بسم الله الرحمن الرحيم
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
اللهُ حكمٌ قِسطٌ هلك المرتابون (معاذ بن جبل)

حريَّة الاعتقاد:
أزف وقت الختام. فالرحلة لا نهاية لها إلا ساعة الحساب. فالناس بين موقن وشاكٍِّ وملحد، ولكلٍّ شأن يغنيه.
نحن لا ندافع عن صحَّة عقيدتنا بوجود الله ودينه الإسلام، ولا عن أنفسنا، فهذا أمرٌ تولاه الله سبحانه وتعالي:
" ‫إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا‬"، ولكنَّنا نُجاهد في سبيله وكما قال المصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم: " إنَّ المؤمنَ يُجاهِدُ بسيفِه ولسانِه والَّذي نفسي بيدِه لَكأنَّما تنضَحونهم بالنَّبلِ". ‬‬‬
وجهاد اللسان أمضى وأبقي وأهم، فقد يعيش الإنسان حياته كلَّها ولا يُضطَّر إلى الدخول في معركة، وإذا دخلها مات فيها أو بعدها وبذلك ينتهي جهاده، ولكنَّ حرب الكلام لم ينضب معينها منذ أن خلق الله الإنسان ولن تختفي سهامها إلى يوم القيامة. ولهذا ظلَّت المعارك ذكري وبقي القرآن سيفاً مُشرعاً في وجه الباطل ،فالباطل وأهله جنود من جنود الحق يستخدمهم وهم لا يعلمون. وهذه هي المدافعة التي بغيرها يسود الفساد:
" ‫وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ‬".‬‬‬
فأوَّل معركة كلاميَّة دخل فيها الإنسان وخسرها كانت بين سيدنا آدم عليه السلام وبين إبليس اللعين، وسبب ذلك أنَّ سيدنا آدم عليه السلام استخدم "حسن النيَّة"، وعازته الخبرة لم يستخدم المنطق لأنَّه غفل عن توجيه الله سبحانه وتعالي له باتِّخاذ إبليس عدوُّاً، وكان الأجدى به أن يعلم أنَّ الله لن يكذب عليه ولن يأمره بشيء فيه ضرره، حتى وإن لم يعلم حكمته. كما وأنَّه اعتمد على التخمين وليس على العلم، فظنَّ أنَّ مخلوقاً لله لن يتجرَّأ على الكذب باستخدام اسم الله المُعظَّم، وظنَّ أنَّه قادر على الوصول للرأي السليم بغير الرجوع لله سبحانه وتعالي، وهذه ما تزال مشكلة الإنسان وستظلُّ إلى أن تقوم الساعة، ولذلك كان ذكر الله المستمر هو الملجأ من الغفلة: " وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ‬".

وإذا كان هذا حال أبو البشر سيدنا آدم عليه السلام الذي صنعه الله بيديه من طين، وكلَّمه ونصحه، ثمَّ رأي إبليس رأي العين وأخطأ بعد ذلك فماذا سيكون حال ومآل الذين لم يكلِّمهم الله، ولا رأوا الغيب ولا إبليس وهو يوسوس لهم زخرف القول ليل نهار؟ إنَّهم وجبة سائغة سهلة دسمة، إذ أنَّه لا يحتاج أن يستدرجهم فهم صيد سهل يقدِّم نفسه لصيَّاده طواعية، ولا يحتاج ليذبحهم فقد قاموا بذبح أنفسهم في محراب الغرور، ثمَّ طبخوها على موقد الزهو، وقدَّموها له على طبق الغفلة، وهم يظنُّون أنَّهم حرَّروا أنفسهم من ظلمة الجهل، وصاروا فرسان التَّقدُّم، وهم في ظلماتهم يعمهون لا يثبتون على رأي ولا على مبدأ.
وهم يصنِّفون إنسانيَّة الإنسان حسب مُعتقده، فمن كان في صفِّهم كان إنساناً وغيرهم من البشر يجد الحيوان منهم رحمة أكثر. وانظر إلى حُلم الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم مع أعدائه الذين خانوه وقاتلوه وألَّبوا عليه القبائل:
" مَرَّتْ جنازةٌ على رسولِ اللهِ فقام لها واقِفًا، فقيل له: يا رسولَ اللهِ إنها جنازةُ يَهُودِيِّ، فقال: أَلَيْسَتْ نَفْسًا؟
وقد أذن الله سبحانه وتعالي لنا قتال من يعتدي علينا أو يعتدي على حقوق الآخرين وذلك لنحتفظ لأنفسنا بحقِّنا وللآخرين حقَّهم في اعتقاد ما نشاء: " ‫أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا‬ "، هذه هي الحريَّة التي يسمح بها الملاحدة لأنفسهم ويضنُّون بها على مُخالفيهم ظلماً وطغياناً. وهل هناك قمَّة في التسامح والسموّ الأخلاقي واحترام عقائد الآخرين غير قول الله سبحانه وتعالي:‬‬‬
" لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ". وماذا طلب من أعداء رسالته غير أن يحترموا حقَّهم في التفكير والتعبير؟ وما هو هذا الحقّ الذي طالب به المصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم وحاول أهل قريش أن يقتلوه لمطالبته به؟ " ‫أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ‬؟ ‬‬‬
وما هو رأي الدكتور محمد أحمد محمود في حقِّ النبي الأمي في حقّه في التفكير والتعبير من غير أن يُعذَّب أو يقتل؟ لأم أجد في كتابه مدافعة عن حقِّه وحقِّ أصحابه. وماذا كان ينتظر منهم أن يفعلوا وهم عُذِّبوا وهُجِّروا وقوتلوا في سبيل أفكارهم؟ أكان يريد لهم أن يُسلِّموا أعناقهم لأعدائهم أم يدافعوا عن حقَّهم في الوجود وحريَّة التعبير كما يقاتل هو من أجل حقِّه؟ إنَّ المبادئ لا تتجزَّأ ولا تبلي فما لا يحقُّ في شأنه لا يحقُّ في شأن المصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم.

وهل يعيب على المصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم أن يستخدم القوَّة الغليظة بعد أن مُنع من استخدام القوَّة الناعمة في سلام؟ هل كان يريد له أن تكون له قوَّة ولا يستخدمها في نشر الوعي وحريَّة الاعتقاد وبثِّ الإنارة في عصور مظلمة يحتفي الدكتور محمد أحمد محمود بفعل ثوار الاستنارة في أوروبا ضدَّ استغلال الكنيسة بعد أكثر من ألف سنة من رسالة المصطفي؟
وماذا تفعل أمريكا لنشر الاستنارة؟ هل تستخدم الحوار أم السلاح؟ وهل استخدم البلاشفة الروس الملاحدة القوَّة الناعمة عندما قتلوا أكثر من خمسة ملايين من مواطنيهم؟

وهل استخدمت القوي الكبرى عندما ادَّعت نشر الوعي في القرون الثلاثة الأخيرة باستعمار الشعوب الضعيفة؟ هل قدَّموا لهم الزهور أم اجتاحوهم بجيوشهم وحصدوهم بالمدافع بلا ضمير؟

ونحن نقول له من أراد أن يؤمن أو يكفر فذلك حقٌّ كفله له الله سبحانه وتعالي ونكفله لهم كخلفاء له على الأرض: " ‫وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ‬"، وهو ليس بالشيء المهم: " ‫إِن تَكْفُرُوا أَنتُمْ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ". ‬ ‬‬‬‬‬‬
ولكن أن يقول مثلاً: "سام هاريس في كتابه "نهاية الإيمان"، وهو أحد فرسان الإلحاد الأربعة المدافعين عن حقوق الإنسان والأخلاق: "إنَّنا يجب أن نُحاور المؤمنين بعدم إظهار الحلم تجاههم، وأنَّ تعذيب أعضاء التنظيمات الإرهابيَّة للحصول على معلومات منهم ليس مسموحاً به فقط وإنَّما ضروري". بل وينادي بقتل كلِّ من يؤمن بأفكار أو عقائد يعتبرها مُضرَّةٌ فعلاً بالمجتمع". وبالطبع سام هاريس لا يقول لنا من هو الذي سيحكم على هؤلاء، وعلى مدي ضرر عقائدهم ولكنَّنا نستطيع أن نستشفّ من كلامه أنَّ كلَّ يهودي أو مسيحي أو مسلم لن يسلم من هذا المصير وذلك حسب تصريح كريستوفر هتشنز، وهو من مجموعة الفرسان الملحدين الأربعة: "إن محور الشَّر هو هذه الأديان الثلاثة".

فماذا لو أنَّنا قلنا له إنَّنا سنطبِّق عليه نفس القانون لأنَّنا نعتبر أنَّ عقيدته ضارَّةٌ حقَّاً بالمجتمع؟ وماذا حدث لمبدأ التنوير: الحريَّة لنا ولسوانا؟ ولكن كما قال المولي عزَّ وجلَّ: " ‫إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ‬"، فهو يخون مبادئه نفسها، ويكفر بها بذرائعيَّة شديدة عندما لا تروقه هذه الحريَّة، ناهيك عن خيانته للأمانة التي قبلها من الله سبحانه وتعالي وكفره به.‬‬‬
إذا ظنَّ الملاحدة أنَّ الإسلام سيقتلهم لأنَّهم ملاحدة فقد ضلُّوا السبيل فالإسلام للناس أن يختاروا ما يشاؤون من معتقد ولكنَّه أيضاً طلب منهم أن يُعطوا الآخرين نفس الحقّ وأن يختاروا السلام ويتجنَّبوا الاعتداء.
ولذلك فالمسلم، حسب قول المصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم، له تعريفان واحد في سياق دائرة الإسلام وهو الشهادة وإقامة الصلاة وأداء الزكاة وصوم رمضان وحجُّ البيت للمستطيع، وآخر في سياق دائرة الإنسانيَّة: " المسلمُ من سلمَ النَّاسُ من لسانِهِ ويدِهِ ". وهذا ينطبق على الإيمان أيضاً فهو في سياق دائرة الإسلام أن يؤمن بالغيب ولكنَّه في سياق دائرة الإنسانيَّة: " والمؤمنُ من أمِنهُ النَّاسُ على أموالِهم وأنفسِهم".
والناس إخوة إيمان: "إنَّما المؤمنون إخوة"، وإخوة إنسانيَّة كما قال الإمام علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه: " الناس صنفان: إمَّا أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق".

ولكنَّه أيضاً وضَّح أنَّ للعقود شروطها التي يجب الإيفاء بها: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ "، والمؤمن يؤمن بالله أو يؤمن بفائدة العقد لنفسه، فإذا ما عاقد أو عاهد أحداً فلا بُدَّ من الوفاء بشروط العقد، وإلا ستنطبق عليه شروط الجزاء كما في كلِّ عقد، وذلك يعني أن يأمن الطرفان بعضهما البعض فيؤديان الأمانة كما يقرِّر العقد.
ومن شروط العقد أن يكون المتعاقد حُرَّاً ليس مُكرهاً، وعاقلاً، وبالغاً، وراشداً، فالعبد لا يتعاقد والعبوديَّة قد تكون عبوديَّة غليظة كأن يملك أحدٌ أحداً أو يملك مصيره، أو عبوديَّة رقيقة كحالات الإدمان وهو ما يضمن شرط الرضا، والعقل ضدَّ الجنون، والبلوغ عكس الطفولة، والرشد ضدَّ السَّفه. فهذه شروط الإطار والتي من غيرها لا يصحُّ التعاقد، وهي تعني أنَّ المتعاقد لديه المقدرة والوُسع على التعاقد وعليه تنعقد مشروعيَّة العقد.

ولهذا فشروط الإطار تختلف عن شروط المحتوي، والتي تكون عن شيء مخصوص كأداء عمل أو بيع بيت أو الانضمام لنادي مثلاً. ونستنتج من كلِّ ذلك أنَّ الأمانة والإخلاص أوَّل مُتطلَّبات العقد، وإلا فكيف يمكن أن يعتمد أحد على أحدٍ إذا لم يأمنه أو يظنُّ فيه الخيانة؟ فالرجل يتزوَّج المرأة والمرأة تتزوج الرجل وبينهما عقد، وله شروط إطار وشروط محتوي. والشروط الضمنيَّة هي ألا يخونا بعضهما وأن يأمنا بعضهما فلا ضرر ولا ضرار.

وثالث الشروط الضمنيَّة هي الالتزام ورابعها هو الولاء وخامسها هو الانتماء. وقد تلقَّيت درساً واقعيَّاً في هذا الأمر عندما ذهبت مع أبنائي لنشاهد مباراة كرة قدم بين فريقي نيوكاسل وتشلسي من لندن، وأبنائي وُلدوا في نيوكاسل وأنحائها ويشجعون تشلسي، وهو أمر غير معهود، ولكن لم تكن هناك مقاعد في المنطقة المُخصَّصة لمشجِّعي فريق جلسي فقرَّر أولادي أن يشتروا تذاكر في منطقة مشجعي نيوكاسل وتعاهدوا معي ألا يُظهروا حماساً لفريق تشلسي.
ويتَّضح من هذا التعاقد أنَّه ليس له مشروعيَّة لأنَّ أبنائي أطفال وليسوا راشدين، وهم مُكرهين على شراء تذاكر فريق نيوكاسل لأنَّهم عبيد لشهوة كرة القدم. وكرة القدم هي صورة مُصغَّرة للحرب الأهليَّة أو الإقليمية أو العالميَّة وتلبس ثياباً مدنيَّة سلاحها كرة القدم وجنودها اللاعبون والمشجعون وكما هي الحال فوراء ذلك أصحاب المال والسلطة. وإذا أردت أن تعرف حقيقة أنَّها حرب فادخل مباراة لفريقين في نفس المدينة أو كانت بلادهما في حالة حرب مسبقة.

ونحن في قمَّة الحماس سجَّل فريق تشلسي هدفاً فما كان من ابني الأكبر إلا أن أظهر فرحه وكاد المشجِّعون، وهم في حُّمَّي حماسهم بعد أن فارقوا العقل سكري بجوِّ المباراة، أن يقتلوننا حقيقة، لولا أنَّي تدخَّلت وقلت لهم هو "جوردي أصيل، أي يتبع لقبيلتهم، ومولود في مستشفى نيوكاسل ولكنَّه مريض".

ظهر لي حينها معني أن تختار فريقاً لتشجِّعه من غير أن يُكرهك أحد، وهي مسألة ذاتيَّة ومسئوليَّة فرديَّة، ولكنَّك بمجرَّد أن التزمت بتشجيع هذا الفريق فلا بُدَّ أن تلتزم بقانون النادي، ولا تشجِّع خصمه، وأن يكون انتماؤك وولاؤك له فقط وإلا فستنطبق عليك تهمة الخيانة العظمي. فإذا دخل إنسان إلى دين الإسلام وهو يستوفي كلَّ الشروط الإطاريَّة فيجب أن يؤدي شروط المحتوي كلَّها بما فيها الشروط الضمنيَّة وإلا سيكون مُعرَّضاً للجزاء بتهمة الخيانة العظمي.

هذا لا يختلف بين عضوية نادي رياضي أو وطن أو جيش أو دين، فالكل يتوقَّع منك الوفاء والأمانة والإخلاص والولاء والانتماء، خاصَّة وقت الحرب عندما تعني خيانتك ضرراً أكبر، وهي ما تُسمَّي بالخيانة العظمي وعلى مرِّ العصور كان جزاء الخيانة العظمي هو القتل. فمعظم أقطار الغرب لغت حكم الإعدام عام 1965 إلا الخيانة العظمي التي ظلَّت عقوبتها الإعدام حتي عام 1998 ثمَّ حوِّلت العقوبة للسجن المؤبَّد. وتعريف الخيانة العظمي حسب القانون الأمريكي تقول:
"الخيانة ضد الولايات الأمريكية المتحدة تتكوَّن فقط عند التأليب على الحرب ضدَّهم، أو الولاء للأعداء، أو مساعدتهم أو توفير الراحة لهم".

الملاحدة لا يريدون عقوداً ويريدون حريَّة ليقولوا ما يشاؤون وهم ينافقون حين يتزوَّجون فيقومون بالالتزام تجاه الزوج أو الزوجة وفي نفس الوقت ينادون بحريَّة الاختيار بلا مسئوليَّة ولا مُساءلة أو حساب، فهل سيقبل أحدهم بخيانة زوجته له بدعوي أنَّها حرَّة تفعل ما تشاء؟ هل هم يشاركونا نفس الكون ونفس السياق أم أنَّهم فوق الكون وشروط البقاء؟

الشرعية الأخلاقيَّة:
يقول الدكتور محمد أحمد محمود في ردِّه على السفير خالد موسى دفع الله: "هذه في تقديري هي نقطة البداية. لن أستطيع الدخول في أي نقاش مع السيد خالد موسى أو مع أي إسلامي إن لم يقرر بدءاً رفضه للمادة 126 واعترافه بحرية الفكر والتعبير. إن الإسلامي الذي يقف مع الردة لا يؤمن بكرامة الفكر، ولا يملك بالتالي المصداقية الفكرية التي تؤهله لولوج عالم الفكر والتصرف في حضرته حتى وإن كان مختصا وأكاديمياً".
ويتحدَّث الدكتور عن كرامة الفكر كأنَّ الفكر كائن حي له أوصاف ومعايير معروفة، ويعطي بذلك قيمة أكبر له من قيمة الإنسان الذي ينبع منه الفكر، وهو بذلك يؤلِّه الفكر ويصير حارساً أو كاهناً لمعبده، يشرِّع شروط الولوج إلى معبد الفكر ومنها أن يتَّفق معه الداخل على الشروط قبل محاولة الدخول وهي حريَّة الفكر والتعبير ويناقض نفسه بألا يُعطي الأخير الحقَّ في اعتقاده بقتل المرتدِّ مثلاً فمعبد الفكر ليس له أبواب ولا حُرَّاس ولا كهنة يدخله من يشاء ويأخذ الناس من أفكاره ويدعون.
وهو لا يوضِّح لنا لماذا يمثِّل الفكر ويحترم كرامته إذا لم يسمح للآخرين أيضاً بالحريَّة الفكريَّّة في أن يقولوا أو يؤمنوا بما شاءوا؟ ولا يُعرِّف لنا ما هو الفكر أو حُريَّته أو التعبير أو حريَّته كأنَّها مفاهيم بديهيَّة معروفة. هل الإساءة والافتراء على الناس فكر أو حرَّية تعبير؟ إذا كان ذلك كذلك فليخبرنا عن بلدٍ يقول بالشرعيَّة القانونيَّة أو الأخلاقيَّة لذلك ولا يُعاقب عليها صاحب الفعل؟
الفكر ليس له كرامة أو حضرة ولكن الله هو الذي له كرامة وحضرة وهو القائل:
" ‫وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ‬". والحوار ليس له قدسيَّة مُعيَّنة ولا شروط مُسبقة وإنَّما هو وسيلة للبحث عن الحقيقة والذي يدَّعي تملُّك الحقيقة المطلقة أيديولوجي مُتعصِّب مهما كان منبعه دينيَّاً أو إلحاديَّاً، لاهوتيَّاً أو ناسوتيَّاً. وما الحوار إلا آلة تعرية الحقائق من لباس الذاتية وإلباسها رداء الموضوعيَّة، ويقوم على احترام المُحاور وآرائه، وذلك لا يعني الاتِّفاق معه أو معها. ولا معني للحوار إذا لم يكن هناك اختلاف أو نقص في المعرفة. فالسؤال لا ينبغي منه إلا معرفة رأي الآخر في مسألة مُعيَّنة أو استفهاماً عن شيء غمُض على السائل. ومن نتائج السؤال يصل الناس للحقيقة ما داموا قد التزموا الموضوعيَّة. هب أنَّني لا أوافق على حريَّة الفكر أو التعبير هل هذا ينفي حقِّي في الحوار؟ إذن ما فائدة المُحاور المقابل ليزيل جهلي وينير عقلي بالمعرفة حتى أوافق رأيه أوَّلاً؟‬‬‬

الفكر ليس إلا تجمُّع آراء لبشر يخطئون ويصيبون وتختلف مصادر معرفتهم، ولكن في تربية المسلمين التي وضعها لهم الله سبحانه وتعالي تعاليم ضرورة احترام اعتقاد الآخرين: " ‫وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ‬"، والسبب في ذلك أنَّ الله زيَّن لهم عملهم فهم لا يرون أفضل وأحسن منه: " كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ"، فكيف تعالج المريض المدمن إذا كنت تريده أن يصبح صحيحاً قبل أن تُكلِّمه وهو يري أنَّ خلاصه من عذاب الدنيا في الإدمان؟ ‬‬‬
وأيضاً ضرورة عدم إكراههم على اعتقاد معيَّن: " ‫لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ‬"، وضرورة أن نصبر على من نحاور ونُعرض عن جهلهم، وأن نصفح عنهم، وألا نترفَّع عليهم ونتواضع لهم أو نحكم عليهم ،وضرب الله لنا المثل الأعلى في مخاطبة الإنسان المنكر لوجوده بالمنطق والبرهان، ولم يتكبَّر عليهم. فأين الدكتور محمد أحمد محمود من هذا النهج؟‬‬‬

ليس كلّ مسلم إسلامي ولا كلّ مسلم يحجر على الآخرين بالإفصاح عن أفكارهم أو وجودهم، فقد أعلن عنهم الله سبحانه وتعالي، ولكن من حقِّ كلِّ مسلم أن يؤمن مثلاً بحدِّ الردَّة أو لا يؤمن به فلكلِّ فريق ما يسنده من دليل، ولكنَّه يجب أن يؤمن أنَّ ذلك الحدّ لا ينطبق على غير المسلم وإلا لما خاطب الله سبحانه وتعالي عندما سنَّ الحدود المؤمنين فقط؟ فالذي ينضوي طواعية لحزب المؤمنين يجب أن يتقيَّد بشروطهم التي في العقد بينه وبين الله سبحانه وتعالي، والله لم يخاطب الناس إلا بالحسني وهو لا يحتاجهم وهم يحتاجونه.

أنا يهمُّني أن يكون الدكتور محمد أحمد محمود مسلماً لأنَّي أحبُّ الإنسان وأريد له الخير الذي أعتقد أنَّني اتَّخذت سبيله لأنَّ التعليم من المصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم:
" لا يُؤمِنُ أحدُكم حتى يُحِبَّ لأخيه ما يُحِبُّ لنَفْسِه"، وذلك لأنَّه أخي في الإنسانية، ولسبب أناني وهو ابتغاء الخير لنفسي: " فواللَّهِ لأنْ يهدِيَ اللَّهُ رجلًا بك، خيرٌ لك مِن أنْ يكونَ لك حُمْرُ النَّعَمِ".

وندخل بعد هذا إلى بعض أمثلة الدكتور محمد أحمد محمود التي أوردها في كتابه: نبوة محمد: الصناعة والتاريخ، مثل رواية قتل كعب بن الأشرف وقد فعل ذلك ليشكِّك في الشرعيَّة الأخلاقيَّة للإسلام بناء على سلوك للرسول صلَّى الله عليه وسلم. وقد استخدم حُجَّة أنَّه سمح للصحابة بخداع كعب بن الأشرف حتى يتمكَّنوا من قتله واعتبر ذلك كذباً، وهو في رأيه ممَّا يقدح في الشرعية الأخلاقية للمصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم الذي عُرف بالأمين والصادق.
وقد فهم فعل الرسول صلَّى الله عليه وسلم خارج سياق حديثه الذي يري في استخدام الحيلة والخدعة في سياقهما أمراً مقبولاً وعمليَّاً ولذلك قال:
" لا يصلُحُ الكذبُ إلا في ثلاثةٍ: الرجلُ يكذِبُ في الحربِ؛ والحربُ خُدعةٌ، والرجلُ يَكذبَ بين الرجلينِ ليُصلِحَ بينهما، والرجلُ يَكذِبُ على امرأَتهِ ليُرضِيها ". وهو حديث مرسل وضعَّفه الألباني ولكنِّي أراه حديثاً صحيحاً لأنَّه دفع للضرر وهو مُقدَّم على جلب المنفعة وإن كان عاقبته منفعة.

وهو ممَّا يؤكِّد واقعيَّة دين الإسلام وهي أسّ حكمته إذ أنَّه من الأسلم أن يُخدع ويقتل من بدأ بالعداوة للمسلمين، بعد أن أعطاهم العهود الغليظة على مساندتهم وعدم خيانتهم، من غير أن تعرِّض حياة الآخرين من المسلمين وغير المسلمين للضرر. فكعب بن الأشرف قاد حرباً إعلاميَّة ضدَّ المسلمين وألَّب قريشاً على الثأر من المسلمين وقال عن انتصار المسلمين في بدر عندما بلغه الخبر:
"لئن حدث هذا فبطن الأرض خير من ظهرها"، والرسول صلِّى الله عليه وسلَّم حقَّق له أمنيته ويجب أن يشكر على فعله لا أن يذم. وقد قلنا من قبل إنَّ الولاء ثمنه الأمانة والإخلاص.

ونري د. محمد أحمد محمود يتباكى على مقتل رجل مبادر بالخيانة والعداوة، رغم توقيعه على وثيقة، وهو رجلٌ مضطَّرب نفسيَّاً ليست له هويَّة يستقرُّ عليها، فهو لا يدري أهو عربيٌّ أم يهوديِّ إذ أن والده من قبيلة طي ووالدته يهودية، فهو حاول أقصي جهده للتوفيق بين الهويتين لينال رضا الفريقين، وحدث ذلك في زمان حكم عليه الدكتور بالظلام والأساطير والجهل، ولكنَّه لا يتباكى على الفلسطينيين الذين يفتك بهم اليهود الآن في فلسطين المحتلَّة وهم جرحي لا حيلة لهم ،وتبرِّؤهم المحاكم في دولة تعتبر أنَّها دولة ديموقراطية ودولة قانون ومؤسسات، وفي هذا العصر الذي يعتبره الملاحدة قمَّة التنوير وحفظ حقوق الإنسان.

وهو لا يحتج ولو بمقالة واحدة على قتل المدنيين الذي يحدث عندما تستهدف الطائرات الأمريكية جنود طالبان أو القاعدة أو باستدراجهم بواسطة الجواسيس واغتيالهم وليس أسرهم ومحاكمتهم أو حتى عندما تأسرهم لا تحاكمهم ولا تطلق سراحهم ولا تقتلهم بل تعذِّبهم وفي قتلهم راحة أكبر من حرمانهم الأمل واستمرار تعذيبهم كما تفعل في قوانتامو بي.

ويتباكى على قتل مئات اليهود الذين خانوا الميثاق الذي واثقوا به الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم في صحيفة المدينة التي نصَّت على أن لليهود دينهم وللمسلمين دينهم وهم أحلاف أذا تحاربوا وألا يغدر أحدهم بالآخر، فقاموا بغدرهم والتحالف مع المشركين في معركة الخندق.
وقد تمَّ قتلهم بعد أن اختاروا حليفهم في الجاهليَّة سيدنا سعد بن معاذ رضي الله عنه ورضوا بتحكيمه. وهم لم يسمعوا اقتراح زعيمهم كعب بن أسعد أن يعتنقوا الإسلام أو يستسلموا أو يقاتلوا فاختاروا الاستسلام بعد نصيحة أبو لبابة شفقة بالنساء والأطفال.
وهم ماتوا بالسيف سلاح المعركة حفظاً لكرامتهم بينما طلب النازيون بعد محاكمتهم أن يقتلوا رمياً بالرصاص ولكن طلبهم رُفض وشنقوا مهانة وذلة لهم لأنَّهم لم يُعتبروا فرساناً.

وماذا فعل بهم أدولف هتلر رجالاً ونساء وأطفالاً شيباً وشباباً في القرن العشرين في قمَّة عهد التنوير؟ وماذا فعل المصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم ببني قينقاع الذين راودوا امرأة مسلمة عن نفسها ثمَّ كشفوا عورتها، وعندما دافع عنها رجل مسلم قتلوه؟ لقد قبل فيهم شفاعة المنافق عبد الله بن أبي سلول وهو يعلم أنَّه منافق وعدوٌّ للمسلمين وتركهم.

وماذا فعل المصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم مع بني النضير الذين حاولوا اغتياله فحاصرهم؟ سمح لهم بالجلاء وأن يحملوا معهم متاعهم إلا أسلحتهم؟ وماذا فعل بيهود خيبر؟ تركهم في أرضهم وناصفهم محصول مزارعهم. فكيف فعلت الولايات الأمريكيَّة المتحدة مع هوريشيما وناجازاكي؟ أو مع أطفال فيتنام؟

ونحن لا نتحدَّث عن مقتل سبعمائة رجل بتهمة الخيانة العظمي في ميدان المعركة قبل أربعة عشر قرناً في عهود الظلام كما يدَّعي الدكتور محمد أحمد محمود، بل نتحدَّث عن مقتل ملايين الناس وتشويه الباقين وانتشار الأمراض الخبيثة فيهم لمائة سنة وتشويه الأجنَّة في القرن العشرين، وعلى يد من؟ على يد سادة التنوير وحقوق الإنسان الذين يحملون راية الشرعيَّة الأخلاقيَّة.

وهو يشير خلسة إلى عدم إنسانيَّة الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم عندما أمر أن تقتل الكلاب الضالة في المدينة ويغضي الطرف عن قتل الكلاب الضالة في العالم المتمدن مثل بريطانيا وأمريكا فبريطانيا وأمريكا تقتلان يوميَّاً كلَّ الكلاب الضالة التي لا تجد من يتبناها، وأمريكا قتلت في السبعينات من القرن المنصرم أربعين مليون كلباً.

وهو أيضاً يتجاهل أنَّ أكثر الحيوانات الأليفة خطراً على حياة الإنسان، خاصة الأطفال، هي الكلاب وأنَّها مسئولة عن إصابة أكثر من مائتي ألف طفل في أمريكا وحدها كلَّ عام لا تفوقها إلا نسبة إصابة الرياضة. وأنَّها لم يكن لها علاج لمرض السعر الذي يقتل الإنسان إلا في بداية القرن العشرين، وأنَّ في هذا الزمان يموت خمسين ألف من الهنود وخمسة وعشرين ألف في أفريقيا كلَّ عام نتيجة داء السعر من توحُّش الكلاب، والتي تتوحَّش عندما لا تجد ما تأكله، وأوَّل هدف لها هو الإنسان، وفي قصَّة السيدة الإنجليزيَّة التي انتهشتها الكلاب في جبال اليونان منذ أسابيع قليلة ما يوضِّح استعدادها للتوحُّش.
يورد هذه الحكاية وهو يعلم أنَّ أهل المدينة كانوا فقراء لا يكفيهم الطعام وفي وجود الكلاب الضالة الجائعة خطر على حياتهم، ولا يلتفت إلى توجيه الرسول للصحابة بوقف قتلها عندما زال الخطر. وأيضاً يتغافل عن حديثه للصحابة رضوان الله عليهم عن الرجل الذي دخل الجنَّة في كلب لجلبه ماء له رحمة به وعن المرأة التي دخلت النار بسبب قطَّة حبستها حتى ماتت وهو يقول:
" قالوا: يا رسولَ اللهِ، وإن لنا في البهائم أجرًا؟ قال: (في كلِّ كبدٍ رطبةٍ أجرٌ).

إنَّ الدين الذي يأمر المؤمنين به بالعدل والإحسان والإنفاق والصبر على الجاهلين والتسامح وغيرها من الأخلاق حتى أنَّه ربط عطاء الربوبيَّة للمصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم بثلاثة شروط: " فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ، ‫وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ‬، وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ". هذا الأمر جاء بعد ثلاث سنوات من الدعوة وهو الاهتمام بضعاف الناس ومشاركة الخير الذي أعطاه له الله سبحانه وتعالي مع كلِّ الناس ولذلك قال الرسول: " ثكِلَتْكَ أُمُّكَ وهل تُرزَقونَ وتُنصَرونَ إلَّا بضُعَفائِكم؟ هذه الأخلاق التي جاء بها محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم فما هي الأخلاق التي جاء بها الدكتور محمد أحمد محمود؟ ‬‬‬‬

ونختم بقولنا للدكتور محمد أحمد محمود اعتقد بما تشاء وقل ما تشاء ولكن لا تدَّعي أنَّ رأيك هو الحقّ المبين، ولا تكذب وترمي النَّاس بتهم من محض خيالك وتعتبرها حقائق لأنَّك تظنَّها كذلك، وإذا قلت بأنَّك عالم فالأولي أن تستخدم المنهج العلمي الذي يقوم على الدليل لا على التَّخرُّص وتُفرِّق بين البرهان والوهم، واحترم غيرك وإن اختلفت معه، وتواضع له، وابتعد عن لغة الخطابة الجهوريَّة التي تفتقد العقلانيَّة وأخيراً لا تلزم الناس برأيك فهو رأي لا غير: " وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا".

وأخيراً أقول لك لا تخلط بين جوهر الدين وبين ما يفعله الناس به، وإذا ظننت أنَّ إلحاد شاب أو فتاة نتيجة العبث الذي يقوم به أهل الحكم في السودان طعناً في الدين أو إثباتاً لبطلانه فراجع نفسك، فما أهل الحكم يمثلون الإسلام ولا من ترك الإسلام يمثِّل الحقيقة، حتى وإن دخل فيه بمحض إرادته وخرج، ولم يكن مسلماً بالتقليد مثلك فالناس قد تختار الباطل وهي تعلم الحق. واصرف وقتك وجهدك وعقلك فيما ينفع الناس ناظراً في الأسباب الموضوعيَّة لتخلَّف الناس في كلِّ بقاع الأرض ومنها وطنك الأصل ووطنك بالتبنِّي فإن يكن هناك تقدُّم في التقنية فهناك تخلُّف في الإنسانيَّة والأخلاق وهو سيكون سبب هلاكهم لأنَّ الإنسان ليس بالمخلوق العقلاني وهو يصرف بصره وفكره لصنع سلاح أكبر يقتل عدداً أكثر ليطغي ويفرض رأيه عليهم وليس في مساعدة الفقراء والمساكين.

ودمتم لأبي سلمي

//////////////////