بسم الله الرحمن الرحيم

لغتان ...... عبدالرحيم حسن حمزة

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عبدالرحيم حسن حمزة يستلهم حالة القلق الوجودي من تجربته الإنسانية لحالة الإنسان جمعاً في موقف الأزمة الوجوديّة كما فعل الشّعراء من قبله. والقلق هو الجزع ويؤدّى للانزعاج وقد يكون إيجابيّاً فيحثّ على العمل ويجوّد الأداء وقد يكون سلبيّاً فيقلّل دافعيّة السعي وابتسار الأداء. والقلق هو نتاج الشكّ وعدم معرفة ما يخفيه المستقبل كأن تجزع من الامتحان أو مرض ابنك. وتزداد حالة القلق كلّما هُدِّدت غريزة البقاء وبدايتها وخاتمة مآلها الهلع:
‫إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً) ‬ (‬
وهو يؤدّى إمّا للهروب أو للمواجهة أو الاستسلام أو التجمُّد وقد لخّصته حكمة سيّد الشعراء المتنبي:
"إذا لم يكن من الموت بدٌّ فمن العار أن تموت جبانا"، أي لا تهرب أو تستسلم أو تتجمَّد بل تواجه وتقاتل.
والبداية والنهاية، والتي هي بدورها البداية التي تؤدّى إلى بعث الحياة، لتتواصل حلقة الحياة، فيهما بصيرة وعبقرية إذ تلخّص فلسفة القصيدة ولربما فلسفة الشاعر وهي: "هل الجدار نهاية أم بداية وهل لغتي المغادرة نهايتي أم بداية الآخر وبدايتي؟"
والقصيدة فيها اتّساق نفسي في سياقها من أوّلها إلى آخرها لا ينبو فيها معنىً أو مشهد وفيها تداعٍ خادع يوهمك بأنّ الشاعر انساق وراء اللاوعي فانساب معه ولم يبذل جهداً ذهنيّاً واعياً. وهي، كشأن شعر الشعراء الرومانسيين، فيها وحدة عضويّة بين الشعور والتجربة والأفكار ممّا يجعل منها جسداً حيّاً أعضاؤه مترابطة بلغة سهلة ممتنعة التي هي الرابط بين إنسانية الإنسان وفكره وصورته والتي تعبّر عن حالة الشاعر الوجدانيّة.
أو كما قال خالد بن صفوان الخطيب بحكمته:
(ما الإنسان، لولا اللسان، إلا صورة ممثّلة، وبهيمة مهملة؟).
والقصيدة تبدأ بكلمة (أرجوك) أي (أنا أرجو) وهي إثبات للذات الحاضرة باستخدام فعل المضارع، والذي هو الفعل السائد في القصيدة، وفيها إثبات للمخَاطَب (أرجوك أنت) وإثبات (لنفى المخاطَب) لوجوده، وذلك برجائه لأن يعترف به (خاطبني)، فنفى الآخر إثبات له ولذاتنا في نفس الوقت والعكس صحيح، فلولا وجود الآخر لما نفيناه وكيف لنا أن ننفى ما لا يوجد وينفى؟
ويعمد بعدها مباشرة لنفى الآخرين بإثباتهم (الغير) ثمّ نفيهم في ذات الوقت بنفي بشريّتهم، والتي هي سمة التمييز (هل غيرى بشر؟). وهكذا تتبادل لغة الإثبات ولغة النفي، تفترقان في المعنى وتمتزجان، في نفس اللحظة، في الكلمة، والتي هي آلة الوصل وبدء الوصال، ولكن ما قيمة الوصال بدون قيمة التواصل؟ والنفي التّام للآخرين لا يصدر إلاّ عن كبر وعجب بالنّفس وهذا لا يحدث إلاّ في لحظات الفزع (يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ) والإمام عبدالله بن المبارك، رحمه الله وأحسن إليه، قال: (الكبر أن تزدري الناس والعُجب أن ترى أن عندك شيئًا ليس عند غيرك). ولكن كما قال الأستاذ محمود محمّد شاكر، (الاستهانة داء وبيل يطمس الطرق المؤدية إلى العلم والفهم) ومن له الحق على تجاوز العرف غير الشاعر المحب؟ أو كما قال نزار قباني، رحمه الله:
"كلّ الذي أعرف عن مشاعري
أنّك يا حبيبتي، حبيبتي
وأنّ من يحبّ.....
لا يفكّر".
وكلمة القلق تنقل صورة سلوكيّة وتفكيريّة وشعوريّة وفيزيولوجية لأنّها حالة اضطّراب حادّة لا تسمح لصاحبها بالراحة أو السكون، ولكنّها حركة عصبيّة غير مفيدة تملأ فراغاً أو فجوة بين الحياة والموت وهي التي تحدث فيها الأشياء كالبرهة بين النور والظلام. يتبع هذا السلوك إحساس سالب وتوتّر في العضلات وخفقان في القلب وجفاف في الحلق وأفكار ترتدى سوداويّة متسائلة لا جواب لها ولا تشي بحل.
"وبدأت أنقر بالأصابع فوق منضدة القلق".
والنقر هو ضمّ الابهام إلى طرف الوسطى والخبط بأطرافهما على شيء. واختيار كلمة أنقر فيه تصوير بليغ لأنّها احتفظت بحيويّة الحاضر وترجمت للحالة الشعورية الراهنة ولكن في إضافة كلمة (بالأصابع) زائدة لأنّها مضمّنة في معنى النقر لأنّك عادة لا تنقر إلا بالأصابع. وهذه الزيادات اللغويّة أو الحشو لا يحتملها الشعر وهي تأتى في مرحلة النظم الأولى حين يطغى المضمون على القالب وهو استحواذ العاطفة على العقل والرضوخ لسيطرة الإيقاع والموسيقى.
وقد فطن زهير بن أبى سلمى لذلك فكان يقضى العام ينقّح ويشذّب قصيدته، مثلما تفعل بحديقتك، حتى عرفت بحوليات زهير. وفى القرآن العظيم المثل الأعلى إذ لا كلمة زائدة أو ناقصة.
والإمام أبى بكر عبدالقاهر الجرجاني، رضى الله عنه، يقول في أسرار البلاغة:
"وأمّا الحشو، فإنّما كُرِه وذُمَّ وأُنكِر ورُدَّ، لأنّه خلا من الفائدة، ولم تَحْلَ منه بعائدة، ولو أفاد لم يكن حشواً، ولم يُدْعَ لغواً".
ولكن هنالك شبه قدسيّة نكسوها نحن الشعراء لشعرنا، وأعدّ نفسي منهم جرأة لا اقتداراً، تجعلنا نحجم عن تغيير أو حذف أي كلمة وأنا أوّل المتّهمين بذلك. وأذكر عندما كنت أعرض شعري في غضّ أيّامى مزهوّاً على مولاي وشيخي ولىّ الله عبدالله الشيخ البشير، رحمه الله وأسكنه الفردوس، كان يقترح علىّ تبديل كلمة هنا أو هنالك أو حذفها، بلطف وتواضع عظيمين، وكنت أحسّ وخزاً في قلبي كأنّه طلب منّى أن أقطع ذراع وليدي. وكان الجهل وسوء الأدب يوهماني بأنّه لم يفطن لعبقريّة التعبير في اختيار الكلمة المعيّنة، ولكنّ الأيّام علمتني أنّ نرجسيّتنا تعمينا عن الحقائق وتزيّن لنا الباطل فتحرمنا من ملأ جيوبنا من جوهر كنوز المعرفة إن أتيحت لنا الفرص، وما أقلّها، مثل كنز شيخي.
وقد يعترض البعض ويتهمني بممارسة سلطة الرقابة على النّص أو تغليب ما أفضّله على ما يريده الشاعر، وهو نمط قديم، كما تعلمون، في النّقد، متجاهلاً بذلك حواريّة النّص ومدلوله التأويلي أو النّظر إلى ما بعد اللغة بدل الانشغال بحرفية اللغة. ولهم العذر إن ظنّوا ذلك، مع يقيني بأن في المذهب القديم فوائد لا يجب إغفالها، ولكنّى لا أرتدى عباءة الدكتاتورية النّقدية وإنّما أتواصل مع النّص وكذلك الشاعر فأنبّهه بأنّ المعنى كان سيصل كاملاً بدون الإضافة، بل إنّ الإضافة حجّمت سعة الخيال لأنّه كان يمكنني أن أتخيّله أيضاً ينقر بقلمه الذي استخدمه للقبض على اللحظة الشعوريّة الهاربة.
واستخدام كلمتي (منضدة القلق) تصوّر حالة استلاب شعوري جعله رهين محبس القلق إذ أنّه مقيّدٌ لهذه المنضدة، والتي هي مصنوعة من مادّة القلق، ليعبّر فوقها عن جزعه، وفيها تصوير لمحاولة تثبيت اللحظة الشعوريّة العابرة باستخدام كلمة المنضدة والتي من شأنها الثبات بل أيضاً حمل هموم الشاعر عليها، فكلمة المنضدة من نضدّ أي وضع شيئاً فوق شيء، فكأنّ الشاعر والمنضدة خلقا من عجينة واحدة، وهذا تماهى لا نهائي بليغ، وهو ديدن المغلوب في تقمّصه لصفة المنتصر كما تشير دراسات علم النّفس.
وبمعنى آخر أنّ القلق قد سدّد سهمه إليه وأصابه في مقتل بينما سهمه لم يصل بعد ولم يأت بالنتيجة المرجوّة ممّن نفاه فأورثه جزعاً عظيماً على حياته.
وسيّد الشعراء المتنبي لا تفوته فائتة:
"كأن الحزن مشغوف بقلبي فساعة هجرها يجد الوصالا
فما حاولت فى أرض مقام ولا أزمعت عن أرض زوالا
على قلق كأنّ الريح تحتى أوجّهها جنوباً أو شمالا"
ونحن لا ننسى بلاغة شيخنا الهادي آدم، رحمه الله وأحسن إليه حين أهدانا روعة التصوير لهذه اللحظة الحاضرة العابرة وفلسفة الحياة في أنّها هذا التأرجح بين الرغبة في الشيء والخشية منه في نفس اللحظة وهو تحريض على الحياة واحتمالها:
"أغداً ألقاك؟ يا خوف فؤادي من غد
يا لشوقي واحتراقي في انتظار الموعـد
آه كم أخشى غدي هذا، وأرجوه اقترابا
كـنت أسـتدنيه، لكن، هبته لما أهابا
وأهلّت فرحة القرب به حين استجابا
هـكذا أحـتمل العمر نعيماً وعذابا"
ويتسلّل إلينا صوت عبدالرحيم:
"وأعدت رسم الطّفل من أيّامى النّحسات في شخص الورق"
ويتوالى الوصف للسلوك الجزع وهو محاولة ملأ الفراغ بالحركة والنشاط غير المفيد أو المنتج مثلما نخطّ على أوراقنا عندما نكون في حالة ملل أو جزع ومن العادة فنوعية الكتابة أو الرسومات عابثة وبدائيّة. وعبدالرحيم قد قبض على لبّ نظريّتين نفسيّتين أثبتتهما الأبحاث. الأولى أنّ تجاربنا في الصغر تكوّن مفهومنا عن أنفسنا وتترك فينا بصمة لا تمحوها الأيّام مرتبطة بغريزة البقاء. فإذا كانت تجاربنا سالبة أورثتنا الإحساس بالزعزعة وعدم الأمان ولذا ما أن نجابه بموقف يهدّد أمننا، شبيه بما حدث في الماضي، إلاّ وانتكصنا إلى حالتنا الأولى كأنّنا أطفال بلا معين فيشلّنا الجزع نتيجة القلق على شيء مهم، وفى شعر فاروق جويدة دليل:
"في كل يوم تُعيد الأمس في ملل
قد يبرأ الجرح.. والتذكار يحييه"
وتظهر لغة القرآن مرّة أخرى (أيّامى النحسات) مثلما ظهرت في (أنقر) من الآيتين:
)‫(فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا‬‬
). ‫فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ‬ (‬
والنّحس هو غاية الجهد والضّر والشؤم أي قمّة العذاب. فإذا كنت أيام الشاعر نحسات في طفولته فهي قد أثّرت بلا شكٍّ في تقييمه لنفسه وثقته بها فهوت بها لقاع سحيق، وبما أنّ الإنسان لا يرضى لنفسه هذا الدّرك فإنّه يعوّض هذا النّقص بشحنها بثقة زائدة وتقييم مفرط يؤدّى إلى نفى الآخرين تماماً ومصداق ذلك قوله: (هل غيرى بشر؟).
ولكن هذه الثقة واهية كبيت العنكبوت لأنّها تأكل صاحبها وتردّه أي تجربة مماثلة إلى إحساسه بالعجز كما في طفولته البائسة. وهذا يجرّنا إلى الجدل القائم عن الإبداع وهل هو نتيجة المعاناة أم أنّ الموهبة كافية؟ وفى ظني أنّه بلا معاناة وألم لا يوجد إبداع أصيل وأمّا المثل المضروب بأمير الشعراء أحمد شوقي وشاعر النيل حافظ إبراهيم، رحمهما الله وأحسن إليهما، فقد اتّخذ حجة ضعيفة لا تثبت أمام الفكر العميق وحقائق العلم. فالمعاناة لا تعنى توفّر المال والجاه ولكنّها تعنى التعرّض للحرمان ولنا في الأمير عبدالله الفيصل، رحمه الله وأحسن إليه، أفضل مثال وقد أثبتت الدراسات النفسية والاجتماعيّة أنّ أشدّ أنواع الحرمان هو الحرمان العاطفي والحرمان من أن تعيش حياة طبيعيّة مثل الآخرين.
وهذا الحرمان يقود عادة إلى ترقيق إحساس المعاني وشحذ قدرته لتقمّص أحاسيس الآخرين ولو كانوا جماداً. أي أنّه أكثر قدرة على استكناه ما يجول في نفوس الآخرين، وأكثر حرصاً عليهم، إلا إذا صار الآخرون عقبة في طريق سعادته فإنّ غضبه أعمى مثل البركان الذي يظلّ ساكناً لمئات السنين وعندما يثور يرمى حمماً مدمّراً: (وهل غيرى بشر؟)
وسنواصل إن أذن الله سبحانه وتعالي
ودمتم لأبي سلمي