بسم الله الرحمن الرحيم

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

في هذه الحلقة والحلقات اللاحقة إن شاء سنواصل السياحة الفكريَّة لنختم ما بدأناه عام 2016 حيث ناقشنا ظاهرة الفوضى ومآلاتها وقد احتفظنا بها حتى هذا الوقت لنري صدق النموذج من بطلانه بما سيقع حسب التنبُّؤ وسنعرضها كما كتبت بلا تغيير. وفيها سنتطرَّق إن شاء الله لأهمِّ أسباب الفوضى ومعوِّقات النِّظام في بلادنا وبلاد المسلمين لأنَّ المرجعيَّة الفكريَّة للمؤلِّف هي دين الإسلام من حيث جوهره لا من زاوية التَّقليد. فالرجاء الرجوع للحلقات السابقة لتكتمل الصورة.

النَّفس الإنسانيَّة:
النَّفس الإنسانيَّة ذات أغيار؛ أي أنَّها عرضة للتغيير وهذا مثبت في كتاب الله عزَّ وجلَّ من ناحيتين أوَّلاً في خلق الإنسان من المثال وردَّه للوضاعة واستثناء المؤمنين العاملين للصالحات:
" ‫لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ، إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ‬ "، فالتَّقويم قد يكون جسديَّاً أو نفسانيَّاً أو اجتماعيَّاً أو روحيَّاً وذلك بكسب الإنسان نفسه، فأوَّل تغيير حدث له كان في الجنَّة عندما أكل من الشجرة وبدت له سوءته، وثانياً في خلق النَّفس:‬‬‬
" ‫وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا‬"، وهو توضيح لطبيعة النَّفس المائلة للفجور والتي تحتاج إلى عملٍ مبادرٍ لجعلها مستقيمة بتنظيفها من فجورها باستمرار.‬‬‬
نستنتج من ذلك أنَّ استقامة النَّفس واعوجاجها يعتمدان على طبيعتها أوَّلاً ثمَّ ظروف التَّنشئة ثانياً ثمَّ ما يُقرِّره الإنسان ثالثاً. ولذلك فدور الثقافة مهم في تغيير الإنسان لنفسه فهو لا يد له في ثقافة والديه ولا يد له في طبيعته البشرية ولكن له توق طبيعي للحرية وإرادة لتغيير ما لا يرضاه ولذلك فالمسألة هي في النهاية تنافس ثقافات قد تستخدم القوة الخشنة أو القوة الناعمة لتسود.
وسنفصِّل إن أذن الله التَّغيُّرات النَّفسيَّة والاجتماعيَّة المرضيَّة نتيجة للاستبداد لاحقاً.

الاستبداد:
إنَّ أهمّ شرط لحدوث ظروف مواتية لاستقامة النَّفس الإنسانيَّة هو الحريَّة، والحريَّة هي رخصة لعمل الخير، ولكن في ظروف الاستبداد لا يمكن أن تستقيم النَّفس، والتي هي معوجَّة أصلاً وتحتاج لعمليَّة تجميل مستمرٍّ. وكذلك لا تحتاج لإضافة لاعوجاجها الطبيعي لما يشوِّه صورتها أكثر باستعبادها، لأنَّه بانعدام الحريَّة لا يمكن أن يستطيع الإنسان أن يتَّخذ قراراً حُرَّاً يكون مسؤولاً عنه يثاب أو يعاقب عليه.

وما سبب تشويه نفس الإنسان وتشويه حياته إلا نتيجة للطغيان والحرمان إن كان في مهد التَّنشئة مثل البيت، أو في المجتمع أو الدَّولة أو العالم، وكلَّما ازدادت حدَّة الطغيان ومرارة الحرمان ازدادت تشوُّهات النَّفس البشريَّة تلاؤماً مع ظروفها الجديدة، وذلك حتى تضمن الاستمراريَّة لحياته الجسديَّة والاجتماعية، وذلك لأنَّ تعلُّق الإنسان، في غالب الأمر إلا من رحم ربِّي، بالحياة الجسديَّة والاجتماعية يفوق تعلّقه بالمبادئ التي تمثِّل حياته المعنويَّة، وفي سبيل ذلك يصبر على كلِّ الظروف القاهرة أو يتصالح مع الفساد إلى أن تصبح هي معيار الحياة التي تعتبر حينذاك عاديَّة وطبيعيَّة.
فإذا ما طالب أحدٌ نشأ في ظلِّ الطغيان والاستبداد بحريَّته، فإنَّ أوَّل من يهاجمه هم أهله المستضعفون مثله ويخوِّفونه بشرِّ المصير كأنَّ مصير الموت في سبيل الحريَّة أسوأ من الحياة تحت جناح العبوديَّة. أو يبرِّر الذين باعوا ضميرهم للطاغية استمرار الطغيان باستخدام فزَّاعة انعدام الأمن وبذلك يكون التضحية بالحريَّة معقولاً في نظر العامَّة. والإنسان لا يثور على الطغيان إلا إذا وصل إلى مرحلة يحسّ فيها أنَّه ليس هناك ما سيفقده لأنَّ أساسيات الحياة غير متوفرَّة وعندما يدرك انعدام الأمل في غدٍ أفضل.

دورات الحياة:
هذه التَّشوُّهات النَّفسيَّة تصيب أيٍّ من الأمم إذا تعرَّضت لاستعباد، ولا يحتاج ذلك أكثر من دورتين اجتماعيتين لتظهر أو يثار عليها، وثلاث دورات لتثبت في حالة استمرار الطغيان، أو تختفي في حالة حدوث حالة حريَّة ولكنَّها لا تختفي تماماً إلا بعد انتهاء الدَّورة الرَّابعة لأنَّ تأثير الأجيال السابقة سيصبغ الأجيال اللاحقة حتى وإن نشأت في ظروف حريَّة. ونفس الشيء يحدث للأجيال التي تنشأ في ظلِّ الطغيان فطبيعة الشباب رافضة إلى أن تُروَّض بعد دخولها في دورة الحياة ومسئولياتها من أسرة وما شابه ولذلك فالثورات يشعلها ويقودها الشباب والشيب يتفرجون عليها حتي إذا استوي عودها قفزوا من مقاعدهم وصاروا ورثة لها.

وللحياة وللإنسان دورات بعضها صغيرة وبعضها متوسِّطة وبعضها كبيرة وبعضها هائلة ويعتمد تقسيمها على تحديد مصدر عامل الزَّمن، وسياق المكان، وطبيعة الشيء.
فمثلاً اليوم عند الإنسان يساوي أربعة وعشرين ساعة لأنَّ الأرض تدور حول الشَّمس كلِّ أربعة وعشرين ساعة فهذه دورتها، بينما هناك كواكب أخري تدور حول شموسها في مدَّةٍ أكبر أو أقل. واليوم عند الله سبحانه وتعالي مثلاً يساوى ألف سنة:
" ‫وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا َعُدُّونَ".

بينما تعرج الملائكة إلى السماء العليا في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة وهذا مقياس للسُّرعة على أغلب الظَنِّ: " ‫تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ‬".‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وهذه الدَّورات منها الطَّبيعيَّة والاجتماعيَّة، فمثلاً أصغر دورة نموٍّ للإنسان هي خمسة سنوات فنجده يبدأ المدرسة عند سنِّ الخامسة، ويُعتبر مسئولاً مسئوليَّة قانونيَّة بمعرفة الصواب من الخطأ عند العاشرة وتنتهي طفولته عند الخامسة عشر.

ولكن أصغر دورة اجتماعيَّة هي خمسة عشر عاماً وهي مرتبطة بدورة الإنسان الطَّبيعيَّة، وبوصوله لسنِّ السادسة عشراً يكون قد بلغ سنَّ التَّكليف بحيث يمكنه أن يكون مواطناً كامل المواطنة ومُستقلَّ القرار وهو بداية جيل جديد.

أمَّا في مجال إنشاء أو تنفيذ الخطط قصيرة الأجل فأصغر دورة اجتماعيَّة ممكنة فهي خمس سنوات تماماً مثل دورة الإنسان الصُغرى ولذلك نسمع عن الخطَّة الخمسيَّة أو دورة البرلمان الخمسيَّة أو دورة الرئاسة.

وبعد ثلاث دورات اجتماعيَّة، أي بعد ثمانٍ وأربعين سنة، يتمُّ تحوُّلٌ كبير في المجتمع لأنَّ الجيل الرَّابع لن يكون له صلة بالجيل الأوَّل. وعند الوصول لنهاية عمر جيلين أي حوالي الثلاثين عاماً فتظهر بوادر التَّغيير والتي قد تكون موجبة أو سالبة حسب ما ساد قبلها. وتعتمد سرعة التَّغيير على عوامل مختلفة ومتفاعلة، أهمَّها الموارد، والتي قد تبطيء أو تسرع خطوتها.

فإن كانت الفوضى تسود فستعقبها فترة نظام والعكس صحيح. ويزيد في فترة الفوضى أو النِّظام حالة وطريقة إدارة المجتمع، فإذا كان نظام الإدارة مفتوحاً فحالة النِّظام أكثر احتمالاً من حالة الفوضى، هذا إذا ساد العدل وارتفع الوعي، أمَّا إذا كان النِّظام مُغلقاً وعلى رأسه نُخبة يسود فيها تفكير المجموعة فنهايته فوضى تزداد وتيرتها إذا انتفى عامل العدل، وقلَّ وعي الحاكم خاصَّة إذا تزامن ذلك مع حالة مجاعة وكساد.

الموارد:
الموارد تنقسم إلى موارد داخليَّة وموارد خارجيَّة وموارد داخليَّة وخارجيَّة.
فالموارد الدَّاخليَّة هي ما تخُصّ الإنسان وتنقسم إلى جسديَّة وذهنيَّة وعاطفيَّة وروحيَّة وسلوكيَّة. فالجسديَّة تختصُّ بسلامة الجسد وقدرته على الفعل مثل العربة السليمة والمليئة بالوقود. أمَّا الموارد الذِّهنيَّة فهي الوعي، والذَّاكرة، ومُعدَّل الذَّكاء، والمقدرة على التَّفكير بمنطق وتحليل النَّتائج والوصول لخلاصة مفيدة، والمحصول اللَّغوي، والقدرة على الانتباه والتَّركيز حتى يتمكَّن الإنسان من التعلُّم وتحصيل المعرفة.
أمَّا الموارد النفسيَّة فهي الدَّافعيَّة بإيجاد دافعٍ لعمل الشيء وحثِّ النَّفس على فعله، ثُمَّ الإرادة وهي الإصرار والمواظبة على الفعل، وذلك بتنظيم العاطفة وعدم السقوط في شرك اليأس والعجز، والذَّكاء العاطفي.
أمَّا الموارد الرُّوحيَّة فهي الإيمان بشيء وإيجاد غاية ومعني للفعل، وهي مركز الأخلاق وتعتمد على كيفية عمل الفعل في بيئة الآخرين مع احترام حقوقهم باستخدام الذكاء الأخلاقي والروحي.

أمَّا الموارد السُّلوكيَّة فهي تعتمد على الذكاء الاجتماعي وعلى المهارات وعلى الخبرة وهذه تنتج من تفاعل الإنسان بطبيعته الوراثيَّة وقدراته الكامنة وبين بيئته.

أمَّا الموارد الخارجيَّة فهي إمَّا طبيعيَّة مثل الماء والأرض والنَّبات والحيوان والهواء، أو تعتمد على استغلال الموارد الخارجيَّة كبناء المأوي، أو خياطة الملبس، أو تحضير الأكل، أو موارد خارجيَّة تعتمد على الآخرين ومنها اكتساب المعرفة والمهارات، أو طلب المساعدة في دفع المُلمَّات أو توفير مصادر العيش الكريم.

أمَّا الموارد الدَّاخليَّة والخارجيَّة فهي الإيمان بالله سبحانه وتعالي.
فمهارة حلِّ المشاكل، أو مهارة التَّواصل، أو مهارة معاملة النَّاس، أو المهارات الخاصَّة مثل التَّفوُّق في مجالٍ ما مثل قيادة السيارة أو الإبداع أو العلوم أو الاختراع فهذه مهارات سلوكيَّة.
‫"وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا‬ ‫تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ ‫أَتَيْنَا بِهَا وكَفَى بِنَا حَاسِبِينْ".‬ ‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
أنواع السلوك المرضي للمُستعبَدين:
إنَّ أطول فترة عبوديَّة مُسجلَّة في القرآن الكريم والتي تمَّت فيها كلّ أشكال الطغيان هي فترة استعباد اليهود في مصر، ولذلك فاليهود كأمَّة حقل تجربة ودراسة علميَّة نفسانيَّة واجتماعيَّة مفيدة، وقد ضمَّن المولي عزَّ وجلَّ كلَّ التَّغيُّرات النَّفسيَّة والاجتماعية التي تصيب قوماً تعرَّضوا لسنين اضّطهاد واستُضعفوا.

وكثير من النَّاس يظنُّون أنَّ هذه الصفات النَّفسيَّة لا تحدث إلا في جنس اليهود، وأنَّ الآخرين لهم مقاومة طبيعيَّة خاصَّة إذا كانوا مسلمين، وليس هناك رأي أكثر سذاجة من هذا، بل المفروض أن يكون اليهود أكثر النَّاس مناعة ضدَّ التَّشوُّه النَّفسي والاجتماعي لأنَّهم أوَّل أمَّة مسلمة من سلالة رسل وأنبياء جاءهم من الله كتاب يهديهم، ولكن سلوكهم تغيَّر نتيجة لفترة اضطِّهادهم. فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون بالخنوع للطغيان، والاستسلام لحياة العبوديَّة ينتظرون من يخلِّصهم بلا مجهود.
ونحن نري اليوم شعوبنا وقد طال عليها نير الظلم حتى اعتادت عليه، وصارت كاليهود تنتظر المُخلِّص بلا مجهود، وعندما يثور البعض على الاستبداد يخوِّفه أهله لأنَّهم اعتادوا عليه ولأنَّ تقييمهم للحياة مريض ومعوج.
من أوَّل الصفات النَّفسيَّة للمضطَّهد الجنوح للعنف الوحشيِّ والإجرام والانتقام تجاه أهله أولاً لا تجاه المعتدي، فلذلك يكون عنيفاً مع أسرته لإحساسه بالعجز، ويكون عنفه في مواضع لا تستحقُّ العنف ولا تستحقُّ درجة العنف المتوحَّشة. وهو نتيجة الطَّاغوتيَّة والسلوك الإجرامي. والطَّاغوتيَّة، كما ذكرنا من قبل، تبلُّد الإحساس بالآخرين وانعدام الرَّحمة، وقسوة القلب حتى يتحجَّر، واللجوء للكذب والتَّبرير للفعل الإجرامي. وهي الحالة الفرعونيَّة إذ ما أن يملك أحدهم سلطةً إلا ويظلم النَّاس وهو أشدّ قسوة على من كان معه في خندقٍ واحدٍ إذا لم يطعه في كلِّ شيء.

وثاني الصِّفات النَّفسيَّة ضمور الاستقلاليَّة الفكريَّة والرُّكون للظُّلم والاضطَّهاد نتيجة ما يُعرف "بالعجز الـمُكتسب"، وهو الاستسلام للأمر الواقع، بل ورؤيته على أنَّه أفضل البدائل الممكنة حاضراً ومستقبلاً. وينتج عنه حالة يأس أو قنوط من وضعٍ أفضل بحيث تموت الأحلام، وتُسفَّه كلّ محاولات المقاومة، ويؤدي للسقوط في جُبِّ الانهزاميَّة والسلبيَّة المُطلقة بخضوعٍ ذليل ومسكنة، فلا عز لهم ولا اعتصام لأنَّ الذلَّة هي الصَّغار والهوان والتَّحقير، والمسكنة هي ضعف النفس وشحَّها وحرصها على طلب الدّنيا.
وسبب ذلك معصية أمر الله وتجاوز الحلال إلى الحرام حتى يصير أكل الحرام طبيعةً وعادةً يتباهى بها على أنَّها دليل الفلاح. وبالغرق في الفساد تزداد النَّفس دناءة فلا تعفُّ عن أيِّ شيءٍ ولا تثق في أيِّ شيءٍ غير مادِّي.
‫"وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ"‬‬‬

وثالث الصِّفات النَّفسيَّة هي حالة الصَّغَار وهو، كما يُعرِّفه الإمام الشعراوي رضي الله عنه، الذُلَّ والهوان عند نفس الإنسان أمام ذاته وليس عند النَّاس، فالإنسان يشعر بالذلِّ أمام نفسه ويستصغرها وهو نتيجة الإجرام: "سيصيب الذين أجرموا صغارٌ عند الله". والصَّغار هو أساس كلِّ الأمراض النَّفسيَّة خاصَّة القلق والاكتئاب واختلال الشَّخصيَّة، والإنسان قد يجد أنَّه لا يستحقُّ شيئاً أفضل حتى وإن كان ذلك من حقِّه، ويعتبر حقوقه عطاء كريم إن وهبه شكره، وإن حرمه لم يعترض. وهو بذلك ينتقص من قيمة ثقافته ويُعلي عليها ثقافة المهيمن عليه.

ورابع الصِّفات النَّفسيَّة ما يُعرف "بالتَّناقض المعرفي والسلوكي" وهو باختصار النِّفاق في أعلى مراتبه إذ يؤمن الإنسان بشيء ويعمل شيئاً مختلفاً ويبرِّر له.

وخامس الصفات النَّفسيَّة هو الغباء العاطفي وهو يتمثَّل في التَّهوُّر والانفعاليَّة، واستعجال النَّتائج واستبدال الإشباع الآجل للرَّغبات بالإشباع الفوري حتى وإن كان الاختيار سيؤدِّي لخسرانٍ في المستقبل لانعدام البصيرة والرُّشد. وهو نتيجة عدم نموِّ الفصِّ الأمامي للمخ الذي هو الجهاز التَّنفيذي للمخ حيث تُتَّخذ القرارات. وبذلك تنعدم مهارات حلول المشاكل أو مهارات تقييم الواقع أو التَّعامل مع الآخر.

وسادس الصِّفات النَّفسيَّة استخدام أدوات الدِّفاع النَّفسي البدائيَّة مثل الإنكار، والتَّبرير، أو اتِّخاذ وسائل تشغلهم عن الواقع، ومثل عبادة الأشخاص؛ وهي الحالة الصنميَّة، أو تبخيسهم وشيطنتهم، وأيضاً لوم الآخرين عند وقوع المصائب ورفض تحمُّل المسئوليَّة الذَّاتيَّة، والتَّصرُّف الأرعن المنفعل، والشكوى ورفض كلِّ الوسائل المعروضة على الشَّخص التي يمكن أن تُغيِّر الأمر للأفضل بلا دليل منطقي لاستخدامه المنطق العاطفي.

وسابع الصِّفات النَّفسيَّة هي تدمير الثِّقة القاعديَّة بين النَّاس بحيث لا يثق حتى الأخ في أخيه وهي ما تُعرف "برفع الأمانة".
وثامن الصِّفات النَّفسيَّة استحقار الأجناس الضعيفة وجعلها كبش فداء في صورة عنصريَّة مقيتة وعصبيَّة.

وتاسع الصِّفات النَّفسيَّة التَّفكير الانفعالي أو التَّردُّدي الوسواسي أو التَّذكُّرى أو الخرافي بتشويه المعتقدات أو الدِّين، بدلاً من التَّفكير التَّنظيري أو التَّدبُّري، وبالاعتماد على الآخرين لتغيير الواقع، لا على أنفسهم، وبالاعتماد على التَّقليد وتدنِّي الإبداع العلمي والثَّقافي.

والصفة الاجتماعيَّة الأولي هي تولِّي البراغماتيين الطَّاغوتيين أنصاف المتعلِّمين الأيديولوجيين للسلطة باستخدام القوَّة الخشنة والإعلام، والاعتماد عليهما في تثبيت سلطانهم بترهيب الآخرين وإعلاء صوت الأيديولوجيَّة لاستغلال عواطف الدَّهماء ممَّا يؤدِّي لدورة نظام ظاهريٍّ تعقبها دورة فوضى حتميَّة. ويتمُّ ذلك بخلق فجوة بين الحاكم والمحكوم تزداد مع مرور الأيَّام تبدأ كفجوة نفسيَّة وتصير فجوة اجتماعيَّةً أيضاً مع ازدياد إجرام الحاكم. والإمام الشعراوي رضي الله عنه يقول في ذلك:
" والإجرام هو مأخوذ من مادة " الجيم " و " الراء " و " الميم "، الجرْم والجُرْم والجريمة. فيها معنى القطع. و " مجرميها " جمع مجرم، ومجرم من أجرم، وأجرم أي ارتكب الجُرم والجريمة، ومعنى ذلك أنه قطع نفسه بالجريمة عن مجتمعه الذي يعايشه، فهو يعزل نفسه لا لمصلحة لأحد إلا لمصلحته هو، فكأنه قام بعملية انعزال اجتماعي، وجعل كل شيء لنفسه، ولم يجعل نفسه لأحد؛ لأنه يريد أن يحقق مرادات نفسه غير مهتم بالنتائج التي تترتب على ذلك.

إذن فالإجرام هو الإقدام على القبائح إقداماً يجعل الإنسان عازلاً نفسه عن خير مجتمعه؛ لأنه يريد كل شيء لنفسه. وما دام كل شيء لنفسه فعامل التسلط موجود فيه، ويرتكب الرذائل. ولأنه يرتكب الرذائل فهو يريد من كل المجتمع أن تنتشر فيه مثل هذه الرذائل؛ كي لا يشعر أن هناك واحداً أحسن منه".

والصِّفة الاجتماعيَّة الثَّانية هي التَّماهي مع الظالم سلوكاً بل والدِّفاع عنه وعن أفكاره والسعي لانتهاج نهجه والوقوع في حبائل إعلامه من غير تمييز أو تحليل علميٍّ بحيث يقبل الغثّ والسمين.
والصفة الاجتماعيَّة الثالثة هي اتِّباع المظاهر الاجتماعيَّة السطحيَّة مثل التَّرف والتَّفاخر والبذخ والتَّكاثر والعادات الغريبة التي لا تتلاءم مع سياق المجتمع.

والصِّفة الاجتماعيَّة الرابعة هي التَّدهور الأخلاقي نتيجة الطَّبقيَّة الحادَّة بحيث ينقسم المجتمع إلى طبقتين متمايزتين صغراهما تستولي على معظم الموارد، والأخرى تكون كالعلف لها تغذِّيها باحتياجاتها كالجنود والمزارعين والصُنَّاع ومن يقدِّمون المُتع. ونتيجة التَّدهور الأخلاقي يستسهل النَّاس سرقة مجهودات الآخرين أو شراء زمم المعارضين بالمؤامرات والمكر والغشِّ.

والصِّفة الاجتماعيَّة الخامسة هي انتشار الاستغلال نتيجة لتدنِّي الوعي بالحقوق وذلك لانتشار الفقر المعرفي والفقر المادِّي والفقر الصحِّي.
والصفة الاجتماعيَّة الأخيرة هي ضمور الشعور الإنساني والقومي وانتفاخ الشعور القبلي أو العرقي وتشظِّي المجتمع وتخلُّفه حضاريَّاً بحيث يصبح مستهلكاً لا منتجاً ومقوداً لا قائداً.

ونلاحظ تفاعل الصفات النَّفسيَّة والاجتماعيَّة بواسطة السلوك الفردي كجسر بين طريقة التَّفكير والسلوك الجماعي لخلق الواقع ولذلك فتغيير أيٍّ من العوامل سيؤدِّي لتغيير الواقع.
وسنواصل إن أذن الله سبحانه وتعالي
ودمتم لأبي سلمي

//////////////////////////////////////