بسم الله الرحمن الرحيم

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


"أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ؟"

"قُلْ إِنَّمَآ أُنذِرُكُم باْلْوَحْيِ وَلاَ يَسْمَعُ اْلصُّمُّ اْلدُّعَآءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ". صدق الله العظيم

للذكاء الاجتماعي ثلاثة معايير وهي:
فهم المواقف الاجتماعية، وفهم العلاقات، ومعرفة ما يلزم فعله في موقف معيّن. وقد ظهر جليَّاً للناس غباء الإنقاذ الاجتماعي في تعاملها مع الاحتجاجات الأخيرة ممَّا أدَّي لأن تزيد وتيرتها، ويعلو سقف مطالبها وتصير ثورة تكتسح البلاد، وهم في تعاملهم معها يُظهرون غباءً متراكباً مثل الغباء العاطفي في قسوتهم مع بنات وأبناء الوطن، والغباء الأخلاقي في كذبهم وتغيير خطابهم بما يروقهم ابتداءً بوصفهم للشباب بالمندسين والخونة والعملاء إلى شباب لهم حق التعبير عن مطالبهم التي كفلها الدستور والقانون، وأيضاً تحرشهم بالفتيات وتعذيب المعتقلين. وهؤلاء صدق فيهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"قومٌ معهم سِياطٌ مِثْلُ أذنابِ البقَرِ يضرِبونَ بها النّاسَ لا يدخُلونَ الجنَّةَ ولا يجِدونَ ريحَها وإنَّ ريحَها لَتُوجَدُ مِن مسيرةِ كذا وكذا".

فالذكاء الأخلاقي يُعرَّف بأنَّه: "الوُسع أو القدرة على فهم الفرق بين الصواب والخطأ والتصرف بناء على قيمة الصواب أو ما يُعتقد أنَّه صواب".

ونحن نري فوضي عارمة في المعايير الأخلاقية حيث ذاب الفارق في ذهن أهل الإنقاذ بين الصواب والخطأ أي لا خطوط حمراء بينهما لا يقطعونها مهما حصل وهذه الخطوط الحمراء هي معايير إنسانية شاملة لكلِّ البشر أينما كانوا أو بعضها يختص بثقافة دون أخري مثل ثقافة التسامح والرجولة والرفق بالنساء في المجتمع السوداني. وهو ما يدلُّ أيضاً على انعدام الذكاء الثقافي وهو القدرة على فهم وتقدير أفكار وسلوك الآخرين والتفاعل معهم حتى تثري حياتك لأنَّ في مزج الاختلاف حياة وتكاثر وفي غيرها عقم. أفلا تري كيف أنَّ علاقة الرجل والمرأة وهي علاقة تكافل بين مختلفين حيوياً ونفسيَاً ينتج منها استمرارية معجزة الحياة؟ فهما في القيمة سواء وفي الدور والوظيفة يكمّلان بعضهما البعض. والذكاء الثقافي مرحلة بعد استكمال الذكاء العاطفي فإذا كان الذكاء العاطفي يجعلك إنساناً فالذكاء الثقافي يجعلك إنسانيَّاً وقد كان الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه مثالاً للذكاء الثقافي فقال:
"الناس صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق".

لو كان هناك ذكاء ثقافي لدي حُكَّام السودان لتلاقحت الثقافات وأنتجت ثراءً ورُقيَّاً وحضارة ولكنَّهم ابتلوا بالعمي الثقافي فحاولوا أن يضيِّقوا واسعاً في هوية واحدة فضيّعوا بذلك المواهب وتكاتفها فأهدروا مورد الإبداع. وجاءت الإنقاذ تحمل أيديلوجية عمياء لا تري ثقافة ولا تعترف بها فحاولت تغيير المجتمع حسب فكرة بكماء لا يفقهون معناها ولا يسمعون صوتها يكرِّرونها كالببغاء ولم تكتف بتضييق واسع الوطن ولكن صار الوطن ما يجب أن يكون لا ما هو كائن فأمكنوا جماعتهم ما شاء لهم الهوى وجعلوه ضيعة بينهم يتقاسمون خيراتها.

وقد ذكرنا العلاقة العكسية الطبيعية بين الذكاء الأخلاقي والذكاء الاجتماعي وهو الاختلاف بين مكنون الباطن وسلوك الظاهر فإذا اختلف الظاهر عن الباطن سُمّي بالنفاق ولأن المنافق أكثر المخلوقات قاطبة ضرراً لذلك كان مكانهم في أسفل جهنَّم تحت الشياطين:
" ‫إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ‬"، وذلك لغبائهم الأخلاقي إذ أنَّهم كذَّابون مخادعون:‬‬‬
" ‫إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّه"َ. ‬‬‬‬

فمثلاً إذا قابلت أحداً تكرهه ولكنَّك تخشاه فإن أظهرت له المودَّة فقد استخدمت ذكاءك الاجتماعي ولكنَّك نقصت ذكاءك الأخلاقي وفي هذا شرح لحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم:
" الْمُؤْمِنُ القَوِيُّ، خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلى اللهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وفي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ علَى ما يَنْفَعُكَ". ولذلك أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر ففي هذا الموقف يرتفع الذكاء الأخلاقي إلى قمتَّه وأيضاً الذكاء الاجتماعي لأنَّ السيرة الحسنة تلحق بهذا لإنسان إلى يوم القيامة، وجزاؤه على فعله دائم فهو قد غلَّب منفعة دائمة على منفعة زائلة فهو إلى زوال حتى وإن عاش ألف سنة. ولذلك يوصف الشخص الذي يقاتل في سبيل كرامته بالشجاع والذي يرضي بالهوان بالجبان.

ولأنَّ دين الإسلام دين واقعي ولا يكلِّف شخصاً فوق وُسعه فلذلك أعطي الناس ثلاثة استجابات عند رؤية المنكر ليس بعدها ذكاء أخلاقي وهو إزالته باليد أو باللسان أو بالقلب والضعف للذكاء الأخلاقي يزيد مع وينقص حسب الاختيار. وهو تصديق قول الرسول صلى الله عليه وسلم:
" من رأى منكم منكرًا فليغيرْه بيدِه، فإن لم يستطعْ فبلسانِه، فإن لم يستطعْ فبقلبِه، وليس وراءَ ذلك من الإيمانِ مثقالُ ذرةٍ".

وللدين وظائف عديدة منها إعانة الإنسان على الترقِّي على سلَّم الإنسانية ولا يتمُّ ذلك إلا بالتضحية، وذلك يعني محاربة الأنانية الذاتية بالاهتمام بحاجات وأحاسيس وحقوق الآخرين وهو ما يعرف بالفعل أو القول النبيل والذي لا يملك ذكاءً أخلاقياً أو روحياً لا يستطيع العمل النبيل حتى وإن ادَّعي غير ذلك:
" أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاْتَّبَعُواْ أَهْوَاءَهُمْ؟

ولذلك فالذي يظهر بمظهر الدين وإحساسه متبلِّد فيعوزه الذكاء العاطفي، وإذا ساء سلوكه فيعوذه الذكاء الأخلاقي ولذلك فهو فاسد ومفسد مهما كان حلو اللسان وجميل المظهر لأنَّ ذكاءه الروحي، وهو أرقي أنواع الذكاء وسيدها، منعدم فهو ضال مضل مهما ادَّعي من علم أو تقوي، لأنَّ مصلحته ذاتية مفرطة ولا مكان في قلبه لشخص آخر غير نفسه، وسيضحِّي بالكون ومن عليه لينقذ نفسه.

ووظائف الذكاء الروحي هي تنشيط الصفات والقدرات للنفس الأصيلة في شكل حكمة وعطف ونزاهة وفرح ومحبة وعدالة وإبداع وسلام والمقدرة على تطوير معني للحياة ورؤية وقيمة.

وفي هذا الحديث الشريف:
" مَن أصبَح وهَمُّه الدُّنيا فليس مِن اللهِ في شيءٍ، ومَن لَمْ يهتَمَّ بالمُسلِمينَ فليس منهم، ومَن أعطى الذُّلَّ مِن نَفْسِه طائعًا غيرَ مُكرَهٍ فليس منّا"، ربطٌ بين الذكاء الروحي والذكاء الأخلاقي والذكاء الاجتماعي، فالذي يجعل همَّه الحياة الدنيا لا يستحضر الله سبحانه وتعالي في قلبه ولذلك فهو بغير نور، لأنَّ الله نور السماوات والأرض، والإيمان مكانه القلب لأنَّه زينته، ولذلك فلا ذكاء روحي له حتى وإن ظهر للناس وكأنَّه شيخ الإسلام باستخدام الذكاء الاجتماعي ليغشَّ الناس أو يحقق شهوة في الحياة الدنيا وهو من أوّل من يكب في نار جهنم:
" فأوَّلُ مَن يُدعى به رجلٌ جمَعَ القرآنَ ورجلٌ قُتِلَ في سبيلِ اللهِ ورجلٌ كَثيرُ المالِ، فيقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ لِلقارِئِ: ألَمْ أُعلِّمْكَ ما أَنزَلْتُ على رَسولي؟ قال: بلى يا رَبِّ، قال: فما عَمِلْتَ فيما عَلِمْتَ؟ قال: كنتُ أقومُ به آناءَ اللَّيلِ وآناءَ النَّهارِ، فيقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ له: كَذَبْتَ، وتقولُ له الملائِكةُ: كَذَبْتَ، ويقولُ اللهُ تبارَكَ وتعالى: بل أَردْتَ أنْ يقالَ فلانٌ قارِئٌ، وقد قيلَ ذلك! أولئكَ الثَّلاثةُ أوَّلُ خَلْقِ اللهِ تُسَعَّرُ بهمُ النّارُ يومَ القيامةِ."

أما الذي لا يهتم بأمر المسلمين فيعوزه الذكاء العاطفي لأنَّ الذكاء العاطفي هو ما يجعل الإنسان إنساناً ولذلك فهو قاسٍ طاغوتي يفعل ما لا تفعله الحيوانات وفيه يقول ﷺ:
"من حمل علينا السلاح فليس منا"، أي ليس من طينة البشر مثلما قال سبحانه وتعالي:
" أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ۚ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا".
ولذلك لا بصيرة لهم:
" إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ".
أمَّا الذي يعطي الذل من نفسه طائعاً غير مكره فليس من المسلمين لأنَّ ذكاءه الأخلاقي منعدم وهو غشَّاش وفي ذلك تصديق قوله ﷺ: "ومَن غَشَّنا فليسَ مِنّا"، وقوله ﷺ:
"وإنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إلى الفُجُورِ، وإنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إلى النَّارِ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذّابًا"، ولذلك يؤكِّد على تمام ذكائه الاجتماعي، والعاطفي والأخلاقي في قول:
" لا تجِدوني بخيلًا ولا جبانًا ولا كذَّابًا". وليس من الإمكان التوفيق بين الذكاء الاجتماعي والعاطفي والأخلاقي إلا بالذكاء الروحي فهو كالشمس والبقية الكواكب فالكوكب قد يبدو للعيان مضيئاً ولكنَّه قد يكون في حالة فناء منذ ملايين السنين وما تراه خدعة بصرية.

ونري قيمة الذكاء الروحي وابنه الشرعي الذكاء الأخلاقي في هذا الحديث:
" قيل لرسولِ اللهِ ﷺ: أيكونُ المؤمِنُ جَبانًا؟ قال: نَعَمْ، فقيل: أيكونُ المؤمِنُ بَخيلًا؟ قال: نَعَمْ، فقيل له: أيكونُ المؤمِنُ كَذَّابًا؟ قال: لا".
فهو قد يكون ضعيفاً في ذكائه الاجتماعي فيبدو جباناً يضحك أو يسخر منه الناس أو ضعيفاً في ذكائه العاطفي فيبخل على الناس ولكنَّه لا يمكن أن يكون ضعيف الذكاء الأخلاقي لأنَّ أهمّ ميثاق بين الناس هو الثقة وبانعدامها تنعدم الحياة. دعنا نضرب مثلاً؛ إذا كنت تشكّ في كلِّ أحدٍ فلا يمكنك أن تأكل أو تشرب أو تخرج لأنَّك تتوقَّع ضرراً فقد تظن أنَّ أحداً يريد أن يسمّمك أو أحداً سينقضُّ عليك ويقتلك إذا خرجت وهكذا. فليس هناك قيمة لوعد شخص لا يُثق بوعده إن اثبتت الأيام كذبه. وهو لذلك مجرم وظالم لأنَّه يفتري على الله كذباً:
" وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ۗ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ"، وفي آية أخري:
" فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ۗ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ"
وهذا الافتراء جاء نتيجة الكذب على النفس:
" انظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ ۚ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ"، وحدث لهم ذلك بسبب تزيين العمل السوء:
" أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اْللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ". وهذا لا يحدث إلا في الحالة الفرعونية عندما ينعدم الذكاء الروحي تماماً ولا يؤدّي فعله إلا للخسران في الدارين:
" وَكَـذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ اْلسَّبِيلِ وَمَا كَـيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبَابٍ". ومثل هذا الإنسان لا بصيرة له، أي لا ذكاء روحي له، وهو يعاني من الصمم النفسي ولذلك فقلبه أكثر صلابة من الصخر؛ أي لا ذكاء عاطفي له، ونتيجة ذلك فهو يبرّر عمله بالكذب مراراً وتكراراً حتى على الملائكة أو على ربّه مباشرة، أي لا ذكاء أخلاقي له، فتأمل قول المولي عزَّ وجل يصفهم في ثلاثة مواقف أوَّلها في الحياة الدنيا:
"وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ۖ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ۚ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا، وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ ۖ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ". وهذه إحدى سنن الله فيهم فهم يهلكون أنفسهم من حيث يريدون نجاتها فتؤدِّي بهم أعمالهم إلى الهلاك والناس تستعجب من غبائهم ويقولون في مثلهم:
"الميتة التي لا تسمع الصائحة".

أمَّا الموقف الثاني فهو لحظة مفارقة الحياة الدنيا عند الموت فهم يكذبون على الملائكة:
" اْلَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ اْلْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُاْ اْلسَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلَى إِنَّ اْللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ".
فهم يستعصمون بالباطل رجاء أن ينجوا من العذاب فيكذبون ويظنون أنَّهم أذكياء والآخرين أغبياء.
أمَّا المشهد الثالث فيوم القيامة عند الحساب وعندها يكذبون مرَّة أخري لينجو من عذاب الله ومن جرأتهم يحلفون لله باسمه وهو أعلم بهم فيقولون:
" ثمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ". ومثل هذا الشخص مشرك شركاً خفيَّاً إن لم يظهر شركه الظاهر فإذا ملك مثل هذا الشخص الجرأة على الله سبحانه وتعالي يوم المشهد العظيم الذي فيه يقول المولي عزَّ وجلَّ:
" يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ".
ثمَّ عندما يدركون مصيرهم المُقتم يكذبون مرَّة أخري وفي هذا توضيح أنَّ الذي يعتاد الكذب طاغوتي لا يمكن أن يتغيَّر طبعه مهما وعد أو أراد فهو سيعيد فعله مراراً وتكراراً لا يتعلَّم من أخطائه لأنَّه يظنُّ أنَّه الوحيد المُصيب وغيره مخطئ:

" وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ،
بلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ۖ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ".
ولكن لماذا لا يستطيع مثل هذا الإنسان أن يتجاوز الواقع ويأتي بحلٍّ يخرجه من ظلمات جهله؟ وأي نوع من الذكاء يحتاجه مثل هذا الشخص؟

كما قلنا فإنَّ افتقار مثل هذا الشخص لكلِّ أنواع الذكاء السابقة يشمل ذكاءً آخر هو الطريق للخروج من المآزق وحلِّ المشاكل وتحقيق التطور وهو الذكاء الإبداعي وتعريفه المقدرة لتجاوز الراهن وخلق أفكار جديدة ومثيرة للإعجاب. لا غرو أنَّ خطاب المشير البشير كان مُحبطاً لفقره الفكري والإبداعي وهو ما دلّ على غباء مُركَّب يشمل العاطفي، والأخلاقي، والاجتماعي، والثقافي، والإبداعي وأخيراً الروحي ففاقد الشيء لا يعطيه.
ولكن هذا لا ينطبق على المشير البشير فقط ولكنَّه ينطبق على كلّ الطغاة الظاهرين والمستترين في نظام الإنقاذ أو معارضيها فهم سواء وإن كانوا يختلفون اختلاف درجة في أنواع ذكائهم. ودليل ذلك الفقر الفكري الذي ظلّ يرافق السياسة السودانية منذ نشأتها فلا يوجد حزب واحد له رؤية واضحة أو برامج معروفة أو خطط مدروسة وإنما شعارات لا غير.

ولعلّ في هذه المقالات إجابة على سؤال شيخي الراحل الطيب صالح طيَّب الله ثراه:
"من أين أتي هؤلاء؟
ففي كلٍّ منَّا طاغية يجب أن نكون له بالمرصاد بالعمل على تزكية نفوسنا وتقوية أنواع ذكائنا بالثورة على جهلنا وعلى طغياننا وطغيان الآخرين:
" ‫كَلَّآ إِنَّ اْلْإِنسانَ لَيَطْغَى‬".‬‬‬
فكلّ من يحارب الطغيان من جند الله " وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ اْلْغَالِبُونَ"، وستنقص إن شاء الله أطراف أرض الجبارة الطغاة ويورثها لعباده الصالحين فالثورة في انتشار والطغيان في اندحار.
“‫وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ‬”.‬‬‬

وأخيراً يقول المولي عزَّ وجلَّ:
"قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً". أي يعمل على مذهبه الذي يوافق نيته وشكله وفعله وقوله.

ودمتم لأبي سلمي