالي وضع لكلّ أمّة شريعة ومنهجاً، فلم يفصل الشريعة عن المنهج. والقرآن الكريم والسنَّة الصحيحة المطهّرة هما مصادر التشريع الرئيسين للمسلمين، ولكن لا يمكن تُطبّق عقوبات حدوده وتعاليمه إلا على المسلمين الذين اختاروا الإسلام عن وعي بانعتاقهم من إسار الجهل، وليس على غير المسلمين أو المسلمين المُقلّدين الذين وُلدوا في ظلِّ عائلات مسلمة، لا يدرون حالهم ولا يفهمون دينهم، فهو لديهم جزء من ثقافة أو عادات نشأوا واعتادوا عليه، وهو حال أقطارنا التي ينتشر فيها الإسلام.

والشريعة باختصار هي الهدى من الله سبحانه وتعالي لعباده لإدارة حياتهم وبلوغ العافية، ويطلق عليها عُرفاً القانون. والمنهج هو طريقة تطبيق هذا الهُدى؛ أي الحكمة، ولذلك يقول المولي عزّ وجلّ:
‫"وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ". ‬‬
فالكتاب يرمز للشريعة والحكمة ترمز للمنهج، والمنهج هو كيفية تطبيق الأحكام عملياً، ولذلك يقول بعض العلماء أنّ الحكمة تعني السنّة. فمعرفة الشريعة وحدها لا تكفي، فكما نقول: من المُهمّ معرفة نصّ القانون، ولكن الأهم فهم روح القانون عند تطبيقه.
وهذه المرونة هي الحكمة العملية التي تناسب جميع الناس حسب سياقهم. ولكن شريعة ومنهج المسلمين لم تُوضع لتنظيم الحياة الدنيا الزائلة فقط، وإنّما لتعميرها بالعمل الصالح المبدع الذي لا يظلم أحداً، وبذلك يعمّرون آخرتهم حيث الحياة الباقية.

ولكن مصيبة المسلمين هي انتكاسهم بعد الخلافة الراشدة، وانتقالهم من سياق الحريّة والاستقلالية الفكرية، والثقة بالنفس ووضع العدل في بؤرة اهتمامهم، وهو روح الشريعة، إلى ملك عضوض حرََّم على العلماء الحديث في مقاصد الإسلام العليا وهي العدل، والحريّة، وكرامة الإنسان، والرحمة، والفضل وما شابه، لأنّ في ذلك تهديد لعروش الملوك الذين اغتصبوا السلطة وانتزعوا حقوق الناس.

فظهرت أحاديث تحريم الخروج على الحاكم واختفت أحاديث "أفضَلُ الجِهادِ كلمةُ عَدْلٍ عند سُلطانٍ جائرٍ"، وتناسوا كلمة الصديق رضي الله عنه: " فإن رأيتموني على حقٍّ فأعينوني، وإن رأيتموني على باطل فسدِّدوني. أطيعوني ما أطعتُ الله فيكم، فإذا عصيتُه فلا طاعة لي عليكم".

هذا الجوّ السياسي الفاسد ألجأ العلماء لموالاة الملوك ولارتباط حياتهم ومعاشهم برضاهم. فغضّوا الطرف عن فسادهم وتجاوزاتهم وإفسادهم لدين الله وقتل روحه بجعله شعائر فارغة فركّزوا على فقه العبادات واختصروا الشريعة على الحدود. ولذلك اشتقّوا مقاصد الدين الخمسة التي تشمل: الحفاظ على الدين من حدّ الردّة، والنفس من حدّ القصاص، والعقل من حدّ شارب الخمر، والنسل من حدّ الزنا، والمال من حدّ السرقة.
ولم يملك ملك إلا ورأينا تقاعس العلماء، باسم الشريعة، عن نصرة الشريعة عندما تنتهك أمام أعينهم. فأهل الإنقاذ قتلوا ثمانية وعشرين روحاً مسلمة وهي صائمة. من من علماء السودان احتج؟ وقتلوا الآلاف في دارفور من المسلمين حفظة القرآن، فمن قال كلمة الحق؟ ورأينا نفاقهم وهم يتباكون على قتلي غزّة ويصلّون صلاة الغائب على أسامة بن لادن ولم يصلّوا على ثمانية وعشرين روحاً مسلمة لا يعرف أهلهم مثوي قبورهم.

هذه المقاصد الخمسة ليست هذه مقاصد الدين منذ بدء الخليقة، بل إتمام عافية الإنسان في الدنيا والآخرة هو المقصد الأوّل والأخير. والعافية تشمل العافية الجسدية ولذلك حُرِّم الدّم ولحم الخنزير وما شابه، وحُرّمت الخمر لنفس السبب وللحفاظ على العافية العاطفية والعقلية.

أمّا للعافية الاجتماعية فقد حرّم القتل والميسر والزنا والقذف، وللعافية الروحية، وهي أهمّ عافية، فقد حُرِّم الظلم إن كان ظلماً لله أو ظلماً للنفس أو ظلماً للغير.

والعافية الروحية هي التي تفرّق بين الحياة والموت، ولا يمكن أن يكون الإنسان حيّاً وهو مقهور، ومظلوم، وكرامته مهدرة، وهذا ما عناه المولي عزّ وجل:
‫﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾‬‬
‬ ويموت الإنسان وهو يظهر حيَّاً وذلك عندما يلوِّث خلاياه الساجدة الذاكرة لله بعصيان الله وفعل الموبقات، فيكون في إقامة عقوبة الحدِّ على المذنب علاجاً وتطهيراً لها وله من الرجس وحفظاً من النار، وليس للانتقام.

فإحساس هذه الخلايا وهي ملوّثة، مثل إحساس الإنسان وقد مسح جسده بالقاذورات؛ ضيق وقرف إلى أن يزيلها بالماء والصابون، وكذلك الألم هو ماء وصابون الجسد إن كان بإقامة الحد أو بعذاب النار وعلى المسلم أن يختار بين ألم الدنيا الزائل وألم النار الخالد.

وهذا التطهير لتحفيز النفس للابتعاد عن الرجس، وهو أوّل المراحل، ولكن الطهارة منه هي المرحلة الثانية، والتطهُّر هو المرحلة الأخيرة:
" ‫"إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا‬ ‬‬

والتحريم فرضه الله كحدٍّ أدنى للحفاظ على أنواع العافية، أمّا تنميتها فقد جاءت أوامر أخرى لتهيئة المناخ لفعل ذلك مثل الأمر بالصدق والأمانة، والعدل والإحسان والإنفاق والعفو والرفق، والرحمة، والتعاون على البرِّ، وكلّها مُستقرّها القلب، فإذا فسد القلب فسد الإنسان، وظهرت شروره.

وقد حان للمسلمين أن يختاروا دينهم عن وعي، وأن يفهموه بإدراك، وأن يطبقوه بإخلاص في عالم تسود فيه الحرية والكرامة والإنسانية، وحينها سيزرعون طعامهم، وينسجون رداءهم، ويطورون بلادهم، ويصنعون سلاحهم، فلا قوّة في قوم يشترون سلاحهم من عدوّهم ليقاتلوهم به، ولا في قوم يعتمدون على عدوّهم لإطعامهم، أو كسوتهم أو علاجهم.

فهذا العدو، الذي رفعوا سبَّابات التوحيد في وجهه تهديداً ووعيداً، بلغ ما بلغ لأنّه طبّق شريعة ومنهج المسلمين من عدل وحريّة وكرامة، وإحسان وإنفاق، وفضل، ولم يُهدر كرامة إنسانه ويهين أفضل خلقه، لأنّ الله سبحانه وتعالي قال:
" ‫وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ ۚ‬"‬‬
وهذا هو المشير البشير الذي قال لرجال الشرطة: "ولكم في القصاص حياة"، وأراد أن يقتل ثلث أو نصف شعبه، يقبع مهيناً ذليلاً في سجن لأنّه أهان الله بإهانة خليفته، وكلّ ذلك باسم الشريعة الإسلامية.

فإذا كان المجلس العسكري يعني بالشريعة الإسلامية مقاصد الدين العليا مثل العدل وضمان حرّية وكرامة الإنسان، حيث لا ضرر ولا ضرار، فأنا أوّل المستجيبين.

أمّا إذا كان يعني بالشريعة الإسلامية تطبيق العقوبات الحدّية على اللصوص والناس فقراء لا يجدون ما يطعم أطفالهم، فيُقتصُّ من الفقير، أمّا اللص الغني فيُرقّي وزيراً ومديراً ووكيلاً، أو تعنون بها انتهاك حرمات الناس باسم الدين اغتصاباً وتهجُّماً، وسجناً وتعذيباً وقتلاً، أو تقصدون انتشار الفساد المالي والأخلاقي باسم: "هي لله لا للمال ولا للجاه"، فأنا أوّل الرافضين.

ودمتم لأبي سلمي