بسم الله الرحمن الرحيم

حارِمني من النوم خبارَكْ؟ ...... نضال حسن الحاج

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
لولا الإنكار ما صحَّت الدعوى:
نضال حسن الحاج لا أجد ما أصفها به إلا بالرَّقيمة وهي تعني المرأة العاقلة البَرْزَةُ الفَطِنَةُ، ويقال عن مثلها: هي تَرْقُمُ في الماء، أي بلغ من حِذْقها بالأُمور أن تَرْقُمَ حيث لا يثبت الرَّقْمُ وهذا هو الإحساس الذي تبثُّه في شعرها إذ أنَّه ملئ بالدهشة والصور الحيَّة كأنَّه كُتب على صفحة نهر من الحياة يبدو ظاهراً وهو باطن خادع يظنه الناظر قريب القاع وهو عميق. فشعرها "كلام ليس يحلو بعده الا السكوت" كما قال محمود سامي البارودي رحمه الله، فهو سهلٌ ممتنع ليس به فضفضة لغوية فكلماته مُفصَّلة على قدر معانيه بلا إسراف أو تقتير.

وقد قلت من قبل إنَّ في سؤالها: حارمني من النُّوم خبارك؟ أشياء عديدة وأهمَّها الإنكار، وفي ذلك يقول الشيخ فتح الله أبي بكر بن محمد بناني رضي الله عنه في "كتابه بغية السالك وإرشاد الهالك":
"تأمَّل يا فقير قولهم: لولا الإنكار ما صحَّت الدعوى. أي لولا الملامة في العشق ما تحقَّق العشق، لأنَّ الملامة شعار المحبين، ولا بدَّ عند دعوى الحب من الابتلاء، تصحيحاً للدعوى".

وهذا الإنكار يظهر إذا بدا للمحب أنَّ في مكيال المحبة أو ميزان الطلب نقصاً، فالعاشق لا يرضي بغير توفية المكيال ولا يهدأ لبرهة بغير فضل الميزان في العطاء، فهو في حال عطش ومرض لا يُروي ولا يشفي كلَّما زِيدَ طلبْ وما أمر المولي عزّ وجلَّ: وَلاَ تَنقُصُواْ اْلْمِكْيَالَ وَاْلْمِيزَانَ، إلا تحقيقاً لذلك فمن يحب الله حقّ المحبَّة لا ينقص مكيال المحبة ولا ميزان الطلب وإن فعل يستبدل عاجلاً بآجلٍ ويغفل عن نور الحقِّ بظلمة طمع النفس.

ويقول أمير الشعراء أحمد شوقي: على قدرِ الهوى يأْتي العِتابُ، ثمَّ يمضي فيخبرنا عن امتزاج أرواح العاشقين:
" ألوم معذِّبي، فألومُ نفسي فأُغضِبها ويرضيها العذاب
ولو أنَي استطعتُ لتبتُ عنه ولكنْ كيف عن روحي المتاب؟"

بلاغة التعبير والصور:
منذ أن قرأت هذه القصيدة فأنا في نزاع عن درجة العلم التي بلغتها نضال حسن الحاج، وسبب ذلك أنَّ القصيدة تحمل مفاهيماً علمية صحيحة لن يتسن لمن في عمرها معرفتها وأيضاً فيها دقَّة بلاغية في اختيار الكلمات تشي بمن ملك ناصية اللغة لدرجة مذهلة إذ أنَّ بناء الصور الشعريَّة من الوصف اللغوي يستخدم الكلمات بطريقة تظهر عمق الوعي في ذلك الاختيار. هذا يعني أنَّ نضال حسن الحاج، على صغر سنَّها، وصلت إلى مرتبة الراسخين في العلم وهو أمر ممكن ولكنَّه غير محتمل، أو أنَّها أدركت هذه المرحلة سليقةً وهي مرحلة العلم التي تستخدم الحدس قبل أن يشوب الوعي بعض المعرفة التي تشوِّش الفهم، والنتيجة في الرؤية لمن درس ورسخ في العلم ولمن استخدم الحدس النقي من الشوائب واحدة. وعندما كان أهل الحضر في جزيرة العرب في الماضي يرسلون بأبنائهم للبادية لتعلَّم اللغة العربية من مظانِّها سليقة كانوا يقصدون ذلك وكان التعلم سماعيَّاً وليس مكتوباً وهو ما أظنَّه حدث في أمر نضال حسن الحاج إذ أنَّها التقطت التعابير بفصاحة بادية الجزيرة والبطانة واختزنتها في ذهنها وانصهرت ولمَّا أخرجتها كانت جواهر حسنة النظم لا يشذُّ منها فصٌّ وسنعطي نماذج لما نعنيه.

تواصل نضال حسن الحاج إعلان حيثيات الدفاع في محكمة العشق مطالبة بالوفاء في العهد فبغير ذلك لا وثاق يشدَّها إليه حتى وإن كان الحبّ نفسه فليس للصدق بديل ومنه الأمن والأمان، فالاستقامة تطلب كامل اليقظة وفي ذلك يقول إيليا أبو ماضي: "أيقظ شعورك بالمحبة إن غفا".

"دي البنية الرصّعت وشَّ الحزن في حضرتك..
نكتت عقاب الروح دَفُو ونبشت مواعين ذكرتك..
يوم البحر شقاك بُكا وحرَّش بنيّات عَبْرتك..
هي الساقت الغيم والفرح شان يسندن حيل قُدرتك..

وتعود نضال حسن الحاج لتأكيد فعلها المبادر، من بُنيَّة ظاهرها ضعف مُخادع، والذي بذر الحياة في أرض موات، ونشر الضوء في فلاة مظلمة، وبثَّ الدفء في روح مقرورة وجمَّلها بالفرح، وعافاها بالدواء، وأطفأ لهيب عطشها بماء الحب.

هذه الطبيعة المبادرة تفهم سرَّ الحياة على أنَّها إلى زوال، وأنَّ الفرص التي تُعرض علينا لا تتكرَّر ويجب اقتناصها، وهي الحكمة التي استشفَّها أبو العتاهية فدعا إلى المبادرة:
لمَ لاَ نبادِرُ مَا نراهُ يفُوتُ
إذْ نحْنُ نعلمُ أنَّنَا سنمُوتُ
واستخدمت نضال حسن الحاج ستة أفعال ماضي وفعل مضارع واحد في أربعة أبيات من القصيدة وهي: رصَّعت، نكتت، نبشت، شقَّاك، حرَّش، ساقت ويسندن.
وتحملنا صور الفعل إلى مشاهد غنيَّة بالتشبيهات والفعل الواعي ابتداء بالفعل الأوَّل:
دي البنية الرصّعت وشَّ الحزن في حضرتك..

وفي المعني اللغوي لكلمة رصَّع نقول رصَّع الخاتمَ أي حلاّه بالجواهر وذلك يعني أنَّ وجه الخاتم يحتاج لزينة بغيرها يبدو مقفراً أو قاتماً. فهي فعلت كما يفعل الصائغ ويبدو أنَّ الحزن صار طبعاً عند محبوبها، فإنَّ الطبع أو الطبيعة جبل كما يقولون لا يطرأ عليه التغيير في ذاته ولكن قد يطرأ على صفاته، فمن لم يعتد الفرح فلا شفاء لسقمه إلا بالتزيين مثل الذي يلبس قناعاً مبتسماً.

وهذا هو أوَّل الفعل إذا عزَّ الفعل، فنحن إذا لم نستطع أن نتعلَّم الأدب طبعاً فإنَّنا نمارسه تطبُّعاً ونقول في ذلك: الطبع يغلب التطبُّع. فنضال حسن الحاج أدركت صعوبة المُهمَّة، فهي قد اختارت جبلاً يصعب اقتحامه، ولذلك فقد حشدت كلّ أسلحتها لهزيمته، وعندما واجهتها صلابته اقتحمته زلزلة ولكنَّه عبس وجهه فما كان منها إلا أن رصَّعته بجواهر الفرح غصباً عنه في حضوره وليس في غيابه فهي لا تعرف المراوغة ولا تهمَّها الحِيَلْ.

وتأمل اختيارها لكلمة "وشَّ" بدلاً عن كلمة "وجه"، فهي تحمل في جنبيها معنيين وهو معني الوجه وأيضاً معني الزخرفة أو التزيين فمثلاً نقول: وشّى الخطاب أي زخرفه وزيَّنه بالمحسنات. وكذلك وشَّى الثَّوبَ أي زخرفه، وحسّنه بالألوان ونمنمه ونقشه. وفي هذا الاستخدام نمنمة بديعة.
والفعل الثاني:
نكتت عقاب الروح دَفُو

وفي اللغة نكتت النار أي حرَّكتها ليزداد لهيبها، فتأمَّل بالله هذه الصورة البليغة، فروح المحبوب كانت إلى زوال طمرها رماد الحريق حتى صارت مثل جمرة صغيرة تلفظ آخر أنفاسها وطغي البرد على جنباتها بدلاً من الدفء. ونحن نعرف أنَّ الروح عندما تفارق الجسد يبرد الجسد لأنَّها النار القدسية التي نفخها فيه المولي عزَّ وجلَّ. فجاءت نضال حسن الحاج وحرَّكت بعصاها السحريَّة ما تبقَّي نافضة الرماد ونافخة الحياة بهواء جديد نقي مضيفة جمر حبِّها ليرتفع لهيبه وينشر الدفء في محراب القلب المريض.

الفعل الثالث:
ونبشت مواعين ذكرتك..
وكلمة نبش في اللغة تعني الحفر لاستخراج ما فيه مثل نبش القبر، أو نبش العقل بسبره لاستخراج المعلومات من خلال السؤال فهذه الكلمة ذات دلالات متعدَّدة منها الحفر والتفتيش والاستخراج والكشف والإظهار.
وكنت وددت لو أنَّ الشاعر الصديق التجاني حاج موسي كان أكثر بلاغة وعمقاً لو أنَّه استخدم كلمة "تنبش" بدلاً عن كلمة "تفتش" عندما قال:
"وجاي تفتش الماضي
خلاص الماضي ولىَّ زمان،
وجفت مقلتي الباكية..
ونامت من سنين أحزان"
لأنَّ كلمة نبش الماضي في اللغة تعني نفض غُبارَ النِّسيان عن شيء كان مستورًا أو مطويًّا.

ونضال تنبش مواعين ذاكرة المحبوب ممَّا يعني أنَّه حفر لها بعيداً في أعماقه وأخفاها حتى من نفسه، وتخزين المعلومات في الذهن يتم في مواعين أو مخازن وهي ثلاثة أقسام: الأولي يمكن استحضارها مباشرة وهي تُخزَّن في القشرة الخارجية للمخ وتكون في الوعي الكامل، والثانية لا يستحضرها الإنسان إلا إذا حكم السياق أو الموقف وتُخزَّن في الطبقة التي تقع بين قشرة الدماغ ومنطقة الحزام العاطفي فيما دون الوعي، والثالثة تُخزَّن في منطقة الحزام وما دونه في منطقة اللاوعي ولا يمكن الوصول إليها إلا من خلال الأحلام أو الفعل العفوي أو الحدث العنيف الذي يفتح أبوابها.

ونلاحظ أنَّ العاطفة تقترن بالمعلومة كلَّما خُزِّنت بعيداً عن قشرة المخ وأيضاً أنَّ التخزين يرتبط بأمرين وهما معني المعلومة للإنسان ودرجة وعي الإنسان عند تسجيل المعلومة في المخ. ولذلك فالمعلومات التي يخزِّنها الإنسان في قشرة مخِّه تُسمَّي المعلومات أو الأفكار الباردة أي أنَّها لا تثير عاطفة مثل مذيع التلفاز الذي يتحدَّث عن ملايين الموتى نتيجة كارثة طبيعية أو غير طبيعية ولكنَّه لا يظهر أي عاطفة فعاطفته منفصلة بدرع يقيه من تأثير المعلومة حتى يستطيع أن يؤدي عمله مثلما يفعل الجراح مع المريض. ولكن إذا نبَّه مخرج برنامج الأخبار المذيع إلى أنَّ كلَّ من يعرفه من أهله ماتوا في هذه الكارثة فسيرتفع ذلك الدرع الواقي من العاطفة وينفعل المذيع لأنَّه سيثير منطقة الأفكار الحارَّة.

وتأمل كيف تتَّسق الصورة مع نتيجة أفعالها الثلاثة "رصَّعت، نكتت ونبشت" في الفعل الرابع:
يوم البحر شقاك بُكا.. وحرَّش بنيّات عَبْرتك.."

هل كان اختيار الكلمات الأربع لشطر البيت اعتباطياً؟ لا أظن. تفتتح نضال حسن الحاج شطر البيت بكلمتي "يوم البحر"، هذا يضعنا في سياقين زماني وحدثي، وهذا ما يعرف بذاكرة المصباح المضيء، وهذا النوع من الذاكرة يختلف عن كلِّ أنواع الذاكرة الأخرى، وتسجَّل في مكان مختلف، وهو يحدث عندما يكون هناك حدث عظيم غير عادي لا يتكرَّر مثل ثورة أكتوبر أو كارثة طبيعية مثل الفيضان، وعندما تسأل إنسان عن لحظة الحدث فإنَّه يتذكَّر اللحظة بوضوح كمن ينظر إلى صورة فوتوغرافية أو فيلم سينمائي. والحدث هو: انشقاقه بالبكاء بفعل البحر. وكلمة البحر استخدمت لمعنيين وهما تعريف يوم الحدث وأيضاً بمعني الفاعل الذي أدَّي لفعل الشق.

ومن أين يأتي البحر؟ هو بحر الدموع الحبيسة التي ما إن دكَّ ضفافه نبش الذكريات والوصول لمنطقة الذكريات الحارة، نتيجة تسلسل من الأفعال التي منها "الفجَّ وهو فعل مُزلزل، فكأنَّ شقَّ الحاجز السميك تمَّ من الخارج بواسطة الفج ومن الداخل بفعل ضغط تجمُّع الدموع التي ضنَّ بها بالتحريش، وحرَّش بين المتقاتلين أي أفسد وأغرى بعضَهم ببعض وهيَّجهم على بعض، والعبرة هي الدمعة قبل أن تفيض ولذلك تحتاج إلى تحريش لتفيض، فانظر إلى هذه البلاغة التعبيرية.

وهذا يعني أنَّ البكاء لم يكن في الماضي فقط وإنما في الحاضر أيضاً ومن يُكثر البكاء غير البنات الغريرات بلا تجربة تعطيهنّ مناعة ضدَّ الحياة؟
وهذا بودلير في قصيدة الرجل والبحر يسبق نضال حسن الحاج في الربط بين الرجل والبحر:
"أيها الإنسان ستحب البحر دائماً
فالبحر مرآتك تتأمل نفسك في انبساط أمواجه غير المتناهية
فيا أيها الرجل لم يستطع أحد أن يسبر أغوار نفسك
ويا أيها البحر لم يستطع أحد يعرف مقدار ثروتك الدفينة في أعماقك
لحرصكما الشديد على كتمان أسراركم
ومع ذلك فإنكما تحتربان بدون شفقة ولا ندم"

لقد تمَّ هذا الحدث بسبر أغوار المحبوب خطوة إثر أخرى منذ الفجَّة الأولي ابتداء بعملية الترصيع التي أضفت عليه مسحة إنسانية خارجية، والنكت الذي بعث الدفء بإشعال جذوة الحياة وأخيراً النبش الذي أزال طبقات الذاكرة المُنكِرة في قشرة المخ الخارجية والوصول للعمق العاطفي حتى حدث الانفجار.

فكيف تسنَّي لنضال حسن الحاج هذا العلم بالنفس وبالذاكرة وباللغة وهي في هذا العمر الغض؟ إنَّها الموهبة المُتَّسقة مع الفطرة وإحساس الحدس النقي فهل أقول هي:
"سدرةُ منتهى الأشعارِ" كما قال محمد الماغوط رحمه الله.

وسنواصل إن أذن الله سبحانه وتعالي
ودمتم لأبي سلمي