بسم الله الرحمن الرحيم

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

من شمس المعشوق إلى قمر العاشق
عالم عبّاس محمد نور (ابن بطوطة)

وفي خاتمة تأملنا في ديوان أستاذنا عالم عباس، والأمور بخواتيمها، نواصل بحثنا في استخدامه للإطناب لتكثيف الصورة الشعرية والشعورية وكيفية استخدام الرموز التي استقاها من بيئته.
وقد تحدّثنا في الحلقة السابقة عن العمود الفقري لتكوين عالم عبّاس الإبداعي، وأشرنا إلى ارتكازه الرئيس على حصيلة اللغة والصور الشعرية التي استقى معظمها من بيئة النشأة القرآنية في صغره وصباه وشبابه، فهو لابد وأنّه وقد دخل الخلوة ومن ثمَّ المدارس، التي كانت في بيئة اختلطت فيها الثقافة الاسلامية كاختلاط الماء بالهواء، حيث الشغف في تلك الأيّام بالمعلّقات وما شابهها من عيون الشعر العربي تليد وحديث.
وأكمل تعليمه في جامعة أمدرمان الإسلامية في العاصمة الوطنية، حيث مجالس الأدب والشعر السوداني وأصوات المجذوب ومحمد المكي إبراهيم ومحمد عبد الحي والنور عثمان أبّكر والطيب صالح وعلى المك وصلاح أحمد إبراهيم ومصطفى سند والواثق تتردّد بين جنباتها.
فكيف يكون حال فتىً يحمل في جوانحه نار الشعر، غريب الدار، مبهم الاسم، يتحرّق شوقاً لمعرفة من سبقوه وقد قرأ لهم أو سمع عنهم، تتأرجح ثقته في نفسه وفى بضاعته، يرجو الإجازة ويأمل في اللحاق بالركب، وهو ابن البادية يعلم أنّ الهلاك الهلاك للمنبوذ عن القافلة؟ وهذه النّقلة من الرّيف أو (الهامش كما يقولون) إلى الحضر جعلته ينبهر بإبداع من سبقوه، وهو غضّ لم تعجم أدواته بعد ولم يعثر على صوته المتفرّد، فالتحف بعباءة من سرقه من نفسه من الشعراء فبثّ من الشعر ما فيه نفسهم ثمّ غيّر العباءة مرّة بعد أخرى فليس بغريب أن نجد أطباق محمد عبد الحي ومحمد المكي إبراهيم والنور عثمان أبّكر وغيرهم في مائدة شعره الأولى.
ولمن له دراية بهؤلاء لا يجد عناءً في التّعرّف عليهم إذا قرأ لعالم عبّاس قصائد مرحلة السبعينات.
ونريد أن نضيف أنّ من تتفتّح مداركه وتصيبه جرثومة الابداع لا يشفى منها، فيسعى لمداواتها بالانغماس في مياهها كما قال شيخنا أبو نوّاس:
"وداوني بالتي كانت هي الدّاء"
فالشاعر تستهويه الكلمات، وفى اطِّلاعه الحثيث على ما يبدعه الآخرون، أو تردّده على قواميس اللغة، لا يملك إلاّ أن يضعف أمامها فيملأ جرابه منها ما استطاع كالطفل المشدوه في متجر لعب أو حلوي. فتنتظم، في مخزن الذاكرة، كالبذور التي تتماسك مع شبيهاتها بأيدي المعنى والمفاهيم في منظومة شبكة الذاكرة.
ولهذه الشبكة فائدة الترتيب للمعلومات، وبها يتعرّف الطفل على العالم ويظلّ يزيد فيها حسب علمه وتتوالى فيها المعلومات حسب ما يربطها من العلائق. ومن منّا لم يُدهش بقدرة شيخ العربيّة عبد الله الطيب، رحمه الله وأحسن إليه، على التّنقّل بين موضوعات شتّى، بيسر يحسد عليه مُبدياً موسوعيّة في المعرفة، مطوّفاً بسامعيه ذات اليمين وذات الشمال حتى يصيبهم الدّوار والعجب من قدرة الخالق تتبدّى في قدرة المخلوق؟ هذه المقدرة جاءت نتاج ترتيب للمعلومات في شبكة الذاكرة مع شبيهاتها حتى تصير كعناقيد العنب تتدلّى من أغصانٍ شتّى تقطف منها حبّة هنا وحبّة هناك.
وفى علم النّفس ما يعرف بإشعال الفتيل الذي يؤدى لإيقاظ الذاكرة ونبش ما سكن في باطنها من بذور، إذا ما أحياها ماء التجربة وحرّها فتتفتّق ورودها ويقطف الشاعر أجملها لينظمها في باقات القصائد.
وهذا يجرّنا للسؤال: هل باقة الورود تساوى تجمّعها إلى بعضها البعض أم أنّ وراء نظمها فكرٌ يظهر جمالها؟ وهل الشعر إلاّ سعى للجمال باختيار كلمات تُضمّ إلى بعضها البعض تحمل جرساً ونسقاً، تُنظم في عقودٍ تسلب الأنظار منها تنبثق المعاني وتوحى بالفكر؟ أو كما قيل:
"أحسن الكلام نظماً ما ثقبته يد الفكرة، ونظمته الفطنة، ووصل جوهر معانيه في سموط ألفاظه، فاحتملته نحور الرواة".
فثمار الكلام فيها نوى المعنى الذي إن وجد تربة الفهم الصالحة، وماء تجارب الحياة والمعرفة، وهواء الحرية نما واشتدّ سوقه، فأزهر ثمّ أثمر فاكتملت بذا دورته لتبدأ أخرى لتنبت معانٍ جديدة إلى أبد الدهر.
"لكم يا أيها الذين توّجوا تواضعي قلائدا، ووشّحوا مواقفي لآلئ الصمود، زلزلوا هياكل الجمود، حامدين لي سراي عبر مهمهِ الرّدى، مقتفياً موارد التجديد قُدماً، مقدِّرين صولتي على المنايا حين كشّرت، وعبست، وبسرتْ، فما طرفتُ، غايتي الوقوفُ دونه أو الشهادة".
هذا البيت تغلب عليه الصور الوصفية التي تتّخذ من الاستعارة والتشبيه والمجاز مركباً لنقل المعنى، ولكنّها لا تغفل جرس الكلمات وإيقاعها، مكوّنة موسيقى داخليّة كقصيدة داخل بيت من الشعر له قوافٍ وتراكيب متّسقة. وهذا يوحى بأنّ عالم عبّاس كان يسعى للتجديد ويدعو له وهو لا يزال أسير القديم لم ينفك بعدُ من إساره وما تعبيره في هذه القصيدة إلاّ عن حال من أغضبه طول الحبس وكبّلته الأغلال ينشد الانعتاق منها والحريّة فليس هنالك نضال بعد الانعتاق وإنّما تحليق.
وأحسب أنّ الاندفاع في فترة الشباب غلّبت العاطفة على التّفكّر عند عالم عبّاس فنتج عن ذلك بعض الخلط في المعاني كمثل قوله:
"توّجوا تواضعي قلائدا، ووشّحوا مواقفي لآلئ الصمود"
فالقلائد لا تُتوّج ولكنّها تلبس على النّحور وقد تُوشّح مجازاً، بينما يمكنك أن تُتوِّج باللآلئ. وهذا يدعوني للتساؤل: هل يجوز أن يراجع المبدع عمله ويغيّر فيه ما يشاء أم أنّه يصير أبديّاً كاللوح المحفوظ متي ما وُلد؟
ونلاحظ ترادف الكلمات ذات المعاني الشبيهة في هذه القصيدة فمثلاً في أوّلها نجده يقول:
"يعزِّرونه وينصرونه"، ثمّ في أوسطها يقول: "قدرة للرفض والإباء والخروج في جسارة"
وفى البيت الحالي يقول:
"كشّرت وعبست وبسرت"
ثمّ ستليه في بقية القصيدة:
"فتطحن الغباء والجمود والركود والبلادة"
وأيضاً:
"بروعة المتاب والمآب والمناب"
فهل في ذلك ترهّل لغوى أم ضرورة شعريّة؟ أظنّ أنّ المسألة لا هذا ولا ذلك. وفى ظنّي أيضاً أنّ طغيان الإحساس بالشيء، مع إيمانك بصمم من تخاطب، يدعوك لأن تكثر القول لا أن تقتصد فيه. فالشخص عند الغضب يقول أكثر ممّا يجب. ولشدّة إيمان عالم عبّاس بقضية دور الشعر جعله يستخدم هذه القصيدة كأداة تنبيه مثل أذان المسلمين وأجراس النّصارى إذ يغلب عليها التكرار والجرس للتنبيه للمعنى بتكثيف اللحظة الشعورية والشعرية وبذلك يمكننا أن نصف هذه القصيدة بأنّها قصيدة غاضبة.
ذكرنا أنّ المبني والمعنى لا ينفصلان. فالمعنى مُضمّنٌ في ثنايا اللفظ المنظوم في أسلوب يحكمه الوزن أو الموسيقى فيكوّنا القالب. ولكن من أجل أن نسمّى اللفظ المنظوم شعراً لا بد من ملكة التخييل التي هي نتاج استخدام الخيال، وهي نتاج واعٍ لعملية الابداع. فإذا كان الخيال هو الفرشاة والألوان؛ فالتخييل هو استخدام هذه الأدوات لتنتج اللوحة بصورها ذات العلائق المتّسقة أو المتنافرة التي توحى للمعنى أو تضيئه، وهذه هي ماهيّة الفن.
والشاعر قد يُعمّى المعنى أو يسقط عليه الضوء وهى قضية الغموض والوضوح في الشعر. وهذا يعتمد على قدرة الشاعر على اختيار الألفاظ، ونسج الصور، واستخدام الرموز، واتّضاح رؤيته والرسالة التي يريد بثّها للمتلقي في جسم القصيدة.
ونجد في قصيدة عالم عبّاس وضوح الرؤية والرسالة، ولذلك فقد كان اختيار ألفاظه ورموزه من شائع الثقافة الاسلامية المتداولة وكذلك استلاف الأسلوب القرآني وتركيب الصور في قالب شبيه بالآية لتفضي للمعنى. ولأنّ خيال عالم عبّاس تحكّمت فيه العاطفة لا العقل؛ فقد غلبت الشاعرية على الصنعة، فأطلق عنان جواده بتهوّر من لا يخشى عقاباً أو خطراً، فجاشت في ربوعه الصور والرسالات ازدحاماً لتجد منفذاً تصل به للمتلقّي.
ولذا فقد فرض الأسلوب نفسه في أن يكون مبنى بيت القصيدة طويلاً ومزدحماً بالصور التي عضّدت فيها الألفاظ المتشابهة المعنى للمعنى، فحكم بذلك عليه بأن يكون آحادي البعد والرؤية فتأمّل هذا البيت:
"لكم أحبّتي التقديرُ، والعرفان بالجميل، هاؤم اقرؤا كتابي الذي غنّيت في سطوره لكل حاملي مشاعل التجديد من قديمنا، دماؤنا زيتونةٌ لزيتها الذي تضيء وهجاً مباركاً على سبيلكم، لكم، وللذين آمنوا بأنّ شمس هذا اليوم لا تعود القهقري، والأرض لا تني تدور كالرّحى، فتطحن الغباء والجمود والبلادة"
ولكن نجد في عمله المتأخّر توازناً وعمقاً ودراية في استخدام الألفاظ لخلق الصور الموحية بمعان ذات أبعاد شتّى، كالضوء المتكسّر على ذرات الماء في الفضاء يبعث قوس قزح، حتَّى وإن اتَّخذت نفس القالب كقصيدة (وطن يباع ويشترى وهلمَّ جرَّا) فمع الخبرة تأتى الحنكة والمهارة:
"حتّى إذا مدَّت ذراعاً أبيضاً للنيلِ، كان النيلُ في الرمق الأخير يُصارعُ المَجْرَى الذي، قد صار قبراً بالَّذي يجرى، وليس الماءُ ما يجرى، لهذا صار هذا النيل قبراً أزرقاً يتوسّطُ المَجْرَى فينْتَحبُ النَّخيلْ".
فنجد أنّه لا العاطفة اضمحلّت، ولا الخيال وهن، ولكن الدربة ولّدت الترويض، والجواد المروّض أكثر فائدة من الجواد البرّى الذي يفتّق إعجابنا بحرّيته، التي تذكّرنا بعبوديّتنا، ولكنّه لا ينفعنا. فاستسلامنا للتمرّد البدائي، مُتمثّلاً في الجواد البرّى، ممتعٌ ومُضرٌّ في ذات الوقت، والرِّضى بحال الجواد المُرّوض أو المُدَرَّس، كما تقول العرب، فيه تحضّر وفائدة ولكنّه مُنفِّر. وهكذا حال الإنسان في شدّ وجذب بين الحريّة المطلقة المشتهاة وبين المقنّنة المنبوذة، فتأمّل هذا المقطع من قصيدة (وثباً نحو القمم الألف) بتوقها لهذه الحريّة:
"وعلٌ برِّىٌّ
ها أنذا أرعى مرجكِ
أتمرّغ في أدغالكِ
حرَّراً أمضى في أحراشكِ
أسعى
بين النَّحرِ وبين الصدرْ.
أركضُ
بين الصدر وبين الخصرْ."
وكما ذكرنا فالشاعر، مثل غيره، يجمّع المفردات والمعارف والتجارب كما يجمّع المرء قطناً من الحقل. وخطوة (تجميع الألفاظ والمعارف والتجارب) هي بداية المرحلة التي تعقبها مرحلة (دراسة المجموع من الألفاظ والمعارف) ، ودرس الشيء أي داسه أو راضه، مثلما تدخل القطن في المصنع ليدرسه فينقّى شوائبه ويروضه حتى يخرج خيوطاً.
وهو شبيه باستخلاص المعاني من الألفاظ حينما تنظمها في أبيات من الشعر.
ثمّ تعقبها مرحلة (نتاج الدراسة) وهي نسج الخيوط أو أبيات الشعر مع بعضها البعض حتى تصير ثوباً أو مقاطع قصيدة. وفى هذه المرحلة يكون القصد من النظم إظهار المعنى الكلِّى أو المتراكب أو معنى المعنى. فالثوب يقصّ ويُخاط في ألبسة مختلفة لها دلالتها وحاجتها كما يجمّع الشاعر مقاطع قصيدته ويرتّبها في قالب معيّنٍ تكوّن القصيدة لتساعد في إيضاح المعنى واستقصاء ما وراء المعنى، إذ لكلِّ قصيدة رسالة مختلفة، كأن تخيط الثوب قميصاً أو جلباباً أو بنطالاً.
ثمَّ تأتى المرحلة الأخيرة، وهي (حصيلة النَّتاج)، حين يتمُّ عرضه، فيكون مفيداً فريداً غالى الثمن أو وضيعاً رخيصاً لا طالب له.
وكلّما زادت معارف الشاعر وتجاربه كلّما كان "مصنع عقله" أكثر تأهيلاً على الخلاص من فضلات الكلام، وشوائب المعاني، وعلى البعد عن السطح والغوص للعمق وذلك بالمقدرة على التّفكّر لا بالانسياق وراء العاطفة المحضة.
وأيضاً تتّسع معرفة الشاعر بمقدرته الحقيقية وقَدْرَ نفسه، فيتخلّى عن النرجسيّة الأولى بعد أن يضيء العلم عقله وقلبه ويدركه التواضع.
ونرى بين المثالين المذكورين في قصيدة (من أسفار الشعر والرفض) وقصيدة (وطن يـباع ويشترى وهلمَّ جرَّا) كيف ازدحمت القصيدة الأولى بالمترادفات وبالهتاف والإصرار على تأكيد المعنى كثوب الكتّان الغليظ، بينما الثانية كانت كثوب الحرير، أهدأ نفساً، وأقلّ كلمات، وأعمق معنىً، وأنعم موسيقى واتّزاناً، توحى بالمعاني بلطفٍ خفىٍّ.
وفى نهاية هذا التنـزّه في عقل عالم عبّاس ننوّه برموزه الأخرى التي تكرّرت في سياق قصائده الأخرى مثل مترادفات الضياء والمطر. وعالم عبّاس لم يُخفِ توظيفه لهذه الرموز، حتى تظن أنّها تحكّمت فيه، ولا الغاية من استخدامها. فعنوان الديوان "من شمس المعشوق إلى قمر العاشق" يوحى بمصادر الضياء والاحتراق وفى ثنايا القصائد تجده ينشد التنوير والطهر وهما لازمتان للشمس مصدر الضياء. فانظر مقولته:
" هاؤم اقرؤا كتابي الذي غنّيت في سطوره لكل حاملي مشاعل التجديد من قديمنا، دماؤنا زيتونةٌ لزيتها الذي تضيء وهجاً مباركاً على سبيلكم، لكم، وللذين آمنوا بأنّ شمس هذا اليوم لا تعود القهقري"
وكيف أنّه ربط التجديد، الذي يضمّ مفهوم التثوير والالتزام، بالمشاعل التي يغذّيها ضوء زيت الزيتون المبارك المتوهّج من الدماء دالاً على التضحية:
‫"اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا شجرة مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ" ‬ ‬
وقصده باستخدام ثيمة أو موضوع الضياء لا يتعدّى الدعوة للتنوير وغرس الوعي مثل من سبقوه من الشعراء، ففي البيت الأخير من القصيدة نجده يستخدم (نحرق الأكف/ نوقد الشموع/ نذوب في احتراقه/ حاملين وهجه وبرقه). والقصيدة الثانية تُسمّى:(سفر الخروج والكشف والرؤيا) وهو لم ينج من تأثَّر شعراء السبعينيات باستخدام بعض رموز الكتاب المقدس مثل احتراق الشموع وسفر الخروج. وتبدأ القصيدة بتداخل الثيمة الثانية مع الثالثة مستخدماً رمز الغيم وملحقاته، والتي هي ديدنه في مجمل قصائده، وكيف له أن يتجنّب ذلك فالغيم يغطّى السّماء ويضيئها في نفس اللحظة بسيف البروق:
"لو أنّ هذه العيون أبرقتْ
لصرت وعدها الهطّال غبّ برقها
لجئت سيّد المواسم."
وإذا تأمّلنا اختياره لهذه الرموز نجد تأثّره ببيئته البدوية واضحاً، حيث الأشياء هي الأشياء، ببدائيّتها وتعرّيها من قشور الأشياء، فتبدو قيمتها الحقيقية لتحقيق غريزة البقاء والديمومة بلا زيف. فماذا يريد البدوي غير ربّه والسماء بشمسها وقمرها ونجومها ومائها؟ فتأمّل قوله:
"يا صغاري الجياع:
ها هي النجوم ملء راحتي نيزكاً فنيزكاً
وجئتكم بسبعة من البدور،
من غياهب السماء قد ولجت أسرق الطعام"
فهل لم تفارقه طبيعة البدوي الذي عندما يجوع صغاره يمتطي جواده ويشرع سيفه لينهب غيره ويعتبر نهبه حلالاً لأنَّه كسب يده القويَّة وقلبه الشجاع؟
واسمعه في قصيدة (على دفتر من نسيج الغيوم):
"اكتب اسمك أمحوهُ،
يكتبني ثم يمحو /
ليرسمني في نسيج الغيومْ.
وأعرف كيف على اسمي /
تشكّل رسمي،
وكيف تفرُّ /
وتقفز من راحتيّ النجوم.
على غيمةٍ
هوّمت بي مليّاً
فنِمتُ".
وفى قصيدة (متاع العاشق السيّاح):"هطل الشعر علينا
في روابينا المطيرة.
وانخدعنا،
عندما لوّح سيف البرق وعداً في الظهيرة".
وأنا واثق من أنّ القرّاء سيجدون في متن الديوان سياحة ممتعة كما وجدت ودمتم.
ودمتم لأبي سلمي