بسم الله الرحمن الرحيم
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
غنوات لحليوة: محمد طه القدال
ما زال القدال يعرّف هذه "البنية" بريشة الفنان المقتدر ويرسم لنا أبعاد زينتها الشكلية، والاجتماعية، والسلوكية، والعاطفية، والعقلية، والروحية.
"وبتمرُق زينة
تبرق زينة
تمشى تهاتي وزينة
بلا الربعة التحجِّل
شاكية من شبكة كتافا"
فهي تخرج في كامل زينتها وتمشى كالإوزة تهاتي، وهتا الشيء هتواً أي كسره وطأً برجليه، وهي أيضاً بمعنى أخذ أو أعطى، ولا يفوت على فطنة القارئ أخذ مجامع قلوب من يراها وعطية المتعة لمن شاهدها.
فالإوزة، يتقدمها صدرها كراز السفين، ترفع قدماً وتضع الآخر بتؤدة، ولمن له معرفة طبية فإن هذه المشية دليل خلل عصبي في المخيخ ولا أظن أن القدال قد عنى ذلك رغم خلفيته الطبية، غير أن الرَّزانة مطلوبة للفتاة والخفة مستهجنة، وتبرق ألوانها الجذابة في ضوء الشمس كزينة العروس، ويأتي تأكيد هذه "المشية" عندما يواصل الوصف:
"بلا الربعة التحجِّل
شاكية من شبكة كتافا"
فكأنّها كوليدة البقر بعد ولادتها مباشرة، فالربعة أول النتاج في الربيع من إناث الأنعام، ولأنها إذا مشت ارتبعت أو ربعت أي وسَّعت خطوها، وكذلك مشى الإوزة، ولكن القدال يضيف ضربة أخرى بفرشاته فيتمّ الصورة عندما يصف هذه الصغيرة الفتية بالرباع من البقر، وهي التي أزالت أربعاً من ثناياها الأمامية وهي تمشى وكأنّها قُيدت، والحجل مشى المقيد أو المتبختر، والأحجال هي الخلاخيل والقيود. وقد عادت عادة لبس الفتيات للحجول، بعدما اختفت وعُدّت علامة تخلف، وإن كانت قد اتخذت أشكالاً أخرى غير الفضة والذهب.
وبلاغة الفتاة السودانية مُؤرخةٌ وهي تغنى للأفندي أن يأخذها معه أينما ذهب في تنقلاته في أرجاء الوطن، وذلك حين كان للأفندي قيمة اجتماعية ومكانة مرموقة فهو ممثِّل الطبقة الوسطي المُتعلِّمة المثقَّفة، عليه مسحة الحضارة والمدنيَّة، قبل أن تتضعضع الخدمة المدنية وتتقلص الطبقة الوسطى، عندما كان الوطن آمناً أينما ذهبوا، وما يزال صوت أمير العود حسن عطية يشدو ويذكرنا بذلك الماضي، جميلاً كان أم لم يكن فهو جزء من تاريخنا:
"الحجل بالرجل يا الافندي سوقني معاك".
ويختتم القدال الوصف الشكلي مغرّداً:
"شاكية من شبكة كتافا
وفوق الجيد
على ضهر البوادي
تغنى ما خاتيةْ الزرافة"
فتكرار حرفي الشين والكاف يخلق موسيقى داخلية وجناساً لا يخل بنقله لبلاغة المعنى بل يزيده قوة وبياناً، فهي تشتكي من طول وكثافة شعرها كالشبكة على أكتافها وعلى جيدها، ولن تكون مخطئاً إذا شبهتها، من طول عنقها، وهي علامة حسن، بالزرافة على ظهر البادية. والزرافة تتغنى بجيد المحبوبة لا العكس ولا ضير إن تغنت الزرافة.
فهذه غنائية عذبة تستمد قيمها الجمالية من الذوق السائد في ذلك الزمان، ولربما اختلف التشبيه لو كانت القصيدة قد كتبت اليوم فمن المرجح أن يصف "بنيته" بالرشيقة الخفيفة الحركة ولكن لكل زمان مقال ومهما يكن فالقصيدة عليها "صلاة الزين ودقر يا عين".
وهذا المنهج الذي اتّخذه القدال في يفاعه إنّما اعتمد على البديهة الشعرية، قبل اكتمال المعرفة بالمناهج الأخرى التي تتيسر للمبدع بعد احتكاكه بالمبدعين، وقراءة المراجع، وغِنَى التجربة ولكنّه لا يقلّ بصيرة عنه. فالمعروف علمياً أن مرحلة البديهة أو الفطرة، المعتمدة على المرجع الاجتماعي السابق والسائد وقتها، لها نفس العمق والوضوح بمرحلة العلامة، وتقع بينهما مرحلتي أنصاف المتعلمين والعلماء.
فالعلّامة هو من يدري أنّه يدري ويتفكّر أثناء وبعد العمل، وما ينتجه مرئيٌّ بعينيِّ البصر والبصيرة وقائم على ومدعوم بالحقائق والقرائن. أمّا نصف المتعلّم فهو الذي فقد بوصلة البديهة ولا يملك أدوات الخبير أو العالم بعد، بينما الخبير يمتلك أدواتٍ عدّة ويؤدى عملاً جيّداً ولكنّه عند الانتاج يعتمد على اللاّوعي أو ما قبل الوعي، ولذا يظلّ حبيساً في قوالب معينة يكررها بدون رؤية كاملة تمكنه من كسر الطوق، والإبداع بوعىٍ كاملٍ مكتشفاً قمماً جديدةً، وأعماقاً فريدةً تدهش من يراها والمثل لمثل هذا المبدع تجده في بابلو نيرودا أو محمد عبد الحي حال العلّامة. وقد ذكر الإمام الغزالي رضي الله عنه أربعة أسباب لحجب الفهم أولها الانشغال بتجويد اللغة ومخارج حروفها ويعني الانشغال بشكل اللغة لا بالمحتوي والمعني.
وثانيها التَّعصُّب لمنهج واحد للفهم وهو في الغالب يكون اكتساباً عن طريق تقليد ولذلك عندما تبرق فكرة جديدة يزيحها فوراً من ذهنه لأنَّها تتعارض مع فكره المذهبي السائد، ومثل هذا الإنسان أيديولوجي يري بعين واحدة وهي عين البصر وتعمي عين بصيرته، وفي ذلك قال المتصوِّفة "العلم حجاب"، أي أنَّ القليل من العلم التقليدي أو التعصُّب لفهم واحدٍ يحجبك عن العلم الحقيقي وعن الفهم.
وثالثها الغرض؛ أي أن تكون لك شهوة أو مصلحة تتعارض مع الفهم الجديد وهنا العقل يُدرك والقلب يرفض. ورابعها الاعتماد على أفهام الآخرين وتبخيس فهمك ومثل هذا كالقول بقفل باب الاجتهاد كأنَّ الفهم أُغلقت أبوابه.
وارتباط القدال بمجتمعه وعيشه فيه واختلاطه به ينعكس في تأثّره بهذا الوسط وتأثيره فيه. فاختيار مفرداتٍ ومواقف بعينها، تعتمد على الواقع وكيفية التعبير فيه، مثل شعر البادية المعروف بالدوبيت، ممَّا يؤكد ارتباط القدال بهذا المجتمع تأصِّل لجذوره الاجتماعية والشعرية وتضعه في خانة المبدع المتصل بأهله والمنتمي إليهم منذ بداياته، حتى وإن كان ذلك في قصيدة عاطفية. ولكن هل هناك قصيدة عاطفيَّة لا تشمل نواحي الحياة الأخرى إذا كانت المحبوبة الممثِّل للوطن ولأخلاقه وعاداته؟ فالذي لا جذور له لا عراقة له ولا رؤيا.
لذا فقد أفلح القدال في تحويل الكلام السماعي إلى صورٍ مرئية ومعانٍ واضحة ومخفية. وعندما خلق المولى عزّ وجلّ السمع والبصر والفؤاد بهذا الترتيب لم يكن إلاّ تنبيهاً لنا أنّ من سمع ولم ير لم ولن يفهم. فالأفئدة هي المخ والقلب وكلاهما له منهج للبصر، فمنهج العقل يقوم على التفكّر في معاني الاستقبال السمعي والبصري واللمسي والشمّي والتذوُّقي واستنتاج النتائج والعمل بها تفاعلاً مع المجتمع. وفي هذا نكتة طريفة لسبب عدم ذكر المولي عزَّ وجلَّ لحاسَّة الشمِّ مع السمع والبصر فقد اكتشف العلم حديثاً أنَّ الإنسان يشمُّ كما يسمع فهو لا يعتمد على التكوين الكيمائي للشيء المشموم ولكن يعتمد على إيقاع الشيء على خلايا الشمِّ في الأنف وتفسيرها في المخ وهو جزء من الفؤاد الذي ذُكر.
وبهذا الحس المرهف، والموهبة الفذة، وتفتُّح مداركه على الجانب الآخر من واقعه، بعد أن سقطت ورقة التوت الرومانسية عن بصره وانفتحت أبواب بصيرته على واقعٍ آخر، لم يضطرّ ليجتهد كثيراً ليعبّر به، فهو لم يكن أبداً مبدعاً فوقياً يكتب من وراء فاصل زجاجي ولكنّه كان يتقاسم اللقمة، وعرق الكفاح والأفراح والأتراح مع أهله ولكنّه اكتشف لاحقاً أنّ العالم ليس حليوة فقط وإنما كلّ العالم حليوة، ولذا فقد زادت بردته طولاً وعرضاً فطوى العالم تحتها يهبه نفس الدفء الإنساني النابع من قلبه.
فهو يكتب من وليس عن واقعه الذي ينتمي إليه، ومن داخله ومن داخل رؤيته له، لا كما فعل بعض المبدعون الأوائل فكتبوا عن الفتاة السودانية يصفون خدودها بحمرة المغيب، وشفاهها بورق الورود كما فعل الشعراء مثل شوقي وحافظ في مصر. فالفتاة السودانيَّة كانت تشم شفاهها فتصير خضراء وتفصِّد خدودها السمراء.
ويتضح من منهجه مطابقته للشعر الشعبي ومغايرته له في نفس الوقت. فالشعر الشعبي اعتمد على الدوبيت في البادية والحضر، وإن غاير شعراء الحضر النمط قليلاً فجاءت قصائد ما يسمى بأغاني الحقيبة، وإن كان الشعر قديماً في شكله معتمداً على العمود والقافية، وعلى الوصف الحسّى للفتاة التي لم يكن متاحاً للشعراء رؤيتها، ولكن المسرحيات الشعرية احتفظت بشكل الدوبيت مثل مسرحية با مسيكا وتاجوج والمحلّق، فإبراهيم العبادي مثلاً ألّف مسرحيَّاته مستخدماً الشكلين.
ثم ظهرت ما تعرف بالقصيدة الحديثة والتي اعتمدت على تعابير واضحة خفيفة تُؤخذ من واقع الأحداث، بعدما اختلفت علاقة الفتيان بالفتيات وأصبحوا أكثر اختلاطاً، وأصبحن أكثر تبرّجاً، ونلن من الحرية أكثر من أمَّهاتهنّ، فكان زمان التويست وتقليعات الشعر مثل "دردقني في النجيلة" والفساتين القصيرة، ولكن نمط القصيدة لم يتغيّر كثيراً، وإن كان مضمونها قد غاير ما قبله، وهى أشبه تاريخياً بالموشحات الأندلسية عندما ظهر الترف وانتفت الحاجة، ولكنّها ظلّت تكتب من طرف واحدٍ وهو طرف الشاعر الذى يلخّص نتاج تجربةٍ له بحبيبٍ له، ولكنّنا لا نسمع من الطرف الآخر وبهذا سادت النظرة الذكوريَّة بينما تخفَّت وجهة النظر الأنثويَّة في أغاني السباتة.
وقد كانت معظم القصائد عن الهجر والبكاء وقلّت قصائد الفرح. وبرع في هذا النوع من الشعر الأساتذة عبدالرحمن الريح، وحسين بازرعة، وحسن أبو العلا على سبيل المثال لا الحصر حتى وصول الأستاذ إسماعيل حسن، الذى طور القصيدة السودانية عامّة، والغنائية خاصّة، فخطا بها خطوة كبيرة إلى الأمام بكسر حاجزها الوصفي، وركّز على البعدين الدرامي والاجتماعي دون الوصف الحسّى البحت أو ما يعانيه الشاعر، وبذلك كسر القالب المعهود المرتبط بما يعرف بحقيبة الفن. فانظر إلى قول إسماعيل حسن يصف "من الخارج" موقفاً درامياً بينه وبين حبيبته، ولا يحدّثنا عن صفات هذه الحبيبة إلا وصفه لها بالطيبة مغفلاً عمداً هذا الطرق المعهود:
"بعد إيه جيت تصالحني بعد إيه؟
بعد ما ودرت قلبي الكنتَ فيه؟
جيت تشكي ليا؟ ليه؟
جيت تبكي ليا؟ ليه؟"
ثم يعرج إلى دراما ما حدث لها اجتماعياً:
"ضيعوك .. ودّروك
إنتَ ما بتعرف صليحك من عدوك
استغلّوا الطيبة في قلبك وبي اسم العواطف خدعوك
حتى من كلمة حنانم وودادم حرموك
الله ياخد ليك حقوقك ويجازى الظلموك".
فشعره ليس بنقلٍ للحوار الذي جرى بينه وبين محبوبه، ولكنّه لوم له على التفريط فيه، ومن ثمّ الرجوع إليه نادماً حيث لا تنفع الندامة. وكأنّ الشاعر يعزّى نفسه ويقتص لها من حبيب هجره وصدّق الآخرين ففيه نوع من التشفّي نتيجة إحساسه عذاب الهجر.
وقد شاع في ذلك الزمان أن الأستاذ إسماعيل حسن كتب عن قصة فتاةٍ حبلت سفاحاً بعد أن وعدها واحد من أثرياء القوم ما لم يستطع حبيبها أن يوفّره لها، فهجرت حبيبها ولمّا قضى منها الثرى وطراً تركها فلجأت لحبيبها السابق ولكنّه تخلّى عنها أيضاً ، وحكى القصة للأستاذ إسماعيل حسن فتأثر وكتب عنها، وشاع أيضاً أنّ الحبيب المهجور كان إسماعيل حسن وقد سألته يوماً عنها ، ونحن نتجوّل في سوق أمدرمان وبمعيتنا الخال عبدالرحمن الأبنودي ومحمد عفيفي مطر ومحمد إبراهيم أبو سنّة ، فكان ردّه ضحكته الصافية المحبّبة ولمته ، بنـزق الشباب ، على ما أسميته "الانهزامية والاستسلام" في قصيدة المستحيل ، فانفعل وزجرني قائلاً : "أسكت يا ولد يا شيوعي" ، ولم أعلم لي شيوعيةً تدثرني من قبل ولا من بعد ولكن ، على ما أظن ، قصد "عادة أصدقائي اليساريين" بالتـزام جانب الثورة ورفض الاستسلام" ، رحمه الله وأحسن إليه وإلي الخال الأبنودي والأستاذ عفيفي مطر وبارك الله في أيَّام صديقي الأستاذ أبو سنَّة.
ثمّ يجيء زمان القدال وقد تشرّب الدوبيت، وشاهد المسرحيات الشعرية، ولا بد أنّه مثّلها وحفظ أغاني الحقبتين القديمة والحديثة، ولا يزال جيلنا يسمع صدى أغنية الأستاذ حمد الريح الشهيرة أطال الله عمره ومتّعه بالعافية:
"إنتي كلّك زينة
وعايمة كالوزينة
ويحفظك مولاك"
والتي عشقها الكل، حتى أصحاب سيارات النقل جعلوا أبواق سياراتهم تحاكيها، ولا زلت أذكر ، ونحن صغار نلعب "البلّى" أمام القرية في عطلات الصيف، الصوت المحبب "للبص الأحمر" أو "اللحمر" كما ينطقها أهلنا، يعلن وصول أهلنا من "الخرتوم" ومعهم "موز وحلاوة رغيف".
وبالرغم من تأثر القدال بمجتمعه، كما ذكرنا سابقاً، فإنه لم يقلّده وإنما اقتبس منه وعجنه في عجينة خاصة، غير غافلين عن تطابق الوصفين بين أغنية الأستاذ حمد الريح والقدال ولم يلبث أن غنّى الأستاذ محمد وردى وااا أسفاى عربون الصلح بينه وبين صديقه وشاعره إسماعيل حسن:
"وااا أسفاى
وحاتكم إنتو وااا أسفاى
إذا ما شفت ناس سمحين
يتاتو زي قدلة جنى الوزين"
ولا أحسب أن القدال قد سمع بهذه القصيدة أو أن إسماعيل حسن قد سمع بقصيدة القدال وهو يصف حبيبته:
"تمشى تهاتي وزينة
بلا الربعة التحجِّل،
شاكية من شبكة كتافا"
فالتأتأة، كما وصفها إسماعيل حسن، تعنى مشى الصبى الصغير، وتغنّى الأمّهات أرجوزة للصغير في وسط وشمال السودان تقول: "وليدنا تـاتـا .. اتنين تلاتة، قدم الحمام.. زمن الفطام"، بينما وصفها القدال بالمهاتاة، والواضح أن المثالين يغلّبان الوصف الحسي للفتاة على كل شيء آخر، ولكن القدال طوّر القصيدة ومشى بها خطوتين للأمام، أولاً بالتركيز على البعد الاجتماعي، ولذا بدأ قصيدته بالتعريف الاجتماعي لمحبوبته، فهو عرَّفها ولقَّبها ولم يسمّها، فهي "بنية" منسوبة لأبيها وأمها وجميع من في القرية، وبذلك يضعها في سياق محدَّد، فالاسم لا يدلُّ على الخصوصيَّة ولكن يدلُّ على عموم ما يرجوه الأهل لمن يسمُّونه أو يسموُّنها تيمُّناً بالاسم. والتعريف أشمل وهو مفتاح العلم. هذا إشراق معرفيٌّ فطري للقدال قبل أن يعرف الفلسفة وأهمِّية التعريف.
ثم عرج بعد التعريف بمحبوبته على الوصف الحسّى بشكلٍ يخلق تفاعلاً بين هيئتها، وحركتها، وخلقها، وفهمها، مما يولّد حياة مُتفاعلة جسديَّاً ونفسيَّاً واجتماعيَّاً وروحيَّاً كالصورة السينمائية المتحرِّكة، لا مُجرَّد صورة جامدة، ويتعدى بذلك الأبعاد الثلاثية للرسم مضمناً البعد الرابع الحركي المسرحي أو السينمائي أيهما شئتم.
ومن ثمّ أرفق الوصف بدرامية الحدث، ولكنها درامية تخرجه من مجرد وصف إلى تعريف كامل يعتمد على تجاربه من واقعه، كمشاهدة البقرة الوليدة، وإضافة أبعادها الأخلاقية من طبعٍ جميلٍ، وعقلٍ راجحٍ متفوّقاً بذلك على أستاذنا إسماعيل حسن، رحمه الله وأحسن إليه. وقد اعتبر إسماعيل حسن أن القدال سيكون خليفته المنتظر، وقد أسرَّ لي بذلك، بموافقة الخال عبد الرحمن الأبنودي، ولكنه صار "الحوار الذي غلب شيخه".
فمضمون قصيدة القدال تماثل قصيدة صدفة، ولكنّ ما تمّ في لقاء القدال اختلف في مناسبة اللقاء سياقاً وفي مقدرة القدال على التصريح بحبّه وتأمين حبّها إذ أنَّ لقاءه كان تفاعليَّاً خرج من حيِّز إلقاء التحيَّة فقط بلا رد غير النظرات والبسمات الخجولة:
"صدفة وأجمل صدفة أنا يوم لاقيتا
أسـعد يـوم يومـي الحـيـّيتا
نـور عـينيا يـاما حبـيتا

النظـرات بريئة وممزوجة بخـجل
البسـمات تضوِّي زي نور الأمل
وجهك بين مسايرك زي بدر اكتمل
والشـامة في خديدك زي طعم القبل
تسكر قلبي وتشعل حبي يشهد ربي أنا بهواك

ما قادر أقولك عن حـبي الكـبير
وصفو عليَّ قاسي وعايش في الضمير
قدر الكون دا كلو حبي، واكبر بي كتير
مالكني محـيرني، شوف قلبي الأسـير
أسألي قلبك، يمكن يقدر، يشرح حبي، أنا محتار

صدفة عيوني شافت ليلي الباكي نور
يا أيام ربيعي عمري معاكي أزهـر
فيها الطير يغني ومن ألحاني يسـكر
عمري فراشة حولك وانت شبابك أخضر
ياما بحبك، وبعبد حبك، علشان حبك روحي فداك"
فبينما يُصرِّح إسماعيل حسن بعدم مقدرته على مصارحة محبوبته بمشاعره يخبرنا القدَّال، وهو يصف موقفاً درامياً "من الداخل" بكل الحس المسرحي، بما وقع بينه وبين محبوبته بكلّ تفاصيله الإنسانية من ردّ فعل طبيعي من صبيةٍ نتيجة لاندفاع محبٍّ مصرحاً ومدافعاً عن عشقه، ضارباً بالقيود والأعراف عرض الحائط، كما يقولون، ولا تملك إلا أن تضحك من براءة الموقف وعفويته وصدقه، وهذا هو ما ميَّز ويميز القدال عن غيره منذ بداياته.
والقصيدة كلّها تعتمد على مشاهد، فهو يبدأ بالمشهد الأول وهو تعريف فتاته الاجتماعي ويوضّح لنا "الخلفية للّوحة"، حسب تسمية أهل الرسم والتلوين، ومن ثمّ يعرج على وصفها الحسي، وحركتها وطبعها وتحصيلها.

ويبدأ المشهد الثاني بانتهاء الحفل عند اقتراب الفجر، وتقديم الصبيان للصبايا لدورهنّ حاملين "الرتاين" في هدوء القرية لا تسمع إلا نباحاً لكلب، أو ثغاءً لشاة، أو أذاناً لديك سبق أقرانه:
".... وكان في الحلّة
يوم حنة علي الشاشوق
مشينا نَقَدِّم البنوت على ضو الرتاين".

وأذكر أنَّنا كنُّا نستثمر وضعنا الجديد في القرية، بعد دخولنا مدرسة حنتوب الثانويَّة ودخولنا إلى صحن المدنيَّة، ونتمايز عن أقراننا في عطلة الصيف المدرسيَّة، فنحمل كشَّافات الضوء اليدويَّة المعروفة بالبطاريَّة ساعة التقديم، ونحن نرتدي البنطال والقميص لنؤكِّد هذا التَّميُّز المدني، ونحمل مذياع الترانزستر لشاطئ النيل في الأصيل ونختار من الدروب ما يسكنه المحبوب. وهذه شيمة الإنسان يستخدم كلّ أسلحته لهزيمة غريمه، وإن كان شقيق روحه، ليفوز بالصيد وما أثمنه من صيد إذا كان إوزَّة تمرق زينة.
ومهمّة تقديم الصبايا لبيوتهن كان يقوم بها الشباب بعيداً عن رقابة الأهل باعتبار أنهم إخوتهن أو بنو عمومتهن الذين سيقومون بهذا الدور، وقد كانت فرصة للمناجاة بين المحبين واستراق موعد أو تأكيد موثق، وليس هناك من أمان يُطلب في أكثر من هذا الموقف، وهو ذكاء اجتماعي يعرفه من عاش في القرى، يسهّل اللقاء والبوح تمهيداً لما سيأتي، ولا شكّ أنّ فيه بعض المخاطرة ولكنّه محاصر بنظراتٍ بعيدة ترقب ما يحدث ولا تسمح بغير الكلام، أو ضمّة يدٍ عجلَي بحرارة، وهناك اتّفاق من غير تصريحٍ يُوزّع المحبين في مجموعات متجانسة تمهّد لكلٍ مبتغاه.
ويبدأ الموكب من دار الحفل والصبية يحملون الرتائن والعصى في المقدّمة، والصبيّات يتبعنهم متلاصقاتٍ غير بعيدات يتهامسن ويتضاحكن ويتقارصن، وحمّى المغامرة واللحظة النادرة تشعلهن بالرغبة وتضفى عليهنّ جمالاً ناطق، ورنّة الأسورة وحفيف الثياب وضوع العطور تحمله نسائم الفجر، والقلوب واجفة والأيدي تتندّى بالعرق، ويتراشق الطرفان بذكريات الحفل وفى هذا دعوة خفيّة للصبيات ليسرعن الخطو ويلحقن بالصبية.
وهو اجتماع بحدودٍ معروفة يضمن السلامة، ويُتيح الفرصة للشباب ليتعرَّفوا ببعضهم البعض عن قرب، فتتبادل الأيدي منديلاً عليه حرف الحبيب، أو طاقيَّة حمراء من الحرير، أو خطاباً يبثُّ فيه العاشق حبَّه، وذلك قبل زمان "الواتس" وموت الرومانسيَّة، فما فائدة العشق بالله بلا تعذُّر وصال وانتظار لأيَّام وربما لحولٍ كامل لاستراق نظرة أو ابتسامة أو موعد؟
وتتمُّ طقوس ذلك المشهد وما زالت دقَّات "الدلُّوكة" في أسماعهم، وطيب "الخُمرة" في أنوفهم، ومشاهد الفتيات الغضَّات الراقصات في أبصارهم، ورفُّة الفؤاد مثل رعشة الوتر وخفقان الفراشة، مثل الخبز يخرج طازجاً حارَّاً من تنُّوره مُشهيِّاً للالتهام قبل أن يبرد، فتتوافد الوفود في حُمَّي تلك المواقف خاطبة وتتوالى الأفراح، وبعد حين تتعالي صرخات الأطفال عند الولادة مع انطلاق الزغاريد. سمح الأهل بذلك اللقاء العفيف وقد غرسوا في نفوس الصبية معايير الشجاعة والعفة وحقنوهم بمعاني الفضيلة من خلال الأغاني الحماسية مثل:
"أنا حلاّل رفيقو
أنا الدابي إن رصد للزول بعيقو
أنا فرّاج الرجال وكتين يضيقوا
أنا المأمون على بنّوت فريقو"
وقد وصف القدّال حال الصبايا في ذلك الموقف أجمل وصف:
"عِيونْهِنْ هارْجَةْ (والهرج في الحديث إذا أفضوا به فأكثروا)
تنبح في الفجر والليل قريب واقف يعاين".
وتشبيه هرج العيون بنبيح الكلاب يحمل معنى استمرار الهرج، وهو دليل على عُلوِّ الصوت والمثابرة كما تفعل الكلاب، وأيضاً ربما يوحى بالواقع الماثل من نبح كلاب القرية في الفجر وهي تراقب أشباحهم، وهو استلاف من الواقع واستخدام مغاير لكلمة النبح كما نعرفها، ومن لطائف اللغة تطلق كلمة نبح على صوت الظبية أيضاً.
"خُدُودْهِنْ واجَّةْ (الأَجِيجُ: تَلَهُّبُ النار وصوتها وإضاءتها)
زي جهر الكهارب الفي المداين".
وحتى الرتاين لا يشبه نورها نور هذه الخدود، فإنّها تجهر كما تجهر الكهرباء في المدن، وهذا التشبيه هو جزء من تجربة القدّال حينما غادر فانوس حليوة المغذّى بالكيروسين لفانوس المدينة المغذّى بالأسلاك.
وسنواصل إن أذن الله سبحانه وتعالي
ودمتم لأبي سلمي