بسم الله الرحمن الرحيم

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
غنوات لحليوة: محمد طه القدال
ونصل إلى نهاية رحلتنا مع شاعرنا الحبيب القدَّال قبل أن ننتقل، إن شاء الله، في حلقاتنا القادمة إلى ديار شيخي وحبيبي محمد المكَّي إبراهيم ونتأمَّل في خلاسيَّته.
داك الحين ..
بشوفك يالرتينة مع الشمس بتلالي
منّاك للسحاب
الكابي فوق حلتنا
كان عامل ضلاله"
وهنا قرن القدال ضياء رتينته بالشمس، إذ أنّه لن يرى شمساً غيرها بعد تلك الليلة، وأكّد أنّها ستلألأ أكثر من الشمس التي تغطيها السحب، وقد وصّف ظلّ السحاب كالدخان الذي ينهدل على القرية والكابي هو التراب الذي لا يستقر على وجه الأَرض، وقد كَبَّى ثوبه أَي بَخَّره، وتَكَبَّت المرأَة على المِجمر أي أَكَبَّت عليه بثوبها فانظر إلى جمال الاستعارة والوصف الموحى. وواصل التعبير عن حالته الشعورية المستقبلية برؤيته لها في كلّ شيء حتى في عيون الفتيان التي تشع بحبّها وحب بلدها وتسير كالقناديل الوهّاجة برغم معاناتهم فالعشق وقودهم الذي لا يفنى، وتأمّل الجناس في:
"العشق لصّف ضياهم
والنهار وصّف خطاهم"
ولصف لونه: بَرَق وتلألأ، وهنا كما يقال ضربة معلّم حينما مزج الخاص بالعام، فهو برغم لحظة بعثه من مواته القديم لحياة جديدة ثرّة سيّارة التيّار لم ينس الهمّ العام فاهتمامه بتعاسة أترابه، وزراعتهم للصبر على ظهر الأماكن الممتدّة الشاغرة، دليلاً على كثرته وديمومته، ليستعينوا به على شقاوة حالهم القاسية، كمثل الكتف الذى استغلظ جلده من كثرة الحمل الثقيل، تعنى رهافة في الحس وكرم نفسٍ يتعدّاه ويعمّ غيره فحبيبته لم تكذب أو تبالغ حين قالت له: "بشوف فيك عزّ أبواتي" ونحن نعلم أنّ جدّها (عليّ الخمجان خريف الرّازّة ، عزّينا)، ولم يكن ليلومه أحد على الاستمتاع وحده بهذه اللحظة:
"واشوفك في عوينات الصبيّن ...
العشق لصَّف ضياهم ..
والنّهار وصَّف خطاهم
والصبر، زارعنو فوق ضهر البيادر،
فوق كتافين السقالة."
ويواصل في مزجه للخاص بالعام حين يقول:
"أريد ريدك سماح أهلي
واريد ريدك كفاح أهلي"
فهذا الوعي المبكّر بما حوله جعل من القدال الإنسان والشاعر العظيم الذي هو الآن. فالشعر العظيم يُرى من خارج الصندوق وتتّسع رؤيته باتّساع رؤيا المبدع. ونلاحظ مرّة أخرى استخدامه للجناس في كلمتي (سماح، والسماح هو الجود) و (كفاح) لينتج غنائية عذبة ينتقل بها بسهولة ويسر بين همّه الخاص والعام فلا تدري أيّهما أحبّ إليه مثلما فعلت حين جمعت بين معزّتها لأمّها وتراب وطنها. هذه معاني تريد تأمّلاً أكثر أقدر به الفلاسفة.
وهذه الأوصاف هي مبالغات شعرية وشعورية محبّبة في الشعر تعطيه قيمة أسلوبية إضافية وهي من دعائم الشعر الجيّد. وإذا تمعّنا في القصيدة فسنجد الكثير من النص يحفل بصيغة المبالغة مثل بداية القصيدة حين وصفها، كأنّها لا نقيصة لها ولكنّها عين المحب ترى في كلّ عيبٍ كمالاً، وأيضاً مثل: "عيونهن هارجة"، "خدودهن واجّة"، "زي جهر الكهارب الفى المداين"، "جدعت بالبسم رشّاشها" وهكذا.
"واريد مهواك
واريد انسانك الجوّاك
اريدك والله زي آخر الحتالة"
هنا ينتقل القدال للمفاهيم العامّة مثل حبّه لحبّه لها وحبّه للإنسان الذي في داخلها وهو ارتفاع بالمعنى وتجريد له من المعاني الملموسة الحسيّة. ونحن نقول (جُوّه) بمعنى الداخل وأظنّها مشتقة من جوى وهو الهَوَى الباطن. ثمّ يعطيها فكرة عمّا قصد بإرجاعه للتجريد مرّة أخرى للملموس والتجربة المحسوسة وهو الأسلوب القرآني في تقريب المعاني بضرب الأمثال: "ويضرب الله الأمثال للناس لعلّهم يتفكّرون" والتفكّر هو تجريد المعنى واستنباطه من التجربة بتقريبها للأذهان من خلال ما نعرف ونشاهد، ولذا يصف حبّها له كحبّ الوالد لآخر نسله وهى معلومة معروفة في المجتمع، والحتل يدلُّ على القِلَّة والصِّغر وهذا الوصف من العبقرية السودانية الشعبية وهو مستمدٌ من الوصف لما يتبقّى في قاع الكوب أو الإناء من المواد مثل بقايا ورق الشاهي.
وهذا يذكّرني بأخي الراحل أحمد محمد الطيب حينما كان يلاعب أصغر أبنائه فأخذت محبّته بتلابيبه فنظر إلى أمّه قائلاً: "هسّه يا أمّي بالله زمان كنتي بتريديني زي ريدتي لي ولدى دا؟"، فكان ردّها: "يا ولدى لي هسّه بريدك كِدا" أي كذلك، رحمهما الله وأحسن إليهما.
ثمّ تنحو القصيدة في نهايتها منحىً غنائياً صرفاً وكأنّها احتفال لا نهائي وكأنّه يغادر خشبة المسرح قبل إسدال الستار معلناً مصير المستقبل وما ينوى فعله وفى نفس اللحظة يطلب منها مبادلة الفعل والعون معطياً لها قيمة وفعلاً موجباً محوّلاً إيّاها من مستقبلة فقط إلى مشاركة وهذا يلخّص نظرة القدال المتقدّمة لدور المرأة كشريكة معطاءة وليست سالبة فالحياة تبنيها الشراكات المتساوية الحقوق والواجبات:
"وادوبيلك .. .. وادوبيلك
أشيلك غُنوة للسمحات ..
انمِّك في تراتيلي
وادوبيلك
وكُل ما العتمة تنـزل سابلة ...
أنسى عناي
أتاوق لي قناديلك .. وادوبيلك
واشد حيلي ... وادوبيلك
إذا مغناي
ببرِّد في الحشا صبرك
يرجِّع لي تهاليلي ..
بدوبيلك ..
وادوبيلك
ولو الشوق عرف بكّاك
أطرى غناي ..
أطْرى غُناي .....
عليك العزّة يالمريودة .. دوبيلي
وعليك العزة يالمريودة ...
دوبيلي".
وقد حدّد الداء وعلاجه لأعراض العشق وهما شتيتان حتى يتلاقيا، والوقاية خير من العلاج، فقال كلّما أظلمت عليه نفسه وضاقت به الدنيا بنـزول العتمة سابلة، والشيء السابل هو الذى يهطل غزيراً، لجأ لنورها، وهى كقوله تعالى:
‫"حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ". ‬‬
ووصفه للضيق النفساني بالعتمة بليغ لأنّ الضيق دليل الظلمة والنور قرين الانشراح ألم تسمع قول المولى عزّ وجلّ:
‫"فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ".‬‬
وكذلك قرن المولى عزّ وجلّ شرح الصدر بالنور فقال:
" ‫"أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ‬‬
ولذا فقد نوّه القدال على أنّ علاجه سيكون في استعانته بنور قناديلها حتى ترجع قواه ويواصل المسيرة، والفرنجة يقولون عند اليأس التام: "لا أرى ضوء في آخر النفق".
ويعرّف أصدقائي هذا الأسلوب "بشحن البطارية"، ولى صديق كان كلّما ضاق به الحال يذهب لخطيبته، على حسب تعبيره، (ليشحن بطاريته الفارغة)، بعد أن أصبحت طاقتي الكهربائيّة غير كافية له "ومش قدر المقام"، ولكنّه بعد انتهاء العسل لجأ للمحطة الحرارية القديمة.
وأيضاً قال لها أن تتّخذ مغناه بلسماً يشفى ويبرّد حرارة جوفها إذا قلّ صبرها عن عدم رؤيته فبكت من الشوق إليه، والحَشَى هو ما دُون الحِجابِ مما في البَطْن، وأطرِى أي تذكّري غنائي وشعرى فيك، وطرا تعنى في لسان العرب أَتى من مكانٍ بعيدٍ، والتذكّر لا يكون إلاّ بردّ شيء بعيد أو طري تعني الثبوت ولا يريد حبيب من حبيب إلا ثباتاً لذكراه وحبَّه. وأخبرها أنّه إذا برد حرّ حشاها فسترتد إليه سعادته على أنّه نجح في شفائها وليس هناك أكثر ألماً من محبٍّ يرى شقاء حبيبه ويشعر بالعجز عن مساعدته.
ويستحلفها بها أن تغنّى له فترعاه بكلماتها وفى فؤادها، ويردّد الطلب كأنّه صدى لا نهائي يشمل حاضره ومستقبله حتى الفراق الأكيد. ولقد وددت لو أنّه ختمها بتأكيدها بالاستجابة لطلبه وأحسست في النهاية حوَلٌ ولكنّه حَوَلٌ عذب كمثل قول شيخي محمد المكّي إبراهيم:
"لضيفينا عذوبة دميةٍ حولاء”، ولعلّ القدال أخذته صولة الرجولة وارتدّ لدور الحامي الفاعل. وتركيز القدال على "الدوباى" ينطلق من أنّ الشعر هو أصل الحضارة وأوّل ما ألّف الإنسان كان شعراً، وملحمتي هوميروس الإلياذة وأوديسّة كانتا شعراً بلغة يونانية دارجة كانت تُتلى على تجمّعات الناس، وكنت وما زلت أعتقد أنّ القدّال سيكون أقدر الناس بكتابة الملحمة في السودان مثلما فعل الخال عبدالرحمن الأبنودي في ملحمة أحمد سماعين والتي يعتبرها وأعتبرها أفضل أعماله. فهي عن أشخاص عاشوا معه وكانوا جزءاً من حياته فجعلهم أبطالاً مخلّدين مثلما فعل هوميروس وقد أخبرني الخال الأبنودي أنّه عندما ذهب للبلد بعد خروجه من السجن ونشره للملحمة كان النّاس في سعادة بالغة وكأنّهم طالوا من الفخر وكانوا يتندّرون على من لم يذكر ويعيّرونه قائلين: "إنت ما جاش اسمك في الكتاب؟". وقد كانت نيّة شيخنا الطيب صالح، رحمه الله، أن يكتب إلياذة أو إليادة سودانية على حسب قوله: "إن ثبات قرية ود حامد كمسرح دائم للأحداث تفسره رغبتي في صنع إلياذة منذ بدأت أكتب. حاولت أن اصنع ميثولوجيا أقدم فيها شخصيات فلاحين بسطاء في قرية سودانية وكأنهم شخصيات ملحمية في الالياذة. حاولت أن أصنع الياذة على طريقتي. إن ابطال الياذة هوميروس مستوحون من الواقع اليوناني العادي وأهل ود حامد مثلهم يستحقون الياذة لماذا لا؟".
والقدال في هذه القصيدة برهن على مقدرته الملحميّة فهذه القصيدة تكسر تعاريف الشعر المعهود فلو طبّقنا عليها مواصفات وشروط الملحمة لكانت "كبسولة" ملحمية فهي لها (زمكان) الملحمة بشخوصها ودراميتها وأحداثها وثيمتها، ولو أنّا قلنا أنّها من زمرة القصّة القصيرة لكانت من أميز وأجمل القصص ولو اعتبرناها مسرحية لما أخطأنا القول وهى بمثابة "مسرحة للشعر" ، ولا أذكر أي عملٍ مشابه من قبل قدّم فيه الشاعر، من خلال عملٍ واحدٍ محكمٍ، تسوده وحدة عضويّة وتسرى فيه حياة صاخبة، وتعبّر عنه لغة حيّة موحية ذات إشارات ودلالات، وسردية عالية، وصفاً للشخصيات وسلوكهم وللمكان والزمان والمواقف والحوار، كما فعل القدال في هذا العمل. وأنا أفضّل أن يكون العمل باللغة الدارجة حتى يصل المعنى لشريحة أكبر من الناس فينتقلون نقلة نوعية، وقد رأينا كيف أنَّ دور الراوي وربّابته في المقاهي المصرية شحنت أذهان الأطفال بالملاحم، وثبّتت أوتاد الأدب في فؤادهم ولذلك أظنّ أنّهم سبقوا العرب في الأدب لهذا السّبب. ولا أظنّ أنّ شعبنا مستعد لاستقبال عمل ملحميٍّ باللغة الفصحى، وفى انتشار مسرحيات تاجوج والمحلّق وبامسيكا وخراب سوبا أكبر دليل. وهذا يذكّرني بملحة طريفة حكاها لي أخي النطاسيّ البارع دكتور هشام حمد الله عن واحد من طلبة جامعة السودان الأفارقة الذين يدرسون اللغة العربية لغير الناطقين بها، بعد أن ركب الحافلة وأعطى المحصّل مبلغاً من المال ولم يرد له الباقي وعندما اقتربت محطّته نادى المحصّل وقال له بلغة عربية سليمة:
"عندما ركبت في الحافلة أعطيتك مبلغ عشرة آلاف جنيه ولم تعطني الباقي"، فردّ عليه المحصّل وهو فاغر فاه دهشةً، كما يقولون، "صدق الله العظيم".

ومن أجل أن نقيس قيمة عمل القدال الإبداعي في استخدام اللغة كأداة موحية أو معبّرة أو مقرّرة يجب أن نبدأ بتعريف المفاهيم المستخدمة في العمل المبدع. فهنالك أربعة مراتب للفهم، حسب تقديري، فهو قد يكون تقريريّاً مثل الأمر الواضح الذي لا يقبل التأويل:
"قم للمعلّم وفّه التبجيلا"
"أو تفسيرياً، وهو ما يفهم من مقارنة الشيء بالشيء مثل مقارنة المعلّم بالرسول:
"كاد المعلّم أن يكون رسولاً" فنحن نفهم سبب الأمر بالوقوف والتبجيل لأنّ المعلّم يشابه الرسل في نشر المعرفة وتبليغ الرسالة ونكران الذات.
والتقرير والتفسير لا يحتاج إلى أكثر من فهم اللغة وطبيعة الشيء الموصوف وهكذا كان معظم الشعر في العصور السابقة بل كان تضمين المعنى يعدّ عيباً بينما الآن يعدّ ميزة. فالغوص لاستخراج لآلئ المعنى لا يستعصي على الكثيرين.
أو قد يكون استنباطيّاً وهو ما يستنبط من حقيقتين والناتج يكون مختلفاً ولكنّه غير شديد الغرابة:
"الله يا خلاصيّة
يا حانة مفروشة بالرمل"
فنحن نحتاج للتحليل لاستنباط ما عناه الشعر باستخدام لغة موحية ورمزيّة بحيث تختلف التفاسير والمعاني المستنبطة فهي لهذا البيت من قصيدة شيخي محمد المكي إبراهيم هو أنّ الخلاصية المذكورة كانت نتاج اختلاط بين الزنج والعرب، ورمز للزنج بالحانة وهم أهل طرب يحبّون الراح، ورمز للعرب بالرمل، أو أنّه رمز للزنج بالحانة وهى مؤنّثة فكأنّها الرحم وللعرب بالرمل وهو مذكّر وكأنّه المني، ومن تداخل الإثنين واختلاطهما نتج اللقاح ووُلد شعب شمال السودان الخلاسي الذين رمز لهم بالخلاسية المملوءة الساقين أطفالاً خلاسيين، أو يمكنك أن تقول أنّ الحانة ترمز لثبات الزنج كما الغابات والرمل يرمز للتنقّل وبذا يكون كالبدو.
والمولى عزّ وجلّ يقول في الاستنباط:
"وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُ"
فحدّد أنّ الاستنباط أصعب ويحتاج إلى درجة من العلم أكبر من مجرّد فهم معاني الكلمات والطبيعة وإنّما يحتاج لأدوات أخرى مثل القياس.
أو قد يكون الفهم تأويليّاً وهو ما ينتج من مجموعة تفاعل أفكار لا تقلّ عن ثلاثة وتؤدّى إلى جديد غير متوقّع لم يحدث من قبل وشديد الغرابة يفتح مجالاً للفهم وللتقدّم والابتكار لم يسبق من قبل مثل نظرية النسبية أو كما قال صديقي وأستاذي محمد عفيفي مطر رحمه الله وأحسن إليه:
"نداءات على الجدران لم تقشّرها الأظافر ولم يغسلها المطر
اختبئ يا قطاراً يهرول في الحلم،
صوتك يخلع ريش النشاز الملون، يسقط بين
الصدى والصدى، وتصنفره شفرات الأظافر،
يدخل أوركسترا الأسر"
ويقول المولى عزّ وجلّ في التأويل:
" ‫وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ‬ "‬
فهذه مرحلة خصوصية قد لا يعلمها إلاّ الله أو من أعطاه من علمه اللدنّي، والرسوخ في العلم تعادل مرتبة (العلامة) التي تحدّثنا عنها وعلم الاستنباط هي مرتبة (الخبير)، ولنا في قصّة سيدنا موسى مع الرجل الصالح خير عبرة للفرق بين الخبير والراسخ في العلم.
فالأسلوب والمضمون عند القدال كانا حذو النّعل بالنّعل وهو استخدم المفاهيم الثلاثة الأولى ونأى عن التأويل ممّا أعطى القصيدة مجالاً لتصل للناس وتمتعهم حسب درجة فهمهم. ولكن اختياره للكلمات جعل نفس البيت يحمل الثلاثة أوجه في نفس اللحظة،
فوصفه لمحبوبته يبدو تقريراً:
"بنية لي سالم ولد عتمان
وأمّها بت على الخمجان"
ولكنّك إذا تمعّنت في معاني الكلمات فستجد أكثر من معنى للتعريف وذلك بوصف جدّها وإهمال اسمها وتسمية أباها تنتقل تلقائياً للتفسير وتنتفى صفة الخطابة المباشرة، وإذا أضفت بقية التعريف:
"خريف الرّازّة، عزّينا"
تجد نفسك تستنبط أكثر من معنى وتنتهي الشكلية السطحية للنّص، كمثل وصفه للرّازّة أهو رمز لضعاف القرية؟ وهل الخريف يمكن أن يكون له نفس الوقع في بلد مثل بريطانيا لو كان الشاعر بريطانيّاً؟ ، ولمّا كنت أسمع أغنية الصديق المبدع المقيم في قلبي دائماً عثمان حسين ، رحمه الله وأحسن إليه ، والتي كتبها الأستاذ صلاح أحمد محمّد صالح في لندن (يا ليالي المصيف قولي لخلّنا، أوراق الخريف حامت حولنا) كان المعنى يعمى علىّ، وكان فهمى للخريف أنّه مدعاة للبهجة والاخضرار حتى قدمت إلى بريطانيا وجرّبت الخريف فوجدته كالفتاة التي نفق حسنها وتساقطت أسنانها وزادت لمرارة الغربة اكتئاباً ذكّرني بالخريف الذى عشقته فعلمت ما قصد.
فالوحدة العضوية بين كلمات وفضاء القصيدة تعطيها أكثر من أفق كما ينكسر الضوء على قطعة الماس فيتلوّن، والضوء هو الضوء، والماس هو الماس، ولكن اجتماعهما أوجد أكثر منهما، وهو نتيجة للتفاعل، فصارت كلّ كلمة تحمل رؤية لعالم القدال الخارجي والداخلي ورؤية علوية تنتج من تفاعل العالمين تتعدّاه إلى التخوم الإنسانية الكبرى، ونجد صوراً ذهنية نتجت من قدرته التخيلية وكلماته المعبّرة والموحية فيأخذ كل إنسان منها على قدر ماعونه. وهذا ما يميّز عمل القدال أنّه عمل غير متقاعس بل ينـزع للنهوض بالمعنى والرؤية والحكمة، وهو ما يفرّق العمل العظيم الحي من العمل الناقص أو الميت.
فالمبدع الذي يحمل وعياً كاملاً وهويّة ذاتية لا لبس فيها ولا دخن، وإرادة غير مرتهنة لغير موهبته، متفرّدة عمّن سبقها ولحقها يكون إنتاجه طفلاً شرعيّاً لا لقيطاً ينتمي لغيره، متطابقاً مع نفسه بأبعاد وأهداف معرفية وتنويرية متّصلا بموروثه ومتميزاً عن رصفائه، نامياً نموّاً طبيعياً وصحيّاً مجانباً للغموض المبهم ومتصالحاً مع الرمز الدّال الذي يحمل مفاتيح عوالم الرؤيا والدهشة، ولكنّه ليس كالمومس التي تهب نفسها للكلّ وإنّما كالكريمة التي لا تُنال إلا باقتحام العقبات.
ودمتم لأبي سلمي