بسم الله الرحمن الرحيم
منشورات حزب الحكمة:

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

ما زالت الثورة في بدايتها، ولتحقيق أهدافها المثلي، لتلبية أشواق الملايين من السودانيين، ستأخذ زماناً طويلاً. وعندما نري سوداناً حُرّاً ومعافي ومركزاً للإشعاع الحضاري حينئذ سنقول إنّ الثورة اكتملت.

والشعوب التي تثور على الحكم الشمولي تواجه قضية الدستور وتضعه على قمّة أولويّاتها، والخطوات التي تتّخذها قيادة الثورة تجاه الدستور ترسم مستقبل البلاد، وتحدِّد طريقه، وتقود قافلة الوطن نحو المصير الأفضل أو الأسوأ. فالدستور هو القانون الأعلى للبلاد الذي يكون المرجعية لكلِّ الحقوق للمواطنين.

وحالة السودان تماثل بعض شعوب المنطقة التي انعتقت من إسار حكم شمولي مثل تونس في أشياء، وتختلف عنها في بعض الأشياء. فالسودان ما يزال بغير دستور دائم يحقّق آمال الشعوب ويهديها طريق الرشاد السياسي. والأسباب لفشل النخبة في تحقيق ذلك عديدة ومتفاعلة؛ أهمّها غياب الرؤية الوطنية وضعف الإحساس الوطني بتغليب المصالح الضيقة على مصلحة الوطن.

ولكنّه لم يعدم دستوراً يضع اللبنات الأولي لهيكلة الدولة ومؤسساتها، ويرسم المبادئ الرئيسة للعدالة الاجتماعية ولكن كان الإشكال الأكبر هو الالتزام بالدستور وخرقه بواسطة الحكومات الشمولية. ودستور 2005 خير مثال لذلك.

ولذلك يجب أن نتكلّم عن الإصلاح الدستوري وليس عن كتابة الدستور كأنّ البلاد من غير دستور. وإصلاح الدستور هو الجسر للانتقال لشطّ الديموقراطية، ولذلك فعملية المراجعة والتصميم لا بُدَّ أن تكون شرعية، ولا بُدَّ أن تعالج كلّ مخاوف الشعوب السودانية وتركّز على النقاط الجوهرية.

والدستور ليس وحياً مُنزلاً، ويمكن تعديله أو إلغاؤه تماماً، فهو اجتهاد بشري ليوائم ظروفاً مُعيّنة يمكن أن تتغيّر، فإذا كان وجوده يمثل عائقاً لأداء وظيفته فيجب إصلاحه بتعديله أو إعادة صياغته.

وللدستور شروط يجب تحقيقها ليجعله شرعياً وأوّلها إجابة ثلاثة أسئلة وهي: كيف يكتب الدستور؟ ومتي يكتب؟ ومن الذي يكتبه؟

أمّا الشروط الأساسية الأخرى فهي التفويض الشعبي، والرضا، والتمثيل، والشورى، والموافقة.
وهناك تجارب مختلفة لكتابة الدستور داخلياً وخارجياً. وشرط التفويض الشعبي هو الذي يعطي الشرعية الأولية للتكليف بكتابة الدستور، وهناك تفويض شعبي يتمّ بعد الانتخابات، أو تفويض شعبي بعد الثورة، ولا يضمن أيٍّ من التفويضين شرعية حقيقية حتى يتمّ تمثيل حقيقي لكافّة قطاعات الشعب.

ففي حالة الانتخابات الشمولية يكون المجلس التشريعي أداة طيّعة في يد السلطة التنفيذية كما حدث أيام نظام الإنقاذ. أو قد يكون مكوّناً من أغلبية جاءت عن طريق الطوائف الدينية؛ مثل حال مجلس الشعب أيام الديموقراطية. ويحدث ذلك نتيجة ظروف تاريخية مُعيّنة وأيضاً ضعف الوعي الشعبي، ولذلك فقد قامت الأقليات السياسية بالانقلاب على الديموقراطية للصعوبة التي واجهتها في تمثيل قواعدها وأيديولوجياتها.

ولهذه الأسباب فقد دعا الناس لنظام التمثيل النسبي في المجالس التشريعية وإلى التسامي فوق الولاءات الحزبية في تعيين الجهاز التنفيذي.

وقد يتّفق الناس على أنّ التفويض الشعبي لقادة الثورة شرعي لتكوين المؤسسة التنفيذية والقضائية في الفترة الانتقالية، ولكن تتضعضع هذه الشرعية عند اختيار مجلس تشريعي أثناء الفترة الانتقالية، إذ هل يمكن تسميته بمجلس تشريعي وهو لا يمثل كلّ الطوائف السياسية؛ إذ أنّ اللحظة الثورية تفرض روح الإقصاء لمن مثّل الحكم الشمولي أو من سانده؟

وهذا يطرح تساؤل: هل الأجدر أن يُترك الدستور للحكومة المنتخبة أم يتم أثناء الفترة الانتقالية؟ وهل تُطرح أسماء من يُظنُّ فيهم الكفاءة والوطنية والحكمة لوضع الدستور للمجلس التشريعي المنتخب للموافقة عليهم؟ أم يقوم المجلس التشريعي بتعيين لجان داخلية أو مشتركة لأداء المهمّة؟

إنّ الرضا بحصيلة التجربة يعطي مسودة الدستور الشرعية الثانية، ولا يتمّ شرط الرضا إلا بالتمثيل الصحيح لولايات السودان، وهذا يرفع مجموعة من الأسئلة: كيف يُختار هؤلاء؟ ومن يختارهم؟ وهل يمثلون مصالح ولاياتهم بعيداً عن أحزابهم أو عقائدهم أو طوائفهم؟

وأيضاً تطرح أسئلة أخرى نفسها مثل: هل يُطعَّم الممثلون بكفاءات أخرى قانونية أو لغويّة؟ ومن يختار هذه الكفاءات؟ وما هي المعايير؟ أم هل تُنصح الولايات باختيار من يظنون كفاءته القانونية وحكمته؟ ومن الذين يحقّ لهم اختيار الممثلين؟ وهل إذا كان هناك قرار بإقصاء حزب سياسي أو جماعة عقائدية سيكسب الدستور شرعية؟

وهذا ينقلنا إلى كيفية كتابته وهل يجتمع هؤلاء في مكان واحد أو يجتمعون كمجموعات تمثّل الولايات ليتّفقوا على صيغة مُعيّنة، تضمن حقوق الولاية وحقوق الوطن، ثمّ يجتمعون مع ممثلي الولايات الأخرى لوضع المسودة الأولي لدستور البلاد؟

ونأتي لسؤال متي يُكتب الدستور؟ ففي حالة الاستقلال يُكتب الدستور أوّلاً لأنّه يضع الأسس لهيكلة الدولة ومؤسساتها التشريعية والتنفيذية والقانونية، ويحدّد حقوق المواطن وواجباته. أمّا في حالة الانتقال من حكم شمولي فالأهم هو تحقيق الآلية الشرعية التي تستوفي شروط الرضا والتمثيل والشورى، لتهب الدستور شرعيته حتى يُوضع أمام الشعوب للقول الفصل في الاستفتاء.

وهذا قد يتمّ أثناء الفترة الانتقالية أو بعدها إذ لكلٍّ فوائد ومثالب، لأنّ عملية الانتقال للديموقراطية لن تتوقّف حتى يكتمل الدستور، ولذلك فالأفضل أن تتمّ صياغة الدستور في خطٍّ متوازٍ مع عملية الانتقال الديموقراطي ومع عملية إدارة الدولة لتوفير الخدمات للمواطنين.

فإذا حقّق التمثيل الرضا، إذا كان تمثيلاً للقواعد المدنية والاجتماعية أو للأحزاب السياسية، وعُرض للشورى؛ بحيث يستطيع كل مواطن أن يدلو بدلوه، فإنّ هذا الدستور سيكسب شرعية، حتى وإن لم يمُر على مجلس نيابي مُنتخب.

والسؤال الأخير هو: هل يبني الدستور على الدساتير السابقة أم على تجارب أمم ‬
أخري حديثاً أو قديماً؟‬

أري أنّ التفكير البدائي الانشقاقي هو الذي يسود الساحة هذه الأيام فالأشياء ليست بيضاء أو سوداء، ولسنا أمّة بغير تجارب سياسية أو دساتير، فالأجدى أن يُركّز الناس على تكوين حكومة انتقالية تقوم بالمهام التنفيذية، وتراجع المؤسسة العدلية، لأنّ مهامهما لن تنتظر، ثمّ يصوّبون أبصارهم للمسائل التشريعية والتي لا تمثل إلا الجسر الذي يعبر منه الناس من الشمولية إلى رحاب الديموقراطية. هكذا تكون الأولويات.

أري الأفضل أن يتم إصلاح دستوري لما بين أيدينا من دساتير، ولكن الغَرَضَ لن يترك للموضوعية موقع قدم، إذ أنّ الأحقاد، والأطماع تفرض نفسها، إذ يريد من اكتوي بحكم الإسلاميين أن يضمن عدم تسرّب تجربتهم للسودان مرّة أخرى، ويريد العلمانيون أن يبعدوا الدين عن الدولة، ويريد الشيوعيون أن يطبقوا الاشتراكية وهكذا. ولهذا نري عرض المرض السياسي المُزمن الذي يلبس لبوساً مختلفاً في كلِّ مرّة، ولكنّه يغطّي نفس الجلد، فكلّ أصحاب الأيديولوجيات والمذاهب ديكتاتوريون ويحتكرون الحقيقة.

وكلّ هذه القطاعات تدرك أنَّها أقليات لن تجد فرصة لتحقيق أهدافها في فترة الديموقراطية لانعدام ثقلها الشعبي، ولذلك فهي تريد أن تقتنص هذه الفرصة لتحقيق أهدافها قبل فوات الأوان.
فلا يهم هل يكتب الدستور قبل أو أثناء أو بعد الفترة الانتقالية وإنّما الأهم تحقيق الشروط التي ذكرتها فإن تحقٌّقت فقد كسب الدستور شرعيته.

هذه الثورة هي ثورة جيل معظمه لا انتماءات سياسية أو مذهبية أو طائفية له، وولاؤه الأوحد للوطن ولمستقبل أفضل بعيداً عن الأيديولوجيات، ولذلك سيترك كلّ الماضي، بما فيها أحزاب اليمين واليسار، خلف ظهره.

وليعلم الذين يقودون التغيير أنّ الوطن يجب أن يسع الجميع، وإذا كانت مواعين أنفسهم ضيقة فليوسّعوها أو فليتنحّوا لمن هو أقدر على تطبيب الوطن، فوطن يمشي على قدمين أفضل من وطن أعرج.
ودمتم لأبي سلمي