بسم الله الرحمن الرحيم
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

النفس والاختيار والمسئوليَّة:
مسئوليَّة الاختيار فرديَّة:" كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ". ولهذا فاختياري لديني مسألة شخصيَّة تخصُّني فقط ولا تخصُّ شخصاً آخر ممَّا يعني أنَّ مسئولية الاختيار تقع على عاتقي وحدي. فأنا رهين اختياري إن أحسنته دفعت فدية نفسي وأعتقتها وإن أسأته ظللت حبيس اختياري. وما مثل الجنَّة والنار إلا حسن وسوء الاختيار؛ أحدهما يحرِّرك من الهمِّ والغمِّ ومن القيود كلِّها في فسحة النور الممتد إلى ما لانهاية، والآخر يقيّدك في ظلمات ضيق الهمِّ والغمِّ والعذاب:
" ‫فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ۖ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا‬".‬

وأنا أحترم اختيار الآخرين والاحترام لا يعني الاتَّفاق معهم فهم لم يختاروا طريقهم إلا لظنِّهم أنَّه الأفضل لهم وكذلك حالي وستقع على عاتقنا جميعاً مسئولية اختيارنا.
أدركت بملكاتي الناقصة، أنَّ في هذه الدنيا أنَّ النفس التي بين جنبيك هي جنَّتك وسجنك ولك أن تختار بين الدارين. ووجدت أنَّ حياة الإنسان منذ لحظة الولادة رهينة للموت لا تستطيع منه فكاكاً؛ فموت يخلِّدك في النعيم وموت يُخلِّدك في الجحيم. فالنفس عدوٌّ لك:
" أعْدَى أعداءِكَ نفسُكَ التي بينَ جنبيكَ"، فإن عرفتها أمنتها وإن جهلتها غدرت بك، ولذلك قال سقراط الحكيم: "اعرف نفسك"، وقال المولي عزَّ وجلَّ: " ‫وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ؟‬

والإبصار هو إبصار معرفيّ بواسطة الذكاء العاطفي والذكاء الأخلاقي وليس بالذكاء العقلي. وذلك يعني أنَّ الإنسان يبصر عندما يبصر نفسه على حقيقتها، وهذا يعني بطريقة موضوعيَّة لا ميل ظاهري ولا ضمني فيها. وهذا لا يحدث إلا إذا كان ميزان الحقائق مستقيماً: " ‫أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانِ"، ولا ميزان كالقلب مأوي الهوى ولذلك فللقيام بوزن أيّ حقيقة علميَّة أو منطقيَّة يجب أن يخلو القلب من الميل؛ أي من الذاتيَّة وبذلك تتمُّ حالة الحياد بكفَّتين متوازيتين لا تطغي أحدهما على الأخرى. والذكاء العاطفي والذكاء الأخلاقي مرتبطان بالميل العاطفي إن كان سلباً أو إيجاباً علناً أو بغير وعي وهو تصديق قول المولي عزَّ وجلَّ:‬
" فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ"، لأنَّ فهم وإدراك الحقيقة يجب أن يكون بلا دور للهوى فيه أي أن يكون عادلاً:
" ‫يَا أَيُّهَآ اْلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَآءَ بالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اْعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى‬". وفي هذا قمَّة الموضوعيَّة العلميَّة.‬

وعرفت بأنَّ الإنسان لذلك خطَّاء وذلك يعني أنَّه غير عقلاني لأنَّه يتَّخذ من القرارات الخاطئة أكثر من القرارات الصائبة ولكنَّه يمتلك عقلاً يمكنه أن يردَّه للصواب إذا أخطأ ولم أجد هذه الحكمة إلا في قول المصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم:
" يا رسولَ اللَّهِ ما تقولُ في القليلِ العملِ الكثيرِ الذُّنوبِ فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ كلُّ ابنِ آدمَ خطَّاءٌ فمن كانت لهُ سجيَّةُ عقلٍ وغريزةُ يقينٍ لم تضرَّهُ ذنوبُه شيئًا قيلَ وَكيفَ ذلِك يا رسولَ اللَّهِ قال لأنَّهُ كلَّما أخطأَ لم يلبثُ أن يتوبَ تَوبةً تمحو ذنوبَه ويبقَى لهُ فضلٌ يدخلُ بهِ الجنَّةَ فالعقلُ أداةُ العاملِ بطاعةِ اللَّهِ وحجَّةٌ على أَهلِ معصيةِ اللَّهِ". وكلَّ الفلسفات تدَّعي عقلانية الإنسان والواقع يكذِّبهم.
والإنسان لا بُدَّ له من تحصيل الوُسع قبل أن يسمح له باتِّخاذ قرار واختيار بديل من البدائل المطروحة وتحمُّل مسئوليَّة القرار. ولتقرير أنَّ الشخص عنده وُسع لا بُدَّ من أن يستوفي خمسة شروط وهي سلامة العقل، ‬ وفهم المعلومات، والقدرة على تذكُّرها وعلى وزنها بتحليل المنافع والضرر وأخيراً بالتمكُّن من تبليغ القرار. وبالطبع يجب أن يتمُّ ذلك بلا إكراه.

والوُسع يزداد بازدياد مصادر المعرفة وكمَّيتها ولذلك فقد دأبت منذ صغري على محاولة فهم نفسي، التي أتعبتني وأتعبت غيري بشطحاتها وهفواتها وتمرُّدها وومضات من العقل بين الفينة والأخرى، ولم أجد حلاً علميَّاً إلا بدراستها ولذلك فقد درست الطب حتى أُلم بكلِّ أقسامها الجسديَّة والفيزيولوجيَّة والنفسيَّة ثمَّ تخصَّصت في علم النفس والطب النفسي ودرست علم الاجتماع والفلسفة لإكمال فهمي للنفس الاجتماعيَّة والروحيَّة. ومن بعد ذلك تعلَّمت عن حالات النفس في وقت العافية والمرض والسبل لوقايتها ولعلاجها بالأدوية والعلاج النفسي وتخصَّصت في سبعة أنواع من العلاج النفسي.

فعلت ذلك لأنَّ القرارات التي سأتَّخذها سأكون مسئولاً عنها أمام نفسي وأمام غيري ومُحاسباً عليها وهذا يُحتِّم أن يكون لي ضمير أي ذكاء أخلاقي وذكاء عاطفي. وأدركت منذ زمان طويل أنَّ الذكاء العاطفي يقيني من شهوات النفس الميَّالة للإشباع الفوري العاجل لها على حساب الإشباع الآجل لأنَّ حساب الكسب والخسارة يعتمدان على طول مدَّة الإشباع مع العافية. فمثلاً شرب الخمر هو إشباع فوري وعاجل لعلاج الاكتئاب ولكنَّه يزيد الاكتئاب ويؤدِّي إلى إدمان أمَّا الصبر على الاكتئاب واستخدام العلاج النفسي والأدوية يؤدِّي إلى الشفاء الآجل ولكنَّه مرتبط بطول البقاء والعافية.
وثاني شيء تعلمته أنَّ الذكاء الأخلاقي يعني القدرة على تقمُّص أحاسيس وأفكار ووضع الآخرين بحيث لا أسمح لنفسي أن أفعل ما أريد لهم أن يفعلوه تجاهي وأن أبادرهم بالسلام والعطاء إذا كنت أنتظر منهم ذلك وهو يعني ألا يكون عندي كيل بمكيالين.
وقد كان السؤال الأهم هو: أين أجد العلم الذي يشفي غليلي؟ ولإجابة هذا السؤال كان حتماً علىَّ تعريف الذي أريد شفاءه، فابتدأت في رحلتي بالتَّعرُّف على نفسي لأنَّها أقرب إلى من الآخرين ولا تستطيع خداعي ولا أستطيع خداعها عند حالة استنفار غريزة البقاء. فالمرء قد يكذب على نفسه عند حالة الأمن والرخاء ولكنَّه لا يستطيع أن يكذب على نفسه لحظة المكاشفة عند الموت. وقد قيَّض الله سبحانه وتعالي لي لحظات مُكاشفة عديدة ذهبت للموت وصافحته أحمده عليها، جعلتني أُعرِّي نفسي لأراها كما هي بضعفها وقلَّة حيلتها وجهلها وظلمها. ووجدتُّ أكثر صفاتها ممَّا لا يُحمد وشغلني ذلك زماناً طويلاً وأنا أقرأ عكس ذلك في نظريات علم النفس الحديثة التي تُصرُّ على إيجابيَّة وصلاح الإنسان في أصله وهو ممَّا يعاند واقع نفسي وواقع الناس من حولي.

فنحن نري أنَّ طباع الإنسان البدائية لم تتغيِّر منذ ظهوره على الأرض، فهو مثلاً جشع وجزوع وهلوع وحريص ومغرور ظلوم جهول ولاعقلانيَّته أكثر من عقلا نيَّته وليس هناك حكمة قالها كارل ماركس أصدق من قوله:
"كلّ الثورات أثبتت شيئاً واحداً حتى الآن: ألا وهو أنَّ كلّ شيء يتغيَّر إلا الإنسان".

ولهذا فليس هناك من علاج نهائي لهذا الطبع لأنَّه طبع، وليس حالة عرضيَّة مثل الالتهاب مثلاً الذي يمكن الشفاء منه باستخدام المضاد الحيوي.
وبما أنَّه طبع فيعني ذلك أنَّه مزمن ويجب استخدام الدواء الذي يجعله في حالة استقرار مثل الذي يعاني من مرض السكري ويستخدم الأنسولين مثلاً. فإذا استمرَّ في المداومة على علاجه استقرَّت حالته، وإن لم يفعل دفع ثمن إهماله.

ومريض السكَّري عليه واجبان هما: أن يفعل وأن ينتهي عن فعل. أي حالة إقبال على ما ينفعه وحالة إدبار عمَّا يضرَّه. فهو عليه واجب أخذ الدواء وعليه واجب ألا يقرب السكَّر مثلاً. فهو بين أمر ونهي. والأمر للفعل من أجل تحصيل العافية، والنهي عن الفعل من أجل الوقاية من تصعيد خالة المرض، ولا ينفع إهمال الأمر أو النهي وإلا تذبذبت الحالة واستعصت على الشفاء.
وهذا المفهوم للعافية لم أجده في دين ولا فلسفة غير الإسلام فهو يقول ببساطة أنَّه لا يمكن أن تستقرّ حالة الإنسان الجسديَّة والنفسية والاجتماعية والروحيَّة ليبلغ سُبل السلام ومعارج العافية بغير الالتزام بالأوامر والنواهي التي شرعها الله سبحانه وتعالي وهما يمثلان الشفاء والوقاية:
" ‫وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا‬". والرحمة تعني الوقاية من المرض وهو للمؤمنين الذين يسمعون كلام الله طبيبهم، ولكن الذين يُعرضون عنه يظلمون أنفسهم ولا يزدادون إلا مرضاً ويخسرون في النهاية. فمريض السكري الذي لا يسمع نصيحة الطبيب فلا يأخذ الدواء ولا يمتنع عن السكر ستسوء حالته حتما ويبدأ في فقد أعضاء جسده وتزداد حالته سوءاً إلى أن يفقد حياته ويخسر كلَّ شيء.‬

إذاً حالة الإنسان حالة استثنائيَّة في الوجود فهو الوحيد الذي يقوم بالثورات لتغيير نفسه وواقعه وينتهي لنفس النتيجة التي بدأ منها مقارنة مع باقي المخلوقات التي لا تثور على واقعها الداخلي والنفسي لأنَّها راضية به وتؤدِّي دورها المرسوم لها بلا ضجر فالماشية تأكل عشباً وستظلُّ تأكل عشباً إلى نهاية حياتها ولن تفكِّر في أن تأكل لحماً أو تضيف بهارات للعشب أو تطبخه. فالإنسان يدور في دوامة الملل والضجر والتغيير المستمر من أجل التغيير في أغلب الأوقات وينتهي بضرر نفسه وعالمه.
وما الإنسان إلا تمرُّدٌ مستمرٌّ على العبوديَّة وتوقٌ للحريَّة ولكنَّه يعلم أنَّ حُريَّته مقنَّنة؛ أي نسبيَّة تحدُّها حدود مهما تحرَّر من القيود فهو لن يستطع أن يتحرر من لونه ومكان مولده ولغته الأولي أو من رغباته وشهواته مهما فعل. وهو أيضاً محكوم بالقوانين التي تحكم علاقته بالآخرين والعالم ككائن حيٍّ متفاعل يؤثر ويتأثر بما حوله ووعيه محكوم بتجاربه السابقة وعلمه وحدود أدوات استقباله ولهذا فلا يوجد تصوُّر واحد للواقع عند الناس كلِّها ولا ينبغي وهو سبب تفسير وفهم نفس النصوص تفسيراً مختلفاً بين الناس. والإنسان يسعي للحريَّة ويغفل عن العدالة والأولي نسبيَّة والثانية مُطلقة فيضحِّي بالمطلق من أجل النسبي وهو ممَّا يدلُّ على قصور ذكائه العاطفي والأخلاقي.

وعندما تأمَّلت طبيعة نفسي أدركت أنَّ وعيها، مهما اجتهدت، محدود، وما يغيب عنها أكثر ممَّا تعلم، ولذلك فهي لا تثق تماماً بقراراتها، وهي بالرغم من حرصي على اتِّخاذها بناء على البرهان فهي قرارات نسبيَّة لأنَّ وعيي بالعوامل المحيطة والمستقبليَّة ضعيف. والضعيف يحتاج إلى سند والذي يختار سنداً ضعيفاً مثله يكون سفيهاً ولا تتحقَّق القوَّة إلا بالعلم والقدرة والدوام وذلك لا يتحقَّق لإنسان أو أي مخلوق آخر.

وأدركتُ أنَّه ما من إنسان أرجي لنفعي من نفسي، وأقدر على ضررها منِّي، ولهذا لم أثق برأي إنسان أبداً مهما وصل من العلم، بلا شكٍّ منهجيٍّ، فهو ضعيف وقاصر الفهم مثلي، ولا يمتلك الحقيقة المطلقة، ولذلك لا يمكن أن أجعل معاييره معاييري لأنَّ بصره تحكمه عوامل مختلفة يري أشياء وتغيب عنه أخري. وقد كان هذا ديدن الصحابة مع الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم معه إذ كانوا يسألون عن مصدر ما يقول فإن كان من عند الله نفَّذوه وإن كان من عنده ناقشوه وأشاروا عليه. هذه النسق هو النسق العلمي الذي جذبني للإسلام إذ ما كنت لأومن لشخص مهما ادَّعي من علم لأنَّه إنسان ناقص ولكنَّي أومن بربِّ هذا الإنسان إذا أثبت أنَّ ما يقوله ليس صادراً منه.

ولذلك فقد أدركت أنَّ نفسي ضعيفة تحتاج لمن يرعاها في كلِّ لحظة ليقوم بحراستها وتحقيق حاجاتها ومنها النصر على الظلم. أدركت ذلك عندما تعرَّضت للظلم وأنا طفل ولم أجد من ألجأ إليه لينصرني فأدركت احتياجي لربٍّ آخر لا يظلمني، وأيضاً يأخذ بحقِّي في يوم ما، ولم أجد ربَّاً مثل هذا في هذا الكون، فالكلُّ إلى زوال، ووجدته في ربٍّ يقول إنَّه لا يغيب ولا ينسي، ولا يظلم ويحسن، ولا يريد بي إلا الخير.

هذه الصفات للربوبيَّة كانت التي دلَّتني على نوع الربِّ الذي أحتاجه وأريده ولذلك فقد كنت على استعداد لتسليم إرادتي له وإعلان عبوديَّتي له لأنال الحريَّة من القيود التي وجدت نفسي فيها. ومن ذلك التأمل أدركت أن أنفسي تابعة لا قائدة، إذ ليس في إمكانها أن تخلق عالماً جديداً كما تشاء، أو تتحكَّم فيه كما تشاء، وذلك لا يمكن إلا إذا أوجدت نفسها بنفسها، فلا يمكن أن يطالبها أحد بملكية جزء منها، ثمَّ أنشأت عالمها من غير عون، فعند ذلك تكون خالقة ومالكة لهذه النفس ولهذا الكون، ولها كامل الحريَّة أن تفعل بهما ما تشاء ولا يستطيع أن يسألها أحد عن التصرُّف في هذا الملك وبهذه المعايير تتحقَّق هذه الآية:
" لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ".
فالعالم وُجد قبل نفسي وهي حبيسة فيه محكومة بأبوين لهما حقٌّ فيها، خُلقت ضعيفة وستظلُّ ضعيفة إلى أن تموت، وليس أمامها إلا أن تختار في مسألة الإيمان بالخالق إلا من بأربعة بدائل: أن تؤمن بالله وحده لا شريك له، أو تؤمن بدين آخر، أو تُعلن عدم مقدرتها على الاختيار، أو تؤمن بالصدفة. فالاختيار يعتمد على القرائن وهو أمرٌ عقلي يسعي لليقين عن طريق العلم ولذلك فهو إيمان استدلال. فمثلاً الملاحدة آمنوا بصحَّة نظريَّة تشارلس دارون وهي لا تزال غير مثبتة ولم يثبت أيضاً إلى الآن تغيُّر نوع إلى نوع آخر ولكن ثبت تطوُّر في الشكل والأعضاء والوظائف حسب السياق البيئي الذي يؤثر على غريزة البقاء:
" ‫وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا‬". ‬
إذا هناك ما يثبت نظريَّة التطور لنوع واحد من الخلق، ولكن ليس هناك ما يثبت نظريَّة النشوء التي كانت مُجرَّد استنتاج تخميني من دارون. ونحن لا نعرف طريقة النشوء لأنَّنا لم نحضرها، لأنها كانت غيباً، ولكن إذا أُعلمنا غيب طريقة النشوء للإنسان الآن قبل أن يقوم العلم باكتشافه، فذلك يعني أنَّ المتحدِّث هو الخالق الأوَّل والأخير، ولهذا ربط الله سبحانه وتعالي بين الشكِّ في الغيب والبعث بعد الموت بعملية نشوء الإنسان في هذه الدنيا:
"قل يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ ۚ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى‬".

وعلم الأجنَّة الذي درسته في كلية الطب لا يتعدَّى هذه المراحل في نشوء الجنين وهو شيء لم يكن معلوماً في زمن المصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم فحريٌّ بي إذا أن أختار من يعلم غيب الأرحام لأنَّه يثبت بأنَّ الذي أوجد الإنسان الأوَّل هو الذي صمَّم الإنسان الثاني.

إذن نفسي محكومة بعبوديَّة شئت أم أبيت ومن العبوديَّة تأتي الطاعة فأنا عبد لشهواتي وللطعام وللشراب وللهواء وللضياء مثلاً ولا استغناء لي عنهم وأنا عبد لأني محكوم ببدائل محدودة أختار منها ولكن:
" وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ"، ومسئوليتي تقع في حدود الاختيار للحقِّ باتباع العلم باستخدام العقل وإلا سيكون اختياري ظنٌّ:
" وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً".

والاختيار يتبعه التزام وثمنه الطاعة، وولاء وثمنه الأمانة، وانتماء وثمنه التضحية، ومسئولية وثمنها المحاسبة. لذلك فاختياري لدين الإسلام كان مُسبَّباً بتغطية حاجات نفسي الضعيفة والجاهلة وستكون حُجَّتي للملاحدة كيف يمكن أن يُقوُّوا ضعفي وينيروا ظلام جهلي باعتناق الإلحاد مذهباً وهم لا يتبعون شريعة واحدة أو منهجاً متناسقاً ومتَّسقاً، بل لا يؤدِّي فكرهم إلى يقين بل إلى شكٍّ زائد، وأنا أحبُّ يقيناً أتكئ عليه في خضمِّ حياتي المضطَّربة والمتسارعة الأحداث حتى تكون لدي خارطة طريق واضحة ودعائم تجعل سفينتي تُبحر بسلامة.

خلاصة تفكيري أنَّني محتاج واحتياجي لا يمكن أن يسدّ ثغرته إنسان مثلي ولا بُدَّ من أن يكون الذي يقوم بأمري ألا يكون إنساناً وأن يكون كامل العلم والمقدرة والحكمة ودائم لا يفني ولم أجد هذه الصفات إلا في الله سبحانه وتعالي ولم أجد هذا الوصف مُوضَّحاً ببساطة وسلاسة واتِّساق وتناسق إلا في القرآن الكريم.

ووجدت أنَّ القرآن الكريم لا يدَّعي إنسان تأليفه وشرائعه ومنهجه لا يمكن لإنسان أن يكتبها مهما أوتي من ذكاء فهو نسق متكامل في فهم النفس البشريَّة في سياقها المكاني والزماني وعلاج وقائي من أمراضها وشفائي لعلَّاتها له صفة الديمومة، لأنَّ صفات الإنسان لا تتغيَّر وإن تغيَّر ما حوله، من كلِّ نظريات علم النفس والفلسفة والاجتماع.

ولذلك كان خياري بين أن أومن أنَّ هناك إلهاً خالقاً أو صدفة خالقة، وعلمت بأنَّ الإله مُفكر ومُقدِّر وذلك يتماشى مع طبيعة الوجود المتوازنة والمتنوَِّعة ممَّا يدلُّ على وجود غاية وعلمت بأنَّ الصدفة غير مُفكِّرة ومغلوبة لا غالبة؛ أي أنَّها لا يمكن أن تُحدِّد الشيء الذي تخلقه لأنَّه نتيجة صدفة وتطوُّره يعتمد على صدفة، وإلا ستكون الصدفة مُفكِّرة، وإذا كانت مفكِّرة فهي حيَّة، ولها إذاً إرادة مستقلِّة، ولها رسالة واضحة لتبيِّن لي وجودها وراء ما خلقته، وهذه الصفات ستجعلها خالقاً غيبياً لا يُري. ولكنِّي لم أسمع عن رسالتها ولا عن إعلامها بوجودها، وإنَّما سمعت مُبشِّرين بها لم يدَّعوا أنَّهم مرسلون منها ولكنَّهم من أنبيائها شاءوا أم أبوا، لأنَّها غيب.
ومعروف في قوانين البحث العلمي أنَّ عامل الصدفة ينتفي إذا تكرَّر الحدث أكثر من مرتين وفي تأمُّلي للكائنات وجدت تكراراً لها ملايين بل وبلايين المرات، فكيف تجمَّعت كلّ هذه الصدف لتكوِّن كلَّ هذه الكائنات المتناسلة من بعضها البعض بقوانين علميَّة صارمة؟ ولماذا تغيَّرت النباتات والأشجار مثلاً لأنواع عديدة ذات أشكال مختلفة، وألوان مختلفة وثمار مختلفة، أما كان يكفي هذه الصدفة أن تكوِّن نوعاً واحداً من النبات أو الأشجار؟ وكيف تجمَّعت كلّ هذه الصُّدَفُ مرَّة بعد أخري، صدفةً، لتؤدِّي لتغيير شجرة بعد أخري بغير تدبير ولا تفكير؟
ولمَّا لم أجد ما أحسبه معقولاً في تقدير تفكيري المحدود، لجأت في بحثي لإجابات أخرى وسمعت بأنَّ الله سبحانه وتعالي أعلن عن وجوده بواسطة مخلوقاته، ووجدت في صفاته ما يغني حاجاتي وما أرغبه في الرَّب الذي أريده، ولذلك صار عندي خيار الإيمان به أقرب للعقل من خيار الصدفة البكماء العشوائيَّة، ونبوَّة سيدنا محمد صلَّى الله عليه وسلَّم المدعومة بمعجزة القرآن الكريم شكلاً ومحتوي أكثر معقوليَّة وتناسقاً مع الحسِّ السليم من الإيمان بالنبوَّة الكاذبة لأمثال الدكتور محمد أحمد محمود.
ولكنَّنا نري أنَّ الناس لا تزال تصلى وتحج والبلايين من الناس في العالم يرجعون للإيمان بشيء غيبي ومعاول الفكر تنهال على بنيان الحداثة والتقدم وما بعد الحداثة والاكتشافات العلمية تثبت يوماً بعد يوم أنَّ تصميم ونظام ونسق العالم لا يمكن أن يحدث نتيجة صدفة وأنَّ العالم غير أزلي.

أمَّا إذا افترضنا أنَّه لا يوجد غيب، وأنَّ نقيض الحياة هو الموت والفناء ولذلك لا يوجد الله سبحانه وتعالي في عالم الغيب، فكيف نفهم هذه الحياة الدنيا غير أنَّها عبث في عبث وتصادف أحداث يلعب الحظُّ فيها الدور الأوَّل والنهائي فلا مجال لتحقيق حريَّة ولا مجال لتطبيق عدل فالإنسان رهين بحظِّه لا غير. فإذا ظلمني أحد ومات قبل أن آخذ منه حقي أو قتلني ظلماً ولا أحد يستطيع محاكمته أو الاقتصاص منه أو إثبات الجريمة عليه فأين يذهب حقِّي وكيف آخذ بقصاصي إذا لم تكن هناك حياة أخرى يملكها حاكم وحكم عدل عادل؟
ولذلك أري أنَّ اعتقادي بالله، حتى لو كان وهماً، وهمٌ نافع لأنَّني سأجد فيه الأمن من الخوف، والعدالة بعد الظلم، والحريَّة بعد الموت، بينما يصبح اعتقاد الملاحدة وهماً ضارَّاً لأنَّهم لا يدرون ماذا يفعلون عندما تظلم وتضيق عليهم الدنيا بما رحُبت، فلا الخمر ينفعهم ولا العلاج النفسي يرفعهم، ولا كل فلسفة العالم ستكسر قيودهم وتُحرِّرهم من خوفهم وعجزهم. أقول هذا وأنا طبيب نفسي قضي أكثر من ثلاثين عاماً يداوي الناس ويري من عوراتهم النفسية أغواراً لا يراها الآخرون، ويكتشف بهذه المعرفة أغواراً في نفسه لم ينتبه إليها من قبل، وهو يمارس أكثر من سبعة علاجات نفسيَّة، وله خبرة بالأدوية والفلسفة، ولكنَّه لم يجد فيها كلِّها نفعاً عندما ضاقت عليه السبل، وأدرك ألا ملجأ من الله إلا إليه. وأنا أريد أن أعرف كيف يتعامل الملاحدة مع لحظات العجز الإنساني إلا بالتَّعلُّق بالأمل وماذا في معيَّتهم أن يقدِّموه بديلاً لإيماني؟

فإذا كان مرضهم ممَّا يشخِّصه الأطباء على أنَّه ميؤوس منه فكيف يتعاملون معه؟ أيقبلونه بواقعيَّة شديدة مُرَّة وحارقة مثل الواقع العلمي الصادق الذي لا يغلِّف الناس بالأوهام، ويجعلهم يتجرَّعون علقم الحياة بلا مُسكِّن للألم أو مذاق حلو يجعل الدواء أحلي مذاقاً؟
وكيف يقبل الإنسان أن يكون في كامل صحَّته وهو لم يتنعَّم بالدنيا التي فتحت أبوابها له فيصيبه مرض عضال إذا لم يكن له أمل في حياة أفضل بعدها حتى وإن كانت وهماً؟ ألا نعطي مريض المرض الخبيث مهدئات للألم ونحن نعلم أنَّه ميت لا محالة؟ ونحن لا نعطيه أكثر من وهم إذ أنَّه تسكين لا علاج؟ وهكذا يحتاج الإنسان إلى دواء يسكِّن ألمه حتى إذا لم يجد علاجاً فإذا كان يجده في إيمان بربٍّ يعلم أنَّه سيعوِّضه أكثر مما فقد ما هي المشكلة في ذلك؟
فالاعتقاد هو الاعتقاد إذا كان بوجود غيب أو بوجود صدفة ونحن نختار منها ما نظنُّ أنَّه ينفعنا وأنا وجدت النفع في الإيمان بالله أكثر من الإيمان بالصدفة لأنَّ الأوَّل يجعل للحياة معني وهدفاً والآخر لا يلد إلا يأساً وجحيماً. فماذا في جراب الملاحدة ليعطوني له ليؤمِّن ضعفي وعجزي؟ وماذا يعطون رجلاً أمِّياً، لا يفقه في الفلسفة ولم يسمع بدارون ولا يعرف عن الجينات، من مناهج الحياة التي تساعده على السلامة والأمن والبقاء؟
وهو ما يجعلني أري أنَّ منهج الملاحدة ترف ذهني وفقر فكري يدور حول ذوات مؤيديه كأنَّ العالم مكتفٍ غذائيَّاً وصحيَّاً وتعليميَّاً يقرأون في الفلسفة والعلوم ويعيشون في مجتمعات مترفة، وهم في أغلب الحال لا يملكون غذاء يومهم، ويريد الملاحدة أن ينتزعوا منهم "وهم الإيمان" لأنَّهم مُغيَّبون عن الحقيقة، وأنَّ مُجرَّد استيقاظهم سيغيِّر حالهم. فلا علاقة علميَّة بين الإلحاد وبين العدالة الاجتماعية، ولا بين التقدم وبين الإلحاد. أما كان الأجدى بهم أن يسعوا لتغيير حال الناس الواقعي للأفضل ويحترموا قدرة الناس ووُسعهم على الاختيار حتى وإن كان مُخطئاً؟

وسنواصل إن أذن الله سبحانه وتعالي

ودمتم لأبي سلمي