بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

النوع الثالث من الذكاء هو الذكاء الأخلاقي، ولا يجتمع الطغيان والأخلاق مهما ادَّ عي الطاغية فطغيانه دليل على عدم أخلاقه، ولذلك لا يري في نهجه ورأيه أي خطأ بل يراهما برهان على الطريق الصحيح الوحيد: " ‫قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ"، وتؤكد هذه الآية: " ‫إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ"، أنَّ الطاغية مسرف في إجرامه وكذَّاب ممَّا يعني أنَّه لا أخلاق له وعليه فالذي لا أخلاق له لا يمكن أن يهدي قومه سبيل الرشاد لأنَّ الله أعماه عنه وحرمه الهداية." وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى"‬‬. ‬‬‬‬‬‬‬‬

والذكاء الأخلاقي هو الذي يتأثَّر بالمغريات وقيمة الإنسان، مهما علا شأنه، يرتبط بهذا النوع من الذكاء. فعندما يتكلَّم الناس عن الفساد والظلم فهم يتحدَّثون عن ضعف أو انعدام الذكاء الأخلاقي ولذلك فهو المعيار الذي يرفع ويضع الإنسان ويصلح أو يفسد شأنه. والإنسان الذي يستثمر في ذكائه الأخلاقي يشتهر بذلك ولا يتأرجح موقفه مع تغير سياق الأحداث ولذلك فالمصطفي صلى الله عليه وسلم اشتهر بهذا النوع من الذكاء فقد كان اسمه الأمين قبل الرسالة، بينما المشير عمر البشير، كما اشتهر عنه، كان اسمه "الكذاب" قبل الرئاسة.

وعندما عرضت قريش على المصطفي صلى الله عليه وسلَّم كلّ مغريات الدنيا من مال وسيادة وملك لم يتزحزح موقفه قيد أنملة وقال قولته المشهورة:
" يا عمَّاهُ، واللهِ لَو وَضعوا الشَّمسَ في يميني والقمرَ في شمالِي علَى أن أتركَ هذا الأمرَ حتَّى يُظهرَه اللهُ أو أهلِكَ فيه ما تركتُهُ". وذلك لأنَّه أمين على الرسالة فلم يظلم ربَّه ولا نفسه ولا غيره وقد كان ذلك هو التطبيق العملي لشعار: "هي لله لا للمال ولا للجاه"، وقد عانى ما عاني نتيجة تمسكه بمبادئه وكان أكثر دليل على إخلاصه هو استمرار وضعه المادي حتى وقت وفاته صلى الله عليه وسلم وهو يرقد على حصيرة ممَّا دلَّ على تطبيق ما يؤمن به على نفسه قبل غيره فبينما كان زوج ابنته سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه يجهز جيش العسرة بألف دينار لم يكن يملك ديناراً واحداً.

وهذا يفسِّر لماذا يفتك الطاغية بأقرب الناس إليه، خاصة الذين وقفوا معه في خندق واحد وشاركوه أفكاره وجهاده، إذا ما هدَّدوا سلطته وسنجد في معاملة المؤتمر الوطني لأعضاء المؤتمر الشعبي مثالاً واضحاً يعرفه الجميع. بينما نجد المصطفي صلى الله عليه وسلم يرفض أن يقتل المنافقين وهو عالم بهم بل ويضرب مثالاً في السماحة الإنسانية لا تماثل في معاملته لأصحابه كما جاء في الحديث:
" لمَّا قَسَمَ رسولُ اللهِ ﷺ غَنائمَ هَوازِنَ بَينَ النَّاسِ الجِعْرانةِ، قام رَجُلٌ مِن بَني تَميمٍ، فقال: اعْدِلْ يا مُحمَّدُ، فقال: وَيلَكَ، ومَنْ يَعدِلُ إذا لم أَعدِلْ، لقد خِبْتَ وخَسِرْتَ إن لم أعْدِلْ، قال: فقال عُمَرُ: يا رسولَ اللهِ، ألَا أقومُ فأقتُلُ هذا المنافِقَ، قال: مَعاذَ اللهِ أنْ تَتَسامَعَ الأُممُ أنَّ مُحمَّدًا يَقتُلُ أصحابَه"

هذا المنافق اتَّهم المصطفي صلى الله عليه وسلم في ذكائه الأخلاقي فدافع عن نفسه وقال في مثله:
" إنَّ هذا وأصحابًا له يَقرَؤون القُرآنَ لا يُجاوِزُ تَراقِيَهُم، يَمْرُقون مِن الدِّينِ، كما يَمرُقُ المِرْماةُ مِن الرَّميَّةِ". ونحن نري أمثلة حيَّة لمثل هذا المنافق في حياتنا الماثلة يتخذون الدين مطية للدنيا لا نور في قلوبهم ولا رحمة وهو دليل انعدام الإيمان أي انعدام الذكاء الروحي الذي سنتحدث عنه في الحلقة الأخيرة إن شاء الله:
"‫وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ‬".‬‬‬‬

أمَّا الذكاء الاجتماعي فهو النوع الرابع وهو الذي يمهِّد للعلاقات الاجتماعية وقد نبَّه له المولي عزَّ وجل في العديد من الآيات الكريمة:
" ‫فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ‬"، وفي آية أخري: " ‫ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ‬"،‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وفي الآية الكريمة: "وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ"، فكل هذه الآيات تنبه لأهمية الذكاء الاجتماعي لقيام مجتمع مترابط تحدث فيه النزاعات ويحتاج إلى حكمة المعالجة.

والطاغية الظاهر لا يملك هذا الذكاء ولذلك تراه فظَّاً غليظاً يقدِّم السيئة ولا يعفو عن الناس شيمته الانتقام وأمَّا الطاغية المستتر فيمتاز بهذا النوع من الذكاء ولذلك أتباعه يحبونه ويتعلقون به وربما يقدسونه. وهناك علاقة عكسية بين الذكاء الأخلاقي والذكاء الاجتماعي فكلَّما كان الإنسان صادقاً لا يخاف أن يقول الحقيقة حتى وإن أدَّي ذلك لخسران حياته أو ماله أو أهله كلما جرَّ على نفسه المصاعب. فالطاغية الظاهر لا يحب من يعظه ولا من يريه عيوبه ويقرِّب من يزين له الباطل فهو يحيط به نفسه لأنَّه يعلم في قرارة نفسه أنَّه مثله فاسد خائن فيهب له المال والسلطة ويعاقب أعداءه بالقوة الخشنة، أمَّا الطاغية المستتر فلا يقلُّ سوءاً منه إذ أنَّه يستخدم القوة الناعمة فيستخدم حلو الحديث والعاطفة وتأثير الشخصية والمنصب لتقريب من يشاء وإبعاد من يشاء، ولا يخلو ذلك من منفعة دنيوية ولكنَّها مُغلَّفة ولكن بطانته لا تكون إلا لم يظهر الطاعة والتعظيم. ولنا في الدكتور حسن الترابي والإمام الصادق المهدي خير مثال.

والمولي عزَّ وجل ينبهنا إلى تضارب الذكاء الأخلاقي مع الذكاء الاجتماعي عندما تتضارب المصالح:
" ‫يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا‬".‬‬‬‬

أي يجب العدل حتى مع كراهية الشخص وقد رأينا كيف أنَّ النظام الحاكم أظهر غباءً أخلاقياً عندما عذَّب وقتل الشهيد أحمد الخير ثمَّ غطَّي فعلته المشينة بالكذب والتدليس وهو شيمة الجبان الخائف.

وهناك مفارقة طريفة بين العلاقة بين الذكاء الأخلاقي والذكاء الاجتماعي فعندما تتمسَّك بالذكاء الاجتماعي وترغب في إشباع شهواتك العاجلة لا يكون ذلك إلا بالتضحية بالذكاء الأخلاقي ولكن إذا تمسَّكت بذكائك الأخلاقي وصبوت إلى إشباع شهواتك الآجلة فسوف تكسب في النهاية نفسك وحياتك وتترك سيرة حسنة وراءك. لذلك نري الطغاة لا يبصرون طغيانهم ويريدون أن يفتكوا بأعدائهم مهما ظهر لهم من كره الناس لهم وفي مثال معمر القذافي خير مثال ومن قبله في قصة فرعون خير عبرة ولكن من تتملكه الحالة الفرعونية فهو لا يري ولا يسمع.

ولنقارن بين موقف سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وموقف سيدنا معاوية بن أبي سفيان:
"أتى عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ مشربة ابن حارثة فوجد محمد بن مسلمة فقال عمر: كيف تراني يا محمد؟ فقال: أراك والله كما أحب، وكما يُحب من يحب لك الخير، أراك قوياً على جمع المال، عفيفاً عنه، عادلاً في قسمه، ولو ملت عدلناك كما يعدل السهم في الثقاف، فقال عمر: هاه، فقال: ولو ملت عدلناك كما يعدل السهم في الثقاف، فقال: الحمد لله الذي جعلني في قوم إذا ملت عدلوني.
هذا رجل طلب الآخرة ولم يؤثر عليها الحياة الدنيا لأنَّ ذكاءه الأخلاقي عالٍ وأدرك أنَّ ما يتركه المرء بعد رحيله هو السيرة الحسنة وهو بغير ذلك ميت وهو حي.

وهذا هو الموقف الثاني:
"خطبنا معاوية في يوم جمعة فقال: إنما المال مالنا والفيء فيئنا، من شئنا أعطينا, ومن شئنا منعنا، فلم يرد عليه أحد، فلما كانت الجمعة الثانية قال مثل مقالته، فلم يرد عليه أحد، فلما كانت الجمعة الثالثة قال مثل مقالته، فقام إليه رجل ممن شهد المسجد فقال: كلا, بل المال مالنا والفيء فيئنا، من حال بيننا وبينه حاكمناه بأسيافنا، فلما صلى أمر بالرجل فأدخل عليه، فأجلسه معه على السرير، ثم أذن للناس فدخلوا عليه، ثم قال: أيها الناس, إني تكلمت في أول جمعة فلم يرد علي أحد، وفي الثانية فلم يرد علي أحد، فلما كانت الثالثة أحياني هذا أحياه الله، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: سيأتي قوم يتكلمون, فلا يرد عليهم، يتقاحمون في النار تقاحم القردة ـ فخشيت أن يجعلني الله منهم، فلما رد هذا علي أحياني, أحياه الله، ورجوت أن لا يجعلني الله منهم".
ونحن نري ما فعل المشير عمر البشير ورهطه في أموال الناس كما فعل ملوك بني أمية والعباس ولسان حالهم يقول:
"إنما المال مالنا والفيء فيئنا، من شئنا أعطينا، ومن شئنا منعنا".

فهل تظنون أنَّ نظام الإنقاذ بقادر على أن يغيِّر فكره وسلوكه؟ هذا لا يكون لأنَّه من سنن الله أن يظل الأعمى أعمي حتى موته، فلو أنَّ الإنسان بمقدوره أن يعي الدرس لكان فرعون موسي قد أدرك بعد تسع آيات بينات ولم يقل الآن آمنت وهو يغرق.
"‫قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا؟ قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ‬وكَذلِكَ اليَومَ تُنْسَي".‬‬‬‬

وسنواصل إن أذن الله سبحانه وتعالي
ودمتم لأبي سلمي