بسم الله الرحمن الرحيم

تأمُّل في مفاهيم علوم الاقتصاد والاجتماع والسياسة: دراسة لكتاب:
التشكُّل الاقتصادي الاجتماعي في السودان وآفاق التغيير السياسي: قراءة في الاقتصاد السياسي السوداني
الحلقة الثالثة
د. عبدالمنعم عبدالباقي علي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
"وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاْجْعَل لِّي مِن لَّدُنْكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً"
صدق الله العظيم

أهميَّة اختيار المنهج:
الأستاذ حسين أحمد حسين قام بعمل مُقدَّر له قيمة فكرية لا تُنكر وقد شابه بعض الهنات التي أرجو أن ينتبه إليها في طبعته الثانية فهي ستعطي العمل متانة علمية وفلسفية تُعلى من شأنه إن شاء الله ولذلك فقد أسهبنا في تحليل كتابه.

والكتاب، وإن كان مُتخصِّصاً، مُوجَّه إلي شريحة واسعة من القراء منهم العالم المتخصص الذي له ملكة في هذا المجال ويستطيع أن يدرك تعريف ومعاني المفاهيم المطروحة فيميز بين الطيب والخبيث، ومنهم المثقف الذي قد تختلط عليه المفاهيم وتنحرف به عربة الأيديلوجية، ومنهم القارئ المهتم الذي قد لا يُفرِّق بين الشجر والغابة. وأجدني في الزمرة الأخيرة، ولذلك فما أن أقرأ كتاباً وتستعصي علىَ مفاهيمه إلا وأقضي الساعات الطوال أبحث عنها في مظانِّها حتى أدرك معني ما أراد الكاتب، أو معني المعني، فهذا أقل ما يمكن أن يتوقعه الكاتب الذي بذل المجهود وسهر الليالي ألا وهو الفهم الصحيح الذي من شأنه أن يثري بناء الفكر المنبثق من العمل وقد يضيف إليه.

ولذلك يلزم توضيح أهمية اختيار المنهج لأنَّ الأستاذ حسين أحمد حسين استهلَّ مؤلَّفه بتحديد المنهجية التي سيتبعها فقال:
"يتناول هذا الكتاب العلاقات الاقتصادية – الاجتماعية والسياسية للواقع السوداني من وجهة نظر التحليل الطبقي في سياقه المادي التاريخي كمنهج عام لأطروحته". ونفي عن استخدامه للمنهج العقائدية الأيديلوجية المرتبطة به ثمَّ وضَّح أسباب اختياره للمنهج دون غيره فأورد:
- قدرة المنهج المحضة على تناول الظواهر الاجتماعية في إطارها الشامل المتكامل، بربطها بمتغيرات تشكُّل الأنماط الاقتصادية والاجتماعية.
- عدم وجود منهج آخر يبذُّه في القدرات التحليلية والاستقصائية.
- الاستطاعة لاستخدام العقل الحر والتفكير الحر مع أدوات تحليل المنهج، بعيداً عن أغلال الأيديلوجية، كأدوات تحليل لنظرية علوم اجتماعية تحظي باحترام واسع في الأوساط العلمية العالمية وبذلك سيكون التحليل علمياً ملتزماً ينتج إجابات بصيرة وواعية تصبُّ في مصلحة التغيير البصير للواقع السوداني ممَّا يساهم في الوصول لمرحلة الثورة الوطنية الديموقراطية.
- هذه النظرية هي الأكثر فاعلية في قراءة التحولات والتشكلات المجتمعية إلى الآن.
والمنهج هو الباب الذي تدخل منه والذي تخرج منه، فإن ضلَّ عنك باب الدخول لن تصل للبِّ المسألة ولن تُحقِّق هدفك الذي دخلت من أجله، وإن غاب عنك باب الخروج حُبست في الضلالة أبد الآبدين.

وللدخول شروط تُلزم نتائج الخروج فكلّ دخول له مُدخلات وهي مجموعة البيانات المعلومة والتي تصير داخل الوعاء، بواسطة عملية السيرورة في مصنع الفكر، لمعلومات، ثمَّ لمعرفة عامة، ثمَّ لعلم دقيق وهو المخرج الناتج النهائي، ويتلو ذلك نتيجة استخدام هذا الناتج وهي مرحلة التجربة؛ فإن أصاب خيراً فقد حُصِّلت مرحلة الحكمة، وهي وضع الأمر أو الشيء في موضعه، وإن أصاب شرَّاً فيجب النظر في كلِّ العملية من قيمة مدخلاتها، مروراً بصحة سيرورة العملية التفكيرية منطقيَّاً وحياديَّاً، وأخيراً النظر لمن وضعها موضع التجريب أكان عن غرض أو عن سوء فهم أو عن قلَّة تجربة أو مهارة أو خبرة؟

ولهذا السبب ربط المولي عزَّ وجلَّ بين الأخلاق وصحَّة الحجَّة فقال مدخل صدق والصدق هو مطابقة الكلام للواقع بحسب اعتقاد المتكلم أو الصلابة والشدَّة أو الأمر الصالح لا شية فيه من نقص أو كذب أو الأمانة ولذلك فهو قيمة تنسب إلى الفكرة أو أداة البحث. والصَّدقُ هو الكامل من كلِّ شيء.

وعليه فعندما يقول الأستاذ حسين أحمد حسين عن منهجه المُختار:
- قدرة المنهج المحضة على تناول الظواهر الاجتماعية في إطارها الشامل المتكامل، بربطها بمتغيرات تشكُّل الأنماط الاقتصادية والاجتماعية.
فهو أكثر ما يقول أنَّ هذا المنهج مُدخل صدق لأنَّه يحقِّق ركني العلم والقدرة فالعلم من غير قدرة عاجز والقدرة مع الجهل كارثة.
والعلم لا بدَّ أن يكون كاملاً شاملاً ومتفاعلاً مع السياق. والقدرة هي الفعل لا الفهم فقط. ولكن هذه المعايير التي وصفها الأستاذ حسين أحمد حسين لمنهجه لا تصمد أمام التعريف العلمي الدقيق، فمثلاً الإلمام بالظواهر الاجتماعية لا يمكن أن يكون شاملاً مهما بلغ الإنسان من معرفة وضعية تطبيقية، فهو إن أدرك عواملاً غابت عنه أكثر منها.

وأيضاً، حتى وإن افترضنا قدرة الإنسان على إدراك كلِّ الظواهر الاجتماعية، فليس في استطاعته إدراك عمليات ونتائج تفاعلها مع بعضها البعض أو مع المتغيرات الأخرى في شمولها الإنساني. هناك الأمر الممكن وهناك الأمر المُحتمل وفي الحالتين فإنَّ الأمر غير ممكن أي مستحيل في نطاق قدرة البشر، ولذلك يجب على الكاتب أن يحدِّد مناطق قوَّة المنهج ومناطق قصوره وبذلك يعطي له مصداقية أكبر من خلال إبراز نسبيته العلمية وليس إطلاقه.

فالمنهج هو ضوء يكشف عن الحقائق أو طريق يدل على الهدف أو يوصل لنتيجة مُحدَّدة لفهم ظاهرة ما باستخدام قواعد التفكير العلمي ولذلك فالمنهج هو أساس البحث العلمي أو مفتاح باب المعرفة ومن غيره لا يمكن أن تُعتمد النتائج أو أن تُعمَّم أو يكون لها قدرة على التنبُّؤ أو تقديم حلول لتطوير البشرية. وقد يكون المنهج تحليليَّاً أو استنباطياً أو استقرائيَّاً.

وللتفكير المنهجي شروط أو مبادئ ملزمة منها السببية ويستخدم لهذا الشرط أو المبدأ عاملي الملاحظة والزمن أي اطِّراد الظواهر الطبيعية في الماضي والحاضر والمستقبل. ومن مبادئه أيضاً ارتباط البحث بالواقع واستخلاص الحقائق منه وتعميم هذه الحقائق ممَّا يعطيها حيوية وقدرة على التنبُّؤ في نفس السياق. ومن أهمّ المبادئ الديمومة وتواصل الحلقات بالوصول لطبقات أخري من الفهم يقوم على اكتشاف حقائق جديدة.

وبما أنَّ المنهج ينظر إلى ظاهرة في عموم وجودها ليدرسها فيجب أن يحلِّل أجزاءها لأبسط العناصر ويتعرَّف على العلاقات التفاعلية أو الاعتمادية بينها ثمَّ ينشئ تركيباً جديداً من نفس العناصر له نفس الصفات ولكن قد تكون له وظيفة جديدة تساعد على تطوير الظاهرة واستثمارها لنفع البشرية أو دحرها بترياق المعرفة.
والباحث يجب أن يكون وعيه بموقفه الذاتي من موضوع البحث عالياً ويتَّخذ الموضوعية العلمية سُلَّماً ما أمكنه إذ أنَّ الموضوعية المطلقة مستحيلة في حالة البشر.

إنَّ من مبادئ استخدام المنهج أن يكون ملائماً لبحث الموضوع وأن تكون أدواته متناسقة ويمكن الاعتماد عليها في استخلاص نفس النتائج إذا قام بها شخص آخر في سياق مشابه وبهذا يمكن أن نقول أنَّ منهج الباحث صادق وثابت.
ولذلك فالبحث العلمي الذي لا يختار منهجه الصحيح لا يقدِّم للإنسانية جديداً يُعتمد عليه، أو تؤخذ نتائجه مأخذ الجد كحجر في أساس المعرفة يُبني عليه.

وعليه فإن اختيار المنهج هو مفتاح الفهم بطريق مباشر أو غير مباشر، إذ أنَّ قصور المنهج نفسه عند التطبيق يفتح نافذة فهم جديدة وباب علم جديد.
والعلم لا يقوم إلا على أساس افتراضات ممكنة ومعقولة ومحتملة، وهدفه قد يكون مثالياً؛ أي ما ينبغي أن يكون عليه الأمر، أو تجريبياً كما يتمّ في المعامل أو حقول البحث العلمي الطبيعية، أو قد يكون وليداً للمنهجين لا يحصر النظر للسماء فقط، ولا يغوص إلى باطن الأرض دون غيرها، ولا ينكفئ على الماضي أو يسمِّر عينيه في المستقبل، ولكن ينظر إلى حيث تقف الأقدام في الزمان الحاضر، و يسأل أي سبيل ستمشي عليه، وأي اتجاه تتَّبع، ولأي هدف ستصل لا هي لاهية عمَّا ينزل من السماء من علم، ولا هي منشغلة عمَّا تكشفه التجربة، ولا هي منشغلة بتقفِّي خطوات السابقين، ولا يصنع عالماً مثالياً لا يقوم، ولكن خطي الإنسان الوسيط بين مصدري العلم ينسج من العلمين علماً واقعياً في سياقيه الزماني والمكاني.

والفلسفة هي الحكمة لا غير، وهي ليست كما عرَّفها الكاتب الأمريكي الساخر أمبروس بيرس: "اتّجاه يحتوي على طرق كثيرة تؤدي من لا شيء إلى لا شيء"، فهي في أعلاها العلم المطلق أو الحق، وهو أمر يستحيل في حالة البشر، وفي أدناها تعني فهما شاملاً وصحيحاً بواسطة الإنسان لظاهرة الإنسان والظواهر التي تحيطه وتتحكَّم فيه أو يتحكَّم فيها، ويتفاعل معها أو ينفعل بها ولذلك فهي تمثِّل نسقاً فكريَّاً متسقاً متلاحماً وشاملاً.

وبدون هذا النسق لا يمكن للإنسان أن يكون كائناً مُبادراً وفاعلاً في الحياة للتحكُّم فيها وتغييرها للأفضل، لا مُجرَّد صدي لها أو زبد ترمي به أمواجها أينما شاءت. وبمعني آخر يكون خلاقاً مبادراً بالإبداع حين تُحتِّم الظروف، أو إصلاحياً حين يجب الأمر أو ثورياً حين يجب التغيير الجذري وبهذا يكون الإنسان مرناً في سياقه المفروض لا يرضي بالظلم ولا بالجهل يعرف لكل مقام مقاله.
ويجب أن ننتبه إلى حالة القصور المعرفي مهما أُوتي الإنسان من معرفة وأنَّ أقصي ما يمكن أن يطمع إليه هو التراكم المعرفي أو الوحي الإلهي.

وسنواصل إن أذن الله سبحانه وتعالي

ودمتم لأبي سلمي