بسم الله الرحمن الرحيم

لا أحد يُسعف الخيل

شعر إلياس فتح الرّحمن

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نختم تأملنا في قصيد إلياس فتح الرحمن بالتذكير بما ذكرنا من قبل أنَّه منذ تريض الخيول انقسم الناس لطبقتين كما قال أمل دنقل:
"والخيولُ جدارٌ به انقسم
الناس صنفين:
صاروا مشاةً وركبان"
ومعهما انقسمت الامتيازات، ولكن ما يجب أن يدركه الشّاعر الحقّ أنَّ مكانه دائماً مُحدّد مع المشاة فقراء النّبقة وليس التّفّاح النّتن. وهو موقف الصوفي القانع باقتسام النّبقة الطّيّبة مع أصحابه بدلاً من تفّاح الشّهرة والمال المسموم والمدموغ بخيانة الأمانة منذ بدء الخليقة، وقد لخّص صلاح أحمد إبراهيم علاقة المحروم بطبقة التّفاح حين قال:
"أنا من أفريقيا جوعانٌ كطفل صغير
أنا أهفو لتفاحة حمراء من يقربها يصبح مذنب"
واختيار إلياس لرمز التُفّاح والنّبقة عميق الدّلالة تندسّ في رحمه توائم المعاني التي تتوالد فتنجب قبيل المعاني، وهو ما يُعرف "بمعنى المعنى"، فتصير الصّورة مفردة في القصيدة كما الكلمة مفردة في بيت القصيدة، وهو مجازٌ بإيجازٍ وإعجازٌ، وخصبٌ مغموسٌ في إكسير الغرابة والجرأة، تؤثر على نفوسنا وتطلق خيلها من قيدها لتخبّ الفلاة وبها إحساسٌ خفىٌّ ملئٌ بالقوّة والمغامرة.
وهو أيضاً رمزٌ كلّىٌّ موزونٌ بين التّلميح والتّصريح، فيه إيحاءٌ يُقرِّب المعنى ويولّد منه معنىً آخر ليعكسه في مرآة الخيال حتى يصل لعامّة النّاس ولا يختصّ الخاصّة منهم، فالرّسالة، في رأيي، يجب أن تصل لمن يهمّهم الأمر، ولو أنّهم فقط فهموا ظاهرها، بدلاً من الرّمز المُعمّى الذي يدلّ في أغلب الأحيان على عمى البصيرة، أو ضعف الصّنعة والموهبة، لكفى.
فالتّفاح يرد لبلدنا من بلادٍ غريبة لا تتّفق خصائصه مع مناخها ولا ذائقة أهله، سريع العطب ومتلاف لجيرته، بريقه أخّاذٌ، ولحمه هشٌّ، وطعمه لا يسكن خلايا الفم طويلاً، بينما النّبقة معطاءةٌ ليِّنها ويابسها، وتُدَّخَر للأيّام المقفرة، وتَدَّخِر طعمها ما بقيت، سهلة التّواجد، كثيرة التّوالد، تصادق الطّقس والنّاس، وهّابة ظلاً وثمراً وقُدسيّةً تذكّرهم بسدرة المُنتهى ونبقها الملائكي كالكواكب المضيئة.
والصّعود له ثمن، ألا وهو شراء الصّوت. ولكنّما لكي يبرّر صديقه مكانه الجديد لا بد له من أن يعلو صوت فمه ليُسكت صوت ضميره أو يطغى على أصوات الحق بقرع الطّبول.
ولكن سلّماً كهذا، وإن بدا متيناً ثابتاً، تربته مهتزّةٌ يخور بصاحبه مدوّياً صوت وقوعه عند علوِّ أصوات الرّعود الشّبقة فترسل السّيول، بعد قحط الخلق، لتطهير الأرض من دنسها، والمعنى قريبٌ من الآية في قوله سبحانه وتعالى:
‫مَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ" ‬ "‬
وأيضاً:
"وأمّا الزّبد فيذهب جُفاءً وأمّا ما ينفع النّاس فيمكث في الأرض".
ويختم إلياس قصيدته بطلبه أن يستبدل الصّديق دفتر ذكرياتهم القديم، الحافل بالصّدق والمبادئ، ليكون بينهما جسراً يتكآن عليه إن تقابلا هنيهةً من الزّمن، فيسترجعان ما جمّعهما من شعورٍ صادقٍ وأحلامٍ كبيرةٍ، على أن يهبه بدلاً عنها شفقته عليه من حاله وعلى حاله، فهو قد مات في نظر خياله، وصار جثّةً تحملها أقذار المراحيض التي تغافل عنها حينما اعتلى سلّم السّقوط.
وعمق إلياس، مقارنةً بصلاح أحمد إبراهيم الذي اعتقد بأن صديقه أضحى بلا ذاكرةٍ، يدلّ على نضوجٍ عاطفي، فالذاكرة مشتركة بينهما وفقدها مستحيل، وإن ادّعى الصّديق نسيانها أو قلّل من قيمتها ليخلق مساحةً يصالح فيها نفسه الجديدة، لأنّ جمر الحقيقة لا يخمد.
وإلياس كلّ ما يطلبه من أخيه أن يعهد إليه بدفتر الذّكرى ليصونه نيابةً عنهما ففي ضياعه ضياعٌ لنصف حياته هو، وهذا إدراك نفسىٌ عميق يدافع عن حقّ البقاء مدفوعاً بغريزته.
وإلياس هنا يثبت مبداً هامّاً وهو عدم غمط النّاس حقّهم، إن كانوا قد قدّموا لأمّتهم خيراً في ماضيهم، ويدعو للبعد عن المواقف البدائيّة التي ترى في الإنسان إمّا ملاكاً أو شيطاناً.
أمّا مقطع "سجين" فيبدأ بحلمٍ يتسلّل فيه صوت أمّه، عنوان الفرح والأمان والسّلوى والعزاء، يهدهد روحه، كما كان يهدهده صغيراً، حتى يأنس لطائف الأحلام الذي يسرقه من واقعه المُرِّ. ونحن عندما نمرض أو تضيق علينا منافذ الدّنيا نتخلّى عن ثوب النّضوج عن طيب خاطرٍ ونرتدّ أطفالاً ننشد اللّمسة الحانية من أمّهاتنا وللكلمة المداوية، لجوءاً لحضنهنّ، كأنّنا نلوذ بأرحامهنّ دفئاً وحمايةً حتى تقوى الرّوح وتعاود النّضال. ولكن حتى وإن سرقنا السجّان حقنا في الواقع فلن يستطيع أن يحرمنا الحلم، حيث الحرّيّة، فنجرى كالجياد البرّيّة في مروج الأحلام، طلقين فرحين لا قيدٌ ولا لجامٌ كما قال أمل دنقل في قصيدته الخيول:
"كانت الخيلُ برِّيَّة
تتنفس بحرية
مثلما يتنفسها الناس
في ذلك الزّمن الذهبي النّبيل"
وقد كتب الخال عبدالرحمن الأبنودي، رحمه الله وأحسن إليه أفضل أعماله ملحمة (أحمد سماعين) وهو في السجن ويقول عن ظرف كتابتها أنّه أسند ظهره للجدار واكتشف حينها أن ليس بعد السجن تحديداً للحريّة يمكن أن يفرضه عليه سجّانه لقاء ما قال، فأدرك مدى الحريةّ التي أعطيت له ليقول ما يشاء وهذه المفارقة التي تحدّثنا عنها من قبل كيف أنّ في قلب اليأس ينبض الأمل.
فاستمع لصوت إلياس فتح الرحمن يصف صوت أمّه في ظلمة الليل، كالضّوء يثقب حائط الظلمة، ويزحم المكان بالحياة المحتفلة بالغناء الجميل الهادئ كأهزوجة الطّفل:
"صوت أمي ثقب الحائط في الليل وغنّى في المكان
هدهد الرُّوح وغزّى جسدي في خريف الحلم والسّلوى ونشدان الأمان"
وهي صورةٌ شعريّةٌ مكثّفةً تصف حال من حالت بينه وبين أمّه، رمز الحنان والأمان والفرح، حوائطٌ لا يمكن إلا أن تكون لسجنٍ، لأنّها حدّت حرّيّته بسمكها وظلمتها فتركته قلق الرّوح، ضعيف الجسد ينشد السّلوى والأمان.
فكأنّ صوت أمّه رمحٌ من الضّوء لا تصمد أمامه ظلمةٌ فيثقب قلبها ويرديها قتيلة ومعه تزحف جيوش الضّياء والاحتفال بالحرّيّة والنّصر.
وهو وصف أشمل وأبلغ من وصف محمود درويش رحمه الله وأحسن إليه:
"زنزانتي لا تضئ سوى داخلي..
وسلامٌ علىَّ، سلامٌ على حائط الصوتِ.
ألّفت عشر قصائد في مدح حريتي ههنا أو هناك
أحبّ فُتات السّماء التي تسلّل من كوّة السجن متراً من الضوء تسبح فيه الخيول،
وأشياء أمي الصغيرة.."
إلى أن يقول:
"حريتي: أن أكون كما لا يريدون لي أن أكون.
وحريتي: أن أوسّع زنزانتي: أن أواصل أغنية الباب:
بابٌ هو البابُ: لا باب للبابِ
لكنني أستطيع الخروج إلى داخلي"
فبينما يترك محمود درويش، رحمه الله وأحسن إليه، باباً مفتوحاً للأمل في داخله بمقاومته واحتفاظه بحريّته بأن يكون كما يريد، متمسّكاً بحلمٍ واهمٍ؛ يصادر إلياس كلّ أوهام الانعتاق من الكابوس المستمر، فكلّ حلمٍ تعقبه اليقظة ويهزمه الوعي، فالشعر الصادق يخنقك وقت اليأس ولا يُرخى قبضته حتى تكاد أن تزهق روحك ليبعث فيك روح الثورة والمقاومة بدون وهمٍ لمعجزة تُنجيك.
فالشعر إن لم يصف راهن الحال فهو يتنبّأ بالمآل وقد كان شعر محمود درويش رحمه الله وأحسن إليه أوفق حين قال:
" ولنا بلاد لا حدود لها كفكرتنا عن المجهول
ضيقة وواسعة.. بلاد حين نمشي في خريطتها
تضيق بنا
وتأخذنا إلى نفق رمادي فنصرخ
في متاهتها أما زلنا نحبك؟"
وإلياس نستشفّ من شعره سؤال محبّة الوطن دون تصريح وإنّما يعمّدنا بنار الفاجعة ويتركنا نستنتج أجوبتنا:
"غير أنّ الطّامّة الكبرى وما هزّ الكيان
أنّني لمّا أفقت وافر الضّحكة مفكوك العنان
قد وجدتّ الحائط النّازف جُثمان الكمان"
ويرجع إلياس فتح الرحمن لرمز الخيل الحرّة السّعيدة مفكوكة العنان بعد أن حرّره الحلم من واقعه وانغلاق دروب الهروب، ليجد أنّ ذلك الحائط المُجندل برمح صوت أمّه، والذي لا يزال دمه حارّاً دفّاقاً، لم يكن إلا جثمانه النّازف.
فهو قيثارة الشّعب أصابها اليأس وتغلغل في جنبات روحها فقضى عليها، لأنّ آخر أملٍ في النّجاة، حتّى من ثقب الحلم، ضاع بعد أن اكتشف العسكر منفذ الحرّيّة ولم يكتفوا بحبس الجّسد ولكنّهم أرادوا الرّوح أيضاً، وترقّبوها حتى كسروا مقاومتها. وفى هذا لعمرى مبلغ اليأس ولا يترك للأمل باباً إلا سدّه ، وهو لا يتعدّى سياق القصائد الأربعة ، كأنّه سيمفونيّةٌ تبدأ بصوت منكسرٍ ثمّ يعلو وينخفض ، كالخيل تقطع الفيافي يرفعها تلّ ويخفضها وادٍ ، وتنتهى بقمّة اليأس في خاتمةٍ مأساويّةٍ ، تُنبى عن حال الشّاعر المكتئبة السّوداويّة الوجوديّة ، قبل أن تلقى بنفسها في الهاوية كما قال أمل دنقل:
"صارت الخيلُ ناساً تسيرُ إلى هوَّةِ الصمت
بينما الناسُ خيلٌ تسيرُ إلى هوَّةِ الموت".
فقد نمّى إلياس فتح الرحمن لغة الصّورة الشّعريّة بابتكاراته وبتركيباته الموسيقيّة، منتهجاً جُرساً يزاحم العقل والمنطق ويطلق عقال العاطفة وإن كان لا ينفى التّفاعل بينهم فكرةً ومنطقاً مُخالفاً، ليوحي بمعانٍ، ما كانت الكلمات وحدها تقدر على حملها وجلائها.
وفعل ذلك بمقدرةٍ تمتلك ناصية البلاغة المُعاصرة لترجمة وجدان الشّاعر بكلماتٍ حيّةٍ موحية غير مسرفةً، وبلا زوائد، متماسكة البنيان يشدّ بعضها بعضاً، ذات نضرة ودلالة تُفجّر خيالنا، وتثقب جدار إحساسنا المتبلّد من كثرة الاحباط، وتُعدِيه بحالته النّفسيّة، رضينا أم أبينا، حتى يلتهمنا اليأس والعجز فنثور على الشّاعر وهو يثور على نفسه، وبذا يؤدّى الشّاعر دوره إذ يجعلنا نواجه يأسنا بدلاً من الهروب، فتلد المواجهة الثّورة كما يخرج زغب الصّقر الحىّ من حجر البيضة الميّت.
فالنّقيض يساوى نقيضه وينقضه في ذات الوقت، فليس التّعبير عن هذا اليأس والقنوط بسلبيّة ولا استسلامٌ ولا ذاتيّة منكفئةٌ على نفسها تندب حظّها، فالشّعر يقاس بصدقه وليس بتبنّي إيجابيّةٍ وهميّةٍ أو هروب من هزيمتنا، وإنّما يقطع إلياس فتح الرحمن بشفرة سكّينه الحاد نياط قلوبنا ليوقظنا من وهمنا ويعطينا الأمل ببعث الألم بدلاً من الخدر. فإحساس الضّياع والغربة إحساسٌ وجوديّ يحمل همّه نيابة عنا المبدعون، ولا نلاقيه إلا عندما تتقاطع دروبنا معهم، وما نلبث أن نتركه حيث وجدناه أو نذرف دمعةً أو دمعتين نطهّر بهما ضميرنا ثمّ نواصل المسير كأنّ شيئاً لم يكن بينما تنوء ظهورهم بهمّنا وألمنا وفشلنا أبد الدّهر.
فإلياس فتح الرحمن يؤكّد بديوانه "لا أحد يسعف الخيل" أنّ روح الشّعر الحقّ البركانيّة لم تمت بعد وأنّه لم يزل هناك من يحمل قنديلها ويدكّ أركان سلبيّتنا، وإن كان إقلاله لا يُغتفر، فانظر إليه يسحق أملنا كما يسحقُ فيلُ دودةً:
"قال لي جارى السّجين
لا مفر
إنّ شيخ الجند في القصر تولّى أمرنا
بعد كشف الثّقب في المبنى وشنق الدّيدبان".
وكلمة الديدبان قديمة مشتقّة، على ما أظن، من دبّ يدبّ دباً وهي بمعنى الحارس الرّقيب الذي يتخفّى بحيث لا يلحظه المحروس والمحروس منه وقديماً قال الشّاعر:
"أقاموا الديدبان على يفاعٍ
وقالوا لا تنم .. للديدبان
فإن آنست شخصا من بعيد
فصفق بالبنان على البنان"
والدّيدبان من عامّة النّاس يمثّل الطّبقة الفقيرة، وهو متنازع الولاء بين سيّده وأهله وعبدٌ لحاجته، فقلبه مع السّجين المظلوم وأمره في يد الحاكم، ولذا فقد يتغابى عن بعض الأشياء تبرئة لضميره، وهو جرمٌ لا يغتفر في عين الحاكم الظّالم فيصير أوّل الضحايا. فهو ضحيّة الظلم الاجتماعي وظلم الطّغاة ولذا في وقت الثّورات ينضمّ الديدبان للشّعب.
ورمز شنق الديدبان في هذه القصيدة إنّما ينبى عن تنبيه الشّاعر إلى عزلة الطّاغية في قصره فهو قد ضرب على نفسه سياج سجنٍ بمحض إرادته يقلّ عذاباً من سجن الشّاعر الذي لا يخشى أحداً. أو كما قال محجوب شريف، رحمه الله وأحسن إليه:
"نغنّى ونحن في أسرك
وترجف وانت في قصرك"
وربما أنّ شنق الديدبان رمزٌ لضيق فسحة الحريّة مع كلّ حكمٍ عسكريٍّ خنق البلاد حتى انتهى بفقدان الثّقة في حارسه وصار ديدباناً عليه فقتله، وخنق أحلام السّجناء، والذي هو موتٌ نفسىٌّ وعذابٌ لا نهائي خير منه الموت الجسدي، إذ لا حياة بلا حلمٍ أو أملٍ، ولكن الأمل يدركه الشّاعر جيّداً بتجربته مع شعبٍ قوّض جدران سجنه من قبل أكثر من مرّةٍ.
وسنواصل إن أذن الله سبحانه وتعالي في حلقات أخري سياحة جديدة مع شاعرنا الشاب عبدالرحيم حسن حمزة
ودمتم لأبي سلمي