بسم الله الرحمن الرحيم 

 

لا أحد يُسعف الخيل
شعر إلياس فتح الرّحمن
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


كلنا نبغي الصديق الصدوق وأيُّ صديقٍ تبتغى غير جوادٍ يحملك بلا كللٍ أو مللٍ، وعَرَق جلده كدموع أعينٍ باكية أو شموعٍ ذائبةٍ في غيهب الليل تضئ الطريق لمدن الأحلام يجذبك بريقها، يشاركك المصير والألم والمناجاة، ويؤنسك في السري رفيقيكما الحلم والأمل ورحم الله المتنبي حين قال:
"وما الخيل الا كالصديق قليلة وإن كثرت في عين من لا يجرّب"
وعندما يتوه الدّرب فتطرق درباً آخر تخذّ السّير حتى تدرك مبتغاك، تجد أنّ الضّوء الذي جذبك لم يكن إلا من نار حريق الحرب الهوجاء، لا سبب ولا معنى له إلا العبث، ولا يعادله إلا حريق أحلامك في داخلك، ولا يجد قبرك ما يضمّه، فقد انتثر رمادك وذرّاه الريح مثل ورود ذاوية، حملها ظهر أو كفّ صديق ورفيق رحلتك. فإذا أنت وجوادك توحّدٌ ووحدةٌ، بعد أن ترجّل رفاقك عن خيلهم واحداً بعد الآخر عند وقوعهم أسرى للعناء والشّقاء والإغراء.
والشّاعر يُسائل الطّريق، فهو أدرى بالأجوبة وقد شهد بداية الزّمان ويدرك المكان، بعد أن أكسبه حياةً أو تنبّه لها أو ينبّهنا لحياته الأزليّة:
"فما بكت عليهم السّماء والأرض"
يسأله عن مكانٍ يوارى فيه أجمل ما حمل صديقه وحاول إهداءه لشعبه فتجاهلوه حتى ذوت وروده في يده، فأشفق شاعرنا عليه وعليها وسعى لقبر يسعهما، فلم يجد غير قلبه مثوىً لهما فقلب المؤمن وسع الله سبحانه وتعالى حين ضاقت به السّماوات والأرض.
وقد طرق محمود علي طه المعنى منشداً:
"ضاع عمري وما بلغت طريقي
وشكي القلب من عذابٍ وضيقِ
فخذي الرّوح حفنة من ترابٍ
وخذي الرّوح شعلة من حريقِ".
وهذا الحريق الذي يذكره إلياس فتح الرحمن من المدن، التي خدعه بريقها واكتشف حريقها، هو ليس بالحريقٌ العبثّيّ ولا نتج عن سذاجةٍ وإنّما كما قال ناظم حكمت:
"أصرخ، أصرخ، أصرخ
كثير هو الحزن ولا من معين
القلوب خرساء، ثقيل هو الهواء كالرصاص
أقول له، لأحترق، وأتحول إلى رماد
إن لم أحترق أنا، وتحترق أنت
ونحترق جميعاً، فكيف تخرج
الظلمات إلى النور"
وغشى صلاح عبدالصبور ذات المعنى في قصيدة أحلام الفارس القديم:
" كنت أعيش في ربيع خالد، أي ربيع
وكنت إن بكيت هزَّني البكاء
وكنت عندما أحسُّ بالرثاء
للبؤساء الضعفاء
أود لو أطعمهم من قلبي الوجيع
وكنت عندما أرى المحيرين الضائعين
التائهين في الظلام
أود لو يحرقني ضياعهم، أود لو أضيء
وكنت إن ضحكت صافياً، كأنني غدير
يفترّ عن ظل النجوم وجهه الوضيء
ماذا جرى للفارس الهمام؟
انخلع القلب، وولى هارباً بلا زمام
وانكسرت قوادم الأحلام".

وهذا الهمّ الكوني ليس همّاً خاصّاً ولكنّه همّ المبدع الوجودي الذي يحمله ويحترق في ناره نيابة عنّا لإصابته بلعنة رّؤيا وشفافية لم يطلبها وإنّما كُتبت عليه، ونحن بدلاً من أن نسعفه نهمله لانشغالنا بما نظنّ أنّه أهم، أو نسخر منه لنبرّر بلادة حسِّنا، أو نقتله حين يهدّد أمننا. وقد لخّص إلياس فتح الرحمن موقف المبدع ودوره الوجودي كحاملٍ لراية وشعلة الوعي التي تحرقه قبل غيره لا يريد من قومه أجراً كما أنشد المتنبي:
"يـا من يعز عليــنا ان نفارقهم وجداننـا كل شيء بعدكم عـدم
مــا كان أخلقـنا منكم بتكرمة لـو أن أمــركم مــن أمــرنـا أمــم
إذا ترحّلت عن قـوم وقد قـدروا ألا تفارقهم فالـراحلـــون هــم"
ومن بعده قال بابلو نيرودا:
"نحن فضة الأرض النقية
معدن الإنسان الحق،
نجسد حراك البحر الدائب،
دعم كلّ الآمال"
فيما أسهب صلاح أحمد إبراهيم حين قال:
"في غدٍ يعرف عنّا القادمون
أي حبٍّ حملناه لهم
في غدٍ يحسب منهم حاسبون
كم أيادٍ أسلفت منّا لهم
في غدٍ يحكون عن أنّاتنا
وعن الآلام في أبياتنا
وعن الجرح الذي غنّى لهم
كلّ جرحٍ في حنايانا يهون
حين يبدو رايةً تبدو لهم
جرحنا دامٍ، ونحن الصّابرون
حزننا داوٍ ونحن الصّامتون
فابطشي ما شئت فينا يا منون
كم فتىً في مكّة يشبه حمزة"
وإلياس فتح الرحمن، الذي أمل في غدٍ أفضل، لا يزيده مسلك قومه إلا استغراباً، فهم كمن يأكل جواده لأنّه جاع، لاهياً عن عاقبة أمره، ولا يزيده إلا أسئلةً لما يذهله من أمرهم ممّا يُغاير البديهة فيجئ المقطع الثاني بعنوان: "بلدي...لك الأسئلة"
وهي قصيدة مهداة لصديقه الرّاحل جيلي عبدالرّحمن، وما الرّمز بخافٍ على من يعرفونه وأيضاً يعرفون أمثاله من الشّعراء كمحمد المهدى المجذوب ومحمد عبدالحي، وصلاح أحمد إبراهيم، وعبدالرحيم أبو ذكرى وعلى المك ومحيىّ الدين فارس، فهو عانى الإهمال والمرض من قومه، ولم ينل إلا الغدر، وهو قد حملهم في قلبه وعفا عنهم بلا ضغينةٍ أو مرارة، وإن أصابه اليأس منهم، فسمّى أوّل ديوانٍ له: "الجواد والسيف المكسور".
وقصيدة جيلي عبدالرحمن التي تحمل عنوان الدّيوان تتحدّث عن نفس اليأس والخديعة والتغيّر، وتتّخذ من الخيل رمزاً تفقد كرامتها وكبرياءها وحريّتها فتموت معفّرةً بالتّراب ولا أحد يُسعفها:
"ما عاد يا تاجوج قد صدئ الجراب
والسيف أُغمد من زمان، والرقاب
فكَّت لثام العين جسَّت قيدها، زيف القباب
ما عاد يدعوها إلى عشق الحراب
هدراً تموت على دماء الشمس، كالجرذان
عفَّرها التراب"
وجيلي عبدالرحمن وناظم حكمت بينهما تشابه غريبٌ في طريقة حياتهما وعقيدتهما وموتهما في غربة ولكنّه وبرغم مأساته طغت واقعيّته وأمله على يأسه:
" كلنا سنموت لن نعيش إلى الأبد
وذلك معروف وهو ليس بجديد
لكننا نحيى ليبقى بعدنا أثر بيت أو شجرة أو كلمة أو ممر"
وتنبّأ بموته وانتهى هو وجيلي عبدالرحمن في مقبرتين في قرىً في بلاد حرموا دخولها راجلين لكنّها احتضنتهما ممدّدين:
"يا رفاقي، إذا لم أتمكن
من رؤية ذلك اليوم،
أي إذا متّ قبل الخلاص،
فاحملوني إلى الأناضول،
وادفنوني بمقبرة في إحدى القرى"
ولم ينج إلياس فتح الرّحمن من اليأس، وقد أدركته المرارة والحزن حين أدرك الوعي وانفتحت أبواب الحقيقة أمامه يرى الباطل باطلاً والحقّ حقاً يقيناً، كما يراه الشّيوخ وقد تزمّلوا بحكمة التّجربة فأزالت حجابهم، أو مثل الاطفال ترى الأشياء بداهةً قبل أن تصيب أبصارهم غشاوة النّفاق كما رأى الطّفل الملك عارياً، وما الشّعراء إلاّ أطفالٌ لم يئدوا أطفالهم بداخلهم، فهو يقول:
"على الخنجرين. . الهوى والخديعة
تموتين في هذيان الشيوخ
وفى شغف الطّفل
في الطّرقات وفى الحجرات
وفى حدقات الجياد الضّليعة"
فوصفه للجياد بالضليعة يحمل معنيين أن تكون الجياد ضليعة أي قويّةً في جسدها وعظم صدرها أو بعلمها بسرّ الحياة وخبرتها وحكمتها، فهي مكشوفة الغطاء، أو تكون ظاهرة الضلوع من جهدها ولكن ليس هنالك من يسعفها.
وقد تحوي المعنيين، ولكنّ موت البلاد في حدقاتها، كمثل شمعة ذوي ضوؤها وناوشتها الرّياح، والشّاعر يرى ويسمع ويعي وليس في يده ما يفعله سوى التّساؤل والتّعجّب ممّا وعمّا أصابنا، كأنّنا قوم آخرون، وهو يختنق بعجزه وغضبه من تبلّد إحساس أهل بلده، وفى هذا هروب من واقعٍ قاسٍ يأبى قبوله وهو أنّنا تغيّرنا وبان عجزنا حتى تعذّر التّعرّف علينا، ممّا يقوّى يأسه ولكنّه قبل أن يذعن له ينفجر صديد غضبه:
"فهل نحن نحن؟!!
وهل هذه اليد تلك اليد المستطيعة؟!!
وسنواصل إن أذن الله سبحانه وتعالي
ودمتم لأبي سلمي