بسم الله الرحمن الرحيم

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

غنوات لحليوة: محمد طه القدال
أقسمت الزينة بأعزّ ما لديها أن تظل (حداه) أي بجواره وفى لسان العرب حدا الشيءَ يَحْدُوه حَدْواً واحْتَدَاه: تبعه، ووصفته بالمريود وهو المحبوب وهي مشتقة من أراد الشيء، ولشيخي الحبيب محمد المكي إبراهيم مقالة نشرت يتحدّث فيها عن "مريود" شيخنا الطيب صالح رحمه الله، يردُّ الكلمة إلى مظانها وأظنّ أن القدال هو السابق باستخدام هذه الكلمة فقصيدته كتبت في عام 1971 بينما مريود تلت هذا التاريخ ولكنّه وصف شائع في السودان الشمالي.
- حات أُمي البعزّها زي تراب حلّتنا
ببقي حداك يالمريود
واقول لي أهلنا ناس قدام
وفى ها الحالة مي شينةْ القوالة.
واساعل القمرة في شانك
واقولَّها:
- هيلا يالقمرةْ،
وتانيةْ وهيلا يالقمرة
وتالتةْ وهيلا يالقمرةْ..
دحين ساكن رويشات القليب،
في الحلَّة ما رشَّ المقالة؟
وحات الفرحة في ها الليل
بشوفَكْ فيك عزَّ ابواتي
ضرعاتك خُضر يالباهي
ما دايرالي من غيرك كفالة".
واللطيف في الأمر نيتها على إخبار أهلها "ناس قدّام"، وللذين لا يعرفون القرى المتاخمة للنيل فهي تُقسّم إلى "قدّام"، وهي من مقدّمة القرية، و"ورا" وهي كلمة وراء وتعنى مؤخّرة القرية. أو إلى "فوق" و"تحت" وهي بنفس المعنى. والسبب في ذلك أن القبائل حينما تستقر فإنها تستحوذ على شاطئ النيل للزراعة وعلى مكانٍ سوى أو عالٍ للسكن بعيداً عن المزارع خوفاً من الحشرات والفيضان وتقليل رقعة الزراعة. وعندما تفد إليهم قبائل متأخرة تقتسم القرية فتكوّن الفرقان التي بدأت القرية في أوسطها ويطلقون على من يسكن أعلاهم "ناس قدام" ومن يجاورون أدناهم "ناس ورا"، وهذا في ظنّي والله أعلم. ولكنّها لم تقل "أهلي" وإنما قالت "أهلنا" ممّا يقترح القرابة بينهما ولذلك هان عليها إخبارهم وتبريرها أن مثل هذا القول لا ضير عليه فهو في أمرٍ حلال "وفي هالحالة مي شينة القوالة"، وقد قال الإمام ابن الجوزي:
"فعلى قدر ما عند الإنسان من التمام في كمال الخَلْقِ والخُلْق، يكون عمله"، وقد أثبت لنا القدال ذلك من قبل عندما وصفها. وكلمة "مي" كما تقال في البادية: "مي مسروقة أصلهـا عـند بـرنـجي الحلَّة"، تقابلها كلمة "مو" عند أهل الشام وكلمة "مُشْ" عند المتمدّنين من أهل السودان الشمالي وأهل مصر. وقد استخدم القدال كلمة "قوالة" بدلاً عن "مقالة" التي استخدمها لاحقاً لنفس الغرض ولكن الفرق في استقبال واستنتاج الناس فالحديث عنهما "قوالة"، والقوالة تقال في الخير والشر والقيل والقال في الشرّ فقط والشخص القوّال هو الذي ينشر الكلام ولذا فقد نبّهت أن القوالة في هذه المرّة خير وليست شرّاً، والحديث منهما "مقالة" أو كما قيل لكلّ مقام مقالاًً:
"دحين ساكن رويشات القليب،
في الحلَّة ما رشَّ المقالة؟
والقوالة في العرف السوداني تعنى النميمة، ولعلّها أدركت بحسّها الفطري أنّ حصان الأمر سوف يجرّ معه عربة القيل والقال مهما احترزت، ولذلك نبّهته بمداعبة لطيفة عندما طلب منها أن تقف حتى يقول فيها شعراً من الدوبيت، من وجود العيون المراقبة ولك أن تتخيّل خلال هذه الواقعة صياح الديكة، وثغاء الشياه، ونهيق الحمير، ونبيح الكلاب، وصوت الأذان وحركة الناس بين مصلٍّ وسادرٍ لمعيشة:
"وجاتنى النّهمة، قُلْتَلا:
- أقيفي داير ارميلي مرباعين
وتبقى حَمالتى عند سيد الحمالة!!
قالت والفجر في خديدها:
- يالممسوخ .. ويالمسخوت ..
حدانا العين !!"
إبداع القدال، كما ذكرت، يتكرّر في استخدامه البلاغي الدقيق للكلمات لتوحى بالمعنى الكامل شعوريّاً حسب الحوّل فالشعر المعاصر انتقل من الوصف الحسي المباشر والتعبير عن الإحساس إلى الإيحاء بما وراء المعنى ولذا اختيار الكلمة ووضعها في مكانها المناسب كالذي يضع لبنة في بناء محكم لا تنبو عن مكانها وتوثّق وحدته العضوية بحيث لا ترى إلاّ البناء الكامل ولكنّك إذا فككته رؤية أو فعلاً انتبهت لأجزائه. فالقدال وصف ما حدث له، حين أحسّ من ردّها بالموافقة المضمرة، بالحالة:
"عاد من حيني جاتني الحالة"
وقد أجاد شاعرنا الصوفي محمد مفتاح الفيتوري رحمه الله يصف هذه الحالة:
"في حضرة من أهوى عبثت بي الأشواق
حدقت بلا وجه ورقصت بلا ساق
وزحمت براياتي وطبولي الآفاق
عشقي يفني عشقي وفنائي استغراق
مملوكك لكني سلطان العشاق"
ولكنّ القدال وصف حالته الشعورية، حينما ضمن انحيازها الكامل له، بالنهمة:
"وجاتني النهمة، قلتلا:
- اقيفي داير ارميلي مُرباعين"
والنهمة هي بلوغُ الهِمَّة والشهوة في الشيء ولها أيضاً علاقة بالشهية فهو يقول أنّ شهيته انفتحت لقول الشعر، فالمرباعين تعنى بيتين من الدوبيت، وبلوغ الهمّة من العقل وبلوغ العاطفة من الشهوة ولو أنّه قال:
"جاتني الحالة" لكان قد رمى سهمه في الظلام فأخطأ الهدف. "فالحالة" ليس معها استقرار نفسي أو عقلي ويغلب عليها الانفعال فهي كالمركب تقاذفها الرياح يخشى قبطانها الغرق، و"النهمة" حالة يعود فيها الاستقرار النفسي والتوازن ما بين العاطفة والفكر وإن كان للعاطفة اليد العليا، بعد ضمان النجاة فيصفو الفكر ويبدأ الابداع. وعلوم الدماغ برهنت على أنّ منطقة الأفكار والعواطف تكمن في قلب المخ ومنطقة التفكّر في القشرة الأمامية له وهما يعملان بتضادٍ، فعندما يكون قلب المخ في حالة هياج يأتي الاندفاع في العاطفة والفكر وتهمد منطقة التفكّر والعكس هو الصحيح.
وأقرب مثال لذلك هو تشبيه منطقة قلب المخ بالفرس الجامح ومنطقة التفكّر بالفارس ممسكاً باللجام، وهي منطقة القرارات ومقر العقل المكلّف. وشكل المنطقة الداخلية للمخ أقرب للضلع أو حدوة الحصان أيهما شئت وتسمّى المنطقة الحزامية أو الحدودية، وهي أسمك عند المرأة منها عند الرجل ومنطقة القشرة أرقّ عند المرأة، ولذا يكثر الخصام بينهما وعدم التفاهم، فالرجل يستخدم المنطق العقلي بينما تستخدم المرأة المنطق العاطفي وقد قال المولى عزّ وجل:
" ‫"أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ‬‬
وأظنّ والله أعلم، أنّ المصطفى عنى هذا الضلع حين قال: "خلقت المرأة من ضلعٍ أعوج فإن أنت عدلته كسرته وإن تركته ظلّ كما هو فاستوصوا خيراً بالنساء" والمعنى أنّ العاطفة تغلب عندها على التفكّر وهو لحكمة تساعد المرأة على أداء دورها في الحياة فمن أصبر على الرعاية وأقدر على الحنان والعطف من الأم؟ ويتّضح أنّ للرجل وفرة ونقصان كما للمرأة وهما يكملان بعضهما فهي قد خلقت منه. والكسر الذي عناه المصطفى هو الكسر النفسي فالنساء معرّضات للاكتئاب والقلق بنسبة ثلاثة لرجل واحد ولذا فقد وصفهنّ المصطفى بالقوارير، وهو الزجاج الرقيق، ووصّى بالرفق بهنّ.
والمسخ هو تحويل صورة إِلى صورة أَقبح منها؛ وفي التهذيب: تحويل خلْق إِلى صورة أُخرى مثل تحويل صورة الإنسان إلى قرد، وللقرد في شمال السودان مكانة مُحبَّبة في القلب إذ يكون مصدر سعادة ويكاد يكون بطل عرض مسرحي كالملهاة يحضره الأطفال والكبار، وهو في جنوبه وغربه وشرقه قد يكون مصدر ازعاج لكثرة عدده واعتياد الناس عليه فالمألوف لا يؤبه به.
ولا أزال أذكر قرداً جلبه تاجر من جوبا لقريتنا وكيف كنّا نقضي الساعات الطوال تحت شجرة النيم الظليلة نرمى له بالفول السوداني ونضحك حين يقشرّه، وغاية متعتنا كانت عندما يرى نفسه في المرآة ويرمى بها فزعاً، وكنّا نظنّ أنّه يرتعد من قبح وجهه ولكن لمّا أدركتني المعرفة بمفهوم الذات المنفصلة عرفت السبب وكان ذلك في منظر ابنتي، وهى تتابع صورتها في مرآة المتجر يميناً ويساراً حتى تختفى ومن ثمّ تلتفّ حول المرآة لترى أين ذهبت البنت الصغيرة التي شاهدتها وكان ذلك خير برهان على هذا المفهوم. فالإنسان لا يعرف أنَّ له ذاتاً تمثِّله ويتعرَّف عليها إذا رآها حتى بعد سن الثلاثة ولذلك إذا رأي طفل وجهه في المرآة ظنَّ أنَّ ذلك وجه شخص آخر.
ولذا فأهلنا في الشمال يربطون هذا المعنى "القردي" بكلمتي ممسوخ ومسخوط. ولها أيضاً علاقة بالجن ولذلك يطلق نعت العفريت أو الممسوخ على نفس الشخص؛ وكلمة المسخوت من السخط بمعنى الكراهية للشيء وعدم الرّضا به وهما، كما أشرنا، يستخدمان في السودان الشمالي بمعنى العتاب الرقيق للشخص المشاغب الجريء الخفيف الظلّ الذى يُؤْلَف والذى يُقْدِم على فعل أو قول ما يخشي منه الناس أو المسكوت عنه، مدثّراً له بثوب الفكاهة فلا يملكون إلاّ أن يعمّهم الفرح وهم يذكرون نوادره.
"واساعل القمرة في شانك
واقولَّها:
- هيلا يالقمرةْ،
وتانية وهيلا يالقمرةْ،
وتالتةْ وهيلا يالقمرةْ..
دحين ساكن رويشات القليب،
في الحلَّة ما رشَّ المقالة؟"
تواصل الرتينة كلامها بأنّها ستسأل القمر، وقد أنّثتها كأنّها صديقة أو أمّ ترعاها وتحفظ سرّها ولعلّها كانت شاهدة على ما حدث، عنه وشانك ليست عشانك أو علشانك كما يحلو للبعض أن ينطقها ولكنّها تعنى أصلها العربي "شأنك" بمعنى حالك وما صار عليك وما بدر منك، ويجب التنبيه إلى الخطأ المطبعي في التشكيل لشانك إذ كتبت بنون مكسورة ممّا يوحى أنّه هو المتحدّث ولكنها يجب أن تكون بنونٍ مفتوحة وبها يستقيم المعنى، والتساؤل عن تشبيبه بها بقول الشعري، والصورة الذهنية جميلة جمالاً لا يوصف فكأنّ حبيبها سيحمل سطلاً مليئاً بالغناء يرشّه أينتما حلّ كما ترش الماء تطرد حرّ السموم وتستدنى النّسم، وفى عادة أهل الشمال أن يرشّ العرسان بعضهما باللبن دليلاً على بياض النيّة والفأل الحسن والحياة البيضاء الخالية من المنغّصات ولذا تغنى الأمهات:
"يا عديلة يا بيضاءْ".
وتؤكّد أنها ستسأل القمر أكثر من مرّة واستخدم القدال كلمة هيلا وهي للمناداة ولفت النظر والاحتفال وتستخدم في مصر والشام أكثر من السودان، إلا إذا أُتبعت بهوب مثل فرقة "الهيلا هوب"، وقبيلة عتيبة تسمّى بعتيبة الهيلا وهي من هول وهو الشيء الكثير والمهول تعني.
وتساؤلنا المعهود هو "هو لب لب" الذي استخدمه القدال ببراعة في قصيدة حليوة:
"يا قمحاتنا ... هو لب لبْ"
ولعلّه تأثر بأهل الشام وفيروز تشجي الأسماع بأغنيتها:
"هيلا يا واسع مركبك
راجع بسمتك
ليلة عبستك
ليلة هيلا هيلا"
وقد أطلقت عليه "ساكن رويشات القليب"، وفى التصغير عذوبة تتماشى مع رقّة الرتينة، وكلمة الرويش من ريش، ومن رأى القلب من الداخل يجد فيه أعمدة تشدّ وثاق صمّاماته كأنّها ريش أجنحة ترفرف عند خفقانه، فإقامته لصقاً لها، كما وصفت، كأنّه تعلّق بأستارها كما يتعلّق ضيف الرحمن بأستار الكعبة، يأبى أن يُزاح من مكانه، وأليس ذلك طريفاً ومدهشاً في نفس اللحظة إذ أنّ الكعبة أُقيمت على مثال عرش الرحمن الذي تطوف به الملائكة والذي وسع كرسيه السماوات والأرض ولم تسعه لضيقها. ويقول الحديث القدسي لم تسعني السماوات والأرض ووسعني قلب عبد مؤمن، والمؤمن الحق من أحبّ مولاه لا خوفاً من ناره ولا طمعاً في جنّته ولكن طمعاً في لقياه والنظر إلى وجهه الكريم.
"وحات الفرحة في ها الليل
بشوفك فيك عزّ ابواتي
ضرعاتك خضر يالباهي
ما دايرالي من غيرك كفالة.
وجاتنى النهمة، قلتلا:
- اقيفي داير ارميلي مرباعين
وتبقى حمالتي عند سيد الحمالة.
قالت والفجر في خديدها:
- يالممسوخ .. ويالمسخوت ..
حدانا العين!!
بعد أن حصل على "وظيفة" حبيب أوحد في مؤسسة حياتها وأعطته أفضل مكتب وهو "قلبها" حدّثته بأسباب كسبه للوظيفة، ألم نقل بأنّها معاينة، وقالت أنّها ترى فيه أنفة وعزّة آبائها فكلّ فتاة معجبة بأبيها ولكنّها جمعت فلها أكثر من أبٍ تفخر به بشهادة القدال نفسه: "بنية لي سالم ولد عتمان وأمّها بت على الخمجان" ، وأيضاً بالسبب الذى جعلهم متميزين عن غيرهم : "ضرعاتك خُضر يالباهي" ، والذراع الأخضر دليل النجاح كأنّه يحول كل ما يلمسه إلى ذهب أخضر ناضرٍ فهي تُطلق على الذين يتبعهم الرزق أينما حلّوا ولا يطاردونه أينما حلّ، ولكنّها ايضاً ألصقت به وصف "باهى"، وتعني حَسُنَ وجَمُلَ وظرُف، وقد يكون بهاءً خَلْقيّاً أو خُلْقيّاً وكانت دعوة المصطفى عندما ينظر إلى المرآة : "الحمد لله الذى سوّى خَلْقي وزان منّى ما شان من غيرى ، اللهم كما حسّنت خلقي فحسّن خُلْقي" ، ومن التي تريد محبوباً يحتاج لعملية تجميل؟ وأنا أطرب عندما أسمع أصدقائي من المغرب العربي يحيّونك: "باهي؟" والباه يعني أيضاً النكاح، فيا لها من بلاغة.
والبليغ في الأمر أنّها قرنت صفات الطبع والقوة والطلعة وابتدأت بالطبع الذى ألحقته بآبائها، وهم قد ضمنوا لها معيشة سمحة رغدة، ثمّ أتبعته بالقدرة على الإعاشة بالتمعّن في قوّة ذراعيه المنتجتين الخضراوين ثم ختمت بالطلعة وهنا نكتة طريفة، كما يقول محدّثونا الأوائل، فالبحوث في جامعة قلاسقو أثبتت أنّ المرأة تختار الرجل حسب مرحلة دورتها الشهرية؛ فإن كانت في حالة الاستعداد للحمل أو إفراز البيض فهي تفضّل الرجل الذى يثبت مقدرته على إعاشتها وحمايتها هي وأطفالها فتبحث في وجهه عن معالم الرجولة الخشنة، أمَّا إذا كانت في فترة طمثها فضّلت بهىّ الطلعة، دقيق الملامح على غليظها والسبب إحساسها بالضعف وتزعزع ثقتها بنفسها فهي لا تريد إلاّ رجلاً رحيماً عطوفاً يشعرها بقيمتها وبحبّه لها تأنس له حتى استرداد عافيتها.
فكم من بهىٍّ اعتمد على وسامته وقد ظنّ أنّه ضمن حبيبته ويأتي قمئ الطلعة يخطفها منه بماله وعتاده ولا يفهم كيف أنّها خانته وتعتذر هي بإصرار أهلها ويلعن الزمن فنصيحة منّى إن كنت ذا مال بلا جمالٍ فاسأل أختك عن مرحلة دورة من أرادها قلبك قبل أن تقدم على خطبتها، والعكس هو الصحيح لمن حاز الجمال وطفق يندب حظّه، ولعلّ ابن الملوّح لو عرف بهذه الحقيقة لما كنّا نستمتع بأشعاره فالمجد للجهل أحياناً.
ومن كلّ هذا نستشفّ أن محبوبة القدال كانت في حالة استقبال ولذا فقد انفتحت كلّ مسامها وأعلنت أنّها لا تريد كفالة من غيره، وحماها الله إن كانت مثل كفالة أخوتنا في الخليج، فنرى تأكيدها على سبب اختياره باختيار كلمة الكفالة وتنويهها على ما تتوقّعه منه أولاً وهو العمل قبل الغزل:
"بعد ما تسدر الضحويةْ
خت الفاس على كتفك
وبوبح غادى نِمْ فوق البعجبك زين .."
فهو بذلك سيكفيها عن آبائها والاعتماد عليهم ويقرّ عينها فلا تنظر لآخر، وما إظهار النعمة عند النساء إلاّ لإثبات مقدرة الرجل والفخر باهتمامه بها ومعزّته لها.
والسادر هو الذي لا يَهْتَمُّ لشيء ولا يُبالي ما صَنَع ولكنّنا نستخدمها بمعنى ذهب أو غادر ونقول:
"الحضر حضر والما حضر المال سدر". أكدّ على كلامها، وللمرّة الثانية استخدم الطباق في كلمة زين بمعنى كثيراً وبمعنى الموافقة:
"قلتلا:
- زين.
داك الحين ..
بشوفك يالرتينة مع الشمس بتلالي
منّاك للسحاب
الكابي فوق حلتنا
كان عامل ضلاله"
ثمّ لأوّل مرّة يناديها باسمها وهو دليل الألفة وكما يقول صديقي سامي عبد القوى في مصر الحبيبة، وأنا أفضّل أن أصفها بالحبيبة لا بالشقيقة فكم من شقيقة مكروهة، وهو يمزح مع زوجته:
"دا انتي أخدتّي علىَّ خالص باقيلك (بائيلك) تندَهيلي باسمي" أو يقول أولاد جون، كما تقول أختي أم سلمة محمد أحمد، في بلاد الفرنجة عندما يعلنون اكتمال جسر المودّة:
"من الممكن أن تناديني باسمي الأول".
وسنواصل إن أذن الله سبحانه وتعالي
ودمتم لأبي سلمي