بسم الله الرحمن الرحيم
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

السياق والنسق:
استخدمنا مفهومي السياق والنسق في مقالات سابقة وخطر لنا أن نعرِّفهما حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من المعني. فالسياق يعني الظروف التي يقع فيها الحدث؛ مثل أن يشرح المتَّهم للقاضي السِّياقَ الذي ارتكب فيه جريمتَه، فيقول مثلاً أنَّه ضرب القتيل لأنَّه تعدَّي عليه أوَّلاً، بأن فاجأه من الخلف في الظلام، وبهذا ينفي عن نفسه تهمة القتل العمد ويُقرُّ بالقتل الخطأ نتيجة الدفاع عن النفس، والحكم على الفعل في الظرفين مختلف.

وهو يعني أيضاً تعاقب سلسلة من الظَّاهرات في وحدة ونظام كتعاقب الظَّاهرات الفسيولوجية والسَّيكولوجيَّة والاجتماعية بحيث لا يمكن أن يحدث شيء إلا في ذلك السياق. فمثلاً إذا أسرع الإنسان في مشيه أو جري فأنفاسه تتلاحق وضربات قلبه تزيد، وإذا حدث غير ذلك فيكون ذلك مستغرباً إلا إذا قلت أنَّ الشخص عدَّاء ولذلك فضربات قلبه تنخفض إذا جري بدلاً من أن تزداد ممَّا يعطيه القدرة على الجري لمسافات طويلة مقارنة بالآخرين ولكنَّه في نفس الوقت يُعرِّضه للموت المفاجئ.

والنَّسَقُ أو النظام المُتَّبع، يعني ما كان على نظام واحد من كل شيء، وهو النظام السائد في مكان معيَّن الذي يقوم على تفكير مُنظَّم، ويكوِّن إطاراً مُتكاملاً ومترابطاً ومتناسقاً بحيث يعطي حلولاً لما يطرأ من مشاكل، وإجابات للأسئلة المطروحة والتي تكون متَّسقة مع هذا الإطار في الرسالة. وأهمّ ما في النسق هو الجزء الأخلاقي، فلا يمكن أن يطبق نسق أو مُنظَّمة بغير الأخلاق. ويشمل النسق السبب والغرض والهدف من وجوده أو وجود المنظمة.

ولا بُدَّ لكلِّ نظام أو نسق من رؤية، والرؤية هي الصورة الذهنيَّة للمستقبل توضَّح الأهداف الحالية والمستقبليَّة للنظام. ولا بدَّ له أيضاً من فلسفة، والفلسفة هي المفاهيم والتعريفات التي يُبني عليها النسق. ولا بُدَّ له من سياسة؛ والسياسة هي الوسائل والآليات لتحقيق أهداف النسق.
وإذا طبقنا هذه التعريفات على رسالة الإسلام نجد أنَّ كلّ هذا يتحقَّق ولذلك لا يمكن فهمه أو فهم ظواهره أو أحداثه من غير وضعها في سياقها التي حدثت فيه في الماضي، أو تحدث فيه بما في ذلك الظروف والظاهرات المتصلة بها والمتحكَّمة فيها أو المتفاعلة معها.
ولتوضيح ذلك مثلاً إذا قلت إني أشعر بالذنب لأنِّي أفطرت، فلا يمكن فهم سبب الشعور بالذنب إلا إذا وضعته في سياقه، ولنفهم سبب الشعور بالذنب فمثلاً تقول لأنِّي أفطرت في رمضان، أو تقول لأنَّي قرَّرت أن أتَّبع نظام غذاء جديد لينقص وزني. وتري من المثالين أنَّ ما يتبع الإفطار في الحالتين مختلف، فالأوَّل يلزم الإحساس بالذنب والتوبة والكفَّارة، والثاني أمر خاص لا يلزم الإحساس بالذنب ولا التَّوبة أو الكفارة ولذلك فسبب الشعور بالذنب لا يتَّسق مع الكلام ويتطلَّب إضافة أخرى للسياق.

فإذا قلت إنَّي أفطرت بأمر الطبيب في رمضان لأنٍّي مريض ولكنِّي مع ذلك أُحسِّ بالذنب لأنَّني تعوَّدت الصيام فذلك يوضِّح السبب ولكن تبعة الفعل تختلف مرَّة أخري لتغيُّر السياق وسيختلف معك الناس ويقولون مثلاً لا داعي للشعور بالذنب لأن عندك رخصة. أمَّا إذا قلت أنا وعدت الطبيب وزوجتي أو زوجي أن أشرب كوب حليب فقط في الصباح لأنَّ حالتي الصحيَّة في خطر، فعند ذلك سنفهم سبب الإحساس بالذنب لأنَّك أخلفت وعداً وأهملت في صحَّتك.
هذا هو تأثير السياق على فهم الفعل أو الحدث ولكن للنَّسق تأثير آخر.

فإذا كنت تعيش مثلاً في مجتمع إسلامي وأنت مسلم فمجموع المفاهيم ونوع العقيدة تُحدِّد طريقة تفكيرك، فمثلاً في مجتمع مسيحي يقوم البعض بالصوم أيضاً ولكن صومهم لا يشمل الماء أو الخضروات ولكن ذلك يختلف عند المسلمين إذ يعتبرون ذلك إفطاراً، ولذلك لن يفهم مسيحييٌّ سبب إحساسك بالذنب إذا قلت أنَّك أفطرت من صيامك عندما شربت ماءً إلا إذا كان يفهم نسق صيام المسلمين.

إذن النظام السائد، والذي يقوم على أفكار مُعيَّنة، يؤثِّر أيضاً في فهم الحدث أو الحكم عليه. فإذا قلت إنَّ نظام هذا البلد يحفظ حقوق الإنسان فهذا هو النسق، وعليه فتتوقَّع أن تُصان حقوق الإنسان، وإذا حدث تعدِّي على حقوق أحد فهذا يُعتبر شيئاً مُستهجناً وغريباً على مثل هذا البلد في سياقه، وللفعل تبعات، والعكس هو الصحيح في بلد نظام حكمه شمولي.

هذا التوضيح مُهمٌّ لفهم ما حدث في أوروبا من معارك فكريَّة وتغيير في العقائد، وقد قمنا من قبل بفذلكة تاريخية لنضع السياق العالمي للعقائد عندما ظهرت رسالة الإسلام، وقلنا إنَّ الجدال المستمر بين المؤمنين والملحدين، منذ بدء الخليقة، حول وجود الله هو جدال قديم يلبس ثوباً جديداً في كلِّ مرَّة بحُجج مماثلة أو مُغايرة، حسب العصر الذي يعيش فيه النَّاس، ونوع الرسالة السماويَّة المطروحة للنَّاس. والطريف في الأمر أنَّ الإنسان دائما يحتجُّ بما عنده من علم وسيقول ملاحدة المستقبل أنَّهم أعلم منَّا وستستمر الدورة إلى الأبد فكلُّ قرن بما لديه فرح.

فاليوم مثلاً لا يؤمن، إلا القليل، في سلالة الآلهة، أو أن يكون الإنسان إلهاً وحيداً. ففرعون والنمرود، لعنهما الله، كان الناس يؤمنون أنَّهم آلهة في زمانهم، واليوم النَّاس يؤمنون أنَّ عيسى بن مريم عليه السلام إله أو ابن الله تعالي الله علوَّاً كبيرا.

وسنجد على مرِّ العصور أنَّ حُجَّة الملحدين الرئيسة هي أنَّ ما لا يُري لا يوجد ولا يمكن تصديق وجوده. ولهم حُججٌ أخري منها سوء استخدام الدِّين لاستغلال الإنسان وهضم حقوقه باسم إله لا يوجد، أو عداوة الدين للعلم، أو تضارب حقائق الدين مع حقائق العلم، وبعض القضايا الفلسفيَّة الأخرى مثل وجود الشرِّ في العالم والذي، في نظرهم، يناقض خيريَّة وقدرة الله.

ونحن نعرف أنَّ هنالك مصدرين للمعرفة وهما ما جاء به الأنبياء وما اخترعه الناس، وللبشر كامل الحريَّة في أن يُحكِّموا عقولهم ويميلوا لما يرونه أكثر احتمالاً وأقوي حُجَّة في سياق وجودهم ونسق الأفكار التي يدرسونها، فيؤمنوا بما يشاءون، علماً وضعيَّاً أو علماً غيبيَّاً، ولو أنَّ الغيب كُشف للناس لما كان هناك داعٍ للإيمان أصلاً.

ولكن رغم كلَّ الحُجج الأخرى فإنَّ عدم مشاهدة الغيب هو جوهر المذهب المادِّي؛ بمعني أنَّ ما لا يمكن التَّحقُّق التَّام من وجوده فلا يُوجد، ومن العبث الإيمان بشيء لا تنطبق عليه القوانين والتجارب العلميَّة، وأنَّ ما لا نفهم حقائقه يرجع أصلاً لجهلنا بطبيعته العلمية لا غير، وسيأتي اليوم الذي سنفهم فيه حقائقه بوضوح عن طريق العلم بدون حاجة لتفسير غيبي.

ولذلك فالملاحدة يقولون أنَّ الإيمان ينبغي أن يكون بحقائق العلم فقط، وهي تشمل الحقائق العينيَّة التي يمكن استخدامها لتفسير الأشياء التي تبدو أو قد بدت غامضة وخفيَّة للنَّاس في الحاضر أو في الماضي، فنسبها الناس لإله لا يوجد، وذلك نتيجة جهلهم بحقائق العلم التي اكتشفها الإنسان؛ خاصَّة في خلال القرنين السابقين.

وهو يعني أنَّه لم تعد هناك حاجة للناس في وجود إله، لأنَّ طبيعة الطبيعة تفسير كافٍ لحقائق الأشياء إذ يوجد فيها التفسير العلمي المناسب لما حولنا، وما علينا إلا الاجتهاد لمعرفة الأسباب التي لا تزال خافية، كما فعلنا في السنوات الأخيرة، وعليه فيجب استبدال الإيمان بالله بالإيمان بالعلم والمنطق فهذا هو عصر العقل مقارنة بعصور الظلام والجهل والإيمان بالغيب. ويقولون أيضاً أنَّ المسألة هي مسألة وقت فقط لا غير، هذا إذا اتَّبعنا المنهج العلمي الصحيح، حتى نعرف حقائق الأشياء بوضوح كافٍ لا يحتاج الإنسان بعدها للإيمان بشيء غيبي لا وجود له ولا لزوم لوجوده.

وهذا يعني أنَّ الإيمان بالغيب، في وجهة نظر الملحدين، هو في حقيقته إفلاس معرفي وإعلان للعجز والجهل من جانب الإنسان، وإقرار بعدم القدرة على تحمُّل تبعات الجهل باللجوء للبحث عن أسباب سهلة تُفسِّر عجزه وتعينه على تحمُّل الحياة مثل وجود إله، مع أنَّ ذلك هو وهم وأمل زائف.
فالحياة قاسية وهي لا تصلح إلا للأقوى وهي جهنَّم الإنسان الحقيقيَّة، ولذلك يجب رفع وعي هذا الإنسان الجاهل والغافل وتنويره ليري حقائق الأشياء كما هي، من دون أوهام وأساطير غيبيَّة يستخدمها البعض لاستغلال البعض، وتُسبِّب الشقاق والحروب والتَّخلُّف والتَّعدِّي على حقوق الإنسان باستخدام سلطة الدين، حتى يتحرَّر من عبوديَّة الجهل والظلام والاستغلال إلى فضاء العلم والنور، ويصنع جنَّته الحقيقيَّة وليست المُتوهَّمة، لينهض، باستخدام العقل، من قاع التَّخلُّف إلى آفاق النهضة، ويرقي، باستخدام العلم، لقمم الحضارة.

هذا يعني أنَّ هناك أربع مراحل يمرُّ بها الإنسان في الانتقال من جهنَّم الجهل إلى جنَّة العلم وهي: الظلام، النهضة، التَّنوير والحضارة وعليه فقد سمَّي أهل أوروبا، حيث نبعت هذه المفاهيم جرَّاء معاناتهم مع تعاليم وسلوك الكنيسة القمعي والمُستغل والمُعادي للعلم، أربعة عصور هي العصور المظلمة، وعصر النَّهضة وعصر التَّنوير أو عصر العقل ثمَّ عصر العلم أو الحضارة.

ولهذا فهذا الفريق يؤمن، مُخالفة للمؤمنين بالغيب، بأنَّ الكون هو الأزليٌّ، وأنَّه قد جاء نتيجة سلسلة من الصُدف، وهذا يعني أنَّه دائم الوجود ما دام ليس له بداية فهذا يعني أن ليس له نهاية. وهو مذهب فلسفيّ يقول بأنّ العالم أزليّ لا علَّة لوجوده فهو قديم؛ أي أوجد نفسه بنفسه بلا سبب ولا تخطيط، ولكن عن طريق الصدفة المحضة، وتعاقبت فيه الصدف حتى صنعت ما فيه من مخلوقات جمادها وحيوانها، ولذا فهو تجمُّع مادَّة لم تُخلق ولا تفني.

وبما أنَّه حدث نتيجة صدفة فيكون بلا هدف، أي عبثاً يصنع الإنسان فيه أهدافه بنفسه لأنَّه ليس مُلكاً لأحد، أو هكذا ينبغي أن يكون، ويخلق معني لوجوده من طريقة حياة يرضاها لنفسه بحريَّته المُطلقة، ونوعيَّة الحياة التي يعيشها، وهي مسئوليته المباشرة لا دخل للغيبيات فيها مثل الشياطين والملائكة، فيجب عليه لذلك مقاومة ظلام الجهل والاستعباد والاستغلال، والثورة عليهم، والتحرُّر منهم، وذلك بعد فهم عوامل التَّغيير، وإدراك أسباب التَّخلُّف، ورفع الوعي بطريقة علميَّة مادٍّية تاريخية.

ظهور هذا المنهج المادِّي يمكن تعليله بفهم الأسباب التاريخيَّة، حسب سياق المؤمنين به ودوافعهم، وأيضاً النسق الذي ساد حين ظهوره والسائد الآن. فالزمان والمكان لهما أثر كبير في تكوُّن الأفكار والمفاهيم والعقائد كما لطبيعة الإنسان، بميوله المختلفة ودرجة وعيه وحاجاته، والتي تمثِّل النَّسق، دوراً تفاعليَّاً لبلورة هذه الأفكار كما وضَّحنا في أول هذا المقال وفي المقالات السابقة.

فقد كانت الأسباب للملحدين في الماضي تنقسم إلى منازعة الدعوة، أو المنهج الجديد، لسلطتهم الزمنية ووضعهم الاقتصادي، أو طبيعة الإنسان التي تبحث عن شيء يُري لتفكيره الاختزالي الذي يري الأشياء إمَّا بيضاء أو سوداء وذلك لضيق خياله وماعونه العقلي، وهي طبيعة سائدة في الإنسان ولذلك عمد إلى الأوثان ليعبدها، أو التَّبرُّك بالصالحين، وتؤدِّي هذه الطبيعة لنشوء التَّعصُّب الأعمى. أو أنَّ تعاليم هذه الدعوة الجديدة تعارض إشباع الشهوات والنزوات، أو لأنَّ الإنسان المعرض للدعوة الجديدة تابع لشخص أقوي منه يعيش في كنفه ويعتمد عليه.

أمَّا نشوء ظاهرة الإلحاد في عالمنا الحديث فقد قادته أوروبا وحدها، لأنَّ سياق الإنسان وظروفه تحت سلطة الكنيسة تعارضت مع حُريَّة الإنسان الفكريَّة، ومحاولاته العلميَّة، وثوراته الاجتماعيَّة، وتعارض حقائق الكتاب المقدَّس مع حقائق العلم الحديثة التي تقول إنَّ عمر العالم لا يتعدَّى خمسة آلاف سنة.
ويجب أن نفهم أنَّ الإيمان بالكتاب المُقدَّس عند المسيحيين هو مثل إيمان المسلمين بالقرآن الكريم على أنَّه الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولذلك فمجرَّد وجود حقيقة واحدة في الكتاب المُقدَّس تتعارض مع حقيقة علميَّة واحدة تنسف مصداقيَّة الكتاب المقدَّس من أساسها، ويمكن الاستنتاج من ذلك أنَّ إنساناً كتبه واستغلَّه لاستغلال الناس ممَّا ينفي وجود إله عالم وقادر، لأنَّ معني هذا أنَّ الشخص الذي ألَّفه كذَّاب ولم يبعثه إله للناس، ولو كان هذا الإله موجوداً وكتب هذا الشخص الكتاب المُقدَّس فيجب عليه إذاً أن يتدخَّل ليعاقب هذا الإنسان الكذَّاب أو أن يوضِّح للناس أنَّ الكتاب ليس منه ويرسل لهم الكتاب الصحيح.

هذا الفهم تمَّ في سياق أنَّ إله المسيحيين مختلف عن الآلهة الأخرى للأمم، وأنَّها جميعاً أممٌ وثنيَّة أو تعبد إلهاً آخر لا علاقة له بإلههم. وممَّا زاد الأمر خبالاً اختلاف الكنيسة التَّاريخي عن طبيعة الألوهيَّة بتشبيهه بالبشر على أنَّه حقود ويحبُّ الانتقام، وتبنِّي عقيدة التثليث التي أضيفت لاحقاً بعد أن حُورب من تكلَّم بالوحدانيَّة وكان السبب الذي أدَّي لحروب بين الكنيسة الشرقيَّة والغربيَّة، وإلى اختلافات لاهوتيَّة عظيمة فقد الكثير من الناس حياتهم بتهمة الزندقة لمجرَّد إظهار اختلاف بسيط، فقد كانت مساحة حُلْمَ الكنيسة ضيِّقاً جدَّاً وكان اتِّهام الآخرين بالسحر والشعوذة سهلاً ومنتشراً.

وأيضاً أدَّى تغبيش الوعي الذي قامت به الكنيسة ضدَّ دين الإسلام، والذي فارقت فيه الموضوعيَّة، إلى عزوف الإنسان الأوروبي عن التَّعرُّف على مفاهيمه وطبيعة عقيدته، فقد صوَّرته على أنَّه دين جديد تماماً لا يمتُّ لأديانهم بعلاقة روحيَّة أو عقائديَّة، وخبَّأت محتوي كتبهم المقدسة عنه أو حرَّفتها، وصوَّرت المصطفى صلَّى الله عليه وسلَّم كشخص كذَّاب ادَّعي النبوَّة واستخدم السيف لنشر دعوته مخالفة لتعاليم سيدنا عيسى بن مريم عليه السلام التي تدعو للسلام.

وقد كان العداء لدين الإسلام في أوروبا من ثلاث جهات في أوَّل الأمر أولاهما اليهوديَّة، ثمَّ المسيحيَّة وثالثتهما الوثنيَّة قبل أن تصبح أوروبا مسيحيَّة ولكن لم يكن دور الوثنيَّة مُفعَّلاً لمقاومتهم الطبيعيَّة لكلِّ أنواع الرسالات السماويَّة.

ولكن مسئوليَّة التَّقصير الكبرى لم تكن تقع على الكنيسة المسيحيَّة، بالرغم من مساهمتها في طمس الحقائق، وسلوكها الفظِّ والذي أدَّي إلى حالة اغتراب نفسي ووجودي للمفكِّرين من أبناء وبنات أوروبا، وإنَّما على المفكرين المسلمين الذين بهرتهم الفلسفة الإغريقيَّة فغرفوا من معينها بدلاً من يغرفوا من معين الإسلام أو الذين أظهروا أصالة فكريَّة مثل الكندي والعامري ضاعت كتبهم أو لم تُترجم إلى يومنا هذا.
ويقع اللوم أيضاً على المفكرين الأوربيين أنفسهم الذين، ما عدا قلَّة منهم، لم يُكلِّفوا أنفسهم باستكشاف آفاق المعرفة المُتاحة عالميَّاً، ومنها دين الإسلام، فيقارنوا موقفه من العلم بموقف كنيستهم، أو يتعرَّفوا على ما حدث من تطوُّر علمي أثناء حضارته، فهي كانت في بلادهم في الأندلس وكانوا يقرأون كتبها ويتكلَّمون لغتها.

فقد انقسم العلماء في أوربا إلى فرق منذ عصر التنوير فمنهم من ظلَّ مسيحيَّاً ملتزماً بالكنيسة، ومنهم من ظلَّ ملتزماً بتعاليم الديانة المسيحيَّة وتخلَّي عن سلطة الكنيسة. ومنهم من ظلَّ مؤمناً بالله ولكنَّه تخلَّي عن الكنيسة وعن تعاليم المسيحيَّة، ومنهم من غيَّر ديانته لفرقة أخرى من المسيحيَّة، أو لليهوديَّة أو للبوذيَّة، ومنهم من أعلن حياده لأنَّه لا يدري أو لأنَّ في رأيه حُجَّة المؤمنين تساوي حُجَّة الملحدين، ومنهم أعلن إلحاده. وقد ظهرت مجموعة جديدة في عام 1984 سمَّت نفسها "بحر الإيمان"، بعد أن قدَّم "دون كيوبيت" أستاذ الفلسفة واللاهوت وعميد كلية إيمانويل بجامعة كمبردج حلقات تلفزيونيَّة تحت هذا الاسم قال فيه إنَّ الدين صناعة بشريَّة نتيجة إبداع إنساني مثل بقيَّة الإبداع الإنساني كالشعر والمسرح ولذلك فهو غير غيبي وليس هو الحقيقة، ولذلك فقيمته تنبع من هذا الثراء الإنساني وليس لأنَّ هناك إله خلق العالم أو أنَّ على الإنسان أن يؤمن بالله ليصير مسيحيَّاً أو مسلماً أو يهوديَّاً فهو كإنسان له الحق والحريَّة أن يتبع الكنيسة ويقوم بكلِّ الشعائر ويتعامل معها كثقافة، مثل الذي يذهب ليري مسرحيَّة لوليام شكسبير، وفي نفس الوقت لا يؤمن بالله.

وقد قامت جماعة "بحر الإيمان" باستبيان فقال 43% أنَّهم يؤمنون بالله، وقال 67% من نفس الناس أنهم يعتبرون أنفسهم مسيحيين، وقال76% من نفس المجموعة أنَّهم يؤمنون بالآخرة! فتأمَّل بالله عليك هذا الخلط الفكري فكيف تكون مسيحيَّاً وأنت لا تؤمن بالله والمسيحية تقول إنَّ المسيح ابن الله وكيف تؤمن بالآخرة وأنت لا تؤمن بالله فمن هذا الذي سيبعث الناس بعد موتها؟

ورغم هذه الفرق فقد علا صوت الملحدين وصارت لهم شوكة إذ كانت الاكتشافات العلميَّة والأطروحات الفكريَّة تُضعف دور الكنيسة الروحي والعلمي، وتنهال عليها بمطارقها لتثبت أنَّ تعاليمها مجموعة أساطير وليست المصدر الوحيد للعلم الشامل، وأنَّ طرحها الفكري، الذي يعتمد على الإيمان الأعمى، لا يتدخَّل العقل في فهمه ولا يحثَّ كتابهم المقدَّس على استخدامه أو استخدام التفكير العلمي.
وبناء على ضعف موقف الكنيسة الفكري فقد أعلن الفيلسوف العقلاني الملحد نيتشة موت الله، تعالي الله علوَّاً كبيراً، وأعلن الفيلسوف الإنجليزي "بيرنارد رسل" أنَّ الكتاب المقدَّس مجرَّد روايات أسطوريَّة وليست تاريخاً حقيقيَّاً لأنَّ علم الآثار لم يثبت وجود أدلَّة تثبت حقيقته وبذلك أعلن أنَّ الدين إنتاج بشري وليس هناك إله حقيقي.

ونجد أنَّ السياق والنسق تدخَّلا مرَّة أخرى في منهج تفكير المفكِّرين فالوضع السائد حينها كان يُكفِّر ويقتل من يجادل في جزئية بسيطة من عقائد اللاهوت المسيحية فما بالك لو أنَّهم تكلموا عن الإسلام أو اعتنقوه. فالشجاعة الفكرية لا يمكن أن تتم في جوٍّ قمعي يُهدِّد حياة الإنسان وأيضاً التعلُّق النفسي بدين وطريقة عيش الآباء، وإن كنت تخالفها، لن تسمح لك بطريقة لا واعية أن تؤمن بدين بديل ولكن قد تسمح لك برفض مفهوم الإله من أصله لأنَّه لا يمثِّل عدوَّاً معروفاً له جيش يمثِّل تهديداً لطريقة حياتهم. وهذا يوضِّح ثورة الغرب على النظرية الشيوعيَّة التي تُهدِّد طريقة الحياة الرأسماليَّة وعندما صارت لها دولة وقوَّة حاربتها بكلِّ الطرق الممكنة.

والحياة عموماً لا تحتمل الفجوات، فإذا ما ظهر للناس جليَّاً فساد الكنيسة، وزواجها المُحرَّم بالسلطة لاستغلال النَّاس بخدمة الدين للسياسة، بدلاً من خدمة السياسة للدين، وهو الديدن الذي جاء الإسلام لتغييره، وقد فعل ذلك حتى نهاية عهد الخلفاء الراشدين، وقد كان المثال الوحيد في تاريخ البشريَّة، ولم يكن تحت يد الكنيسة تفسير آخر تقدمه، أو ثورة أخري عقائدية تصحيحيَّة، أو دين بديل يقدِّم الأجوبة الشافية على الأسئلة المطروحة، والتي تتماشي مع روح العصر العلمي ولا تعارضه، فإنَّ العلم في سياقٍ كهذا، يبدو بديلاً مناسباً للدين، خاصَّة وآثار الثورة العلمية والفكرية بدأت تثمر ويستفيد منها الناس
وقد تزامن ظهور تشارلس دارون بنظريَّته العلمية للتطوُّر والنشوء، مع الثورة الصناعيَّة والعلميَّة والفكريَّة، فتبنَّاها الملحدون بديلاً للإيمان بإله خلق العالم بالطريقة التي يؤمن بها الكتاب المقدَّس، إذ أنها فضحت فساد الأفكار العلمية فيه. وكما قلنا من قبل أنَّ ظهور كارل ماركس، والذي قدَّم التفسير الفلسفي للظلم الاجتماعي بطريقة علميَّة فضحت دور الكنيسة المنافق في مساندتها للسلطة الزمانية، ملوكاً أو إقطاعيين، في استغلال الناس، مع ظهور الفجوة الفكرية والاكتشافات العلمية، خلقت الخميرة المناسبة لأفكار الملحدين لتظهر وتسود الساحة.

ومن يقرأ مذكرات تشارلس دارون يري أنَّه في بداية رحلاته أصابته حالة انبهار إيمانيَّة وهو يتأمَّل الغابات وشدهه دقَّة تفاصيل واعتبرها دليلاً على وجود خالق ذو قدرة مطلقة ولكن إيمانه اهتزَّ لسببين: الأوَّل هو موت ابنته الذي لم يجد له تفسيراً إيمانياً يقنعه إذ أنَّه لا يوجد في الدين المسيحي تفاصيل غيبيَّة مثل جمع الأطفال مع أهلهم في الجنَّة، وأنَّ الصبر على فقدهم في الدنيا من موجبات دخول الجنة، وأنَّ أكثر الناس ابتلاء في الدنيا هم الصالحون لامتحان درجة إيمانهم ورفع درجاتهم في الجنة، والسبب الثاني كان فقر الكنيسة الفكري والعلمي وموقفها المُعادي من اكتشافاته العلميَّة. وهو حجَّة وجود الشر في العالم تتعارض مع وجود إله رحيم وموت طفل ليس له ذنب ولم يعش حياته لا يمكن تفسيره ولا قبوله على أنَّه عمل رحيم خيِّر.

في مثل هذا السياق يمكن للدارس أن يفهم لماذا صارت أوروبا والحضارة الغربيَّة إلى ما صارت إليه، فهي بنقدها التَّاريخي الفكري والعلمي لممارسة الكنيسة وتطوُّر المفاهيم الدينيَّة وآثارها على مجتمعهم، قد حرَّرت نفسها من سلطة هيئة تواطأت مع السيف، الذي مثَّله ملوك أوروبا، لاستمرار عبوديَّة الإنسان للكنيسة روحيَّاً وللملك ماديَّاً، ومن ثَمَّ استغلاله كأبشع استغلال ممكن لاستمرار الوضع على ما هو عليه من طبقات السادة والعبيد. ويمكن للدارس أن يري كيف أنَّ تلك الثورة على الوضع القائم حينها كانت ثورة مطلوبة ومُهمَّة، ولو كُنَّا نعيش ذلك الظرف لربما شاركنا فيها، وأنا أعرف في نفسي تمرُّدها وضيقها بأيِّ نوع للاستغلال أو الظلم، لتصحيح لوضع مريض يعارض الحياة وكرامة الإنسان.

ولربما كان تفكيرنا عن الدين، بما هو متاح لنا من معرفة وظرف مكاني وزماني، ووعينا لما يعانيه الإنسان من ظلم باسم الدِّين، سيكون مماثلاً أو شبيهاً به، أو واقعاً في دائرته حتى ولو برفض جزء من العقيدة. ولربما بعد عصور من الحَجْر على التفكير، ورفض لحقائق العلم، واستعباد للبشر باستخدام الدين، كنَّا سننبهر بما حقَّقه العلم وننبهر بمقدرات الإنسان العقلية وأفكاره الجديدة التي لم تجد مُعارضة فكريَّة حقيقيَّة وجادَّة من الكنيسة، وإنَّما واجهت تنديداً وإدانة. وسبب هجوم الكنيسة على العلم هو أنَّ الكتاب المقدَّس وعلم اللاهوت المنبثق منه لا تُوجد فيه حُجَّة بيِّنة ومقنعة لمن يريد التَّفكير بحريَّة ليصل لقناعته الخاصَّة، فلم يكن فيه مبدأ لا إكراه في الدين.

ولذلك فقد كان ديدن الكنيسة قمع الثورات، خاصَّة الفكريَّة منها، لأنَّها تحرص على دين التقليد وليس على دين الاختيار، وأيضاً تقوم على مبدأ الإنابة في التفكير عن الآخرين والتَّقرير لهم عكس ما يقول به الإسلام: " عنِ ابنِ مسعودٍ أنَّهُ قالَ: اغدُ عالمًا أو متعلِّمًا ولا تَكوننَّ إمَّعةً".
هذا الاحتكار الكنسي للمعرفة كان هو المصدر الوحيد للكنيسة لتظلَّ مصدر قوَّة مطلقة، لأنَّ الكتاب المقدَّس كان يقرأه القساوسة الذين يتكلَّمون اللاتينيَّة والإغريقيَّة أو العبريَّة، حتى إنَّ "وليام تندل"، الذي كان أوَّل من ترجمه للغة الإنجليزيَّة، والذي بدأ ترجمته في القرن السادس عشر الميلادي، قُوبل بعاصفة عنيفة من الكنيسة رمته فيها وكتابة المُترجم بالزندقة، ونزعت عنه رتبته الدينيَّة، وأحرقت كلَّ النُّسخ التي طبعها، ما عدا نسخة واحدة دسَّها رجل، ثمَّ أعدمته بخنقه وإحراقه بالنار أمام الجماهير.

وفي ذلك الوقت كانت دولة المسلمين في الأندلس قد سقطت قبل أربع وأربعين سنة وخلَّفت وراءها آلاف المؤلفات في كلِّ فروع المعرفة، والكثير منها ألَّفه من كان في طبقة العبيد الذين نالوا حُرِّيتهم، وارتفعت مكانتهم بما حازوه من علم، وكان القرآن الكريم ملك لكلِّ مسلم، ويحفظه الملايين منهم وبنفس لغته التي نزل بها. لا غرو أنَّ الوضع التاريخي للأوروبيين كان مزرياً، ففي حين كان الأطباء المسلمين، رجالاً ونساءً، يستخدمون التخدير والتعقيم قبل الجراحة، والأطفال يعيشون في مدنٍ نظيفة فيها الماء النظيف والصرف الصحي، ويدرسون في مدارسها، كان أطفال الإنجليز في لندن يعيشون في أكواخ خشبيَّة قذرة، ويشربون من النهر مباشرة ويموتون من الطاعون في الثلث الأخير من القرن السابع عشر.

ونجد أنَّ الملحدين من المسلمين المُقلِّدين من أمثال الدكتور محمد أحمد محمود، برغم تاريخ المسلمين العلمي وجوهر دين الإسلام المشرق، قبل أن يُستخدم مطيَّة لتثبيت الملك فيستعبد الناس بعد أن جاء لتحرير البشر من عبوديَّة البشر، لم يقلِّدوا دين آبائهم بغير علمٍ ولا فهم فقط، وإنَّما قلَّدوا أهل أوروبا بنفس درجة الجهل بحضارتها وواقعها، فحاولوا تطبيق سياق ديانات أوروبا وممارساتها على سياق المسلمين ممَّا هو يفضح عدم تمكَّنهم من الأدوات العلميَّة البحثيَّة، أو من فهمها.

وقد كان في استطاعتهم دراسة نصِّ القرآن الكريم دراسة علميَّة مُحايدة وفصل الإسلام عن ممارسة المسلمين باستخدام ما يرونه من أدوات بحثيَّة ليصلوا للحقيقة، ولكنَّهم خلصوا إلى نتائجهم قبل إجراء البحث، وطفقوا يبحثون عن البرهان الذي يسندها فعمدوا إلى تتبُّع ما ظنُّوه عيوباً أخلاقيَّة في الممارسة منذ زمن الرسول وأخرجوا ذلك من سياقه التاريخي. وقد كان بوسعهم أن يقفوا على أهرامات عالية من المعرفة العلميَّة التي ابتدعها علماء المسلمين، ويكونوا قدوة للعالم ونوراً يُحتذى، بعد أن ينقِّبوا في نصوص التراث وتنقيتها من شوائب فهم من سبقهم، وربطها بسياقها الجديد، وهو الذي عناه المصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم: "يَبعثُ اللَّهُ على رأسِ كلِّ مائةٍ مَن يجدِّدُ لهذهِ الأُمَّةِ أمرَ دينِها"، ولكنَّهم اختاروا أن يكونوا حُرَّاساً أقزاماً لمعابد غيرهم من الوثنيَّة الجديدة يعيشون في الظل يُعجبون بكهنتها يردِّدون أقوالهم، ويعبدون إله العقل ويتبتَّلون إليه باسم الحداثة والتقدُّم.

بل ويستنتجون من تخلُّف المسلمين هو تمسَّكهم بدينهم، وغابت عن أفهامهم أنَّ استغلال الدين لخدمة السياسة منذ العهد الأموي هو الذي أدَّي للتخلُّف الفكري النسبي للمسلمين فانشغلوا بالعبادات على حساب المعاملات التي أوَّلها أولويَّات الإسلام من تكريم للبشر، وحفظ لحقوقه بتطبيق العدالة الاجتماعية التي لا تفرق بين حاكم ومحكوم، ولكنَّه برغم كلِّ أنواع القهر فقد سادت العقلانيَّة فيه ووجد العلم مثوي أطيب ممَّا وجده العلماء في أوروبا.

ويخلط الناس بين الدين وأمر الدين، فالدين في جوهره لا يحتاج إلى تجديد ولكن أمر الدين؛ أي فهمه وتنقيته من الشوائب والزيادات وتفجير معانيه وجعلها متسقة مع علوم العصر هو الأمر المطلوب.

والمفارقة أنَّ الملاحدة يدَّعون الاحتكام إلى العقل مثل قولهم بتطبيق المنهج العلمي التاريخي المادي لنقد دين الإسلام بتحليل خطابه بغير هالة القدسيَّة التي يكسوها له أهل الإسلام فيتعاملون مع النَّص كأيِّ نصٍّ آخر يخضع لنفس المعايير النقديَّة كما فعل أهل التنوير الأوروبي.

أو يطلبون تطبيق المنهج الأركيولوجي الحفري باستخدام أدوات البحث العلمي في دراسات مُعمَّقة لتراث المسلمين، أي مثلما يفعل عالم الآثار بتعرية الطبقات الأرضيَّة التي تراكمت ليكتشف تطوَّر الحياة البشريَّة، وهو منهج اتَّبعه الأوربيُّون في عصر التنوير تجاه الدينين اليهودي والمسيحي ليفضحوا عدم علميَّة الدينين الفكريَّة باستخدام المنطق العقلي، وأيضاً بمحاولة إثبات أنَّ "الأساطير" التي احتوتها الأديان لا دليل أثري عليها في الواقع وإنَّما هي خرافات اخترعها الناس نتيجة الجهل.
والأمر الذي غاب عنهم تماماً هو أنَّ الله سبحانه وتعالي طلب منهم فعل ذلك في كتابه الكريم:
"وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ؟"، وفي قراءة أخرى بكسر القاف في نقَّبوا أي نقِّبوا هو أمر للتنقيب أي ما يسمونه البحث الأركيولوجي الحفري، فإن كان إخباراً أنَّهم نقَّبوا ولم يجدوا مهرباً من الاعتراف بالحقيقة أو كان أمراً؛ أي نقِّبوا.

وقد قام الله سبحانه وتعالي رحمة بالناس بهدايتهم لسبل البحث العلمي من أوَّل يوم، بل واستخدم منهجاً نقد ياً تحليليَّاً لنصّ كتابه الكريم بتحليل صياغته وخطابه شكلاً ومضموناً، أُفقيَّاً لشكله بمقارنته بالنصوص الموجودة؛ إن كانت أدباً أو فلسفة أو كهانة أو ديانات، ورأسياً باستنباط واستقراء معانيه بالتعمُّق فيها وفتح مغاليقها، حتى يكتشف الناس أنَّ ما وجدوه في مقارنتهم الأفقية للنصوص الأخرى، بما فيها الكتب الدينية الأخرى، لا ينطبق عليه من خطاب غير متماسك، ونصوص لا تتماشي مع مكتسبات العلم، ممَّا يثبت علميَّة وصحَّة نصَّ القرآن الكريم وصحَّة خطابه.

فقد طلب الله سبحانه وتعالي من الناس: "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ".‬

وطلب منهم أن يأتوا بسورة مثل سوره، وبعضها لا يتجاوز الثلاث آيات، وأن يستعينوا بمن وما شاءوا ليفعلوا ذلك وتحداهم بعجزهم عن فعل ذلك أبد الدهر، وذلك ليثبت أنَّ نصَّه لا يمكن أن يكون قد كتبه بشر فلم يفعلوا ولن يفعلوا:" ‫قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً". ‬‬‬‬‬
وطلب منهم سبحانه وتعالي أيضاً تطبيق المنهج الأركيولوجي الحفري للنَّص بتحليل خطابه فقال: " ‫أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا". ‬والتدبر هو: التَّفْكِيرُ وَالتَّأَمُّلُ. ‬‬

ولنتأمَّل التعريف الاصطلاحي لتحليل الخطاب لنري أنَّه يطابق عمليَّة التدبُّر: " هو بيان أجزاء الشيء ووظيفة كل جزء فيها، ويقوم على الشرح والتفسير والتأويل والعمل على جعل النص واضحًا جليّاً. ومن هذا المنطلق يركز الناقد على اللغة والأسلوب والعلاقات المتبادلة بين الأجزاء والكل، لكي يصبح معنى النص ورمزيته واضحَين، من حيث يعتمد التلخيص لما فيها من تنظيم المعلومات بشكل منطقي، وقدرةً على فهم النص. لذا فإنّ قراءة النص على عَجَلٍ لا تعد تحليلاً، فإذا وقف القارئ على النص وقفة سريعة وفهم فيها النص وأدرك مغزاه، وقرأ ما بين السُّطور، وكان على وعي بالدلالات الاجتماعية للألفاظ، وعرف عناصر الجمال والقبح فيه، دخل في منطقة النقد والتذوق الأدبي. أما عملية التحليل الفني فإنها تحتاج إلى جهد ووقت وخبرة وبحث وتنقير"، وكما يقول الألوسي رضي الله عنه عن مفهوم التنقيب: "وشاع التنقيب في العرف بمعنى التنقير عن الشيء والبحث عن أحواله".
‬‬
والله سبحانه وتعالي يعني اتِّساق وتناسق نصوص القرآن في شكلها ومحتواها، وفي قصصها وفي شرائعها وفي منهجها، فقد قام سبحانه وتعالي بنقد نصوص الكتب السماويَّة الأخرى ونظَّفها من المفاهيم المُضافة والمحرَّفة، ونقَّي الرسالة لمستواها الأوَّل وسمَّي هذا النقد بعمليَّة التطهير: "‫رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً، فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ‬"، ومُطهَّرة تعني: مُنزّهة عن الباطل والشّبهات، والتطهير لا يكون إلا من القذارة التي سمَّاها الله سبحانه وتعالي الرجس:‬‬
" ‫إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا"‬، والرجس هو الشيء القذر والدنيء والقبيح. فالمولي عزَّ وجلَّ طهَّر الكتب السماويَّة السابقة التي سمَّاها بالكتب القيِّمة وتعني المُسْتَقِيمَةٌ التي تُبَيِّنُ الحَقَّ مِنَ البَاطِلِ وهذا هو التنقيب. ‬‬
وطوَّر الله سبحانه وتعالي مضمون الكتب القيِّمة، بعد أن طهَّرها من الشوائب الإنسانية، لتناسب البشر قاطبة بعد أن كانت موجَّهة لشعوب بعينها مثل اليهود، لأنَّ القرآن الرسالة الخاتمة للبشريَّة حتى يوم البعث: " ‫وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ‬". ‬‬‬‬
وهذا ديدن الرسل من قبل المصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم ويشهد بذلك قول سيدنا عيسى بن مريم عليه السلام:
" لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ"، والناموس هو القانون أو الشريعة ولذلك فقد أزال بعض المفاهيم القديمة التي شابتها الماديَّة وأتي بأخرى تطغي عليها الروحانيَّة:
"سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: تُحِبُّ قَرِيبَكَ وَتُبْغِضُ عَدُوَّكَ.
وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ".

بل وطاف الله سبحانه وتعالي في القرآن الكريم على كلِّ حُجج الأديان الأخرى مُفنِّداً وواضعاً بذلك أسس علم مقارنة الأديان، التي سار علماء المسلمين على نهجها فألَّفوا من المراجع مثل "الملل والنحل" لأبي الفتح الشهرستاني، و"كتاب الإعلام بمناقب الإسلام" للفيلسوف العربي أبي الحسن العامري وكتاب الفتوحات المكيَّة لمحي الدين بن عربي.

ولذلك فقد غاب عن هؤلاء المنقِّبين من مُقلِّدي المسلمين أنَّ أوَّل كتاب دعا لاستخدام العقليَّة وقارن الأديان بطريقة علميَّة عقليَّة كان هو القرآن الكريم، وأنَّ أوَّل كتاب دعا لتتبُّع آثار الأمم السابقة لاكتشاف صحَّة الحقائق العلميَّة فيه كان القرآن الكريم، وأنَّ أوَّل كتاب عرَّي طبقات التاريخ ونقَّاها من الأساطير والشعوذة كان هو القرآن الكريم، وأنَّ ما ذكره القرآن الكريم من معجزات كانت حقيقة تفهم في سياق أنَّ للكون خالق مالك له ليس كمثله شيء يفعل فيه ما يشاء.

وهذه هي قضيَّة الإيمان إذ لا يمكن لملحد أن يثبت علميَّاً أنَّ المعجزات لم تحدث، ولا يمكن لمؤمن في زماننا هذا أن يثبت أنَّها حدثت، ولذلك فلا قيمة كبيرة للمعجزات السابقة ليحتجَّ بها الناس الآن إذ أنَّها كانت في سياق زمانها لتؤدِّي غرضاً مُعيَّناً، ولكن يمكن للمسلم أن يثبت أنَّ القرآن الكريم مُعجز في شكله وفي مضمونه، وما يهمُّ هو إخضاع القرآن الكريم لكلِّ وسائل البحث العلمي المحايد وبناء على نتائج البحث تقرير ما إذا كان هذا القرآن يمكن أن يؤلفه بشر أم لا؟ فإن احتجَّ إنسان بأنَّه تأليف بشر فعليه أن يستجيب للتحدِّي ويأتي بسورة من مثله وإن عجز عن ذلك فالنتيجة أنَّ هذا الكتاب جاء من قوَّة أكبر من البشر ولذلك فوجود هذه القوَّة مثبت منطقيَّاً وفعليَّاً بوجود أثره؛ وهو القرآن الكريم، تماماً كما الدكتور محمد أحمد محمود أنَّه نتيجة سلالة من البشر وهو لم ير جدَّه الخامس ولا يستطيع أن ينكر وجوده.

ونقول للدكتور محمد أحمد محمود كما قال سيدنا الخضر لسيدنا موسي عليهما السلام: "وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً؟


وسنواصل إن أذن الله سبحانه وتعالي

ودمتم لأبي سلمي