بسم الله الرحمن الرحيم

لا أحد يُسعف الخيل

شعر إلياس فتح الرّحمن

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

اختلف أهل العلم في طبيعة صفات الشعوب وتساءلوا هل هي أصيلة باقية لا تغيّرها الأحوال والأهوال أم هي زائلة بزوال الأسباب وتغيّر السّياق؟ وانتهى جلّهم إلى الخلاصة الأخيرة ولكن الشعراء والحالمون تأسرهم ذكريات الليالي الوضيئة في زمنٍ ذهبيٍّ ذهب قبل أن تروّض الجنود خيلها البرّىّ بشكله بالقيود كما قال أمل دنقل:
" كانت الخيلُ - في البدءِ – كالنّاس
برِّيَّةً تتراكضُ عبر السهول
كانت الخيلُ كالناس في البدءِ
تمتلكُ الشمس والعشب
والملكوتِ الظليل
ظهرها... لم يوطأ لكى يركب القادة الفاتحون
ولم يلنِ الجسدُ الحُرُّ تحت سياطِ المروِّض
والفمُ لم يمتثل للجام
ولم يكن ... الزاد بالكاد
لم تكن الساق مشكولة
والحوافر لم يك يثقلها السنبك المعدني الصقيل"
وهو وصف لنفسه الطليقة المتمرِّدة كما عرفته، قاتل دون حريَّته البدائيَّة ولم تقيِّده كل قيود الحرير من مدنيَّة إلى أن هزمه المرض فألزمه السرير ومن ثمَّ بيتاً دائماً.
لكن وبرغم ما أصاب الخيل من ترويض فلم يغادرها الأمل في الانعتاق من الأغلال، كأنّما الظّروف قيود لا تلبث أن تنكسر وتكون كقول شيخي محمّد المكي إبراهيم:
"والقيود انسدلت جدلة عرسٍ في الأيادي"
وهو وصفٌ بذّ به ببلاغة تصويريّةٍ عميقةٍ، صيحة الشابي:
"لابد للقيد أن ينكسر"،
إذ ضفر من شِقّى شَعْرِ الحريّة والفرح جدلة واحدة.
ويمضي إلياس فتح الرّحمن متسائلاً عن غياب صوت الحقّ، كأنّما ضلّ الطّريق أو أصابه ضلال الضمير، ممّن كان ثائراً ومشتغلاً بنشر الوعي وتعرية الحقيقة، بعدما أُتخم من ملح الأرض، فأُغرى بالوعود والرّياش فشُدّ لسانهم باللجام، مثلما روّضت الخيل، ليلعقوا صحون سادتهم الجدد ينظّفونها من أدرانها بالخديعة ليُعجب بها السّابلة الغافلة.
فكأنّهم عند انقطاعهم عن الضّعفاء والمنبوذين، الذين أمدّوهم بالملح النقي في سالف أيّامهم فصنعوا لهم مجدهم، لم يجدوا بدّاً من ملح وضيعٍ يلعقونه كالكلاب المرّوضة المطيعة الوديعة وهم كانوا أسوداً يرتجف من زمجرتها الخونة:
"أم القول ضلّ فبارك للمتخمين وشدَّ اللسان ليلعق ملح الصّحون الوضيعة؟"
فصوت المبدع المناضل يجب أن يكون كما قال بابلو نيرودا:
" فأنا شعوب، شعوب كثيرة،
وأملك في صوتي القوة النقية لكي أعبر صمتكم وأنزرع في العتمات".
ويأتي التّساؤل المُنكر والمندهش بعد التّساؤل عن التغيّر الذي أصابنا:
"أم الأرض ما عادت الأرض؟
والأفق أدبر؟
والقلب للقلب أنكر؟
والبرّ في النّاس زمجر؟
والبحر قد أيبسته الفجيعة؟"
فالأسئلة هي إثبات انقطاع ما كان من أصل حالنا فانتقلنا منه إلى منفى العدم، كأنّما السّاعة قامت كقوله سبحانه وتعالى:
‫يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ"‬ " ‬
وحين تكون الفجيعة أكبر من الاحتمال فإنّها تجفّف بحار الدّموع والشّعر والإحساس.
ويخطر للذهن بداهةً أنّ المعنى يستقيم أكثر إذا قال إلياس فتح الرّحمن:
"والبرّ في النّاس أقفر بدلاً من زمجر"
فالسياق كلّه عن العدم، فالأرض لم تعد الأرض، والأفق أدبر، والقلب أنكر، ويبس البحر.
ولكنّ إلياس فتح الرحمن لا يختار الكلمات جزافاً خبط عشواء فقد شبّه البرّ بالأسد الحبيس، الذي اعتاد الحريّة من قبل، فزمجر في صدورهم لمّا أغلقوا قفصه.
وفى هذا بعض الأمل أنّ البرّ لا يزال حيّاً، وقد يبدو ذلك تناقضٌ في ظاهره بين إحساسه باليأس الشّامل وتلميحه بالأمل، ولكن هذه مفارقة وليس تناقضاً، إذ أنّ في رحم كلّ نقيض نقيضه وغاية اليأس تحمل غاية الأمل كما قال محمود درويش رحمه الله وأحسن إليه:
"إن في وسع القصيدة العظيمة أن تنهض من الخراب، إذا كان يحركها أمل عظيم، أو يأس عظيم".
ونبّه إليها ناظم حكمت بقوله:
"من أماني العيش الرغيد
وأصوات الخطر
وبقايا الأمل
وذكرى الوطن الممدد تحت خيمة الفجيعة
أبدأ حياتي مترنحا بين الحزن والأمل
تحاورني كلمة الحريّة
لا شيء سوى الحرية"
أو أنّ إلياس عنى أنّ الفجيعة قد أقامت سدّاً في نفوس النّاس حبس وراءه تلاطم موج البرّ المزمجر فيبس مجرى البحر، أو لربّما عنى أنّ البرّ كفارسٍ زمجر في قومه لمّا رأى تقاعسهم عن نجدة الوطن وضنّهم عليه بحياتهم ودمائهم، ويظلّ المعنى، كما يقال مهما اجتهدنا، في بطن الشّاعر ولكن ما يجب أن نلاحظه هو أن اختيار كلمة "أقفر" كبداهة تسدّ أبواب الاحتمالات الأخرى بينما كلمة "زمجر" تفتح كنوز الدّهشة وتَغنينا من جواهرها.
ويمضي الشّاعر متسائلاً حينما أصابتنا الغفلة بانعدام إحساسنا الخارجي والداخلي:
"أم الأنف والقلب صارا عجوزين؟"
ونحن نعلم أنَّ الأنف تسبق العين فنسمع عن رائحة الفساد قبل أن نراه وهو عين الضرير والأصمّ، والقلب يعرف الحق قبل العقل ولذلك ينبّهنا إلياس فتح الرحمن لغفلتنا حين لم يغفل الغيب، وهو انهمك في نسج كفن الشّاعر الرّاحل، كأنّه جلباب يكسو عريه بعد أن ضنّ عليه قومه بلباس الشّرف والرّفعة، فيا له من هديّةٍ تستر حاله وتُنهى ألمه وترحاله:
"والغيب منهمكٌ في النّسيج ليهديك جلباب تلك السّنين الرّفيعة؟"
ولكنّ القصيدة هديّة أخرى من محبٍّ انشغل بمحبّة صديقه الرّاحل ينسج منها رايةً تظلّ أبد الدّهر ترفرف عنوان وفاءٍ وعشقٍ وتذكرةٍ حتى لا ننسى، فيتمّ استلاب أغلى ما نملك وهو حلمنا بوطنٍ يسع الجميع ويحنو عليهم ويرفقون به.

وفى الجزء الثّالث بعنوان "خطاب"، لا يخفى قرف إلياس فتح الرّحمن من صديقٍ سقط وبادره الصديق يبرّر سقوطه ويفلسفه.
وقد علت فيه نبرة خطابةٍ غير مبتذلة ولا فطيرةٍ لم تُضعِف الصّورة الشّعرية، وإنّما خدمتها بنقل استياء الشّاعر وإحباطه ونفاذ صبره من الذين يسقطون في منتصف الدّرب ثمّ يملؤون الدّنيا ضجيجاً لتبرير مواقفهم، كأنّما الدّنيا لا شاغل لها غيرهم، وكان كلّ ما عليهم فعله ببساطةٍ هو أن يعترفوا بخطئهم وينضمّوا للرّكب ثانيةً، فالإنسان تتملّكه لحظات ضعفٍ عندما يستعجل النّتائج، أو يرى في فعله حكمة مُعمّاةً على رفقته، أو تلفّه ظروف الحاجة، وهو في أغلب الأمر سوء تقدير يدفع ثمنه وحده لاحقاً، وليس بالضّرورة تنكّرٌ للمبدأ أو تبدّلٌ في الضّمير، والانسان بطبعه خطّاءٌ ولكن خير الخطّائين التّوابون.
والشّاعر لا يسمع بأذنه ولكنّه يؤمن ويرى بقلبه، وما يراه القلب لا يصدّق صديقه ويُنكر حديثه، ولذا يعود إلياس فتح الرحمن لنفس السّياق عن تغيّر النّاس والأشياء، واكتشاف غربته وسط عالمٍ غريبٍ ببلده وأهله، كأنّه نوحٌ في قومه.
ونلاحظ أنّه يدعو رفيقه بأخي وليس بصديقي، فكأنّما ينبّهنا أنّه برغم اختلافه معه فستظلّ أخوة الإنسانيّة دائمة. وهو أيضاً لا يحرمه حبّه ولا حقّه في التّسربل بثوب جديدٍ، وإن غضب منه واختلف معه، وهذا ينبّئ عن سعة نفس الشّاعر وحبّه للإنسان واحترامه لحقوقه، ومحو الذّاتيّة في سبيل الوطن كما قال صلاح أحمد إبراهيم منبّهاً لمبدأ الأخوة وليس الصداقة:
"عيشوا إخوة برغم كلّ شيءٍ إخوةً
وعمّروا بالحبّ هذا البيت ..هذا الوطن الكبير"
ولربّما كانت القصيدة محاولة للفت انتباه الصّديق وتجلية بصره بنصيحته وتذكيره وهو أقلّ الواجب:
"صوتك الآن غريبٌ يا أخي صوتك الآن غريبٌ
فارحم الأذن ودعني ثمّ هبني من لدنك الشّفقة"
فحال الغريب لا يجاريه حال، كما قال صلاح أحمد إبراهيم:
"هل يوماً ذقت الجوع مع الغربة؟"
فالجوع جوعٌ للعدل والحريّة والمساواة والسّلام ودفء العشيرة ورحم الوطن.
وصلاح أحمد إبراهيم وإلياس فتح الرحمن كلاهما ذاق من الجوع والغربة ومن غدر الرّفاق أصنافاً عبّر عنها صلاح أحمد إبراهيم:
"وتكذب
ثمّ تهنّئ نفسك بأنّك أبرع من يكذب
خلاعك جاز
ومكرك فاز
وتحسب أن خلا الملعب؟
ولم يبق فينا من يغضب؟
ولم يبق فينا الذي يضرب؟
سمعت بأنّك صرت بلا ذاكرة
هنيئاً!!
ولكنّهم يتذكّرون
وأنت والحمد لله لا تسمع"
ويستحقّ إلياس الشّفقة ولكنّ الشّفقة التي يطلبها هي الشّفقة به من طنطنة وإزعاج الصّوت المُبرّر لموقفه الجديد وقد نبّه أخاه بتوضيح موقفه الذي حاد عنه واختياره للدّرب الجديد:
"إنّ هذا السلّم الذهبي أغرى قدميك
وأغرى أنفك الناسي طقوس الشمّ
أغرى صوتك العالي وأغرى تربة ينهار ثابتها
إذا ما غازَلَتْها-في الزّمان القحط- أصوات الرّعود الشّبقة"
والمفارقة الجميلة هنا هي سقوط من أراد الرفعة بصعوده على سلّم كالصعود إلى الهاوية
وهذا تذكير بقول المولى عزّ وجلّ:
‫"أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ۗ‬ "‬
ولأحمد عبد المعطى حجازي قصيدة يستخدم فيها الذّهب كسببٍ رمزي لخيانة الكلمة من أستاذ له فانتضي سيف فارس الكلمة مدافعاً عنها ومشنّعاً به:
"لم اعرف بعد مصاحبة الأمراء
لم أتعلّم خُلق النّدماء
لم أبع الكلمة بالذّهب واللألآء
ما جرّدت السّيف على أصحابي فرسان الكلمة
لم أخلع لقب الفارس يوماً فوق أميرٍ أبكم"
فالمبدع لا يبيع سوى كلمته التي اكتسبت قيمتها من ثوريّته، والسلّم لا يبدو مغرياً إلاّ لمن لا يتعدّى منظر الذّهب إلى مصدره، ألا وهو قوت المسحوقين، ولا يطأ طريقه إلا من زكم أنفه عن رائحة العفن الذي بُنى عليه السلّم والصّادرة من قذارة مصدره ونتانة قروح السّجناء والمحرومين وهذا يتّضح في قوله لاحقاً:
"إنّ هذا السلّم الذهبي طاف بحارة الفقراء مرّاتٍ ومرّاتٍ ومرّاتٍ ما أجاد السّرقة"
فهو لم يفلح في سرقة أبصار الفقراء أو سرقة ثباتهم على المبادئ ببريقه ولا غيّرهم برغم فقرهم، وبرغم إغرائه لهم مراراً وتكراراً. والمعروف أنّ تكرار الأمر يورث العادات ويضعف الهمم، ولكن ما إن رآه أخاه مرّةً واحدةً حتى سقط صريعه ولما انكشف موقفه علا صوته يبرّر موقفه والشّاعر يطلب منه العذر:
"فأعذرني من الإنشاء والإملاء والإصغاء والإرضاء
واعذرني فهذا الحمل أعتى من ظهور الحاملين العبء في البرِّ زماناً
ثمّ من جوف المياه اللّبقة"
فها هو يطلب الشّفقة به، فحمل الزّيف أثقل من أي حمل آخر، ولا يتحمّله حتى من تحمّل الويلات زماناً طويلاً، ويطلب منه الشّاعر أن يعذره إن هو لم يجد طعم المياه، التي تجئ من جوف الرّياء مدثّرة باللباقة، عذباً مستساغاً، برغم إتقان عرضها في قوارير وإغراء منظرها، فإنّ الشّقاق وقع، وفصلت بينهما ما أقامته الطّبقة، وهنا يجئ رمز الخيل مرّةً أخرى فهي أوّل من قسمت النّاس لطبقتين كما قال أمل دنقل:
"والخيولُ جدارٌ به انقسم
الناس صنفين:
صاروا مشاةً وركبان".
وسنواصل إن أذن الله سبحانه وتعالي
ودمتم لأبي سلمي