بسم الله الرحمن الرحيم

حارِمني من النوم خبارَكْ؟ ...... نضال حسن الحاج

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
مقدِّمة:
بنهاية الحلقة السابقة عزمت على إغلاق الباب أمام التأمل في معاني المزيد من القصائد. وجهد ي السابق لو تعلمون عظيم، ولكن فيه متعة ومنفعة لروحي ومزاجي إذ جعلتني أنفض غبار النسيان عن دواوين الشعر التي لازمتني منذ الصغر، وأزورها بنَفَسٍ جديد، ورؤية مختلفة، وفهم أعمق وقد تركت تجارب الحياة آثارها على مرآة نفسي.

أقول عزمت على الانشغال بالتأمُّل في مفهوم الهُويَّة ولكن الحبيب القريب الفيلسوف والصوفي الأستاذ عمر محمد الأمين الجليلابي، ذو البصر والبصيرة، اعترض وقال إنَّ كتاباً مثل هذا لن يقف على ساقين حتى أزور حدائق حواء السودانية فأقطف وردة منها، اتنسَّم عبيرها وأتأمّل جمالها ورقتَّها في الفجر وحبَّذا لو كان عليها طل، فلا يطيب التأمُّل ولا الكتابة إلا ساعة الفجر كما قال أبو تمام: خذها ابنة الفكر المهذَّب في الدُجي، وقال وهو ينصح أبا عبادة البحتري:
"تخيَّر الأوقات، وأنت قليل الهموم، وصفرٌ من الغموم، واعلم أن العادة في الأوقات إذا قصد الإنسان تأليف شيء أو حفظه أن يختار وقت السحر، وذلك أن النفس تكون قد أخذت حظها من الراحة، وقسطها من النوم، وخفَّ عليها ثقل الغذاء. واحذر المجهول من المعاني، وإياك أن تشين شعرك بالألفاظ الوحشية، وناسب بين الألفاظ والمعاني في تأليف الكلام وكن كأنك خياط تقدر الثياب على مقادير الأجسام. وإذا عارضك الضجر فأرح نفسك، لا تعمل إلا وأنت فارغ القلب، ولا تنظم إلا بشهوة فإن الشهوة نعم المعين على حسن النظم. وجملة الحال أن تعتبر شعرك بما سلف من أشعار الماضين فما استحسن العلماء فاقصده وما استقبحوه فاجتنبه".
.
وأنا لست بالذي يردُّ طلب حبيب مثل الشيخ عمر الجليلابي ولكنِّي حتي الآن تأملت في قصائد أُهديت لي ممَّن كتبها زيادة في المحبَّة والقرب، فكان أن فتحت لي مغاليقها وجازتني إحساناً بإحسان، وكما قال شيخي الطيب صالح، رحمه الله وأحسن إليه، أنَّ أحسن النقد ما كُتب عن محبَّة.

وظهر أمامي مُشكل آخر ألا وهو عدم معرفتي بشاعرات سودانيَّات لامتداد سنين الغربة، فقد تركت الوطن في شرخ الشباب في عمر الزهور عمر الغرام عمر المني في قصيدة الأستاذ حسن عبدالوهاب، وكنت قد عزمت، ولكن شغلني شاغل، على التأمُّل في قصيدة جدَّتي الأميرة آمنة بنت الأمين بن العشا الشكريَّة أباً، والرفاعيَّة والأمويَّة والخزرجيَّة والشريفة أمَّاً، والمشهورة بالصندلية لغلاتها وجمالها، وهي تمدح شقيقها بابكر بن الأمين بن العشا الشكري: "بجُر القول والشكر لي البازل بابكر"، والتي ادَّعي الكثير من الناس أنَّها قيلت في أجدادهم، والبعض يغنِّيها الباسل وهي في كلِّ الأحوال إن كانت البازل أو الباذل أو الباسل تُفيد المعني . وفي حديث علي بن أَبي طالب، كرم الله وجهه: بازلُ عامَيْن حَديثٌ سِنِّي يقول: أَنا مستجمع الشباب مستكمل القوة مستحكم الرأي والباذل هو من يضحي بنفسه في سبيل الغير والباسل هو الشجاع أو الأسد، وقد كان جدُّنا الشهيد بابكر يحمل كلَّ هذه الصفات عليه رضوان الله ورحمته.

والشعر ينساب من مسام أهلي الشكريَّة والرفاعة المعاليا كما يتحلَّب لبن الحليب بلا مشقَّة من ثدي مرضعة لوليدها الحبيب الوحيد أو كتنفس خريدة بهدوء وهي في عمق أحلامها.

وهوَّن عليَّ قريبي الحبيب مهمَّة الاختيار واقترح اسم الشاعرة نضال حسن الحاج، وترك الأمر في يدي ولكنِّي لثقتي في حسن ذوقه رأيت أن أبحث عنها في دهاليز الأثير المنبسط فوجدت بغيتي في ساحة التوثيق، ووجدت مجموعة من القصائد تلقفتها عيناي على عجل كمن يلتهم أطايب مائدة شهيَّة كأنَّ الزمان في شهقاته الأخيرة، وكانت الدهشة في انتظاري كفاتنة تلفَّها غلالة من الدلالات والصور والرموز، ترنو إليك بطرفها المشاغب وتنأى إذا لبَّيت النداء.

وقلت هذه هي الجزيرة الخضراء تثبت وجودها مرَّة بعد أخري، وهي موطن الجمال والشعر وكان لا بُدَّ من قدَّالة أخري ككفَّة ميزان تقابل كفَّة إرث القدال ابن الجزيرة، أو كجناح آخر لطائر الشعر العظيم ليحلِّق في سماء الوطن وينثر عليه الجمال والمحبَّة، ومن أقدر على ذلك من حسان الجزيرة فهنَّ شقائق الرجال ونصفهم المُكمِّل؟

ولكن عاب، ما وجدته من قصائد مكتوبة في موقع التوثيق، عدم تحرِّي الدقَّة في نسخها، فلم تنساب ولم تنسجم معانيها كما ينبغي، فأدركت أنَّ هناك خللاً في كتابة النَّص فلجأت للتسجيلات المرئية أستفتيها، وكما يقول المثل السوداني: سمح القُول في خشم سيدو، فوردت مورداً أنعش روحي وبثَّ فيها عنفوان الحياة بعد سنوات التصحُّر العجاف وصرت كحال سيدنا موسي عليه السلام حين ورد ماء مدين فوجد خيراً عميماً. وما فائدة الأدب إذا لم يغسل كدر الحياة، ويُذهب مللها، ويقضي على يأسها، ويحقن شراييننا بماء التَّوق، ورقصة الخلايا، وانفتاح الخيال لنطير حيثما نشاء على بساط الدهشة المتجدِّدة؟
ويتعب الشاعر فيزرع ويحصد ونتلذّذ بحصاده كما نتلذّذ بحبات عنقود العنب كما قال الشاعر الياباني شيكي ماساوكا:
عنقود عنب
مجهود إنسان
لذة آخر.
وكانت هذه تجربتي مع قصيدة: حارمني من النوم خَبَارَكْ؟ إذ اشتغلت يدي قطفاً لحبَّات عنقودها لهِفاً حتى أتيت عليه.
ويجدر بنا قبل أن ندلف إلى عالم نضال حسن الحاج أن نعرف ما هي معايير الشعر العظيم لنحكم على الأصيل منه، وتجربتي المحدودة مع الشعر علَّمتني أنَّ الشباب ينشغل بالقافية والموسيقي الخارجيَّة والداخليَّة أكثر من المحتوي طباقاً وجناساً ولزوم ما يلزم وما لا يلزم فيتبع الشاعر طبول الجرس الموسيقي حتى يختفي المعني تحت ردائها. وقد شاب البعض من الشعراء على ديدن الشباب ولكنَّهم أضافوا ملكة التخييل فأثروا شعرهم.

ومعني القصيدة هو رسالة مخبَّأة ككنز في حديقة القصيدة تجول في ربوعها وتستمتع ببهجتها وحسن نظامها ولكن القصد هو استخراج الكنز وكلَّما ازداد عدد وأنواع الكنوز ازدادت القيمة. ومع نضوج الشاعر يستخدم الوسائل التي تحمل وتُجمِّل المعاني ومنها الاستعارة والتشبيه والأمثال. ونضوج الشاعر يظهر عندما يصل إلى مرحلة التوازن بين المبني والمعني من غير إسهاب أو فضول كلام وهو ما سمَّاه أبو تمَّام المناسبة بين الإثنين في نصيحته للبحتري حتى أنَّه شبَّه الشاعر كالخياط: وناسب بين الألفاظ والمعاني في تأليف الكلام وكن كأنك خياط تقدر الثياب على مقادير الأجسام.
وللشاعر الفرنسي شارل بودلير صاحب ديوان أزهار الشر قول عن الشاعر الحقيقي أوافق عليه:
" الشاعر هو الذي يتحدث في يومياته عن أن الروح تمر بحالات تكاد تكون فوق طبيعية، يتجلى أثناءها عمق الحياة بأكمله في أي مشهد يتاح للعين مهما كان عاديًا. إن النظر إلى عمق الحياة هي مهمة الشاعر الحقيقي. لكن الشاعر لا بد أن يكون إنسانا قبل كل شيء، بما يحمله هذا الإنسان بداخله من تناقضات صارخة. إن المواءمة بين الشرط الشعري والشرط الإنساني هي التي تصنع الشاعر الحقيقي"
ويقول أيضاً:
" إنّ الفن الخالص هو أن تخلق سحراً متلاحقاً يحتوي الموضوع والعلة والعالم الخارجي للفنان والفنان نفسه بشكل يستطيع معه إلقاء محاضرة بعنوان ضآلة الحقيقة في العالم الخارجي".
ولكن للشعراء الملتزمين برسالة واحدة للشعر وهي تثوير الشعب والتزام جانبه والتحدُّث بلسانه رأي آخر، فها هو الشاعر أحمد شاملو يقول في قصيدة:
"موضوع الشعر
اليوم
موضوع آخر...
الشعر اليوم، سلاح الشعب
لأن الشعراء
فروعٌ في غابة الشعب
وليسوا ياسمين حديقة فلان أو سنابلها.
شاعر اليوم ليس غريباً
عن آلام الشعب المشتركة:
فهو يضحك بشفاه الناس.
آلامُ الناسِ وآمالُهم
ملتحمةٌ بعظامه".

وقد قفز شارل بودلير إلى ذهني منذ أن قرأت أوَّل قصيدة نضال حسن الحاج وهناك احتمال أنَّها على دراية بشعره وشعر الرمزيين وهضمته حتى صار بعضاً منها يخرج من بين فرث ودم شعراً سائغاً للشاربين أو أنَّها أصيلة المنبع وفي الحالتين لا يُقلِّل ذلك من قيمة شعرها فهي قد جمعت في قصيدة واحدة أنفاس شعراء يفوقون العشرين ولا أظنُّ أنها سمعت عن بعضهم ناهيك عن أن تهضم أشعارهم وأفكارهم، وأقول ذلك لأنَّها صغيرة لن يوفيها الزمن ما يكفيها حتي إن كانت ذات همَّة وقضت جُلَّ أيامها في القراءة.

المتن:
خفق قلبي عندما قرأت عنوان قصيدة: حارمني من النوم خبارَكْ؟ وجذبتني كلمة خبارَكْ وألقت بي في حضن ماضٍ بعيد، حيث أمني وحريَّتي وفرحي، ورأيت طيف جدِّي يوسف أحمد الأمين الجليلابي المشهور بالكاردمس؛ أي الأسد الهصور، عليه رحمة الله ورضوانه، وهو ينبِّهني من أحلام يقظتي الممتدَّة: ها جني خبارَكْ سارح بي غنم إبليس؟ وهذه الكلمة تُستخدم في الجزيرة وأصلها بدويٌّ من بوادي البطانة ممَّا يدلُّ على جذور حصيلة نضال حسن الحاج اللغويَّة.
والقصيدة من نوع الشعر النادر الذي ينزل فجأة مثل الوحي بين حالتي اليقظة والحلم كتكوُّن الجنين في ظلمات ثلاث يأتيك طلق مخاضه فجأة عندما يحين الوقت.

فهي قصيدة تكوَّنت في ظلمة دهاليز اللاوعي الذي تلاقح مع ظلمة عالم الأحلام ونما في ظلمة رحم النوم، وظهر في الوعي كقدح عود ثقاب في ظلمة.
ولذلك فهي انسيابيَّة ودائريَّة فآخر الصيد أوُّله، بمعني أنَّها طبيعيَّة كالماء المتكوِّن في دائرته من بخار وسحاب ومطر، فينساب من أعالي الجبال على وديان الخيال فيغسلها من أدرانها، وينعش هواءها، ويتسلَّل بين ذرَّات تربتها ويداعب بذرها لتبدأ قصيدة الحياة نماءً واخضراراً مثلما ينحدر حليب اللبن من ثدي حافل لأمِّ مُحبَّة مدراراً، وما أن يرهقه الوليد مصَّاً حتى يبدأ بالثدي الآخر وهكذا القصيدة الدائرية تنتهي بمثل ما بدأت.
وهي قصيدة متحديَّة وجريئة ولا غرو فاسم الشاعرة نضال وفيها صراع إرادتين تتخفَّي القوة في ضعف مخاتل مثلما تتخفَّي قوَّة الماء في نقاطها المنسابة المتلاحقة التي تثقب الصخرة الصماء ولا شيء آخر يفعل فعلها ولذلك فهي تعرف سرَّ قوَّتها وتعلم أنَّ الزمن يقف في جانبها والانتصار حليفها. وهذه القصيدة من أوَّل سطورها يسكنها الماء وعشقه في مظاهره العديدة بحراً ومطراً وقطراً، ممَّا يوحي أنَّ الشاعرة مسكونة بعشق الماء وخاصَّة رذاذ المطر المُنعش.

حارمني من النوم خَبارَكْ؟
كلمة حارِم فاعل من حرَم أي بمعني المنع ومنها كلمة الحرمان، ونري من اشتقاقاتها كلمتي حَرْ وحار ممَّا يدلُّ على أنَّه نوع من الحرمان الذي يؤجِّج نار العاطفة ويجعل المُعاني يتقلَّب على فراش من جمر الفراق، وليس هناك من حرمان أشدَّ من الحرمان من رحمة المحبوب، إذ أنَّه قد لا يحرمك حبَّه ولكنَّه قد يحرمك وصله أو رضاءه وفي الوصل الرحمة التي توقد شمعة الأمل وفي الرضا فردوس العاشق، ومن يُحرم من الرحمة فهو ملعون يائس في وادي العشاق.
والمعتمد بن عباد يقول:
حرَّمَ النَّومَ عَلَينا وَرَقَد
وَاِبتَلانا بِهَواهُ ثُمَّ صَدْ

فاسم القصيدة فقط يجمع بتلابيب مغزاها ومعناها وهو نوع من التساؤل الذي يُسمَّي الاستخبار كما أنشد ثعلب: وشِفَاءُ عِيِّكِ خابِراً أَنْ تَسْأَلي، فسره فقال: معناه ما تجدين في نفسك من العيّ أَن تستخبري. وهكذا عندما عانت نضال استخبرت وهي لن تكون غريبة في دار المعاناة فاسمها نضال. واسْتَخْبَرَه: سأَله عن الخَبَرِ وطلب أَن يُخْبِرَهُ؛ ويقال: تَخَبَّرْتُ الخَبَرَ واسْتَخْبَرْتُه، وخَبَرْتُ الأَمرَ أَخْبُرُهُ إِذا عرفته على حقيقته. وقد تساءلت نضال حسن الحاج مستخبرة ممَّا يعني أنَّها لم تجد سبباً تعرفه يدعوه لحرمانها من النوم. وهذا الاستخبار فيه مواليد وهما الاستفهام والاستنكار فالاستفهام يطلب فهماً لموقف غير واضح والاستنكار هو احتجاج واعتراض بشدَّة على الموقف.
وهل كانت نضال حسن الحاج تطلب إلا يقيناً ولكن اليقين في قول أدونيس:
ما اليقين؟
قرار بعدم الحاجة للمعرفة.

وعندما كنت في بادية البقوم في مدينة تُربة منطقة الطائف بالمملكة العربيَّة السعوديَّة والتي أرسل المصطفي صلى الله عليه وسلَّم إليها الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه. وكنت أُلقي السمع لكلام أعراب البادية عندما يفدون للمدينة وأسمعهم عند لقاء أهلهم ممَّن استقرَّ في حاضرة باديتهم يتساءلون:
"أخبار علوم؟"، أي هل من أخبار تحملها لتعلمني بها؟ وهذا هو عين الاستخبار. وأذكر أنَّ أحدهم قال: " نورة بنت عائض"، فردَّ الآخر: ما لها؟ فقال أخذها ابن عيضة. فسأله الآخر: بكم؟ فردَّ صاحبه: دفع فيها مائة ألف ريال، فقال صاحبه: استقلَّها، فجاوبه صديقه: أي صدقت والله.

وقلت هذا كلام جدودي يقولون فلان أخد بنت فلان ودفع فيها كذا وكذا ويحمدون العريس أو ينكرون بخله.
هذه القصيدة ذكَّرتني بحلاوة قصب (العنكوليب) وطراوته وقدِّه الأخضر وعذوبة رائحته عند اقتلاعه من الجرف وتقشيره أمام النيل الجميل عند الأصيل مع النسيم العليل حيث يطيب الوجد. وهكذا حرمتني نضال حسن الحاج من النوم وأعرف سبب ذلك فلا داعي للاستخبار أو الاستنكار فما ألذَّه من سهر.

وتبدأ القصيدة:
أَهُو دي البنيَّة الفجَّتك
ويظهر من أوَّل بيت في القصيدة الروح المُتحدَّية لنضال حسن وهو توكيد وتقرير لواقع وتحدِّي لحبيبها وغريمها في ذات الوقت ينمُّ عن ثقة بالنفس حازمة وجازمة لا هي عدائية ولا وقحة ولا هي خاضعة منهزمة، فهي ثقة الندٍّ. وعنوان القصيدة يظهر كأنَّه إعلان للحظة ضعف، ولكنَّها لحظة ضعف تثير المقاومة وتبعث الهمَّة، فهي لذلك معركة إرادات إذ أعقبتها بتأكيد الذات (أَهُو) وفعالية الفعل (فجَّتك) ولربما في هذا غذاء لثقة بدأت في التذبذب، ولذلك وجب عليها عندما استشعرت الضعف أن تُقيِّم الموقف وتشحذ أسلحة المقاومة وتذكِّر نفسها بانتصارها السابق. وكلمة أَهُو تحديد للفاعل وإفراد له بصفة القدرة على الفعل، ممَّا يعني أنَّه لا ولن يتسنَّى لأحد غيرها أن يقوم بهذا الفعل، وهي بلاغة نجدها في الذكر الحكيم إذ أنَّ خليل الله إبراهيم عليه أفضل الصلاة والسلام يقول:
" ‫الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ"‬‬‬
ويقول الشيخ الشعراوي رضي الله عنه في تفسير الآيات: ‬
"ونقف هنا عند الضمير المنفصل (هو) الذي جاء للتوكيد، والتوكيد لا يأتي ابتداءً، إنما يكون على درجات الإنكار، وقد أكّد الحق - تبارك وتعالى - نسبة الهداية والإطعام والسُّقْيا والشفاء إليه تعالى لأن هذه المسائل الأربع قد يدعيها غيره تعالى، وقد يظن البعض أن الطبيب هو الشافي أو أن الأب مثلاً هو الرازق لأنه الجالب له والمناول".

ولذلك قلنا إنَّ ابتداء نضال حسن بالضمير المنفصل الراجع لها (أهو)، يعني إضافة للتوكيد أنه لا أحد غيرها استطاع أو يستطيع هذا الإنجاز، ومفهوم التحدِّي وهو تحدِّي مُوجَّه للمُخاطب الذي ظنَّ أنَّ قمَّة جبله لن يستطع أن يقهرها أحد ولا أن يفجَّ صلابة صخوره إنسان، وفي نفس الوقت مُوجَّهة لغريماتها من النساء مثل التي تتسلَّق قمَّة جبل إيفيرست ومثل هذا الفعل هو رمز لانتصار الضعف على القوَّة وعلى العقبات المهلكة ممَّا يعني أنَّ في الانتصار توكيد لقوة المنتصر وليس قوَّة المهزوم.
وتأمل تصغيرها لكلمة بنت (بنيَّة) وهي في اللغة العربيَّة الفصحى بضمِّ الباء وفي دارجة أهل السودان بكسر الباء، وتُصغَّر للتحبيب أو إظهار العطف أو لتذكير المخاطبة بيفاعها وقليل حصيلتها من حكمة الحياة، وهو تصغير مخاتل كما قلنا يظهر الضعف ويطوي القوَّة مثل قطيرات الماء على جلمود الصخر، وهو تناقض ظاهري لأنَّ الفعل الناتج (فجَّتك) لا يشي بضعف أبداً وإنَّما بانتصار واضح وهي تغرس علمها على قمَّة جبل حبيبها بنشوة وتعلن انتصارها له بلا خوف ونيتها على الاستئثار به.

وكلمة فجَّتك لها دلالة رمزيَّة عميقة ولا يمكن أن تكون قد اختيرت عفوياً ولكن بذكاءٍ ودربة غاية في الفهم.
وفجَّ الأرضَ أي شقَّها شقًّا بالغًا ونقول أحدث الزلزال فجَّاً في الجبل والفجُّ هو الطريق الواسع الواضح بين جبلين.
وتأمَّل ما نظمه شارل بودلير في قصيدة: قصيدة مباركة:
سأمدُّ يدي القوية الهشَّة إلى قلبه
وأظافري الشبيهة ببراثن الجوارح
تستطيع أن تمهِّد الطريق إليه
وكالعصفور المرتعش سأقتلع هذا القلب المُدمَّي
وألقيه أرضاً باحتقار لأشبع في داخلي وحشي المفضل
لكنّ ملاكاً خفيا يبسط حمايته على الولد المحروم
فيسكر بالضياء"

وجويس منصور تقول في قصيدتها السورياليَّة:
فتحتُ رأسكَ حتى أقرأ أفكارك
قضمتُ عينيك حتى أذوق نظرتك
شربت دمك حتى أتعرَّف على رغبتك
ومن جسدك المُقشعر عملت غذائي".

فقوة الحادث أو الحدث تعتمد على قوة المُحدث وعلى سلاحه إذ أنَّ بعد الفعل يجئ الوعد في صيرورة فعل يقوده هدف ويعقبه فعل يقوده هدف آخر. والأمل في تحقيق فعل هو رغبة ولكن التوقُّع نبوءة تعتمد على القدرة وهي امتلاك المتطلبات والإمكانات لتصير واقعاً يصدِّق النبوءة.

فنحن نعيش الحياة بين فعل ماض وحاضر ومستقبل وكلنا نريد هتك حجاب المستقبل بين الرجاء والتمني على صهوة الأمل والكل يسعي للانعتاق بتسخير أو تغيير الآخر.

وسنواصل إن أذن الله سبحانه وتعالي
ودمتم لأبي سلمي