بسم الله الرحمن الرحيم
منشورات حزب الحكمة:

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

إن الذي يحدث وحدث من قيادة التغيير محض فوضى وعبث. يا سادة ليس هكذا تكون القيادة. فالقيادة حضور واثق، وبصيرة ثاقبة، ورؤية واضحة، وحسم كمشرط الجرّاح.

والقيادة الفعّالة ليست استفراداً بصنع القرار، أو الوثوق الأعمى في قدرات النفس أو تعظيم شأنها، ولكنّها إدارة الاختلاف والتنوّع بما يؤدي لتضافر وتزامن المواهب والمعارف والمهارات والخبرات الوطنية، لتبدع أفضل ما يمكن، وتُحلَِق لتجاور حدود المستحيل. وهذا يعني إدراك النفس لنقاط قصورها، وطرح المسائل الشائكة شورى بين الناس أجمعين، فرُبَّ عالم في مجاله لا يأبه به الناس، أو حكيمة تبزّهم عقلاً وفعلاً.

إنّ العجلة في قضاء الأمور لا تُفضي إلا إلى أداء مُخلخل في مضمونه، وضعيف في قيمته، وبدلاً من خلق حلٍّ فإنّها تُولِّد مشكلة أعصي على الحلِّ من الأولي. فالعرض السيئ للبضاعة الجيدة أو السيئة لا تكسب احترام المشتري ولا ثقته، فما بالك إذا كانت البضاعة لا تُغني ولا تسمن من جوع؟

القيادة يجب أن ترتفع إلى سماء الحق، فهو يعلو ولا يُعلي عليه، وتنظر كالصقر من علٍ لتري كافّة أرجاء النسيج الاجتماعي لجميع شعوب السودان، لأنّ لكلِّ واحدٍ منهم حق في وطنه، ودور سيلعبه، ثمّ تنسل من هذا النسيج أطيبه وأطوله خيوطاً لتنسج منها ثوباً فكريّاً جديداً، مُنفتحاً، فضفاضاً وزاهياً، بعيداً عن القبليات والعصبيات والأيديولوجيات المغلقة والسّامة، لتغطّي به عورات الوطن من فقر وجهل ومرض. وإلا فكيف ستبنون وطناً بنصف بنيه وبناته؟ وكيف تعمِّمون الحكم على الإسلاميين أجمعين وكنتم قد أنكرتم التعميم من قبل عندما وصفوكم بالشيوعيين؟

لا بُدّ من تغيير نمط التفكير البدائي إلى تفكير تأمّلي استراتيجي يجعل ولاءه للوطن فقط، فيدرس احتياجاته، ويشكّل رؤيته، ويضع برامجه وخططه لينهض به من كبوة الأجيال لقمم التنمية المستدامة النامية، ولا يُلقي باله للولاءات الطرفية، والاهتمامات السطحية التي تجاوزها الزمن.

إذا كانت قيادة التغيير صمَّاء لا تسمع النداء، وعمياء لا تري إلا ما تُحب، وتُصرُّ على تنفيذ أهدافها في فجوة الانتقال من شمولية إلى ديموقراطية، فما اختلافها عن النظام الذي اقتلعته الثورة؟

لا ضير أن تُبعد قيادة التغيير من ثبت تسبّبهم في دمار الوطن من المسئولين، وتحاسبهم في محاكم القانون، والأدلة والوثائق ملء أيديهم، ولكن ما هي فاعلة بأبنائهم الذين خرجوا وبناتهنَّ اللاتي خرجن في أوّل صفوف الثوار ضدّ آبائهم وأمهاتهنّ؟

أليسوا هم وهنّّ أكثر شجاعة وطُهراً؟ وأثبت مبدأً من بقيّة الثائرين؟ وهم يلفظون النعيم ويضحّون من أجل المبادئ فقط، لا من أجل وظيفة أو وضع اجتماعي، بل من أجل وطن يسع الجميع؟ فأين صوتهم وصوتهنَّ الآن في حمي المعركة؟ إنّ سبِّ أهلهم والتشهير بهم لا يضرُّ الأهل ويؤذي الأبناء والبنات، وسيشقُّ الصفّ بتغريبهم، وسيضرب مثلاً للنفاق السياسي الذي يفعل غير ما يقول.

الإقصاء لا يبني وطناً، والاستحواذ على السلطة لا ينتج ديموقراطية، والانتقام لا يصنع مجتمعاً مُعافي، ولكن التقريب والتسديد وإرجاع الحقوق، والاعتراف المُعلن بالخطأ والتكفير عنه، وتطبيب الجروح، وتعويض المتضرّرين هي الخطوات التي يجب أن تشغل بال قيادة التغيير.

ولماذا هذه السرّية في المفاوضات أو الرؤي المطروحة وهي تتحدّث باسم الجميع؟ ولماذا غياب النقاش المفتوح؟ أليس من حقّنا جميعاً أن نراها ونُدلي فيها برأينا؟ هذه هي الديكتاتورية في أسمي تجلّياتها، وإنّ سمّيتها ضرورات ثورية أو ما شابه.

بل هذه حسابات سياسية بدائية، تنعدم فيها المرونة العقلية، وتظهر فيها المنافسة بين الأطراف بكلّ تجلّياتها، وتتّخذ من لعبة الخسارة والربح لأطراف النزاع من عسكريين ومدنيين، أولوية كبري على أولويات الوطن العظمي المُلحّة.

هذا الوطن ليس ضيعة للبعض يفعل فيه وبه ما يشاء، وهذه الشعوب ليست عبيداً لأحد، ولن يمثلها إلا من تختاره بتفويض واضح منها، مهما كان دورها أو دوره في تحرير الوطن، فذلك مَثَلُهُ كمثل الذي ينقذ والديه من يد عصابة باغية ثمّ يطلب الثمن. إن الثمن هو الوطن الحُر.

ودمتم لأبي سلمي