بسم الله الرحمن الرحيم

لغتان .. عبدالرحيم حسن حمزة

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
ذكرنا أنَّ نتيجة الحرمان هو ترقيق إحساس الشاعر المُعاني وشحذ قدرته لتقمّص أحاسيس الآخرين ولو كانوا جماداً ولكنَّه في ذات الوقت قد يقود لتبلُّد الإحساس في أُناس آخرين أو قد يقود للأمرين معاً وشخصية الشاعر الرومانسي لورد جورج غوردون بايرون تجسِّد هذا النوع فقد كان ضحيَّة تناقض كبير في تربيته على يد والدته بين التدليل والعنف فكان مثالاً لعبادة الذات والإحساس بالآخر في ذات الوقت في ديمومة ثورية على النفاق وعلى الذات.
وبالقدرة على التقمّص يكون الشاعر أكثر قدرة على استكناه ما يجول في نفوس الآخرين، وأكثر حرصاً عليهم، إلا إذا صار الآخرون عقبة في طريق سعادته فإنّ غضبه أعمى مثل البركان الذي يظلّ ساكناً لمئات السنين وعندما يثور يرمى حمماً مدمّراً: (وهل غيرى بشر؟)
ولكن انظر في نفس اللحظة إلى رهافة إحساس عبدالرحيم حسن حمزة ببعث الروح في الورق فقال (شخص الورق)، كأنّ الورق شخصٌ له روح وأحاسيس تؤلمه الكتابة كأنّها وشم الإبر تترك أثراً لا يزول مثلما تركت نحسات الأيّام ذات الصبغة في نفسه. وهذا نوع آخر للتماهي مع الآخر المغلوب، فهو ترجمة لواقعه فهو قد فُعِل به مثلما فَعَل بالورق، ولا يحدث ذلك إلا إذا نتيجة نفى الآخرون لآدميّته في غضِّ أيامه، حين لم يكن له معين أو شفيع، فعاملوه كالجماد.
أمّا النظرية الثانية فهي أنّ ما نسجّله في ذاكرتنا يُسجّل في دفاتر مختلفة فلا تخلط الذكريات السعيدة مع الذكريات الحزينة وإنّما لكلٍّ حرزٌ حصين لا يفتحه إلا مفتاح الشعور المرافق الذي ساد حين تسجيل الذكرى. وبمعنى آخر فإنّنا لا نستطيع أن نتذكّر الأشياء السعيدة إذا كان الموقف يفجّر إحساساً حزيناً أو كئيباً والعكس صحيح. وهذا يعرف بالتعلّم المعتمد على حالة شعوريّة محدّدة كمثال الذي يشرب خمراً ويأتي أمراً نُكراً فلا يتذكّر ما حدث عندما يفيق من سكرته لكن بمجرّد شربه مرّة أخرى فإنه يتذكّر ما حدث لأنّ الذاكرة تعتمد على هرمونات معيّنة عند تسجيل الأشياء، ولكلّ حالة شعوريّة هرمونات مختلفة. وقد سبق العلم الشاعر العربي امرؤ القيس بفطرته السليمة فلخّص اختلاف الحالات الشعوريّة وما يتبعها من تفكير وسلوك متّسق معها ومع طفولته البائسة وما تركته في نفسه عندما بلغه مقتل أبيه: لقد ضيَّعني صغيراً وحمَّلني دمه كبيراً، لأصحو اليوم ولا سكر غداً، اليوم خمر وغداً أمر.
وخلاصة القول أنّ وصف عبدالرحيم لحالته الشعوريّة وصف متّسق مع تجارب طفولته التّعيسة وما تركته من آثارٍ نفسيّة دائمة في شخصيّته وهو دليل الصدق الفني والأصالة الإبداعيّة.
"فإذا الذي عندي نزق
يمتصّ ماء غدى وذاكرة العبق"
وهذا أيضاً تصوير رائع يؤكّد حالة القلق الشعوريّة التي عاناها الشاعر بتلخيصها في كلمة (نزق)، والنّزق هو الخفّة في كلّ أمرٍ وعجلة في جهل وحمق وطيش. ونري تمظهر حالة النزق في واقع وطننا الذي يدير شأنه ثلَّة نزقة حُرمت في صغرها وطغت في كبرها فامتصُّوا ماء مستقبلنا وعكَّروا ذاكرتنا الطيبة وتركونا في بلقع الحاضر.
وهو يؤكّد خصائص الإنسان البدائية التي تظهر ساعة العسرة ومنها خاصيّة الهلع:
(إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً) ‫ ‬
ويسود فيها التفكير الانفعالي الذي نتيجته كما قلنا الهرب أو المواجهة وأيضاً خاصيّة العجلة (خُلِقَ الإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ)، وخاصيّة الجهل والحمق، الذي هو من صور الظلم، (إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً). فالشاعر هنا لخّص لنا حالة شعوريّة غاية في التعقيد بكلمة واحدة وهذا قلب البلاغة. ويجدر بي التنبيه هنا إلى أنّ الشعوب البدائيّة، ومنها الشعب السوداني، تسود بينها هذه الصفات ولذا تكثر بينها الحروب لأنّ تفكيرها بدائي انفعالي وليس تفكّراً تأمّليّاً. وهذا هو الفرق بين المؤمن الحق وغير المؤمن، فإحساس المؤمن يبعث على الأمن والأمن شرط التفكّر وهو العامل الذي يفرِّق المؤمن الحقّ من مُدَّعي الإيمان وإن حمل راية المصطفي صلى الله عليه وسلم وأعلن الجهاد فما على الإنسان إلا أن ينظر إلى ثمارهم ليدرك أنَّ الزقُّوم وإن ألبسوه أغلي الحرير وضمَّخوه بالعطور سيظلُّ مُرَ الطعم قبيح المنظر كريه الرائحة:
)‫(الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ‬‬
فالمؤمن الحق يتسامي وينشر السلام والجمال والعافية والإنسان في بدائيته يظل حبيس الهواجس والظنون والخوف والقلق وينشر الحروب والقبح والمرض.
"فإذا الذي عندي نزق
يمتصّ ماء غدى وذاكرة العبق"
هذا شعر ممتعٌ وكتابة بديعة. فحالة النّزق لا يمكن وصف مفعولها إلاّ بالامتصاص، وامتصاص الشيء هو استخلاص رحيقه برويّة وبلا ضجّة وقد يكون بقصد التذوّق أو بقصد الإهلاك والفرق في الراشف لا المرشوف. والامتصاص هنا فيه تعذيب للشاعر ومتعة للفاعل. والسؤال هو هل يهمّ الزهرة لسع إبر النحل؟
وحالة النزق تمتصّ الحياة من الشخص وتقلّص أفق إدراكه وتحصره في غريزة البقاء البدائيّة، والتي تعنى الموت الجسدي أو النفسي أو الاجتماعي وهي جميعاً متساوية الأثر. فمثلاً نجد من ينتحر إذا تخلّت عنه حبيبته، أو من طالته فضيحة وفقد ماء وجهه، أو من يشخّص بمرض السرطان، حمانا الله.
ولماذا اختار عبدالرحيم كلمة (ماء)؟ هو إرثه القرآني لا شكّ:
)‫(وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ‬ ‬
وماء الغد هو رمز للحياة في المستقبل، والحياة دون أمل موت محقّق، ولذا نبّه المولى عزّ وجلّ عباده بألاّ ييأسوا:
)‫(وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ‬‬
والشاعر هنا قبض على قرني المستقبل والماضي بيديّ الحاضر، باستخدامه الفعل المضارع (يمتصّ)، كأنّه يقول لنا أنّ حالته الحاضرة جذبت بامتصاصها من أعماق ذاكرته ما علق بها من آلام (العبق هو لصوق أو تعلّق الشيء بالشيء وهي هنا ليست بمعنى الطِّيبْ العالق بالجسم أو لربما يعني امتصاص واحات الفرح التي احتفظ بها من طفولته)، بينما كادت أن تجفّف نبع مستقبله من ماء الحياة.
"صوت يناديني فأحترف الضجر
معقوفة هُدَني فاشهد أنَّ من مستصغر النّار الشرر".
لماذا احترف الضّجر وكان الأولى أن يحترف الأمل إذ ناداه الصوت بعد صمت طويل؟ لأنّ الحالة الشعوريّة تدعو لليأس وللعجز إذ أنّه لم يرم بآخر سهم في كنانته إلاّ وهو أقرب لليأس منه للأمل، ولذا فإنّ توقّعه لمضمون ما يحمله هذا الصوت سالب. والإنسان في حالة دفاع دائمة عن حياته وفى هذا الموقف الموحى بالفشل الأوَّلى أن يستعدّ المرء لأسوأ النتائج ليقلّل ردّ الفعل وخيبة الأمل وهو فعل غريزي. والضجر، الذي هو القلق من الغم وضيق النفس والتّبرّم، أفضل علاج لهذا الموقف الوجودي والسعي النّشط لاكتسابه أجدى من الانتظار. وقد يكون المعنى أنّ الصوت الذي ناداه ليس بالصوت الذي يترقّبه ولذا زاد غمّه ورأى أنّ في قلقه لربما مكوث طويل فلماذا لا يجعله صفة ملازمة أو كما يقول المثل السوداني: (البتبلبل بعوم).
ولكن بالرغم من قربه من اليأس لم يعدم أملاً وظلّ في حالة هدنة هي أقرب للحرب منها للسلم. والوصف لنفسه كأنّه كبش، والكبش أيضاً سيّد القوم وقد علمنا ذلك من الشاعر في افتتاح قصيدته (فهل غيرى بشر؟)، معقوف القرنين، أي ملتويهما، رمزاً لحالة الهدنة، وهي السكون، لا للحرب، ولكنّه السكون الذي يسبق العاصفة، فيه دقّة وبلاغة. هو سكون منذر مترقّب أي كما نقول وقف إطلاق النّار ولكن يندر أن يكون هنالك وقف إطلاق نار كامل أو شامل.
هو إذاً سكون مخادع كأنّه الكبش المقيّد الذي يضرب بأظلافه يريد النطاح أو الهرب فيقدح شرراً (فأشهد أنّ من مستصغر النّار الشّرر)، والشهادة هنا قد تكون بمعنى الرؤية أو الإثبات لما يحدث. والمعروف أنّ (معظم النّار من مستصغر الشّرر)، كما قال الإمام الشافعي، رحمه الله. ولكنّ الأمر مختلف هنا، فنار شاعرنا مكبّلة، كالقرون المعقوفة، ولذا تنتج شرراً لأنّ القصد تحجيم الأمر لا انتشاره، ولو كان القصد الحرب لكان الشرر العامل الذي يشعلها.
"ووددتّ لو أنّى حذر
الدمية البلهاء في وجهي تواسيني وأكره أن أرى
لغة التّحاور في محاذير انبجاسات الكرى
مطعونة الإرهاص بين يدىّ لكنّ الثّرى
لغة تصاويريّة الفحوى بحاضرة الغجر"
وددتّ أي أحببت، لو أنّى حذر أي خائف، " وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ". والودّ مرتبط بالعطاء فإنّك تودّ الشخص بشيء يحبّه رغبة في رضائه، فمن الذي حاول الشاعر أن يودّه بالحذر؟ في ظنّي أنّه (الأنا الأخرى) التي تخشى الفناء والتي أشار إليها شيخي أمل دِنْقِلْ بإيجازه الفلسفيّ العميق حين قال:
(ما زلت أنت أنتِ
تأتلقين يا وسام الليل في ابتهال صمتِ
لكن أنا
أنا هنا
بلا "أنا")
ولو أنّ عبدالرحيم قال (وددتُّ لو أنّى حاذر) لتغيّر المعنى بتغيّر الحالة الشعوريّة السائدة التي يريد أن ينجو منها، فالحاذر هو المتأهّب المعدّ، كأنّه يخشى أن يفاجأ، لدخول حلبة صراعها والحذِر من يختار الهروب عند المحن.
"الدمية البلهاء في وجهي تواسيني وأكره أن أرى"
هنا يظهر التأثّر بنزار قبّاني في قصيدة طفولة نهد:
"ما أنت حين أريد إلاّ دمية بلهاء تحت فمي وضغط ذراعي"
فوصفه للمواسية بالدّمية البلهاء فيه تبخيس فظيع لها واستهانة عظيمة بها حتى يسلبها إنسانيّتها بقدر المثاليّة العالية التي أسبغها على من يرجو جوابها. ولربما هي أفضل له ولكنّه قد أنكر بشريّتها كما أنكر بشريّة الغير (وهل غيرى بشر؟) أي وهل غيرى وغيرك بشر؟ وهذه المسكينة التي تحاول أن تداويه من همومه وحالته التّعسة تفعل ذلك عطاءً من كفاف لا من فضلٍ إذ هي أحقّ بالمواساة إذ أُنكرت إنسانيّتها وبخّس عطاؤها. وكما قال الإمام الشهيد الحسين بن على، رضى الله عنه: (إنّ أجود النّاس من أعطى من لا يرجو).
ولكنّ الشاعر يدرك بوعيه أنّ الثّمار الحقّة هي ما في متناول يده وليست التي يأمل أن يحتازها، فالممنوع مرغوب، ولذلك كره أن يضعف ويستكين لما هو معروض عليه بوسيلة الحوار، والتي تختلف عن كلّ وسائل التواصل الأخرى.
والقرآن الكريم قد بيّن لنا قيمة الحوار الذي يختلف عن الجدال والشكوى حين قال المولى عزّ وجل في محكم تنزيله:
)‫(قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا‬‬
فالتحاور هو لغة العقل، وهو التخاطب المجدي، والجدال والشكوى لغتا القلب حيث تختلط الحقائق وتنتصر الرّغبات على حساب العدل والإنصاف، والمصطفى صلّى الله عليه وسلّم، يحوّل بحكمته الجدال والشكوى إلى تحاور مفيد يكشف عن الحقائق ولا يستند لحكم العاطفة، وهو ما نحتاجه في واقعنا الآن.
فالحوار يطفئ نار العاطفة ويولّد نور العقل وهو قد أثبت في الدراسات الحيويّة للمخ وفى العلاج النّفسي. والطريقة التي اتّبعها المصطفى صلّى الله عليه وسلّم معروفة (بمحاولة الاكتشاف الموجّه) أي أنّك تسأل أسئلة مفتوحة لا يمكن أن تتنبّأ بأجوبتها وبذلك تترك عقلك مفتوحاً لأىّ احتمال لا تلوّنه الأفكار المسبقة، وإن كنت توجّه المسئول نحو جهة معيّنة، كما فعل كولومبس حين اكتشف الأميركتين إذ أنّه وجّه سفنه للغرب ثّم أبحر لا يدري ماذا سيجد في طريقه.
هذه الطريقة تستخدم ما يُعرف بالأسئلة السقراطيّة، منسوبة لسقراط حكيم الإغريق، والتي جرّت عليه غضب قومه وغصبه على الانتحار وقد عدّه بعض فلاسفة المسلمين من المرسلين لقومه. فقد كان سقراط الحكيم باحثاً عن الحقيقة ولا يدّعى امتلاكها.
وكان كلّما سمع بعالم ذهب إليه وسأله عن البراهين التي تستند عليها أفكاره:
‫(قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ؟) ‬ ‬
ولمّا كانت الأفكار والمعتقدات في زمانه لا تستند على حجّة أو دليل وإنّما على افتراضات، سرعان ما تهاوت الرموز الفكرية في أثينا وغيرها تحت معاول الأسئلة السقراطيّة، ممّا ألهب حماس الشّباب التوّاق للمعرفة، فتبعه من مكان لمكان حتّى كاد أن يقود إلى ثورة ضدّ النظام الأثيني، فاتُهِم بتحريض وإفساد النَّشء وخُيّر بين التّبرّؤ من أفكاره أو الموت فاختار الأخير وبذا سطّر اسمه في سجلّ الخالدين وخير من سطّر هذا شيخي وصديقي الرّاحل نجيب سرور، رحمه الله، في قصيدة (سرُّ الكلمة) التي أعلن أنّها (كانت أوّل.. كانت أعظم ثورة، كانت تعلو منذ البدء على الأسوار):
"وكسقراط..
شرب السمّ وعاشت منه الكلمة
(اعرف نفسك)
مجد الإنسان....الكلمة".
ويبدو لنا الآن خوف الشاعر من لغة التّحاور التي ستهدم افتراضاته العاطفيّة وترّده إلى عالم العقل خاصّة في لحظات النّعاس والتي تترك الباب موارباً بلا حراسة آمنة. لحظات الكرى أو النّعاس هي لحظات التّحوّل من حالة لحالة مثل السحر حيث تحدث الأشياء زيادة أو نقصاناً، لأنّ الوعي يمتلئ بالثقوب التي تأتى بما يُرادُ صدّه، ولذا فقد شبّه لحظة الكرى كانبجاس النّبع الذي يأتي بماء الأحلام، فحذّر منها كالجندي المرابط يغتنم العدو لحظة نعاسه ليهاجمه.
والسيّاب، رحمه الله وأحسن إليه، في مطلع قصيدة أنشودة المطر يسجّل هذه الحقيقة الأبديّة:
"عيناك غابتا نخيل ساعة السحر
دفء الشتاء فيه وارتعاشة الخريف
والموت والميلاد والظلام والضياء
فتستفيق ملء روحي رعشة البكاء"
فاختياره لساعة السّحر يظهر تضادّ الأشياء بين اليأس والأمل وتبيّن الجسر العابر الذي يربط بينهما للعبور من ضفّة لأخرى.
ويمضي عبدالرحيم فيقول:
"مطعونة الإرهاص بين يدىَّ لكنّ الثّرى
لغة تصاويريّة الفحوى بحاضرة الغجر"
والإرهاص هو الإثبات أو مقدّمة الشيء وإيذان به، فإن طُعن فقد ثُقب ثباته وسُحب إذنه وأُخِّر مقدمه وبمعنىً آخر فقد ذهب وثوق الشاعر من جواب المحبوب أدراج الرّياح وصار كالأحلام التي تنبع ساعة النّعاس فيختلط الواقع بالخيال وتتأرجحُ بين قطبي اليأس والأمل. ولكن ما بال الثّرى؟ وما الحكمة في اختيار كلمة الثرى؟
ولن يختلف النّاس في بلدي على أنّ أجمل أحوال الأرض ما كان نديّاً لأنّ في ذلك هزيمة لفوح الجحيم ولذلك رشّ الأرض بالماء من الطقوس المحبّبة في السودان. وما كان الشاعر ليخالف فطرة أهله، والأرض النّديّة ترتبط بالخريف والغمام والدّعاش، حيث يحلو السّمر، قبل أن تسحّ السّماء ماءها فتصير الأرض ذات طين لازب لا يهفو إليه أحد أو تشرق الشمس فتلفح وجهها بالسعير فيغادر النّدى ويبقى الجفاف.
لحظة النّدى عابرة لا يقف عندها الزّمن طويلاً، عبّر عنها الشاعر ببلاغة حين قال إنّها لغة لها مدلولها وقاموسها وطقوسها. ولكنّها لغة تتمايل أي لا تثبت، فالتصاوير هو التمايل، وهذا هو فحواها أي معنى رسالة اللغة. وما يفهم هنا أنّ اللغة الظاهرة للفهم ما هي إلا وجه واحد للّغتين، فَهُمَا في حالة نفى وإثبات دائمين. وأيّ بلاغة يمكن أن يختم بها الشاعر لتصوير هذه الحالة المتغيّرة غير صفة الغجر؟
"إنّي ملاكيّ النّجابة، مرمريّ الوجه، بين يدي قمر
فتجاذبته الفاتنات إلى مخيّمهن ..قد أغوينه
وسقينه باللثم في قدح الشقاء وليتهنّ روينه
علّمت منطق طيرهنّ وإنّني الإرهاف لو آذينه
أنشأت أقتل من لساني كلّ غازية فسدّد دينه
وبحثت عن لغة الكلام فلم أجد منها أثر!!"
ويرجع الشاعر إلى التّغنّي، بشاعريّة عالية وغنائيّة مدهشة ممتعة، تأثّرت بروح نزار قبّاني وقاموس مفرداته الشعريّة مثل (القدح، القمر، المرمر، اللثم)، بصفاته المتفرّدة من فضلٍ ونفاسة في الطّبع والمعدن بنجابته والتي تظهر تفوّقه على غيره حتّى القمر المكتمل، وخطر لي، ما دام الشاعر قد اعترف بنجابته، فأنا في مأمنٍ من خطر اتّهام المعرِّى:
"أقررت بالجهل وادَّعى فهمي قوم فأمري وأمرهم عجبُ
والحـق أني وأنهمُ هـدرٌ ولستُ نجيباً ولا هُمُ نُجُبُ".
وسنواصل إن أذن الله سبحانه وتعالي
ودمتم لأبي سلمي