بسم الله الرحمن الرحيم
منشورات حزب الحكمة:

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

كلِّ تفاوض بين طرفين هو أساساً تبادل لمعاملات تجارية بحساب الربح والخسارة. وسياق التفاوض يفرض شروطاً مُعيّنة ويبدأ بمُطالب ومُساوم، وعليه فصيغة ومجري التفاوض يقوم على أساس هذه الشروط. فمثلاً عندما أذهب لمحل مصوغات ذهبية فأنا أدخله حُرَّاً من غير إكراه واضح لصاحب المحل، ودخولي يوحي بحاجتي لشراء مصوغات معينة، أو أني أبحث عن شيء يناسب زوجتي.

فإذا كانت حاجتي واضحة في ذهني، ومعي من الموارد ما يُحقِّق رغبتي، فالغالب أنّني سأبدأ بالسؤال، أمّا إذا تلكَّعت أو تسكَّعت في أرجاء المحل، وبدت عليَّ مخايل الثراء، فالأغلب أن صاحبه سيسألني.

ويمكن أن ننظر إلى رغبات المتسوِّق والتاجر على أنّها رغبات متنافسة أو متكاملة. فإذا اعتقدت أن صاحب محل المجوهرات يريد أن يستغل حاجتي ليبيع تجارته بأعلى سعر فسأراه غريماً، أمّا إذا رأيته تاجراً أمينا يريد أن يكسب ما يحقِّق له عيشة كريمة من غير أن يظلمه فسأراه صديقاً.

فإذا كان صاحب المتجر حاذقاً فيسعي ليعرف دافعي من الشراء وعليه سيحدّد مساحة المساومة حسب حاجتي وحاجته، وهو ما يُعرف بتقدير القوّة للطرفين، وعليه يُبني قرار المساومة حسب الإحساس بالتحكّم في الموقف. وهذا هو توازن القوي ولذلك يسعي كلّ من الطرفين لتحوُّل ميزان القوّة لصالحه.

دعنا نفترض أنّني أبحث عن عقد ذهبي لزوجتي لحفل عرس، ورغم عدم مقدرتي على شرائه لا أستطيع أن أغضبها، فهذا يوحي بأنّني لستُ حُرَّاً تماماً كما يبدو، وإذا عرف البائع هذه المعلومة فسوف يستخدمها ضدِّي. وكذلك إذا علمت أنَّ التاجر يواجه خسارة تجارته إذا لم يبع بضاعته فلربما أستغِلُّ ذلك وفي الحالتين فإنّ الذي يوجّه سلوكينا هو الأخلاق.

ولنفترض أنّي أعرف أنّ عقداً ذهبياً لزوجتي سُرق ذات ليلة وعرضه محل للمجوهرات، وذهبت وشرحت لصاحبه الأمر ولكنّه طردني، فذهبت للشرطة ولم تنصفني، فاستعنت بأهل الحي وحدثت مواجهة بين التاجر وأهل الحي، فأطلق عليهم التاجر الرصاص بدعوى الدفاع عن النفس، ثمّ استطاع رجلٌ من أهله أن يصرعه، فإنّي سأفرح بهذا الانحياز لجانبي وأنا لا أعلم دوافعه، ولربما أُثني عليه.

والشيء الذي أتوقّعه أن يُعيد لي العقد لأنّه حقّ من حقوقي، وسأغضب إذا رفض أو ساومني على أن تلبسه زوجتي يوماً وزوجته يوماً على أن يظل في بيت زوجته.

فإذا قال لي هذا الرجل إنّما أفعل ذلك لمصلحتي لأنّي لم أستطع أن أحافظ على العقد في المرّة الأولي، لأنّي ضعيف، وهو سيكون في موقع قوّة أعلى ليحافظ عليه وبالتالي فهو يخدمني من حيث لا أعلم، فكبريائي لن تسمح بذلك.

أمّا إذا أدركت لاحقاً أنّه قتل التاجر ليخفي جريمته لأنّه السارق للعقد أو الذي أعانه على سرقته فاستنتاجي لدوافعه ستختلف.

ويمكنني أن أستخدم نفس قوّة أهل الحي فأضغط على المالك الجديد لأستردّ ما ظننته حقّي، وإذا لم يؤدي ذلك لتنازل أيٍّ من الطرفين، فلربما تطوَّع بعض الناس للتحكيم أو الوساطة بيننا. وستعلو أصوات، غير واعية بحقيقة الموقف، أنّ للرجل حقَّاً مُلزماً لأنّه أعانني على استرجاع حقّي، وعليه لربما يقولون لنا: نري من الأفضل أن يعطيك له لمدّة أسبوعين ويحتفظ به لمدّة أسبوع، أو الأفضل أن يحتفظ به في بيته وفي كلّ مرّة تريد زوجتك أن تلبسه فما عليها إلا أن تطلبه، وبعد أن تثبت لهذا الرجل قدرتك على الحفاظ على العقد فسيعيده لك.
بل البعض لربما يري أنّ الرجل أولي به منّي لأنّي لم أحافظ عليه وقد يكون ذلك نتيجة سذاجة في أفضل الأحوال، أو لغرض خفيٍّ مثل مساومته لاقتسام الغنيمة بدعوي أنّي مُغفّل.

في الأغلب أنّ قراري سيقوم على مدي ثقتي في الرجل إذا عرفت حقيقته. وهكذا فقيادة التغيير تعلم من هو اللص، ومن ساعد اللص، ومعها شرعية ثورية وقوّة شعبية، وهي تساوم مساومة التجّار وتطالب مطالبة الضعفاء، وبذلك حكمت على دينامية التفاوض ووقعت في شرك المساومة.

ولذلك يبدو أنّ الرغبة في التحكُّم، وانعدام الثقة هما أساس الاختلاف بين قيادة التغيير والمجلس العسكري، وبين أعضاء قيادة التغيير، وليست الشرعية كما يبدو من تصريحاتهم. فتنافس الشرعية الثورية مع الشرعية الواقعية لهما أنصار من الجانبين، وتحاول الشرعية الثورية أن تُعلى من شأن الأولويات المبدئية مثل الحكم المدني وصياغة الدستور وتحقيق مطالب الثورة، إلا أنّ المجلس العسكري يُعلى من شأن الأولويات الواقعية مثل الحفاظ على الأمن، وحلّ الضائقة المعيشية وما شابه ذلك والتي تقع موقعاً حسناً في نفس المواطن.

ورغم أنّ قيادة التغيير تطالب بتحقيق مبادئ التحوُّل الديموقراطي، والمجلس العسكري يطالب بالسيادة لحفظ الوطن، وهو مبدأ أيضاً، إلا أنّ ميزان القوي في مصلحة المجلس العسكري في هذه اللحظة، وقد فشلت قيادة التغيير في تحويل ميزان القوّة لصالحها، لافتقارها للرؤية المشتركة بين شركائها، وخلطها للأولويات، وسذاجتها السياسية، وفشلها في تطبيق المبادئ الديموقراطية التي تدعو لها، وفشلها في التنسيق بين عضويتها، وجهلها بإدارة الدولة وأسرارها.

والغرض الأساس من الثورة المضادّة، هو كسب عامل الزمن الذي يمكّن للمجلس العسكري التمدّد في مفاصل الدولة التي ما تزال في قبضة سلطة الإنقاذ، وتعطي كوادرها الفرصة ليستردُّوا أنفاسهم، وتهيئ للأحزاب المساحة لتستعيد توازنها وتساوم المجلس العسكري على تقاسم السلطة، أو تُعضِّد من سلطته. الفراغ لا يقبل أن يظل فراغاً. يحدث كلّ هذا والوزارات لا تزال كما هي، والخدمة المدنية كما هي، ولا تنبس قيادة التغيير بكلمة حق؟

والمذهل أنّ قيادة التغيير تجتمع وتنفض، وضجيج بغير طحن، والإعلام الحكومي لنظام الإنقاذ ما يزال مسيطراً على الساحة، وأبواقه تخذِّل الجماهير ولا يفتح الله على أحد من قيادة التغيير بكلمة لتُوقف هذا العبث الإعلامي، أو أن تستلم قنوات الإذاعة والتلفزيون لتوعية الجماهير؟

المجلس السيادي ليس مجلساً تشريفياً رمزيّاً كما يظنّ الناس، وإنّما هو الرأس الذي يحمل الرؤية الكبرى ويوجّه السلطة التنفيذية لتنفيذها. فالسلطة التنفيذية ليست مكان تلقيح الفكر وولادة طفل الرؤية، وإنَّما هي الأذرع التي تحمل وترعي طفل الرؤية حتى يشب، ولذلك فهي تضع الخطط والبرامج لتنفيذ الرؤية. فدور القائد الرؤية ودور التنفيذي الإدارة.

فكيف تطلب من البنّاء أن يرسم لك خارطة المنزل؟ صاحب قطعة الأرض يعطي المهندس المعماري فكرة عن المنزل الذي يريده، وهذا يمثّل الشعب، والمهندس يرسم الخارطة بالتشاور مع صاحب المنزل ويتابع تنفيذ العمل، وهذا يمثّل القائد ذو الرؤية، والبنّاء ينفّذ العمل، وهذا بمثابة الحكومة التنفيذية.

ويستسهل الكثير هذه النقطة ولا يولونها حقّها من الأهميّة، ويظنّون أن تعيين حكومة كفاءات يكفي، وهو ما حدث من قبل حيث كان أعضاء مجلس السيادة يجتمعون في الصباح لشرب القهوة وفي المساء للسمر ثمّ يذهبون لبيوتهم وكأنّهم أدُّوا واجبهم.

فالكفاءة لا بُدَّ أن يسبقها التوصيف الوظيفي للرؤية أو للدور المطلوب حتى نعرف من الأقدر على القيام به. وإذا طلبنا من كلّ وزير أن يأتي برؤيته في مجاله فلربما لا يستطيع أن يفعل ذلك، وفي أحسن الأحوال فإنّه سيأتي برؤية مُجزّأة لحقل واحد وربما لا توائم مجموعة الرؤي الأخرى في الحقول المختلفة. هذا يحتاج إلى تفكير تأملي تكاملي واستراتيجي وهو ما يقيِّض الله للساسة من أهل السودان.

ولنا في تاريخنا منذ الاستقلال خير مثال لفشل الحكومات الديموقراطية أو العسكرية المتعاقبة في تحقيق التنمية المستدامة والنامية التي تُحقِّق السلام، لأنّ كلّ قادتها عازتهم الرؤية الشاملة، ولم تعوزهم الكفاءة في الجهاز التنفيذي إلا في نظام الإنقاذ عندما عمد إلى التعيين المبني على الولاء لا على الكفاءة.

فالرئيس إسماعيل الأزهري، رحمه الله، لم تشمل رؤيته التعمير فكان شعاره: "تحرير لا تعمير"، ومن بعده جاء الرئيس إبراهيم عبود، رحمه الله، وحاول قلب الشعار إلى: "تعمير لا تحرير"، ولكن بغير رؤية سودانية شاملة، فكانت حرب الجنوب شوكة في جانبه. ثمّ جاء الإمام الصادق المهدي وغاب وعاد ولم نسمع له برؤية بعد غير شعارات، فلا هو امتلك القدرات التنفيذية عندما كان رئيساً للوزراء ولا هو ابتدع الرؤية السودانية الشاملة للتنمية المستدامة والنامية.

ثمّ جاء نظام الإنقاذ برؤية عقائدية ضيّقة لأسلمة وتغيير المجتمع لا لتغيير أحوال الناس فكانت كالأعمى يقود أعمى وأوصلنا لما نحن فيه الآن.

والآن نري عراكاً بين قادة التغيير الثوري وقادة العسكر وكلاهما لا يملك رؤية، وينظران أسفل قدميهما، والوطن ينزلق إلى مجاعة وانفراط.

فمن أراد أن يستأثر بالسلطة السيادية، فليطرح لنا رؤيته أو تطرح لنا رؤيتها المتكاملة الشاملة لتحقيق التحرير من ثلاثي الفقر والجهل والمرض، وتعمير أرجاء السودان في المدي القريب والمتوسط والبعيد. ولا يهمّ أن يكون صاحب الرؤية من الشباب أو الأحزاب، قديمها وحديثها، أو أي مواطن سوداني أو مواطنة سودانية ولكن ما يهمّ هو النور الذي يضيء الطريق.

وأوّل تعمير نريده هو لرؤوس أبنائنا وبناتنا بالتفكير التأملي بأنواعه وأهّمها النقدي والتحليلي والاستراتيجي لينتجوا فكراً وعلماً ومهارات. ويجب أيضاً تعمير قلوبهم بالوطنية، وقيم العدالة، والنزاهة والتضحية، والعمل الجماعي والاستقلال الفكري، والشفافية، واحترام الآخرين مع الاحتفاظ بحقِّ الاختلاف معهم. فمن الفكر السليم والقلب السليم تنبت التنمية ويرفرف حمام السلام.

إنّ صاحب الرؤية هو من يقود، أو صاحبة الرؤية هي من تقود، لأنّ بناء الأمّة ليس مساومة لشعوبها، وإنّما العدل بينها في كلّ مجال لتتعاون وتتكاتف، وتنسج ثوباً خُلاسيّاً جديداً من شعوبها يسمّي الأمّة التي تحبُّ وطنها، والذي سيضمّها بين ذراعيه كطفلة جميلة فخرها أنّها سودانية لا غير.

ودمتم لأبي سلمي