بسم الله الرحمن الرحيم

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

المسألة الثانية: سوء السلوك العلمي

نواصل تفنيد النقاط التي أثارها الدكتور محمد أحمد محمود في مقاله عن آية النشور وقبل أن نستطرد في مسألة الضرب، لا بُدَّ وأن نُذكِّر بأنَّ هذه المسألة دقيقة الفهم لا يصحُّ فيها التسرُّع وإبداء الآراء الفطيرة وإنما الالتزام بمعايير الحقائق لأنَّ الفهم الخاطئ له تبعات مُضرَّة بالمجتمع.

وإذا اتَّبعنا المنهج الأركيولوجي الحفري فلا يمكن أن نخلط بين الترتيب التاريخي للأحداث كما لا يمكن أن نخلط بين طبقات الحفريات الأرضية في علم الآثار إذ إذا فعلنا ذلك فستكون الاستنتاجات مغلوطة لأنَّ السياق الزمني يحكم الأحداث وليس العكس. وما ذكرناه وما سنذكره إن شاء الله تعالي عن ترتيب الأحداث هو الترتيب التاريخي الصحيح؛ بمعني أنَّ حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم بعدم ضرب النساء سبق نزول آية النشور، بل وسبق شكوى، وليس احتجاج أو ثورة، النساء على واقعة ضربهنّ بعدما سمح الرسول صلى الله عليه وسلَّم للرجال بضربهن.

والذي يحمل أمانة العلم يجب أن يضع الأحداث في سياقها الزماني والمكاني قبل أن يلجأ للاستنباط وهو ما لم يفعله د. محمد أحمد محمود كما سنري وأهمية ذلك لأنَّ الصدق هو ما يطابق الواقع وليس الخيال والكذب هو عكسه. والاستنباط أو الاستقراء بغير دليل باطل.
وما يعيب الكثير من المؤلفين في الشأن الإنساني جهلهم بالطبيعة الإنسانية لأنَّ الكثير منهم لم تُتح له الفرصة ليري الجزء المظلم من النفس البشريَّة وتعقيداتها ولا عقلانيتها ووحشيتها وهو ما نراه في مجال عملنا بصورة راتبة.

ويجب أيضاً أن نفهم السياق الاجتماعي وقت قول الأحاديث الشريفة أو نزول الآيات، إذ بغير ذلك يستحيل فهم الدلالة للنصِّ أو الأمر الذي حاولت الأحاديث أو الآيات تغييره في ذلك المجتمع وجعله قانوناً إنسانيَّاً أبديِّاً يُسترشد به في الحالات المشابهة.
ففي كلِّ مجتمع ثقافة سائدة أو طاغية وثقافات مُنافسة، وقد كانت الثقافة السائدة في المدينة هي ثقافة اليهود أهل الكتاب لأنَّهم أهل علم ومال وقوَّة ماديَّة من سلاح وقلاع، ومتي اجتمعت في أي قوم صارت الثقافة السائدة وفي أمريكا اليوم مثال واضح لذلك.

وعندما جاءت ثقافة القرشيين حملت ثقافتين إحداهما الثقافة القديمة من عادات وطبائع قبليَّة والأخرى الجديدة وهي ثقافة الإسلام، وكان غرض الإسلام هو تغيير الثقافة القديمة بأسلوبين أحدهما التغيير الجذري، وهو ما يعرف بإعادة البناء، وكان ذلك فيما يخصُّ العقيدة مثلاً، والتعاون والإخاء بدلاً لثقافة الحرب والسلب والنهب. والأسلوب الثاني هو التعديل وهو الإبقاء على الصالح من العادات القديمة وتغيير السالب مثل قيم الكرم والإنفاق والشجاعة بالموافقة عليها من حيث المبدأ ولكن بتقنينها بطلب التوسُّط من الناس والبعد عن الإفراط أو التفريط.

أمَّا العادات التي مثَّلت داء مُستحكماً فقد تعامل معها الإسلام حسب طبيعتها، فالتي لها طبيعة إدمان كان ظلمها يخصُّ الشخص أوَّلاً ويتعدَّى للآخرين بطريقة غير مباشرة ثانياً. فمثلاً ابتدأ مع الإدمان الجمعي على الخمر في أوَّل خطوة بالتعليم وتوضيح الضرر والنفع فيما يُعرف بالتحليل للمضار والمنافع في العلاج السلوكي المعرفي. وهي مرحلة لا تتعدَّى مرحلة التفكير قبل الدخول في التنفيذ العملي.

ثمَّ جاءت بعدها المرحلة الثانية حينما ظهر الضرر أثناء الصلاة بانعدام الوعي، فأمر بتغيير السلوك مرحليَّاً بعدم الصلاة تحت تأثير الخمر مع تبيين السبب، ثمَّ لمَّا ظهرت آثاره الضارة في صورة أكبر وكادت أن تؤدي لكارثة جاء الأمر الأخير مع توضيح السبب أيضاً ولكنَّه ترك الأمر في يد الفرد ليشرب في داره طالما أنَّ تعاطيه للخمر ر يضر شخصاً غيره ولا يظهر في دائرة المجتمع ولذلك فالعقاب لا يقع إلا على المُجاهر بشربه إذ وصل أمره إلى الحاكم.

ومن العادات التي كانت سائدة في ثقافة أهل مكَّة ومن حولهم من الأعراب ضرب النساء، ولم تكن النساء يعتبرن في ذلك إهانة كما هو معروف في سياقهنَّ، وهو يمثِّل العلاقة المزمنة بين المقهور والقاهر والتي فيها خضوع نفساني واستحباب مرضي، ولكنَّهنَّ عندما ذهبن للمدينة تعرَّفن على ثقافة جديدة، ووجدن حماية في توجيه الرسول صلى الله عليه وسلَّم للرجال بحسن معاملة النساء والامتناع عن ضربهنّ، ولكن مجموعة منهنَّ تصرَّفن تصرُّف المقهور عندما يجد فرصة في الشعور بالقوَّة فطغين ولم يُحسنَّ استخدام مساحة التمكين الجديدة.
فقد ثبت في الصحيح أن عمر بن الخطاب قال: كنا معشر المهاجرين قوماً نغلب نساءنا فإذا الأنصار قوم تغلبهم نساؤهم فأخذ نساؤنا يتأدبن بأدب نساء الأنصار. وذلك يعني أنَّ ثقافة نساء الأنصار غلبت ثقافة المهاجرات كما غلبت ثقافة المهاجرين ثقافة الأنصار في معاملة المرأة وسيتضح ذلك من سبب نزول آية النشوز لاحقاً.

وقد ظلَّ ضرب النساء أمراً شائعاً حتى في عصور متأخرَّة من الخلافة فالقاضي شريح الكندي الذي أسلم على يد المصطفى صلى الله عليه وسلم ثمَّ عمل بالقضاء ومات عام ٧٨ هجرية قال:
رأيتُ رجالاً يضربونَ نساءَهم فشُلَّتْ يميني حينَ أضربُ زينبا
أأضربُها من غيرِ ذنبٍ أتتْ بهِ وما العدلُ مني ضربُ مَن ليس مذنبا

ونساء الأنصار تأثرنَّ بثقافة نساء اليهود ذوات الشخصيات القويَّة، فالزوجة والأم اليهودية يقال لها بالعبرية "أكريت هبايات" وهي تعني دعامة أو عماد البيت لأنها هي التي تتحكَّم في البيت وهذا نتج، في الغالب، كتطوُّر اجتماعي منذ زمن اضطهاد اليهود في مصر وقتل رجالهم واستحياء نسائهم، ولذلك كان لزاماً عليهنَّ أن يقمن بهذا الدور حتى تستمر الثقافة اليهودية ديناً وطبعاً.

هذا التأثُّر لنساء الأنصار بنساء اليهود انتقل حتى مخدع الزوجية ومجامعة الأزواج على طريقة اليهود ممَّا أثار اختلافاً ثقافيَّاً آخر بين الرجال من المهاجرين وأزواجهم من نساء الأنصار، فقد قال ابن عباس: إنَّ هذا الحي من قريش، كانوا يشرحون النساء بمكة، ويتلذَّذون بهنَّ مقبلات مدبرات. فلما قدموا المدينة تزوجوا في الأنصار، فذهبوا ليفعلوا بهنَّ كما كانوا يفعلون بالنساء بمكَّة، فأنكرن ذلك وقلن: هذا شيء لم نكن نؤتي عليه، فانتشر الحديث حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالي ذكره في ذلك: " ‫نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ"، إن شئت فمقبلة وإن شئت فمدبرة وإن شئت فباركة وإنَّما يعني بذلك موضع الولد للحرث. ‬ ‬‬‬‬

وعندما تتصادم ثقافات فإنَّ الحَكَمُ في ذلك من تكون بيده مقاليد الأمور وفي المدينة كان النبي صلى الله عليه وسلَّم الذي يصدر الأحكام ولكنَّه لم يكن يبتدعها من رأيه وإنَّما يبلِّغ ما أتاه من ربه. وقد منع أصحابه عن ضرب زوجاتهم وابتدأ في هذه الحالة من القمَّة وهي النهي عن السلوك السيء لأنَّ في السلوك ظلم متعدِّي للآخرين مباشرة فعن إياس بن أبي ذباب عن رسول الله ﷺ قال:
لا تضربوا إماءَ الله، قال: فذَئِر النساءُ وساءت أخلاقُهن على أزواجِهن، فقال عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ: يا رسولَ اللهِ! ذَئِر النساءُ وساءت أخلاقُهن على أزواجِهن منذ نهيت عن ضربِهن، قال النبيُّ ﷺ: فاضربوهن، قال: فضرب الناسُ نساءَهم تلك الليلةَ، قال: فأتى نساءٌ كثيرٌ يشتكين الضربَ، فقال النبيُّ ﷺ حينَ أصبح: لقد أطاف بآلِ محمدٍ الليلةَ سبعونَ امرأةً كلُّهن يشتكين الضربَ وايمُ اللهِ لا تجدون أولئك خيارَكم". أخرجه ابن حبان في صحيحه.

وذئرت المرأة على زوجها تعني نشزت واجترأت واستعدَّت للمواثبة وانصرفت عنه وترفَّعت عليه نتيجة الأنفة والغضب ولم يكن ذلك فقط فقد ساءت أخلاقهنَّ أيضاً. والمصطفى ﷺ كان يعالج واقعاً بطريقة عملية لا بطريقة نظريَّة فهو حاول تغيير الطبع البدوي الجلف لطبع متحضِّر راقي ولكنَّ النسوة لم يحترمن حقوق الرجال وتغيَّرت العلاقة بينهنَّ وأزواجهنّ إلى علاقة تنافس وتنافر لا علاقة تعاون وتكامل فكان لا بدَّ من تغيير الأمر ليتعامل مع الواقع من أجل عافية المجتمع فسمح بالضرب وعلم أنَّ خيار المؤمنين لن يضربوا نساءهم ممَّا يعني أنَّ الكثير من النساء لم يضربهنَّ أحد في تلك الليلة وهو تحقيق لقول المولي عزَّ وجلَّ:
‫"الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّأُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ‬"، وهذه الآية يقابلها المثل المعروف: الطيور على أشكالها تقع.‬‬‬‬

والخبيث يعني المريض وهو ما يُعرف بخلل الشخصية، وفي اللغة كلمة خبيث تعني: رديء مكروه، كلّ شيء فاسد وباطل، والطيب يعني لغة: كلُ ما خلا من الأَذى والخَبَث، وهو الشخص المُعافي نفسيَّاً وذو شخصية سويَّة.
وهذه الآية أيضاً تقرِّر واقعاً طبيعيَّاً لاختيار شريك الحياة إذا كان للشخص حريَّة اختيار ولا تعني أنَّ الخبيث لا يتزوج طيبة أو العكس ولكن تعني أنَّه يجب أن يتخيَّر الإنسان شريك حياته ويبتعد عن المرض للعافية وفي حديث المصطفى ﷺ:
"تخيَّروا لنطفكم فإنَّ العرق دسَّاس"، وأيضاً نصيحته أن يظفر الإنسان بذات الدين مما يعني صحتها النفسية وتوازنها العاطفي.

ثالثاً: نُسب للرسول ﷺ أنَّه قال بعد ثورة نساء المدينة "لن يضرب خياركم".
لقد اتَّضح أنَّ آية النشوز لا دخل لها بحديث الرسول ﷺ ولا بالثورة المزعومة لنساء المدينة وإنَّما كان الحديث في سياق كلب الرجال السماح لهم بضرب النساء وبعد أن شكا النساء صباح ليلة الضرب، وما نعلمه عن سبب نزول هذه الآيات:
‫"الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ۚ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ۚ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (34) وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ ‬ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً"، أنَّ أحداثها، حسبما ورد في أحكام القرآن لابن العربي، والتحرير والتنوير لمحمد الطاهر بن عاشور، وتفسير القرطبي، وتفسير الطبري، وتفسير المنار لمحمد رشيد رضا وغيرها من التفاسير والمراجع، نزلت في سعد بن الربيع بن عمرو، وكان من النقباء، وفي امرأته حبيبة بنت زيد بن أبي زهير، وقيل خولة بنت محمد بن مسلمة، وذلك أنَّها نشزت عليه فلطمها فشكاه أبوها للرسول صلى الله عليه وسلم، فقال النبي: "لتقتص من زوجها"، فانصرفت مع أبيها لتفعل، فأمرها الرسول صلى الله عليه وسلم أن ترجع لأنَّ جبريل عليه السلام نزل بالآيات عليه فقال:‬‬‬‬
"أردنا أمراً، وأراد الله أمراً، والذي أراده الله خير".

وسيدنا سعد بن الربيع رضي الله عنه استشهد في أُحد سنة هجرية ممَّا يعني أنَّ إذن الرسول ﷺ بضرب النساء حدث في أوَّل الهجرة للمدينة قبل أو بعد بدر مباشرة وهناك ثلاثة احتمالات وهي أنَّ سلوك زوجته كان من الدرجة التي جعلته يغضب وينفعل، أو أنَّه تأثر بثقافة المهاجرين أو أنَّه كان إنساناً شديد الانفعال في أمر الحق وما نستطيع أن نستنبطه من تبرئة الله سبحانه وتعالي لسيدنا سعد بن الربيع رضي الله عنه وأيضاً من ترتيب الأحداث وتاريخه رضي الله عنه أنَّ السبب الأول والثالث أقرب للحقيقة وإن كان نفي السبب الثاني مستحيل.
والمصطفى صلى الله عليه وسلم لا يُحابي أحداً في الحق ولو كان من كبار الصحابة النقباء ولم يحاول أن يجد له عذراً ولكن المولي عزَّ وجل هو الذي حكم في المسألة بعلمه وحكمته في تلك القضية بالذات ثمَّ أضاف مراحل علاج الخلاف.
نري من ذلك أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلَّم اجتهد بعلمه حسب ما سبق من كلام الله سبحانه وتعالي:
" وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ".
ولكن الله العليم الخبير كان له حكم آخر، وَاْللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ اْلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ، لأنَّ حكمه أحكم وأشمل وله ديمومة.

ولذلك فقد كانت الآيات رحمة للنساء لأنَّها فتحت أبوباً أخري لعلاج الخلاف بينهنَّ وبين أزواجهنّ، منها الوعظ الحسن ثمَّ الهجر ثمَّ الضرب.
وابتدأت الآيات بتقرير قوامة الرجال وهي ليست أكثر من تقرير ظاهرة إنسانيَّة طبيعية في كلِّ المجتمعات الإنسانية وليست أمراً كما يظنُّ الكثير من الناس، ولذلك فهو تفضيل مبني على خلقة طبيعية لتؤدٍّي دوراً في تماسك الأسرة والمجتمع، فالرجل لا يلد ولا يرضع ولذلك فالمرأة في حالة ضعف تجبرها على ملازمة البيت وبذلك لا بدَّ من شخص آخر ليقوم بتوفير أسباب الأمن الجسدي والغذائي والنفسي.

فالمعروف أنَّ الجيوش التي تدافع عن البلاد أغلبها من الرجال فهذا إنفاق للروح من أجل حماية أهلها وهم النساء والأطفال والمرضى والعجزة، والإنفاق الثاني مرتبط بالمال أو بسعة البال أو العلم أو الحكمة أو الأعمال اليدوية، ولا يعني ذلك أنَّ النساء لسن بقادرات على أي من هذه الأعمال وإنَّما الواقع يقون إنَّ الأغلبية يقوم بها الرجال.

ولنأخذ مثلاً بعدد النساء في الجيش البريطاني اليوم فهنَّ أقل من عشرة بالمائة وفي أمريكا الشمالية خمسة عشر بالمائة بالرغم من أنَّ القانون يتيح لهنَّ الانخراط في الجيش ولكن برغم هذا القانون فهو لا يسمخ لهنّ بالانضمام للقوات الخاصة. هذا يحدث في البلاد التي تسمي متقدمة فما بالك ببقية البلاد؟ وليفكر القارئ في بيته ويري من الذي يقوم بدور الحماية والإنفاق. ولكن إذا كان الرجل لا يقوم بما يفضِّله على المرأة فهو لا قوامة له.

ثمَّ ذكرت الآيات: " فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ۚ "، وهذا تقرير ثاني لأمر طبيعي وهو أنَّ النساء الصالحات؛ أي اللاتي ليس لديهن خلل في الشخصيَّة هنَّ الأغلبيَّة ولذلك جاء تقديمهنَّ في الآية وكل الدراسات الإحصائيَّة تقول بذلك إذ أنَّ جميع أنواع الشخصيات المرَضيِّة لا يتعدَّى عشرة بالمائة للرجال والنساء وهناك أنواع معيَّنة يكثر فيها الرجال مثل الشخصيات العدوانية والإجرامية والنرجسية وأخري مثل الهيستيرية والحدِّية أو ما أسمِّيها الناشزة تكثر في النساء.
وقد كانت الآية مُوجَّهة لهذه الزمرة المحدَّدة من النساء وليست لكلِّ النساء ولو أنَّ النساء ثُرن على الآية لكان ذلك إقراراً ضمنيَّاً بأنَّهنَّ من هذه الطينة ولا يقبل الإنسان أن يُدين نفسه.

وهذا النوع من النساء، وهناك نوع مقابل له من الرجال، مريض نفسيَّاً لأنَّه يتعدَّى الحدود المتعارف عليها في سياق المجتمع الذي يعشن فيه وهنَّ يُعرفن في الطبِّ النفساني "بخلل الشخصيَّة الحدِّيَّة أو غير المستقرَّة عاطفياً أو الناشزة"، وجذور الخلل هو الاندفاع ، والتسرُّع في اتِّخاذ القرار، والعجلة في الفعل بلا اهتمام لعواقب الأمور، وشدَّة الانفعال، والسعي لتدمير النفس والغير بمحاولات الانتحار أو تقطيع أعضاء الجسم، ولذلك فمقدرتهنَّ على إدارة عواطفهن ضعيفة ممَّا يؤدِّي ذلك إلى نزاع مستمر بين أفراد الأسرة، وأزمات متلاحقة تضرُّ بالأطفال ولا توفِّر لهم المكان الآمن للنمو السليم. والمرأة بهذه الصفات تنزع للدخول في علاقات سريعة سرعان ما تتركها وتترك وراءها أطفالاً من رجال مختلفين لأنَّها ملولة وتريد الاهتمام المستمر ولذلك فلا يروق لها البيت الآمن الهادئ المستقر.

ونحن في مجال الطبِّ النفساني نقضي أكثر من ثلثي وقتنا في معالجة مشاكلهنَّ أو مشاكلهم، ونسبة النساء المصابات بهذا المرض النفسي خمسة وسبعين بالمائة من كل المصابين والمصابات بهذا الخلل في الشخصية مقارنة بخمسة وعشرين بالمائة في الرجال. ولا يزال العلم يدرس أسباب هذا الفرق وهو يرجع لأسباب عضوية لاختلاف مخ المرأة عن مخ الرجل والذي فيه ضعف سُمك المنطقة المعنيَّة بالعاطفة وأسباب اجتماعيَّة وتعرُّض النساء للعنف أكثر من الرجال.

هذه الشريحة من النساء لديهنَّ صَغَارٌ في نفوسهنَّ أي لا يضعن قيمة كبيرة لأنفسهنَّ ولذلك فهُنَّ يسعين في العادة للرجال الذين يمكن أن يهينوهنَّ لأنَّ الواحدة في نظر نفسها لا تستحقُّ المعاملة الطيبة، وتستحقَّ العقاب، ولذلك فهي تثير المشاكل حتى تحقَّق مرادها وإن لم تجد فإنَّها تؤذي نفسها. وفي جلسات العلاج النفسي نحاول أن نرفع وعيها لطريقة معالجتها للخلافات وتأثير تفكيرها عن نفسها على انفعالاتها وكيفية تقليل الضرر ومنع الخطر والأزمات المكرَّرة. ومن العلاج النفساني الذي نصفه سوار مطَّاطي تستطيع الواحدة منهنَّ أن تمطَّه ثمَّ تطلقه ليضربها حتى يساعدها في التنفيس عن الأحاسيس المدمرة داخلها بدلاً من اللجوء لأساليب أكثر خطورة.

وعندما نقرأ عن كيفية الضرب المسموح به في الإسلام للنساء فسنجد أنَّ المسألة لا تتعدَّى الرمزيَّة ولا درجة السوار المطاطي والغرض منها هو تقليل الضرر والوقاية من الخطر مثل أي علاج آخر.

فالمصطفى صلى الله عليه وسلم قال للصحابة أنَّ خيارهم لن يضربوا نساءهم وأنَّ هناك شروطاً للضرب ومرجعيَّة للطاعة. فالضرب يجب أن يكون آخر مرحلة إذا أصرَّ الرجل بعد استنفاذ خطوتي الوعظ والهجر ولا يتعدَّى الضرب بالسواك بناء على قوله لغلامه الذي تأخر عليه: "لولا مخافة القصاص لضربتك بهذا السواك"، وحدَّد أنَّ الضرب يكون غير مبرِّح: (واضربوهنَّ ضرباً غير مُبرِّح)، أي لا يسبب ألماً ولا جرحاً ولا كسراً وهو يعني أنَّه ضرب رمزي ليظهر للمرأة صَغَارَها في نفسه؛ والأولي أن يتجنَّب الضرب، أو أن يقوم به ولي المرأة، أو ولي أمر المسلمين حتى يتحكَّم فيه ولا يجاوز الغرض وهو التذهيب. وقال أيضاً عليه أفضل الصلاة والسلام: "(لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد ثم يضاجعها في آخر اليوم).

وهذا الأمر هو أمر إباحة أو أمر سماح وليس أمر فعل، والفرق أنَّ أمر الإباحة لا يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه كما قال الملي عزَّ وجلَّ لسيدنا آدم وسيدتنا حوَّاي عليهما السلام:
" ‫"وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا‬ ‫ ‬‬‬‬‬‬‬‬‬
أمَّا مرجعيَّة الطاعة فهي الطاعة فيما يُرضي الله سبحانه وتعالي لقوله صلى الله عليه وسلم:
(لا طاعةَ في معصيةِ اللهِ. إنما الطاعةُ في المعروفِ) فالرجل والمرأة تنطبق عليهما مرجعيَّة شريعة الإسلام والمسئولية في تنفيذ الشرع متساوية في نظر الله سبحانه وتعالي.

وما غاب عن د. محمد أحمد محمود أنَّ هذه الآية تنطبق على الرجال أيضاً فللمرأة الحق أيضاً أن تعظ زوجها أو تهجره أو تشكوه للوالي لضربه إذا ظلمها وعدلت هي كما لا يحقُّ لرجل ظالم أن يقوم بأيٍّ من هذه الخطوات وهذا مبنيٌّ على قوله تعالي:
" وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ".
ولقوله سبحانه وتعالي: "وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوف" وقال الألوسي في روح المعاني: {وَعَاشِرُوهُنَّ} أي خالقوهن {بالمعروف} وهو ما لا ينكره الشرع والمروءة، والمراد ههنا النصفة في القسم والنفقة، والإجمال في القول والفعل. وقيل: المعروف ألا يضربها ولا يسيء الكلام معها ويكون منبسط الوجه لها.
وهذا المعني متكامل أيضاً مع الآية:
" ‫وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا ۚ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ۗ‬"، فهي تتكامل مع آية نشوز الزوجة وأيضاً مع محاولة الصلح التي يلجأ فيها الطرفان للحكمين من الأهل:‬‬‬‬
" وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ ‬ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً"

وهكذا نري أنَّ ما ذكرناه يفنِّد النقطة الرابعة للدكتور محمد أحمد محمود وهي أنَّ المسلمين وجدوا أنفسهم منذ وقت آية النشوز وسط مفارقة أخلاقية غريبة حيث تقدِّم لهم مادَّة الحديث مستوي سلوك أخلاقي أرفع ممَّا يقدمه القرآن وموقف السيد قاسم بدري من نتائج تلك المفارقة الأخلاقيَّة ونقطته الخامسة وهي الانحياز المؤسف لدكتور قاسم بدري لآية النشوز بدلاً من الانحياز للوعي النسوي المبكر الذي عبرت عنه نساء المدينة ونقطته السادسة وهي عجز الدكتور قاسم بدري عن الانحياز لموقف المسلمين الذين أدركوا المشكلة الأخلاقية لآية النشوز بانحيازهم للحديث المنسوب للرسول ﷺ بمنع ضرب النساء والذي يُشفع دائماً في المصادر أنَّ الرسول ﷺ لم يضرب نساءه قط.
ولذلك فما قاله الدكتور محمد أحمد محمود:
" وهكذا وجد المسلمون أنفسهم منذ ذلك الوقت وسط تلك المفارقة الأخلاقية الغريبة حيث تقدّم لهم مادة الحديث مستوى سلوك أخلاقي أرفع مما يقدّمه لهم القرآن. وموقف السيد قاسم بدري من نتائج تلك المفارقة الأخلاقية".

لا أساس لكلامه من الصحَّة بتاتاً كما بيَّنا في التسلسل التاريخي للأحداث ولم يجد المسلمون، بما فيهم رسولهم ﷺ تناقضاً ولا مفارقة أخلاقية غريبة فحكم الله شامل بعلمه واجتهاد الرسول ﷺ مثاب ولذلك قال المصطفى ﷺ:
"أردنا أمراً، وأراد الله أمراً، والذي أراده الله خير".

وموقف السيد قاسم بدري ليس نتيجة لهذه المفارقة كما يدَّعي الدكتور ولكنَّه نتيجة جهله بسياق الآية وشروط العلاج والمعالج كما هو واضح جهل الدكتور بهذه الأمور الدقيقة على فهمه.
الثورة التي حدثت حدثت فقط في خيال الدكتور محمد أحمد محمود والإسلام لم يعط الرجال ولا النساء الحقَّ في الإساءة ولا للعنف ولا لطاعة غير الله وإنَّما عالج المسائل حسب حيثياتها وسياقها وترك لولي الأمر أن يعاقب علاجاً لا انتقاماً بطريقة لا تسبب الضرر مثلما حدَّد في علاج شارب الخمر والزاني غير المحصن، فليس القصد الانتقام وإنما العلاج.
ونختم بنقطته الأخيرة: إنَّ خطورة قول الدكتور قاسم بدري هو قوله لكلِّ تربوي إنَّ عنفه ضدَّ طالباته أمر مشروع تبيحه السماء ويجب ألا يثير أي استهجان أخلاقي ونتفق مع الدكتور محمد أحمد محمود في رأيه من خطورة استخدام الدين لتغبيش الوعي من غير علم وهو دليل على جهل الدكتور قاسم بدري بسياق الآية التي استخدمها وشروطها وهو أمر يؤسف له لأنَّ جده الشيخ بابكر بدري رضي الله عنه كان رجلاً حافظاً عاقلاً متفكِّراً وهي صفات على ما يبدو لم يصبه نصيب منها وهذا من آثار الوراثة وهو أمر سنعود إليه في المستقبل إن شاء الله.

ونقول للدكتور محمد أحمد محمود لا يصف لسانك الكذب وتذكر أشياء لا تصادف الواقع ولا تمكر فتحجب الحقائق لغرض في نفسك، فالرسول ﷺ لم يضرب نساءه لأنَّه طيّب وهنَّ طيبات بشهادة المولي عزَّ وجلَّ، ونتركه وقول المصطفى صلى الله عليه وسلم قبل قرون في مجتمع خرج من جاهلية ونرجو أن تقدِّم لنا مثالاً واحداً في الوضوح والانحياز لحقوق المرأة والرجل سواء:

"ألا واستوصوا بالنساء خيرًا، فإنما هن عوانٌ عندكم. ليس تملكون منهن شيئًا غير ذلك، إلا أن يأتين بفاحشةٍ مبينة. فإن فعلن فاهجروهن في المضاجعِ واضربوهن ضربًا غير مبرِّحٍ. فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلًا. ألا إنَّ لكم على نسائكم حقًّا. ولنسائكم عليكم حقًّا. فأما حقُّكم على نسائكم فلا يوطئنَ فرُشَكم من تكرهون ولا يأذنَّ في بيوتكم لمن تكرهون. ألا وحقُّهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن".

وسنواصل إن أذن الله تعالي
ودمتم لأبي سلمي