بسم الله الرحمن الرحيم

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

بإذن الله سبحانه وتعالى وبعد الصلاة والسلام على خير المرسلين أنوي أن أتأمّل وأتدبّر معكم بعض مسائل الفكر التى شغلتنى ردحاً من الزمان عن حال بلادنا وفهمه.
ولا يفوتكم فهى بلاد بها من الغرائب والعجائب ما تتميّز به عن دون أقطار العالمين فى زماننا الحاضر، ولا أجد لها مثيلاً فى زمانٍ سابق ولعلّ ذلك مردّه جهلى بأحوال العالم، ماضيه وحاضره، أو أنّ خصائص هذه البلاد فريدة ممّا يجعل مسألة الفهم عصيّة لا توفّرها التفسيرات التاريخية ولا الطبقية ولا الاقتصادية.

ولعلّه أيضاً اختلاف تعريف البلاد التى نتحدّث عنها والشعوب التى تقطنها، فهى كثيرة ذات عادات مختلفة، وتاريخ خاص، وجغرافيا وثقافة متنوّعة. وكنت فى وقت سابق، عندما حاولت البحث فى طبع الشعب السوداني، وجدت صعوبة فى تعريف الشعب السوداني أو الشخصية السودانية ووجدتنني أعزف عن البحث، بعد أن تبيّن لي، أنّه حتى ما يسمّى بسودان الوسط، لا يمكن تعميم المعايير عليه وبذا قلّت مصداقيّة البحث.

وبدا لى أنّ القاسم المشترك بينها هو الإنسان، وهو بطبعه، توحّده، أينما حلّ، قدرته على التفكير والشعور والتعبير والابداع، سعياً وراء البقاء والارتقاء وأيضاً كره الظلم لنفسه. والمولى عزّ وجلّ عندما أخبرنا بمصدرنا أكّد على أربع حقائق: أولاهما أنّه خلقنا من ذكر وأنثى وهى نفسٌ واحدةٌ خلق منها زوجها، ممّا يدلّ على تكامل النفس وليس التنافر والاختلاف، وثانيهما أنّه جعل منهما شعوباً وقبائل، وثالثهما الحكمة وهى التعارف لا التناحر، والتكافل لا الفرقة، والتكامل لا التجزئة مبيّناً عدم دونية خلق لخلق إذ الكل مخلوق من جزء والجزء لا يتبعّض، وفى هذا عين الحكمة، إذ أنّ الحكمة لم تُـقسم لشعبٍ دون آخر ولكن، لأنّها خير الرزق :
)‫يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ‬(‬‬
فقد فرّقها المولى عزّ وجل على كافّة خلقه، وما كان ليرث جُلَّ علم آدم عليه السلام شعب دون آخر، وخير التراث هو العلم، كما قال حسن البصري رضى الله عنه، ولذلك فقد نبّه المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، فقال: (الكلمة الحكمة ضالّة المؤمن أينما وجدها فهو أحقّ بها). وختمها بالمساواة أمامه وبيان الفضل بين الناس وهي التّقوى.

وقد قدّم المولى عزّ وجل ذكر الشعوب على القبائل وفى هذا تفضيل وأيضاً فيه حقيقة. فليست هناك قبيلة متجانسة وإن ظنّت غير ذلك، والمثل الشعبي يؤكّد ذلك: (أنا وأخي على ابن عمّى وأنا وابن عمّى على الغريب) فكلّ قبيلة لها بطون وأفخاذ وفصائل وبيوت يفخر بعضها دون بعض، ولكنّ التقديم أيضاً ينير فكرنا بحقيقة الوعي الجمعى للشعوب فكأنّها، خاصّة عند الملمات، تلك النّفس الواحدة التى خلقت منها بانفعالها وسبل تفكيرها وتفاعلها مع الأحداث.

وإذا نظرنا إلى أنّ الجنة هى دار تنعدم فيها المشاكل، لأنّ تعريف المشكلة هو ظهور النزاع بين الملكات المختلفة أو بين الناس للفشل في إيفاء حاجة مفقودة للإنسان، ولذا فهي دار سعادة:
‫"فَقُلْنا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى"، وسبَّب ذلك بقوله:‬‬
" ‫وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُاْ فِيهَا وَلَا تَضْحَى‬ "إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى، ‬‬‬
. بينما هذه الدار هي دار شقاء فذلك يعنى أنّ ديدنها المشاكل والحلول فيها استثناء. أىّ أنّ الإنسان، كما يقول سارتر: (فى حالة ورطة وجوديّة أو مأزق) عليه أن يسعى ليجد حلاً لها أو له.

وبما أنّنى أنفقت من عمري سنيناً فى استكشاف مجاهل النّفس، فلا سبرت غورها ولا دانت لى أرضها، ولكنّى أقلّ جهلاً بها دون غيرها وغيري، وجدتني أفكّر فى الحالة السودانية من مداخلها بشعبها المختلفة، ولا أقول شعابها فلست من أهل مكّة النّفس، وهي مدخل أنواع التفكير وأنواع الذكاء وأنواع السلوك وأنواع الأنفس وأنواع الحياة وأنواع المهارات. وسأبدأ فى هذا البحث إن شاء الله، بأنواع التفكير وقد نشرت قبله عن أنواع الذكاء.

وهذه المفاهيم ليست حصرية ولكنَّها متفاعلة متكاملة ذات وظائف مُعيَّنة تقوم على تراتبية منظمة فالخلل في واحد فيها ينعكس على شأن الإنسان كله مثل أن يصاب المرء بمرض السكر عندما يقل أو ينعدم هرمون الإنسيولين فيؤدي إلى مشاكل صحية عديدة منها الجسدية والنفسية والاجتماعية والروحية.

والتفكير فى تعريفه البسيط هو استخدام الفكر بواسطة اللغة من أجل الفهم والتواصل والابتكار لحل معضلة الحياة. فالفكر أداته اللغة التى يستخدمها فى عملية التفكّر فيكون نتاجها الأفكار. وللتفكير تقسيمات كثيرة بعضها يقاطع الآخر أفقـيّاً أو رأسيّاً. وأبدأ بتقسيم بسيط للتفكير وهو التفكير الصّلب (لفقدانه المرونة الفكرية) أو العيني أو المحدّد الذي يعتمد على العالم المادي الظاهر والحقائق الملموسة أما نوع التفكير الثاني فهو التفكير التجريدي وهو القدرة على التفكير في الأشياء والمبادئ والأفكار غير الموجودة فعليًا وترتبط بالتفكير الرمزي ولذلك يقال: إن اللبيب بالإشارة يفهم.

فالمفكرون والفلاسفة يستخدمون التفكير التجريدي والرمزي ويفضلونه ولذلك ينتجون فكراً لا أعمال مادية ظاهرة للعيان ولكن العسكر يفضلون التفكير الحرفي أو الصلب ولذلك يقولون البيان بالعمل. بل العسكر يضعون قيمة أعلي للتفكير الصلب والحرفي ويتهمون أصحاب التفكير التجريدي بالسفسطة وضياع الوقت فتغلب على أساليب التدريب العسكري طمس القدرة على التفكير التجريدي، وهو يرتبط بالاستقلال الفكري، وزرع قيم الطاعة العمياء التي تتنافي مع التفكير بكلِّ أنواعه ما عدا التفكير الانفعالي.

ومن أمثلة الذين يفضلون التفكير الحرفي أو الصلب الفنانين الذين يرسمون المناظر الطبيعية أو صور الناس كم هي وهم ما يسمي بالتقليديين أما الفنانين التشكيليين فيفضلون التفكير التجريدي والرمزي وينطبق نفس هذا الوصف على الشعراء.

والإنسان لا يستطيع أن يستخدم التفكير التجريدي قبل سنّ السابعة، وهذا التفكير هو القدرة على استنباط المعانى من المعنى المباشر كأن تقول: "إذا كان بيتك من زجاج فلا ترمى الآخرين بالحجارة”، والمعنى المقصود هو إذا كانت لك عيوب فلا تتحدّث بعيوب الآخرين فإنّهم سوف يظهرون عيوبك أو كما قال الإمام الشافعى رضى الله عنه:
"لسانك لا تذكر به عورة امرئٍ فكلّك عورات وللناس ألسن".
أمّا إذا سألت طفلاً أو مريضاً بالذهان، وهو مرض عقلي، سيقول لك إنّ المعنى هو أن تتجنّب أن ترمى الآخرين بالحجارة لأنّهم سوف يرمون بيتك بها ويكسرون زجاجه.
وقد أجرى عالم سويسرى اسمه (بياجيه) دراسات على الأطفال فى منتصف القرن الماضي، استخلص منها أنّ الأطفال لا يمكنهم استخدام التفكير التجريبي حتّى سنّ السابعة ولذلك فقد كان الأطفال يبدأون المدارس فى سنّ السابعة من العمر.
ولمّا بدأ النّاس يدخلون أبناءهم المدارس فى سنّ الخامسة أُجرى بحث استنتج أنّ الأطفال الذين يدخلون المدرسة فى سنّ السابعة تقدّموا على زملائهم السابقين بعد عامين فقط ممّا يثبت أهميّة التفكير التجريدي.

والسبب هو عدم نضوج الفص الأمامي للمخ وتوصيلاته العصبيّة حتى بلوغ سنّ السابعة. وبعد الثورة التعليمية والالكترونيّة الحاليّة، على أغلب الظّن، لا بدّ أنّها أثّرت فى نمو المخ، فأنا ألحظ فى أطفالى وأطفال الآخرين استخداماً مبكّراً للتفكير التجريبي، فهم يضحكون فى البرامج الفكاهيّة التى تعتمد على المفارقة الذكيّة أو اللغويّة، بينما الأطفال عامة يفهمون الدراما والفكاهة العملية، لأنّها تعتمد على التفكير الصّلب والمعنى المباشر، ولذا فبرامج مثل (توم آند جيرى) و (بِنْكْ بانثر) تجد شعبيّة عالميّة عند الأطفال.

وأظنّ أنّه قد حان مراجعة استنتاجات (بياجيه). ولا زلت أذكر شغف السودانيين فى الخليج فى بواكر الثمانينات ببرنامج (بِنْكْ بانْثَر) كمرحلة انتقالية بين بدائية برامج الأطفال فى طفولتهم وبعض الفكاهة العملية والتجريد البسيط.

الشعوب فى مراحل نموَّها لا تختلف كثيراً عن الأطفال. وعلى قدر علمها وتعليمها وحضارتها واحتكاكها بغيرها من الشعوب والثقافات وتعقيد نظام حياتها، تنمو قدراتها التفكيريّة. وإذا تتـبّعنا نمو الحس الفكاهى لأهل السودان نجد أنّهم، مقارنة بالمصريين وأهل الشام، كانوا أقلّ درجة حتى أنّ هناك النّكتة الشائعة التى تقول أنّ مصريّاً سأل أخاه العائد من السودان عن الأحوال فقال له لقد بدأ السودانيون التنكيت على حالهم فقال السائل: "يبقوا جاعوا أولاد الإيه ".

فنحن كـنّا وما زلنا تستهوينا الفكاهة العملية، وإن انتقلنا من بدائية الفاضل سعيد وأبو قبورة وتور الجر، ومع ذلك نجد الكثير من النّاس لا يزالون يجدون متعة عالية فيها، ومع بروز الفرق الفكاهيّة الجديدة نجد أنّ النكتة أخذت طابع التجريد، ولكنّه تجريد بسيط كاستخدام المفارقة اللغوية أو الموقفيّة عند قبائل السودان المختلفة، فمثلاً نكتة أدروب الذى غشّه التجّار فى الخرطوم بإعطائه شيكاً كاشفاً، وعندما علم أنّ زوجته وضعت ولداً وأرادت أن تسميه (أوشيك) وهى بمعنى (الشيخ) قال لها: (تانى مافى أوشيك.. أوكاش بس).

وقد بدأ التجريد المركّب فى النّكات السياسية ونكات "المساطيل" وهي عند الخاصّة دون العامّة وعند الشباب دون الشيّب في الشبكة العنكبوتية دليل التواصل الحداثي. ولا يزال غالبية النّاس يدمنون مسلسلات الدراما وهي تعتمد في غالبها على التفكير الخط المستقيم؛ أي واحد زائد واحد يساوي اثنين، وفيه بعض التفكير التجريدي.
وسنواصل إن أذن الله سبحانه وتعالي

ودمتم لأبي سلمي.