بسم الله الرحمن الرحيم
تأمل في معني القصص

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

"إنَّ الأدب إذا لم يعلمنا شيئاً جوهرياً عن الوضع الإنساني، فإننا لن نهتم بأن نعود أحياناً إلى نصوص قديمة من ألفي سنة. إنَّ المؤلفات أكثر ذكاءً من مؤلفيها، وكذلك فإن تأويلاتنا لها أكثر ذكاءً منا نحن، وأخيراً فإنَّ للمؤلفات الأدبية ميزة التوجُّه للجميع".
الحياة المشتركة
تزفيتان تودوروف

مقدِّمة:
أهداني الأستاذ المفكر الروائي عمَّار تاسائي الأحوازي روايته "أمّ البلابل" التي من إصدارات إى-كتب في لندن في سبتمبر ٢٠١٧.
والرواية نصٌّ سردي لحياة مواطن اسمه جاسم بن الحاج محمد من منطقة الأحواز أو الأهواز كما ينطقها الفرس، وهي تقع بين البصرة وإيران ويطلق عليها اسم خوزستان؛ أي أرض القلاع والحصون وأيضاً عربستان أي أرض العرب. وكلمة الأحواز مُشتقَّة من كلمة حاز وهي أرض قامت بحيازة العرب لها منذ بدء التاريخ. هذه الأرض العربية، التي ظلَّت مستقلَّة حتى عام ١٩٢٥، احتلَّتها إيران بعد خديعة بريطانيا لحاكمها الأمير خزعل الكعبي، وقد كان موقعها الاستراتيجي المُطل على خليج العرب وثرواتها من الماء والنفط والغاز من أسباب احتلالها وتهجير أهلها.

والرواية تستخدم صوتاً واحداً هو صوت جاسم الذي يروي حكايته وحكاية قرية أم البلابل منذ صغره إلى شبابه، فيصير الشاهد على تغيير المنطقة بعد غصب أراضيها وانتقاله إلى المدينة من قرية أمّ البلابل، التي أنشأها جدَّه بمدِّ أرضها القاحلة بماء نهر كارون فصارت جنَّة صغيرة تؤمُّها البلابل رمز الحياة والرخاء والجمال. ويجيء صوت جاسم كخيط العقد الذي يربط الأحداث بشخصياتها وسياقيها الزماني والمكاني تُضاف مثل الأحجار الكريمة رويداً رويداً في رحلة السيرورة إلى مآب الصيرورة. ونحن نري من خلاله التغيير للمنطقة والتغيير لمجتمعه والتغيير الذاتي فهو بصرنا وبصيرتنا للفهم.

وهي تبدأ بتوضيح سبب كتابتها منذ أوَّل سطورها، وهذه شجاعة جديرة بالالتفات، فالراوي عادة ما يُخفي غرضه ويبني الحدث الدرامي ليُشوِّق القارئ ولكن في تقنية الرواية مل يجعلك تنسي ذلك لتفاجأ به عند النهاية ممَّا يدُلُّ على حنكة المؤلف.

وأم البلابل رمز لعربستان فهي تُمثِّل أفضل ما نظر العربي وهو الاستقرار والاحتفاظ بالقيم والعادات البدوية فلا هو انبتَّ من أصله ولا هو تبنَّي حياة المدينة المُتفسِّخ. والاسم المؤنَّث رمز للرحم الذي يلد الجميع ويحتضنهم وهو رمز قوَّة وديمومة ومرونة تعطي بقدر ما تُفلح بأيدي ذكورها ورعايتهم وحبَّهم.

وفي هذا الرمز رمز آخر مُستتر وهو انحياز المؤلِّف للمرأة العربية، التي نالت قسمة ضيزى من رجال أمَّتها، فهي في نظره تمثِّل الأمان والاستقرار والعطاء والإيثار والحكمة، في مقابل رجال متقلِّبي المزاج، هُوجُ الانفعال، وضحلي الثقافة، تقليديّ العقيدة، حمقٌ تُغطِّي أنانيَّتهم وعيهم عن حقيقة أمرهم ومدي جهلهم. فوالده رغم حجِّه لبيت الله الحرام، إلا أنَّه سقط في أوَّل امتحان لصدق إيمانه وأدمن على المخدرات.
ونري في ثنايا الرواية كيف يتحدَّث جاسم عن أمِّه باحترام ويُدهش لقدراتها الكامنة التي انبثقت عندما أُعطيت الفرصة فكانت صمَّام أمان الأسرة مُدبِّرةً ومديرة من الطراز الرفيع في أقسي ساعات حياتهم وهي القروية التي انتقلت فجأة لمدينة لا تعرف فيها الكثير ولم تُعدّ لهذه المُهمَّة من قبل.
يقول جاسم بن الحاج محمد بعد انتقالهم للمدينة وتفتُّح آكام ورود أمِّه المعطاءة:
"لم أكن أعرف أن أمي لديها هذا الذكاء والقدرة على الإدارة وتستطيع أن تقوم بعبء الأسرة والقيام بما يتطلبه الدكان، وهي التي كانت لا تعرف الفرق بين العملات النقدية حين كنا في أم البلابل".

ولعلَّ في ذلك تلميح إلى أنَّ حال وطننا العربي سيكون أفضل حالاً إذا أدارت أموره النساء بدلاً من الرجال الذين لم يحافظوا على استقلاله وأمنه وحريته وازدهاره بل أوردوه مدارك الهلاك.

الطفل جاسم نشأ مليئاً بالتناقضات في مجتمعه، والتي قدحت زناد ذهنه بأسئلة وجودية وأخري متمرِّدة، ولكنَّه كان نتاج هذه الثقافة المعقَّدة والمتحجِّرة، فنشأ بشخصيَّة مُهتزَّة ذرائعية مهترئة الضمير يمكن أن تبيع نفسها من أجل أن تنسلخ من واقعها، الذي يمثّل لها التخلُّف والفقر والقبح، إلى واقع الفرس الذي يمثل لها التقدُّم والغني والجمال. ومن خلال سيرته نري أنماط المجتمع الإيراني من عرب وفرس سُنَّة وشيعة ومجوس ومسيحيين وغجر وتقاطع حيواتها وتقييم المجتمع لها.

جاسم في بحثه عن هويَّة جديدة يتبنَّي الهوية الفارسيَّة تماماً فيتعلَّم لغتها ويُغيِّر اسمه ويتزوَّج من فارسية ويعمل في شركة فارسية بدلاً من المقاهي العربيَّة. بل ويبلغ درجة من الخيانة أن باع ضميره للسافاك ليتجسَّس على أصدقائه من الثوار العرب الذين بدَّدوا ظلام جهله عن أصله وأرضه وحقيقة الاستعمار الفارسي لديارهم وغمطهم لحقوق العرب وهؤلاء الأصدقاء هم الذين ساعدوه حتى تعلَّم وتوظَّف.

تنتهي الرواية بانتفاض العربي "الحمش" المتهوِّر في داخله عندما وجد زوجته الفارسية مع ابن خالتها عميل السافاك وظنَّ بهما الخيانة بعد أن سمعهما يزدريان العرب، فصار في وهلة واحدة أباه الذي سبق وأن حرق معسكر المهندسين الفرس، الذين سمعهم يسبونه ويتوعَّدونه بأخذ أرضه وانتهي كلٌّ منهما بكارثة كما حدث لجدِّه الذي قتل في لحظة غضب رجلاً من قبيلة أخرى.

هذه الحادثة كانت مفتاح وعيه الجديد وهو أنَّ الذي ينسلخ من هويَّته القديمة خاسر، ولذلك بدلاً من أن يهرب للعراق أنشأ قرية صغيرة أخرى سمَّاها أمَّ البلابل على قطعة أرض قاحلة على غرار قريته التي نشأ فيها، وكان فيها مركز أمنه واستقراره النفسي، وهو رفض ضمني للحضارة كما جرَّبها ولجوء للماضي بلا تغيير وإكمال لدورة حياة أجداده. وتنتهي الرواية بتصالح ضمني نفسي، وأيضاً مع الأب القاسي الذي ساعده في تعمير الأرض، وبخبر التغيير السياسي الكبير بعد هروب الشاه وقيام الدولة الإسلامية. ولا ندري هل تعلَّم جاسم الدرس أم أنَّه ظلَّ ذرائعي المنهج لا يُفكِّر إلا في ذاته ولم يكن اختياره عن وعي ووطنيَّة وإنمَّا كان من أجل استقراره النفسي وإيجاد معني مُغاير لحياته باستلهام ماضيه كحلٍّ لمعضلة الحياة التي سقط في امتحانها.

المتن:
الرواية هي نزاع مستمر بين مذهب الفردانية ومذهب الجماعة يمثله المجتمع الأصل أو الوطن المغصوب أو الوطن الفكرة.
جاسم يمثِّل الطفل القروي الذي نشأ في نطاق قرية صغيرة عانى فيها من قسوة أبٍ متهوِّر ومتناقض، وهو صورة نمطيَّة لعرب تلك المنطقة الذين يفخرون بأصلهم العربي ويكرهون الفرس، الذين يطلقون عليهم اسم العجم، ويدافعون بجهل عن كلِّ إرثهم الثقافي بما فيه من تكريم للعلماء ورفض تعليم ذريَّتهم، وأيضاً ثقافة العمل الشاق وصرف كل الدَّخل القليل ببذخ على الضيوف والتقتير على الأسرة، وأيضاً تحقير دور المرأة والانفراد بالرأي والقرار على أساس الكرامة وتضييع حقوق الآخرين.

وهذه الشريحة من العرب لا هي بدوية النشاط، فهي تعتمد على الزراعة، ولكنَّها بدوية المظهر متقشِّفة تعيش على أساسيات الحياة، ولا هي أيضاً مدنية العادات والثقافة، فهي تأخذ من إرثها البدوي عاداته وقيمه ولكنَّها مستقرِّة ممَّا جعلها عرضة لنفوذ الدولة، بينما البدوي يفتخر باستقلاله فالدولة لا تمثِّل له إلا مصدر إزعاج عند جمع الضرائب.

ذلك يعني أنَّ هذه الشريحة من العرب فضَّلت الاستقرار على الترحال في الصحراء فسكنت القري، ولكنَّها لم تلحق بركب المدنيَّة وتخافها، وتري في المدينة شيطاناً لا غير مليئاً بالمُتع اللامحدودة والانحلال، ومركزاً لثقافة أخرى يجب الابتعاد عنها وإلا ضاعت هويتهم وسطها وتفسَّخت قيمهم.

يظهر هذا في ردِّ الأب الغاضب على جاسم عندما سأله لماذا لا يرحلون للمدينة:
"اخرس ولا تنبس بكلمة واحدة، أتريد أن تتسوَّل في الشوارع وتتعلَّم أكل الساندويش وشرب الخمر مثل أولاد الحرام واللصوص؟"
هذا الأب المتهوِّر لم يستطع أن يصبر على السجن فأدمن الأفيون وعندما خرج تعلَّم الكذب حتى يضمن ثمن إدمانه وهكذا ظهر لجاسم تناقض ونفاق الأب وضعفه بعد كلَّ الزَّوبعة والعنتريَّات السابقة وهذا حال العرب سلاحهم زعيق ونهاية أمرهم هزيمة.

والبليغ في هذه الرواية أنَّها لا تتعامل مع الأحداث بصورة تقريريَّة مباشرة ولكن بطريقة ذكية مُوحية وضمنيَّة تجعل القارئ يستنبط منها تناقض المجتمع العربي والفارسي ورفضهما لبعضهما البعض منذ بداية التاريخ والعداوة الواضحة والمستترة، وتأثير العوامل السياسية والجغرافية على منطقة الأحواز بالذات ضمن مناطقه الأخرى. فهو لا يتحدَّث مباشرة عن العرب الشيعة أو السنَّة ولكنَّه يوحي بذلك فمثلاً عندما يأخذه خاله ليعمل في قهوة صديق خاله الأستاذ عبدالرزَّاق يصف لنا ما رآه:
"جلسنا أنا وخالي داخل المقهى، لم يكن المكان واسعاً كما تخيلته من الخارج، صُفت فيه طاولات وكراسٍ مصنوعة من الخشب ووضعت قرب الباب طاولة فوقها صندوق خشبي صغير وعُلِّقت خلفه صور ملوَّنة بألوان فاقعة، صورة لرجل تلمع على صدره النجوم وإلى جانبها صورة لرجل ومعه أسد كبير، قال لي خالي حين سألته أنَّ الأولي صورة للشاه والثانية للإمام علي".

نستشفُّ من ذلك أنَّ المقهى في إيران وصورة الشاه مُعلَّقة لصدِّ الاتِّهام بالتآمر ضدَّ نظام الدولة وهو ممَّا يتماشى مع مذهب التُّقية الشيعي ويظهر ذلك في قول الأستاذ عبدالرزاق:
"هذا الزمن صعب، نعوذ بالله منه ومن أهله، رحلت الناس أهل الشرف والحمية وجاء إلى البلد العجم مثل البلاء الذي يحلُّ بالبشر".

ويأتينا التَّأكيد أنَّ صاحب القهوة شيعي المذهب لأنَّه يُعلِّق صورة الإمام علي كرَّم الله وجهه. ونستنبط من ذلك أنَّ جاسم من السُنَّة إذ لو كان من الشيعة لكان والده قد علَّق صورة الإمام علي بن أبي طالب ولكن أهل السنَّة لا يؤمنون بصور الأنبياء أو الصحابة.

ونُدرك أيضاً أنَّ العلاقة بين السُنَّة والشيعة كانت علاقة حميمة لم تشرخها المذاهب الدينية في ذلك الوقت.
ومن الأشياء المُوحية بسياق المكان استخدام الأسماء فمثلاً اسم صاحب المقهى الأستاذ عبدالرزاق وهذا الاسم له هويَّة خاصَّة عند الشيعة ونلاحظ أنَّه لم يختر أحداًّ من الأسماء الظاهرة مثل جعفر والباقر والصادق وحيدر، وأيضاً استخدامه لاسم السيِّد الكعبي المدرِّس الذي ساعده فأمير عربستان كان اسمه خزعل الكعبي وكان اسم الدولة الأمارة الكعبية وهو اسم يختصُّ بذلك المكان لا ينتشر في غيرها. هذه هي البصمات الدقيقة التي تساعد على صدقية الرواية وعلى تمييز سياقها.
السيد الكعبي يبدو أنَّه اختار طريقة القوَّة الناعمة في مقاومة الاحتلال الفارسي باتِّخاذ العلم وسيلة للجهاد ورعاية النشء العربي وتمكينهم لإيمانه أنَّ الجهل لا يؤدِّي إلا إلى الضياع والهزيمة وأوَّل الأسلحة هي معرفة لغة العدو ومنافسته على الوظائف ولذلك قال لجاسم:
"اسمعني يا ابني، بعض المعلمين هنا لا يحبون العرب، حاول أن لا تحاججهم ولا تدخل معهم في سجال. أقصد اهتم بدروسك وتعليمك قبل كلِّ شيء آخر، خاصة هذه الأيام، الوضع متأزم بين عبدالناصر وإسرائيل، وبعض هؤلاء الفرس العنصريين يحاولون أن يستفزُّونا نحن العرب، لا تعطيهم حُجَّة يطردونك بسببها من المدرسة، فهمت؟".

هذه النصيحة وضعت الرواية في سياقها التاريخي فنستنبط أنَّ أحداثها في منتصف الستينيات قبل النكسة وأيضاً تربط ربطاً مباشراً بين حال دولة عربستان المُحتلَّة وفلسطين المحتلة، وتماهي عرب عربستان مع العرب في جهادهم ضدَّ إسرائيل وخوف الفرس من انتصار العرب الذي لربما سيؤدِّي لانتفاضة العرب في عربستان وتحريرها بمساعدة الدول العربية ولذلك تظهر مثل هذه النزاعات الخفيَّة في علاقة الأساتذة العرب مع الأساتذة الفرس. ولكن السيد الكعبي يُفرِّق بين الفرس العنصريين وبين الفرس الآخرين الذين يساندون العرب في حربهم ضد إسرائيل لاحتلالها لأرض المسلمين المقدسة.
ونجد أنّ هذا كان هدف المتعلمين المثقفين من عرب عربستان فعندما ذهب جاسم ليزور صديقه خالد قال له الأستاذ جمعة هرموش:
"مثلما الشاه يطور العجم نحن أيضاً علينا بتطوير أنفسنا".

والعنصرية لامسها جاسم عندما قابل في المدرسة الأستاذ مستوفي الفارسي الذي سأله:
-أين كنت قبل أن تأتي هنا؟
- أعمل في مقهى في سوق عبدالحميد.
-سوق العرب؟
ردَّ باستخفاف وهو يلوي شفته السفلي.
-ولماذا لم تبق في حظيرتك؟ يا حيوان؟

هذا الموقف كان لحظة حاسمة في حياة جاسم لها ما بعدها إذ كان مُتجاذباً بين ثقافة البداوة التي لا ترضي الضيم وتضحِّي بالحياة من أجل الشرف وثقافة الحضارة التي تقبل الخنوع وتضحِّي بالشرف من أجل الحياة ولنتأمَّل شعوره وما دار بذهنه وسلوكه في تلك اللحظة:
"تفاجأت من قلَّة أدبه وشتيمته، تلعثمت ولم أعرف كيف أرد عليه، شعرت بغضب يجتاحني من رأسي حتى أخمص قدمي، تمنَّيت تهشيم عظام جمجمته بالعصا، توثَّبت لأردَّ عدوانه إلا أنني تراجعت حين تذكرت كلام السيد الكعبي.
وعندما غادر مكتب الأستاذ مستوفي:
"خرجت من الغرفة وأنا غاضب، لأوِّل مرَّة في حياتي أسكت على شتيمة أحد ولا أردّها عليه، تمنَّيت لو أمتلك عصا وأحطِّم له رأسه الكبير، شتمته في سرِّي".

هذه لحظة محورية في مسيرة جاسم ومحك لاختبار مدي تأهّله للتغيير من ثقافة البداوة وانخراطه في ثنايا ثقافة جديدة وقد مرَّ بأحداث عديدة مسَّت كرامته ولكنَّه كظم غيظه وقيَّد بدويَّته المتهوِّرة وبرَّر لنفسه تفاهتها وهو يري جزرة التمدُّن أمامه.


هناك أمثلة كثيرة لاحتكاك الثقافتين في الرواية ومن أجملها عندما ذهب أهله لخطبة عروسه الفارسيَّة:
"دخلت شهين وسلَّمت على أمِّي وأبي، كانت متألقة بفستان أبيض ذي أكمام قصيرة، رأيت أمِّي تحدِّق بها، كانت تُقيِّم جمالها بعين فاحصة، همست في أذنها طالباً منها أن تتنازل عن اختبار الأسنان مثلما تفعل نساء أم البلابل، يقدمن حبة جوز للعروس لتكسرها بأسنانها للتأكد من سلامة أسنانها! استقبلها أبي أيضاً بحرارة وابتسامة عريضة وقبَّل جبينها، إلا أنها لم تُقبِّل يده، شعرت أن موجة من الامتعاض مرَّت على وجهه".

والمعروف أنَّ اهتزاز الهوية الثقافية يؤدي بالإنسان للسعي لإيجاد قيم جديدة للحياة ومعني يمكنه من فهم ذاته وفهم العالم الذي يعيش فيه لتحقيق مشروعه في سياق جديد قد يؤدي لتحقيق الذات أو تخبطها أو موتها. فهذا الاهتزاز يحدث عندما ينعدم الاتِّساق بين المعرفة والسلوك ويكثر التناقض خاصَّة في ذهن طفلٍ مقهور ومهدور الكرامة والفرص في حياة كريمة لا قيمة لذاتيَّته الخاصَّة ولكن يُتوقَّع منه أن يصير أداة لتحقيق أحلام أبيه وأن يُذوِّب أحلامه وذاتيَّته في وعاء دائرة الأب الثقافية. ولذلك مع تغيُّر الظروف تبدأ رحلة استكشافية لمعرفة النفس وانتمائها وولائها.

هذا التوتُّر النفسي بين الحاضر الثقافي وارتباطه بالماضي، وبين المأمول المُستقبلي لهوية مواطن عربي غريب داخلياً وخارجياً في مستعمرة فارسية هو الذي يحدِّد إطار الرواية. فكلنا نسعى لإنجاز طموحنا الخاص والانعتاق من سياقنا نحو هدف دائما ما يقف سياقنا الثقافي عقبة في سبيله.

وتعريفنا للثقافة في هذا السياق غير نخبوي؛ بمعني أنَّه لا يعتبر الثقافة ضيعة يعيش فيها بعض الناس الذين يميِّزون أنفسهم عن الآخرين بادِّعاء الوعي أو التقدُّم أو ما شابه ولكنَّه يتبنَّي تعريف "رالف لنتون" وهو:" الثقافة أسلوب كامل في حياة الناس، ويعني ذلك أنَّ ثقافة مجتمع ما هي طريقة حياة أفراده، وهي مجموعة الأفكار والعادات التي تعلموها وساهموا فيها ثم نقلوها من جيل إلى آخر".

والهوية هي إحساس بالذات ينشأ لدي الطفل للتميُّز عن والديه وإيجاد مكان منفصل في مجتمعه بولاء وانتماء مختلف يزداد التعلُّق به ومخالفة ثقافة السلطة الأبوية حسب مدي تسلُّط الأب وهضم حقوق الابن فيزداد النفور أو التماهي.

الخاتمة:
إنَّ أجمل ما أهدته لي هذه الرواية هو إضاءة جهلي عن جزء من عالمنا له خصوصية وقضيَّة رمزيَّة تحمل في جنباتها عوامل مشتركة للكثير من الأقطار العربية؛ خاصَّة السودان الثري بقبائله وشعوبه المختلفة ومسألة المركز والهامش والإحساس بالاستعمار الداخلي وما شابه. فهي رواية تعليمية قبل كلِّ شيء وهو ممَّا يؤكد واجب الأديب والمفكِّر في قومه لرفع غطاء الجهل بقضيته وقضية أمَّته عن عيون الآخرين وقد فعل ذلك الأستاذ عمار الأحوازي بنجاح كبير فسار بمشعل ضياء يُرينا خبايا مجتمعه وتناقضاته وصراعاته وعنصريته الخفيَّة وبُقع الأمل في مستقبل أفضل عن طريق رفع وعي الأجيال من خلال التعليم والتثقيف بقضاياهم وأهميَّة ارتباطهم بأرضهم وأهلهم.

والأحواز العربية هي القضية المنسية في وجدان العرب قبل قضية الأرض المحتلة في فلسطين، إذ تفرَّقت دماؤها بين ادّعاء العراق وبلاد الفرس لملكيتها في زماننا الحديث، ولذلك اضطربت هوية أبنائها وبناتها وأيضاً ولاؤهم وانتماؤهم.

فالرواية هي ببساطة الإعراب عن الحيرة في نصٍّ سردي على لسان طفل أحوازي يتأمَّل مجتمعه ويسأل الأسئلة الفلسفية البديهية التي تكشف نقاط التناقض الفكري والمعرفي والسلوكي في ذهنية قومه، وتُعرِّي بصورة غير مباشرة أسباب التخلف الثقافي والمجتمعي وأولها هو عدم سؤال الأسئلة الحرجة للعادات الموروثة، وذلك قد يكون لانعدام الوعي بها أو لأنَّ الوضع الراهن يحمي مصالح طبقات بعينها.
ونجد في هذا الجزء تعرية لواقع عنصري ومتناقض في ذهن مراهق وهو يري الشيوخ زعماء العشائر في حفل زواج يتصدَّرون المواقع ليشاهدوا رقص الغجريَّات:
"إذا كان هؤلاء الذين يُعدِّد حسناتهم الرجل الطويل، يرون في الرقص وأصحابه من مطربين ومغنِّين أناس لا يستحقُّون الاحترام، وأنَّ ما يقومون به حرام، فلماذا يجلسون هنا ويشاهدونهم وهم يغنون ويعزفون ويرقصون؟ هل يحبون ما يقومون به من عمل وهو الرقص والموسيقي ويكرهون أصحابه؟ وكيف يستطيعون أن يجرِّدوا عملاً من أصحابه؟ ويحبُّوا العمل ويمقتوا أصحابه؟ وأنا علىّ أن أُحبُّ من وأكره من؟ وكيف لي أن أكره أناساً وهم لم يلحقوا بي ضرراً بل ويقدمون لي هذه المشاهد الممتعة والرائعة؟

ومفتاح باب الحكمة هو في مثل هذه الأسئلة الفطرية المُتعبة لنفس لم تتعلم الزيف بعد، ولا تآكل وعيها نتيجة تجربتها في الحياة بتعلُم النفاق الاجتماعي الذي تحتِّمه ضرورة المعيشة، وهي تستخدم الحدس للكشف عن الحقيقة وهو إدراك مسبق يتجاوز العلم الحسِّي الناتج عن التجربة.

وهي أسئلة مُتعبة لأنَّها تهزُّ مركب الأمر الراهن الذي اعتاد عليه الناس، فتقضُّ مضاجعهم لأنَّ في معاضلتها الاستيقاظ من سبات وخدر تاريخي طويل، ومراجعة للنفس المستكينة لواقعها البائس، ومصدراً لمعرفة جديدة مكتسبة، ومدعاة للتغيير الذي يقلق الناس، فهم، كما يقال، يفضلون الشيطان الذي يعرفونه وتعوَّدوا على استئناسه والتعامل معه على الشيطان الجديد المجهول حتى وإن كان ملاكاً يريد لهم وبهم الخير. والأعراب البدو أكثر العالمين مقاومة للتغيير ولذلك ظلَّت حياتهم ونمطها وثقافتها كما هي منذ آلاف السنين لم تتغيَّر جوهريَّاً وإن كانت قد اقتبست من المفاهيم الجديدة التي حاصرتها مدفوعة بغريزة البقاء ومقهورة بغلبة شوكة الثقافة الجديدة مثل الإسلام مثلاً.

وهذا الطفل المتسائل إنَّما يدعونا لمائدة الدهشة الأولي بعد أن بهت إحساسنا وفقد عذريته وحدَّة مديته التي تشرِّح الأمور كما ينبغي وذلك نتيجة التَّعوُّد والسلوك النمطي الموروث الذي روَّض النفس بترهيبها أو قهرها أو ترغيبها باستخدام كافَّة أساليب الأيديولوجيات المتسلطة، وأيضاً بسعينا لإيجاد الأجوبة الصحيحة للأسئلة الخطأ بدلاً من سؤال الأسئلة الصحيحة. وهو بموت الوعي يعلن موت الخيال، وبموته يموت الإبداع فنموت في متاهة التفاهة والفوضى.

ودمتم لأبي سلمي