بسم الله الرحمن الرحيم

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

غنوات لحليوة: محمد طه القدال

ونتابع مشاهد حفلة القدال ونجده قبل أن ينتقل إلى المشهد الأخير، الذي ظلّ يهيئ له المستمع منذ رفع الستار، يربطه بما قبله ويركِّز على الحاضر، وهو مثل دور مذيع الربط بين فقرتين أو برنامجين.

وهو ما يعرف بالتّمعّن أو الوعي باللحظة الراهنة أو الحاضر، وهو مرحلة يصلها من قضوا العمر يستكشفون ذواتهم فيصلون درجة الوعي بأنّ الماضي غير عائد، والمستقبل ليس ملكهم وإنَّما ما يملكون هو الآن فقط. وهذا هو إحساس الإنسان بقيمة الزمن كلَّما تبقَّي له القليل. وكما قلنا من قبل فإنّ مرحلة العلامة التي وصلها القدال في هذه القصيدة إنّما هي نتاج البديهة وليس العلم بينما النتيجة في الحالتين واحدة وإن اختلفت سبل تحصيل المعرفة.

"وسهرة وين .. سكرة وين
وبَهرة وين ..
وجهرة وين ..؟"
فالسهرة لم تنته بعد ويا لها من سهرة لا تُماثل، على الأقل في خياله وفؤاده، لأنّه يحسّ أنّ فرصته قد دنت للبوح ولا بد من أنّه علم أنّه في نهاية الأمر سيختلى برتنتين إحداهما في يده والأخرى في قلبه وباله تمشي قربه، لأنّ دأب تقديم البنات أن يتناقص العدد عند وصولهن بيوتهنّ حتى تتبقَّى أُخراهُنَّ.

وفى وصفه البديع تنويه على السهرة منذ بدايتها واستعراض لأحداثها، والسكر لربما سكر اللحظة وليس سكر الخمرة كما قال العقّاد "وبي سكرٌ تملّكني وأعجب كيف بي سكر، رددت الخمر عن شفتي لعلَّ جمالك الخمر"، أو كما شدا مُغنِّينا الشعبي من كلمات والحان عمر البنا رحمه الله وأحسن إليه: "أنا ما بسكر من الخمرِ، ولا من صوت القمري، لكين نظرات سيد عمري تسكِّرني وتصحِّيني وتحل أسرى "، ولكنّه لربما سكر الرحيق أيضاً فالشباب لا يتورَّعون عن ذلك. وللقري عبقريَّة في هذا المجال في سالف الأيام إذ كانوا يحضِّرون مجموعة أزيار فاخرة تُوضع بعيدة عن الناس وفيها مختلف الشراب في ترتيب عشوائي من ماء زلال مروراً بالبوقنيِّة أو الحُسوَّة والعسليَّة والمريسة وعلى كلِّ زير غطاء عليه كوز ألمنيوم ويذهب إليها الناس كُلاً على حِدة يتزوَّدون ممَّا يرغبون وفي المساء ينقسم الناس إلى فريقين فريق الشباب وفريق الشيب يرقصون على أنغام الغناء أو المديح منتشون والعيون مُحمرَّة.

ثمّ تجده يذكّرنا بما يجرى في نفسه: "وبهرة وين" وهو إحساس داخلي ينتج عن كلّ شيء جرى ويضيف: "وجهرة وين" (خدودهن واجّة زي جهر الكهارب الفى المداين) ينقلنا بها إلى اللحظة الراهنة رابطاً ما حدث بما سيحدث:
"أقول آبنية:
- ليش ما تهمى؟
فوق زولاً مشلهت فوق دريبك
لا النفس مجبود .."
(لماذا لا تصبين ماء حبّ سحابك على شخصٍ يعاني ظمآن وتعب في درب حبك، والقدال اختار كلمة ليش البدوية على كلمة ليه المتمدنة وهو اختيار موفّق يتماشى مع الواقع الموصوف.

وقد قال الشاعر يصف حالاً أشبه بحال القدال:
"في حشاي المشوق سحب لا تهـمي بأرضٍ تخاف لمع البروق،
وحشاي المشوق سحب من الريح بها الشوق صرخة من غريق".
(يلهث من شدّة تعبه لا يجد فسحة للراحة ولعلّ مشلهت، والتي هي بليغة في الدارجة السودانية كانت أصلاً كلمة "مشتّت" والتي هي مشتقّة من الشَّتُّ وهو الافتراق والتَّفْريقُ، أو من مشلول، وشلَّ الخيّاطُ الثَّوبَ: خاطه خياطة خفيفة متباعدة وليس هنالك شخص أكثر مفارقة لذهنه ولراحته من المفارق المفرّق من محبوبه)
ولا لحق الغزالة؟
(ولكنّه ليس سريعاً كالغزال ليلحق بظبيته، فهنا تركيب للمعنى)
"وقفتْ ..
وانبهت رمَّاشها ..
جدعت بالبسم رشَّاشها .."
(كأنما الكلام شلّها فتسمّرت من مباغتته لها بالكلام فانبهتت رموش عينيها، أي خفضتهما، وهي مشتقّة من تبهت بمعنى: تُحَيِّرُهم حين تَفْجأُهم بَغْتةً" وقال المولى عزّ وجلّ: "
‫بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ" ‬ "‬‬
ثمّ ابتسمت خجلة مُحرجة في حالة هلع ممّا لم تتوقّع، ولكنّها تمنّته، ولمَّا ابتسمت رمته برصاص رشَّاشها فأجهزت عليه وعلى ما تبقّى له من كرامة، أو برشاش أو رذاذ مطرها المنعش كما يساق الماء إلى الأرض الجرز فتحييها، والرش يستخدم للماء والدم وهو أول المطر الخفيف، ولا أملك إلا أن استمتع بخيال القدال وهو يمسك بقرنين لمعنيين مختلفين وبينهما قرابة. فالرشاش يمكن أن يكون كلمع النور المنعكس من بياض أسنانها يحاكى البرق يبشّره بالغيث، وهو استخدام مجازى لكلمة رشاش، وفى نفس الوقت يعنى رشاش مطر الحب، إذ في الابتسام دليل رضا. ومهما يكن ففي الحالتين لم تتبقّ له مقاومة تذكر.
وأكثر ما تحبّ المرأة في الرجل شجاعته وإقدامه، حتى عندما تخاف عليه، وقد سجّل لنا هومر أو هوميروس في الإلياذة موقف هكتر العظيم عنما استجدته زوجته أندروماش ألاّ يرمّلها وييتّم ابنه فقال، ممّا جعل زوجته تأخذه في حضنها المعطّر وهى تضحك من خلال دموعها، برغم أنّه كان واثقاً من هزيمته واستعباد زوجته في أثينا والحرب نفسها كانت من أجل امرأة:
"أندروماش ..أنا أيضاً تلعب برأسي هذه الأفكار طول الوقت
ولكن إذا أخفيت نفسي كالجبان وتجنَّبت القتال
فلن أحسَّ بغير العار أمام أهل طروادة والنساء، وهنَّ يسحبن أذيالهن
فلن يكون قلبي مع الخوف وقد دربت نفسي دائماً على أن أكون فارساً مجيداً
وأن أكون في الصفّ الأول محاولاً أن أكسب المجد لأبى ولنفسي)
ويحضرني، عندما كنّا ندرس في جامعة الخرطوم ولكنّنا كنّا نقضي معظم وقتنا في جامعة القاهرة فرع الخرطوم لاشتهارها بحسانها، كيف ثار الطلبة ثورة خفيّة عندما رأوا أجمل حسان جامعتهم مخطوبة لزميلٍ لهم ظنّوه دونها مكانةً شكلاً وأصلاً ونسوا أنّ أفضلهم لم يكن ليجرؤ على مجرّد الحديث معها، ولكن الخطيب كان أشجعهم وصرّح بما شعر فكان له السبق عليهم وفات عليهم أنّ أجمل البنات هي إنسان يريد الإلف والحب ولا يرضى بالوحدة أو يحتملها.
"- يالمهجوم ..
يهجمك الله كان داير تسيلي الخلعة"
وهو نوع من التقريع الظريف تعاتبه على مداهمتها بتصريحه بدون سابق إنذارٍ فكأنّه هجوم الأسد على فريسته حال الغزلان المذعورة التي ترعي على حذر، لأنّه خلع قلبها بحديثه المفاجئ، ولنا أن نتخيلّ خفقان قلبها ورعشة يديها، وفى بامسيكا تقول ريّا لطه ود دكين: "صحيت مهجومة لا مفصل ولا في القايْمة"، وفى لسان العرب المهجوم هو ما حُلَّتْ أَطْنابُه فانْضَمَّتْ سِقابُه أَي أَعْمِدتُه، وكذلك إِذا وَقَع. وكلمة تسيلي هي مزج كلمة تسوِّي؛ أي تفعل، وكلمة لي، والخلعة مُشتقَّة من انخلاع القلب في الصدر وفي معجم المعاني: انخلع قلبُه: داخَله الفزع، خاف وارتعب انخلع فؤاده. وأبلغ وصف لحالة الهلع قول المولي عزَّ وجلَّ:
‫وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا". ففيه وصف للحالة الفيزيولوجيَّة والعاطفيَّة والعقليَّة المنسجمة نتيجة الخوف عندما لا يكون هناك مهرب.‬ "‬‬
"قالت والعيون ضحّاكة..
في ضو الرتين بشَّاشة"
هذا القول ينقلنا إلى مقام الموقف لتذكيرنا بمحيط الحدث، وقد كان عتاب محب فرحٌ بما سمع لأن تواصلها معه من خلال حركات العيون التي هي، كما يقولون، نافذة الروح، فهي ضحّاكة بطبعها ولكنّها أكثر ضحكاً لإظهارها البشاشة رمز للقبول. وتواصُل العيون أمر مثبت بقوله سبحانه وتعالى:" يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ"، وفى القرآن الكريم أمثلة عديدة لهذا، وعلم التواصل يؤكّد أن الكلام لا يؤدّى أكثر من 10% - 30% من التواصل وبقيته هو التواصل غير الكلامي أو الجسدي أو كما يقال لغة الجسد: "وَلَوْ نَشَاء لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ" ، وكلنا يعرف قول شوقي :"وتعطّلت لغة الكلام وخاطبت عيني في لغة الهوى عيناك ، وقال شاعرٌ آخر :
"إن العيون لتبدى في نواظرها ما في القلوب من البغضاء والإحن"
وأضاف غيره:
"العين تبدى الذي في قلب صاحبها من الشناءة أو حب إذا كانا
فالعين تنطق والأفواه صامتة حـتى ترى من صميم القلب تبيانا".
"عاد من حيني جاتني الحالة"
بعد وصول الرسالة بالقبول أصابته لوثة الغرام كأنما التهمت طريدته الطُعمَ، وبعد ذلك يعتمد الأمر على حنكته وخبرته في انتشالها والفوز بها. والحالة التي أصابت القدال مُضمَّنة في قول المصطفي صلى الله عليه وسلم عن اله سبحانه وتعالي:
‫إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، فاحتالتهم الشياطين عن دينهم".‬"‬‬
أَي نَقَلَتْهم من حال إلى حال، والقدال احتالته شياطين العشق والشعر فأين المهرب؟ ويقال حال فلان حسَنة وحسَنٌ، والواحدة حالة وحال الشيءُ نفسُه يَحُول حَوْلاً بمعنيين: يكون تَغَيُّراً، ويكون تحوّلاً.
"قُلتَلا:
- لا لا
وحات النعمة يا بنية: البِريد.. في الريدة ... ما بخبر فسالة".
نفي مُقسماً بأعزّ ما عنده، وليس ككمال النعمة، وهي العافية، شيء يُفتقد، وذلك ليثبت حسن نيته ويسألها كرم وعطاء المحب التَّام مُحتجّاً بهذه الحقيقة الإنسانية المعروفة، فنال منها القبول عندما نظرت إليه وهي باسمة:
"حدرت باسمة"،
لتتأكّد من صدقه قبل أن تسلم قلبها له بدون مقاومة. وكلمة ريدة عربيَّة فصيحة يستخدمها أهل وسط السودان تفوق كلمة محبَّة بلاغة إذ فيها رقَّة وعذوبة في طلب المحبوب والرغبة فيه بلا حدود، وفيه فعل مبادر غير هيَّاب لأنَّها مُشتقَّة من أراد والإرادة، غير حالة الحب المكتفية.
وبِخْبَرْ تعني يعلم أو يعرف، وهي من خبر أو نبأ أو خبرة، وجدِّي لأمِّي رحمه الله كان يقول للناس عن كلِّ شيء يتكلمون عنه: "إتْ شِنْ خبَّرك؟ ولا يعارضه أحدٌ لعلمهم بخبرته الكبيرة في مجالات شتَّي حتى أنَّه قال لي يوماً عندما نصحته بأخذ أسبرين خوف أن يتخثَّر الدم في قلبه لعلَّةٍ فيه، وهو استحقر الأسبرين لأنَّه يبيعه في بقالته: "إتْ شن خبَّرك بالطِّب؟ وكنت المتمرِّد الوحيد الذي يتحدَّاه.
ويستخدم القدال كلمة فَسَالةْ وهي من فسل بمعنى الشح، وهو نوع من الحرب النفسية إذ لا يرضى أي إنسان، عادة، أن تلصق به أو بها صفة البخل والفسْلُ عند العرب هو الرَّذْل النَّذْل الذي لا مُروءة له ولا جَلَدْ.
هذه النقلة في الشعر الغنائي لم تأت من فراغ ولكنّها أتت من موهبة عظيمة ترى الصورة شاملة بمنظارٍ واسع الحدقة، وتدعونا لرؤية الكل من نافذة البعض، وتحب أن تشارك الآخرين تجاربها وكل خفقة قلبٍ لها لتـزرع البهجة في كلّ القلوب بدلاً من أن تستأثر بها، وهو سبق للقدال لا بد من أن يؤرّخ له وإن تلاه نهجٌ مشابه.
هذا هو البنيان المؤسس على ما قبله ويضيف له ما لم يسبق، فكأنه هو وليس هو وذلك مغزى العبقرية أن نستنطق ونستخدم ما نعرف فإذا هو نبت جديد له هوية وحياة منفصلتين. وهو الفرق بين الأصالة والمعاصرة فالشاعر الأصيل لا يقلّد إذ في شاعريته عظمة تدفعه دفعاً للتّفرّد بتفجير معانٍ طازجة كالخبز الحار له نكهة تدغدغ أنفك، ويحرّك عصارة بطنك، ويغذّى خلايا فمك بطعمٍ شهىٍّ وهو ينـزع للنهوض بالعمل المبدع وهو الذي يبعث في اللغة حياة ويثريها.
والمقلّد حاله كحال الخبز البائت فهو يتقاعس عن النهوض بالمعنى والتجربة وذلك لضعف موهبة أو تجربة أو علمٍ أو أدوات. ولكن ليس كل أصيلٍ معاصر، وأنا أفضّل كلمة الأصيل على كلمة القديم وكلمة المعاصر على كلمة الحديث، فلربما قديم غير أصيل ولربما حديث قديم غير معاصر، ولربما قديم أصيل ومعاصر ما بقي الزمان غفل عنه أهل زمانه وانتبه إليه اللاحقون. والفرق بين الأصيل، والمقلّد، فاقد الموهبة الحقّة، هو المقدرة على تجاوز العمومية وبناء الخصوصية بحيث يكون للمبدع طعم ولون خاص. والمعاصر هو الذي يستجيب لمتغيرات الزمن الخاص ويعبّر عنه من خلال وسط اجتماعي يستوعبه وينتقل فيه من البعد المحلّى للتجربة إلى البعد الإنساني، الذي هو الوعاء الاجتماعي للإنسانية جمعاء الذى يوحّدها برغم اختلافها، ومن خلاله ندرك بالنظر إلى جوهر الأشياء، والذى يقوم على الوعي بالأبعاد المحلية والزمانية والمكانية والتاريخية والكونية، وبذا تكون هناك جدوى تقوم على أساس المصداقية وأصالة التجربة وهى بالطبع بالإضافة لأصالة المبدع.
فالحدث ما هو إلاّ دعوة للكشف عن أحكامه وإدراك تفاعل أطرافه واستخلاص المعاني منه. وهو محاولة الانفلات من سطحية الواقع ومظاهر الأشياء للغوص في أعماق الواقع لرؤية الأشياء كما هي في جوهرها عن طريق الرؤيا الداخلية الشعورية والفكرية، لتربط بين الفرد والجماعة، محدّدة موقعه من الجماعة والكون، زماناً دائماً ومكاناً محتملاً ومفتّح الأبواب لطارقيها، ربطاً ذا معنى بعبقرية ملحوظة.
هذا بالإضافة لوعي المبدع بأبعاد أدواته الجمالية والاجتماعية والشكلية والتاريخية، والوعي بتفاعلها كما نرى خيوط النسيج مفردة ومجتمعة تصنع ثوباً بهيجاً إن أتقنت حياكته ومنفّراً إن كثرت ثقوبه.
وفقاً لهذه المعاني فإنّني أجد القدال أصيلاً ومعاصراً.
وسنواصل إن أذن الله سبحانه وتعالي
ودمتم لأبي سلمي