بسم الله الرحمن الرحيم
تأمُّل في مفاهيم علوم الاقتصاد والاجتماع والسياسة: دراسة لكتاب:
التشكُّل الاقتصادي الاجتماعي في السودان وآفاق التغيير السياسي: قراءة في الاقتصاد السياسي السوداني
الحلقة الثانية
د. عبدالمنعم عبدالباقي علي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

فحوى العنوان ومغزي التسمية:
اختيار عنوان لكتاب من أصعب المهام وأهمَّها إذ أنَّ العنوان لا ينقل مادَّة الكتاب للقارئ فقط وإنَّما ينقل أيضاً الهدف والرسالة والإحساس بمادَّة الكتاب.

وقد اختار المؤلف الأستاذ حسين أحمد حسين كلمات ذات دلالة لمفاهيم مُعيَّنة تُرشد القارئ لهدف الكتاب ألا وهو النَّظر في التكوُّن الاقتصاد ي الاجتماعي في السودان من وجهة نظر مُحدَّدة، فهو يضع الاقتصاد كأساس ويلصق به المجتمع ولا يضيفه مثل قول: التشكُّل الاقتصادي والاجتماعي وإنَّما قال: الاقتصادي الاجتماعي فهو بذلك قد تجاهل الحدود الوهمية بين المجالات الإنسانية ولكنَّه رغم ذلك نظر بعين الاقتصادي أوَّلاً.

ثمَّ عرج على على مفهوم التغيير وحدَّده بالسياسي، ولم يقل الاقتصادي أو الاجتماعي، ثمَّ جمع بين مفهومين يدُّلان على تفاعل هذه المفاهيم الثلاثة وترادف أطرافها فنبَّهنا أنَّ هذه قراءة في الاقتصاد السياسي ولم يقل الاقتصاد الاجتماعي كأنَّه يلفتنا إلى أنّ للسياسة قصب السبق في عملية التشكل الاقتصادي والاجتماعي ويجب أن ننتبه أنَّ الحل سيكون من باب السياسة وليس من باب الاقتصاد أو علم الاجتماع.

وأيضاً تحديد كلمة قراءة بدلاً عن كلمة بحث توحي بنية المؤلف للابتعاد عن التأليف الأكاديمي البحت وإضافة رأيه الخاص الذي استقاه من تعليمه ومهاراته المهنية وخبرته الأكاديمية والحياتية ممَّا يُوسِّع دائرة المُتلقِّين وينفض عن الكتاب ملل الأكاديمية ويعجن النتائج بماء الواقع.

وعندما نريد أن نفهم كيف انتهي وضع أو مخلوق إلى شكله الحالي فنحن نريد أن نرجعه إلى مُكوِّناته الأوليَّة وأيضاً طريقة تضافر مكونات أخري؛ إضافة أو تحويراً، تحت ظروف معيَّنة، في سياق مُحدَّد، بتدخُّل عوامل متوقَّعة أو غير متوقَّعة، ولذلك كلمة تشكُّل في علم الأحياء تعني تكوُّن أنسجة جديدة إن كانت ابتداءً أو إضافة. ولهذا الرجوع إلى أصل الأشياء يعني الرجوع للنقطة الأولي التي يبدأ منها الخلق تصديقاً لقول الإمام علي بن أبي طالب: العلم نقطة كثَّرها الجاهلون. فالذين لا يرون كينونة الأشياء كتعبير لفكرة واحدة ويعمون عن رؤية الاتحاد ويتبنون منهجاً اختزالياً وليس تكاملياً، ويسعون لإيجاد الحدود التي تفصل لا الحدود التي تُميِّز وتكون الجسر الذي يعبرون عليه وليست الحدود التي يقفون عندها فهم في حالة عمه والعمه هو عمي البصيرة. وهم أيضاً لا يدركون الواقع كما هو وإنَّما يتوهَّمون واقعاً يجب أن يكون تبعاً للأيديلوجية التي يتبعونها.

ومثل هذه الدراسة تشريحية في المقام الأول تردّ الأشياء إلى لبناتها الأوليَّة ثمَّ تجمعها لترينا كيف تخلَّقت فنكتشف من خلال التشريح أسباب العلل ومكمن الداء لنفسح المجال للشفاء والعافية. وهو لا يختلف في منهجه عن منهج عالم الأمراض في معمله الذي تأتيه العينات من المريض ليضعها تحت المجهر ثمَّ يبحث عن نوع المرض ليشخِّصه ليصف الدواء، ولكنَّه لن يستطيع فعل ذلك إذا لم يعرف أوَّلاً علم التشريح ويعرف طبيعة وشكل الأنسجة السليمة قبل أن يصيبها المرض ثمَّ يعرف أنواع التغيُّرات التي تطرأ على الأنسجة المريضة وأسبابها.

هذا المنهج التشخيصي يتبع منهج إيجاد الحلول للمشاكل أي تشخيص المشكل ليتمّ توصيف الحل. هذا المنهج على نجاعة وسائله وبديهية صوابه لا يمكن تطبيقه إلا على العمليات البسيطة التي لها خط سببي مباشر وواضح وأوضحها مثال الإصابة بجرثوم باكتيري معروف وله مضاد حيوي معروف. ولكن حتى هذا المثال تعتور تطبيقه عوامل أخري مثل أن يكون الجرثوم قد بني مناعة ضدّ المضاد الحيوي، أو أن تكون للمريض حساسية ضدَّ المضاد الحيوي، أو أن تكون الحالة الصحية للمريض في حالة تدهور مريع لا تعطي المضاد الحيوي الوقت الكافي ليحارب الجرثوم، أو أنَّ المريض لا يستطيع أن يشتري المضاد الحيوي، أو أن يكون سبب الالتهاب هو القابلية مثل مريض السكر. هذا المثال يوضِّح أنَّ منهج تشخيص الداء لوصف الدواء غير مجدي في معظم الحالات خاصَّة إذا كانت العوامل متعدِّدة ومتفاعلة ومتجدِّدة في سياق مثل سياق الوطن.

ونري هذا المنهج التشريحي واضحاً في شرح المولي سبحانه وتعالي لكيفية خلق الإنسان فبدأ بأصل التخلُّق وهو السائل المنوي، ثمَّ شرح كيفية تخلُّق الجنين بكلِّ مراحله من علقة ومضغة وما شابه. وإذا رجعنا لأصل هذا المخلوق لوجدناه خليَّة واحدة انقسمت ثمَّ تخلَّقت إلى أشكال مختلفة يؤثر فيها طبيعة الحاضن، ونوع الغذاء، وطبيعة الجينات الوراثية، والتعرُّض لعوامل خارجية أو داخلية.

ولكن ذلك لا يعني اليأس ولكن يعني فتح باب المعرفة بمفتاح السؤال كما قال الإمام علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه: العلم خزائن الله مفتاحها السؤال. ويقول أيضاً: "يوزن غداً مداد العلماء مع مداد الشهداء فيرجح مداد العلماء على دماء الشهداء. وهو يعني العلم الذي يهدي للتي هي أقوم أي التي هي أصلح وينهي عن التي هي أعوج أي التي هي أفسد. وقد أخذ الله على العلماء ميثاق قول الحق، وألا يسكتوا على الظلم ولا على استغلال البشر ولا على فسادهم إن ظهر ذلك في فقر الناس وترف الآخرين.
وليس هناك من باب للرخاء والعافية إلا العلم والفكر.

المُشكل في مغزى التسمية هو اختلاف المداخل الأكاديمية أو البديهية للقارئ، فعالم الاجتماع أو الذي يتبع الفطرة قد يقول أنَّ تجمُّع البشر هو الأصل والاقتصاد نشأ عن حاجة لتغطية الحاجات الضرورية أو الرفاهية للإنسان ولذلك هو ناتج والأجدى أن يسبق الاقتصاد.

ولذلك يجب أن نتساءل: هل كان سيكون هنالك اقتصاد أو سياسة بدون وجود الإنسان؟
وهل الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي لا تكفيه الطبيعة لسدِّ حاجاته الأساسية ولذلك عمد إلى تطويع الطبيعة أو ابتداع وسائل أخري لتغطية هذه الحاجات وبذلك نشأ الاقتصاد؟ وإذا كانت جميع الحيوانات مثلاً تأكل مما تنبت الأرض دون تبادل للمنافع أي دون سوق تبيع وتشتري فيه، فلماذا يحتاج الإنسان إلى عوامل أخري ليستفيد من منتوج الأرض إن كان نباتاً أو حيواناً؟ لماذا نري أكل السمك النيء هو الشذوذ وليس القاعدة ويري الإنسان أن طبخ اللحم ضرورة؟ ولماذا يحتاج أيضاً إلى علم خارجي وليس علماً داخلياً يحكم تصرفاته كما تفعل بقية المخلوقات ولذلك ينشأ النزاع ويحتاج للسياسة لحلِّه؟
ما يوحي به عنوان الكتاب هو ثقة المؤلف في رؤيته ونظره للأشياء وتقييمها ثقة تقوِّي عوده لطرح حلٍّ يؤمن به ويتبنَّاه، أصاب أم أخطأ، ولذلك فهو عنوان واعد وما ناتج التأليف إلا انعكاس مرآة النفس.

وسنواصل إن أذن الله سبحانه وتعالي

ودمتم لأبي سلمي