بسم الله الرحمن الرحيم
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

شرور أيديلوجيَّة الإلحاد:
للأيدلوجيَّة صفات مشتركة تمثِّل جوانب الإطار الذي يحتويها، والفرق الوحيد هو فقط في المحتوي، وذلك مثل أي وعاء أو كوب يحتوي شيئاً، فلا يهمُّ إن كتبت عليه اسم المحتوي أم لم تكتبه، فالكوب يظلُّ كوباً لا تتغيَّر معاييره ولا يمكن إطلاق اسم الكوب عليه إلا إذا حقَّق هذه المعايير المُعيَّنة، ويظلُّ الاختلاف في المحتوي أو الاسم الذي يُطلق عليه.
وبما أنَّنا نتناول مسألة الإلحاد فسنتَّخذ منها مثالاً للأيديولوجيَّة وسنري كيف تنطبق عليها معاييرها أو كيف تنطبق صفات الأيديولوجي مع معايير الأيديولوجيَّة.

ومعايير الأيديولوجيَّة في واقع الأمر هي صفات الأيديولوجي وليست صفات الأيديلوجيَّة، إذ أنَّها فهم للفكر من صنع الإنسان المُتلقِّي له، أو المؤمن بفهمه الخاص، أو حتَّى العام، بدون شكٍّ منهجيٍّ يجعله في حالة مراجعة دائمة وتعلُّم مستمر، وإنَّما هي إيمان أعمى بمفهوم يقاوم البراهين العقلية المُخالفة، ولذلك فالأيديولوجي هو الوعاء الذي يحمل الأيديلوجيَّة ويُمثِّلها وينشرها ويدافع عنها، وبدونه تظلُّ أفكاراً حبيسة الكتب لا صوت لها.

وفي الغالب فالأيديلوجيَّة هي صورة ناقصة أو مشوَّهة للحقيقة كلِّها، أو لوجه منها، وتنبع من حاجة نفسيَّة للذي يبتدعها أو يضيف إليها أو ينفِّذها، ولذلك فهي تتبع صفاته غالباً، ولا تكون صادقة لمحتواها، أو متَّسقة المنطق والحُجَّة في كُليَّتها، إلا عند الذي يبتدعها بصورة أكبر من الذي يتَّبعها، لأنَّ الذي يبتدعها رأي نقصاً معرفيَّاً في مجال ما فأضافه، أخطأ أو أصاب، وفعل ذلك بمرونة عقليَّة، أمَّا التَّابع فتفكيره لا يتجاوز إطار الموجود من الأفكار فيختار واحداً من بينها ويتعصَّب له بجمود وتحجُّر عقلي كبير.
ومن صفات الأيديلوجيَّة الإثبات بالنَّفي أو بالإقصاء لا بالإدراج، وهو مثل أن تبحث عن شجرة مثالية فتقف أمام أشجار كثيرة وتقول إنَّها ليست هذه، وليست هذه، وليست تلك، ولكن تفشل أن تتعرَّف عليها مباشرة بإدراج اسمها أو بوصفها، فيكون ما تبقَّي من الأشجار هي ما يمثِّل الحقيقة عندك بمنطق أنَّ ما تبقّي هو الأقرب لمثال الشجرة التي تبحث عنها، إذ أنَّك وجدت مثالباً في الأخريات. وهذا النَّمط في الاختيار يستخدم منهج اللمز وهو البحث عن العيب في الشيء وإغفال الحسنة فيه. فأنت تقول إنَّ الشجرة المثاليَّة هي الشجرة التي ليست موجودة بين هذه المجموعة من الأشجار، وإذا طلب منك النَّاس أن توصفها لهم فستقول هي التي ليست لها صفات الأشجار الأخرى. وإذا سألك الناس وكيف نصل إليها؟ فستقول: استخدموا عقلكم. فإذا ما قال لك الناس أنَّ للناس عقولاً مختلفة فكيف نعرف أيُّها أكثر عقلاً من الأخرى؟ فستقول: اتبعوا عقل الذي يستخدم المنهج العلمي.

وإذا أجابك الناس بأنَّ الكثير من الناس يستخدمون ما يسمَّي بالمنهج العلمي ولكنَّهم يصلون لنتائج مختلفة فأيُّ واحدة من النتائج نقبل وأيُّ واحدة نرفض إذ مثلاً ألبرت أينشتاين استخدم المنهج العلمي وقال إنَّ الله موجود ولكنَّه لم يؤمن بالأديان، ودارون استخدم المنهج العلمي وشكَّ في وجود الله ولكن لم ينفيه، وابن رشد كان مسلماً وأكَّد وجود الله، وكذلك إسحاق نيوتن ظلَّ مسيحيَّاً مثل لويس باستير، ورتشارد دوركن أعلن أنَّ العلم هو الإله، وهذه نتائج عقول معروف عنها العبقريَّة فأيِّ واحد منها نُصدِّق؟ هذا بافتراض أنَّ عقولنا ليست في سعة عقولهم ولذلك نريد من ينير لنا الطريق. والإنتاج العقلي كثير ومختلف فكيف نستطيع أن نحكم على أفضلها وهي تختلف في مسألة الإيمان؟


ويخفي على مثل هذا الإنسان ثلاثة أمور:
أوَّلها لربما لا يعرف معايير الشجرة المثاليَّة ولذلك لم يتعرَّف عليها عندما رآها وهذا سببه الجهل حتى وإن ادَّعي العلم وحاز الشهادات العليا، فالجهل ليس هو عدم العلم إذ ذاك ما يسمَّي بالأميَّة، وإنَّما الجهل هو المعرفة الخاطئة أو القاصرة، ولذلك فهو أصعب عند محاولة اقتلاع جذوره وتغييره بعلم نافع، فذلك يحتاج إلى مقاومة وقوَّة كالذي يتسلَّق جبلاً عالياً ووعراً ليزرع في جوانبه أو قمَّته، مقارنة بالأميَّة والتي ماعونها شاغر مثل السهل يسهل المشي فيه وزراعته.

وثانيها: لربما يكون الشخص كماليَّاً يبحث عن الكمال المطلق ولكن السياق لا يسمح بذلك، أو لا توجد شجرة مثاليَّة فهو يبحث عن وهم، فيظلُّ يعيب كلَّ الأشجار ليثبت نقصانها، وإنَّما أفيد له مثلاً أن يبحث عن أكثر الأشجار نفعاً ويبتعد عن أكثرها ضرراً، أي أنَّ المعايير التي يستخدمها مخطئة أصلاً لأنَّها تبحث عمَّا لا يوجد، وهنا الخطل يكون في شخصيَّة الإنسان وحاجته النَّفسيَّة الخاصَّة فهو يحاول أن يحقِّق حاجة نفسيَّة خاصَّة به ويغطِّيها بثوب البحث عن الحقيقة المطلقة.

وثالثها: أنَّه يعرف الشجرة المثالية ولكنَّه يتغافل عنها لأنَّها تُعارض هواه، مثل أن تريد فتاة جميلة ولكن شرطها أن تكتفي بها ولا تنظر لامرأة أخري ولكنَّك تحبُّ النساء ولا تصبر عنهنّ، أو لا تقدر على مهرها، ففي الحالتين ستبخِّسها وتجد لها عيوباً ليست بذات قيمة. وهنا السبب هو ضعف الإرادة في الإنسان الذي لا يستطيع أن يصبر على الحرمان أو لا يستطيع أن يصبر على المجهود المطلوب لتحقيق المراد.

ومثال الفرق بين الشيخ والحواري هو مثل الطَّاهي الماهر الذي يبتدع صنفاً جديداً من الطعام، وبين الزبون الذي يختار من بين الأصناف الكثيرة المعروضة في المطعم والتي من صنع الطَّاهي، وبعد أن يختار الزبون ويأكل طبقاً من الطعام يقع في هواه، فيذهب مُبشِّراً به في العالمين على أنَّه أفضل الأطعمة قاطبة. وقد يُجرِّب قبله أطباقاً مختلفة يري في مُكوِّناتها ما يوافق هواه ويقع في غرام واحدٍ منها إلى أن يُصاب بالملل منه، أو يكتشف فيه خللاً، أو يتذوَّق واحداً جديداً فيقع في هواه أيضاً، أو أن يكون كمالياً في طبعه يبحث عن كمالٍ لا يوجد فيلمز كلَّ أنواع الطعام، ولذلك لا يصبر على طعام واحد يجرِّب واحداً بعد الآخر وقد ينتهي باختيار الأدنى مثل بني إسرائيل، إذ كلُّ تغيير محمود.

والعجيب أنَّه في كلِّ مرحلة يظنُّ في اختياره كمال الفهم والعقلانيَّة، بل ويجد من الحُجج المنتقاة ما يدافع بها عن صحَّة اختياره، ويُلبس اختياره الذاتي رداء الموضوعيَّة العلميَّة والعقلانيَّة. والأعجب أنَّه في كلِّ مرَّة يُغيِّر رأيه يدَّعي أنَّه يتبع العقل والمنطق والحُجَّة القاطعة، ويظنُّ أنَّ الناس ذات ذاكرة ضعيفة، أو لا تُميِّز بين سوء وحسن اختياراته، أو التزامه بالمنهج الذي يدَّعي استخدامه، ويفعل ذلك لأنَّه يظنُّ أنَّه وحده صاحب المعرفة العميقة اليقينيَّة.

ويسعي في حياته بلا تفكُّر أو تدبُّر ليراجع نفسه ليقف فيسأل نفسه: هل إذا جاءه أحدٌ في مرحلة من مراحل حياته، وهو يؤمن وقتها بشيء مخالف لما يؤمن به الآن، وسأله أيحسب نفسه عاقلاً وعقلانيَّاً وعلميَّاً وأنَّ اختياره صحيح أم لا؟
فهل سيقول بغير ذلك حينها أو أنَّه سيقول أنَّ هذا ما وصل إليه تفكيري في هذه المرحلة فقط وأنا في رحلة بحث أتبع البرهان أينما كان ولذلك فرأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب؟ أم أنَّه كان سيدافع عن صحَّة اختياره وعلميَّة منهجه وسلامة عقله؟

وإذا سأله نفس الشخص، بعد فترة، بعد اختيار جديد: أأنت الآن أكثر عقلانيَّة من قبل أم أنَّك كما كنت في الماضي؟ فإن قال بأنَّه أكثر عقلانيَّة من قبل، فذلك إقرار بنقص سابق، ولذلك فقيمة اختياره السابق والحاضر مشكوك فيها، لأنَّ النًّقص دائم وهناك احتمال أن يزداد عقلانيَّة في المستقبل أو أن ينقص، فيُغيِّر رأيه مرَّة أخري بناءً على حالة عقله وقتها، فبأيِّ اختياراته أو عقلانيَّته سنأخذ إذن؟

هل سنأخذ بالقديم؟ أم بالحديث؟ أم باختيار المستقبل؟ ويجب أن نفترض فيه تغيير الرأي في المستقبل لطبيعة نقص العقل البشري المتغيِّر بدليل تغيير رأيه أكثر من مرَّة، والتغيير الفكري يعتمد على ما يطرأ على الإنسان من تغيير في ظروف حياته، أو في تجاربه، أو في المعارف المُكتسبة، وإلا لما كان قد غيَّر رأيه الأوَّل، وخير ما يمكن استخدامه لتوقُّع المستقبل هو ما حدث في الماضي من الشخص المسئول.

وأمَّا إن قال بأنَّ عقلانيَّته كانت مكتملة حينها، فيجب عليه أن يثبت فقط على الاختيار الأوَّل لأنَّ الثابت لا يتغيَّر، والكامل لا ينقص، ولا حُجَّة له يدافع بها عن اختياره الجديد أو المستقبلي. فالفكر يجب أن يرتكز على ثوابت الحقِّ ومعاييره ويرفض الجهل والظلم في حكمه على الأشياء.
والشيخ الشعراوي، رضي الله عنه، يقول في مثل هذا الشخص المتذبذب والمتدثِّر بالعقلانيَّة والعلم:
" فموازينهم مُختلة، وليست موازين حق ثابت، بل هي موازين هوى النفس، لكن موازين الحق لا تتبع ولا تتوقف على هوى النفس، بل هي موازين ثابتة يعدل فيها الإنسان حتى مع ألدِّ أعدائه. ولكن هؤلاء الناس تختلف انفعالاتهم باختلاف مصلحتهم، إذا أَخَذُوا رضُوا، وإذا مُنِعُوا سخِطوا لأن ميزانهم هو المصلحة الخاصة البعيدة عن كل عدل".

ولذلك فالأيديولوجي يفعل ذلك بدعوي حُجَّة منطق العقل أو العلميَّة، وهو أبعد ما يكون عنهما إذ أنَّ الذي لا مجال في عقله لشكٍّ منهجيٍّ فهو "يؤمن" بالشيء ويُقدِّس إيمانه بلا حُجَّة مُقنعة، ويراه تمام الحقيقة ولذلك فلا يمكنه أن ينظر إلى الحُجَّة المعارضة بموضوعيَّة علميَّة وإنَّما يراها هدفاً للتحطيم والنفي لا غير إذ أنَّها الباطل نفسه.

ولذلك فنجد أنَّ الطاهي يستمرُّ في البحث عن الجديد ويبتدع الجديد ولا يقف عنده لوعيه أنَّ الوعي بقيمة الشيء تعتمد على كميَّة وعمق المعرفة ولذلك فهو كالنهر في حالة صيرورة تبدو دائمة بينما مياهه تتغيَّر كلُّ ثانية فلا تتعفَّن من الركود، والزبون قنوع بما وجد يعضُّ عليه بالنواجذ، بل هو على استعداد لمغالطة الطاهي على أنَّ النوع المُعيَّن الذي أعجبه هو أفضل ما أنتج، حتى وإن اختلف معه الطاهي الذي له معرفة وخبرة أكبر. وهكذا الحياة تنقسم إلى من يصنع السلعة ومن يسوِّقها ومن يشتريها.

وهذا هو ما يُفسِّر اختلاف تفسير الأفكار وفهمها والإيمان بها وتطبيقها من مجموعة لأخري. فإذا نظرت مثلاً للنظريَّة الشيوعيَّة، أو لتعاليم الدين الإسلامي، أو لفكر البعث، أو لأفكار الإلحاد، فستجد اختلافاً كبيراً في الفهم وفي الممارسة بين المجموعات التي تتَّخذ من محتوي هذه النماذج أصلاً ومُبرِّراً لوجودها ولو كان ذلك خارج سياقها إذ يحاول من يؤمن بها أن يُحوّرها لتلائم سياقه أو يحوِّر سياقه ليلائم النظريَّة أو الاثنان معاً. وهي لا تتعدَّي أن تكون منهجاً مُختلفاً لفهم الحياة والتعامل معها أيَّاً كان المصدر يُعرض في سوق البشريَّة ولها أن تشتريه أو تتركه وعلى المرء تبعة الاختيار.

وحكاية الشيخ والحواري تنطبق على كلِّ المجموعات الأيديولوجيَّة دينيَّة كانت أو علمانيَّة مادِّيَّة فالحواري أكثر تشدُّداً وتمسُّكاً بالنَّص من الشيخ أو مبتدع النظريَّة.

ومن طرائف كارل ماركس، وهو كان ذو حسٍّ فكاهيٍّ عالٍ، أنَّه قال لابنته: "الشخص الوحيد الذي ليس ماركسيَّاً هو كارل ماركس". وهذا يوضح الفرق الرئيس بين المُفكِّر وبين الأيديولوجي فالأوَّل يستخدم الشكَّ المنهجيِّ للبحث عن الحقيقة ويظلُّ يفعل ذلك ما دام يتنفَّس ويُعدِّل ويطوِّر من أفكاره ولربما يُغيِّرها تماماً في وقت لاحق، فهو لا يأخذها بالجدِّية واليقين المُطلق لأنَّه يعرف أنَّه فهم لما يظنُّ أنَّه الحقيقة، وهو يعتمد على السياق الذي نشأ فيه وعلى النَّسق الذي نشأ عليه. بينما الحواري الأيديولوجي يلتزم حرفيَّاً بالنظريَّة، حتى لو تخلَّي عنها صاحبها، وقد يرميه بالعته إذا غيَّر رأيه.

ولذلك فالفيلسوف التحليلي الإنجليزي برتراند رسل كان يقول: "إذا كنت تظنَّ أنَّ ما كتبته مُهم، فالأجدر أن تأخذ إجازة"، وهو يعني إجازة فكرية أو إجازة ذاتيَّة من ذاتك المنتفخة بشعور الأهميَّة، لأنَّ التَّقييم الذاتي يصير هو الحكم على قيمة ما تكتبه وليس التَّقييم الموضوعي ممَّا يعني أنَّك أصبت بالعمي الفكري، أو أصابت عينك الفكرية غشاوة، فالذين يأخذون الأشياء بجدِّية قصوى لا يصيبون كبد الحقيقة وإن وضعتها أمامهم لأنَّهم لا يرونها.

ومن طرائف أسرتنا أنَّ قريبة لنا تقدَّم رجل لخطبتها فرفضت أن تعطي الموافقة قبل أن تأخذ رأي الشيخ عبدالرحيم البرعى رحمه الله، وهي صاحبة عقيدة قويَّة في صلاحه، فذهب معها أبوها إليه. وعندما عرضت أمرها عليه قال لها إنَّ "الخيرة" مع هذا الرجل، أي أنَّه مناسب ويجب أن تتزوَّجه، فقالت له ولكنَّني رأيتك في المنام وقلت لي أنَّ الخيرة ليست معه. فضحك الشيخ عبدالرحيم البرعي وقال: "يا ابنتي أنا واقف أمامك وأقول لك إنَّ الخيرة طيبة وأنت تقولين أنَّني قلت لك شيئاً مخالفاً في المنام؟". وتزوَّجت الرجل على مضض ثمَّ انفصلت منه لأنَّها كانت مقتنعة أنَّ الرؤيا أكثر صدقاً من كلام الشيخ، لأنَّه لربما لم يُرد أن يُحرج الأب أو لأيِّ سبب آخر، بينما الرؤيا في يقينها أصدق، مثل رؤيا سيدنا إبراهيم عليه السلام، لأنَّها توافق السياق والنسق الإيماني، إذ لا يعترضها حاجب من أمور الدنيا. قريبتي تخرَّجت من الجامعة وتعمل أستاذة ترفع جهل النَّشأ الذي يتطلَّع لمثالها ولكن الأيديولوجيَّة لا ترحم متعلِّماً أو أميَّاً فهي الجهل في ثوب العلم.

ومن الطرائف أيضاً أنَّ عمَّي، وهو كان يدرِّس في المدارس الثانويَّة، كان يُقدِّس الدكتور حسن الترابي غفر الله له، وكنت دائماً أعيب له ما يُسمَّي بفكر الترابي وعدم تناسق حُجَّته أو تناسق أخلاقه مع فكره وتذبذبه البيِّن. فقال لي يوماً، وقد ضاق صدره بمداعبتي: الترابي قرأ ثلاثين مليون كتاب عن الغرب فقط ولذلك فهو يعرفه أكثر منك وأنت قضيت فيه معظم حياتك. فقلت له بما أنَّنا نعرف أنَّ الترابي عبقري زمانه فلنقل بأنَّه يقرأ الكتاب في خمس دقائق، أتوافق على ذلك؟ فقال نعم. قلت له نحسب كم من الوقت قضي الترابي يقرأ ثلاثين مليون كتاب وكانت ما يقرب من الثلاثمائة سنة. فوجم لبرهة ثمَّ قال: لكن الناس قالوا ذلك. فقلت له وأين كان عقلك لمَّا سمعت هذا الكلام، إذ يبدو أنَّه في إجازة دائمة أو ألغيته تماماً.

فقال مدافعاً: طيِّب، لماذا لا تناظره؟ فقلت له: لا مانع عندي ولك أن تحدِّد الموعد وتخطره بذلك. فضحك طويلاً وقال: هذا مثل أن يقابل فريق البرازيل فريق قريتنا العزَّازي بالجزيرة، فهل من المعقول أن يهزم فريقنا البرازيل؟ وعمِّي أيضاً متعصِّب لفريق البرازيل مثل تعصّبه للترابي. فقلت له ضاحكاً: "الكرة دوَّارة كما يقولون ولا ضمان لها". وعندما تفاصل الطرفان انضمَّ عمِّي إلى جانب الحكومة وصار مستشاراً فيها ونسي شيخه العبقريِّ وجاء يطلب مباركتي لموقفه وهو ينعت الترابي بصفات لم يقلها المولي عزَّ وجلَّ عن إبليس.
فقلت له إن كنت تحسب أنَّك واقف في جانب الحقِّ فقد أخطأت، فالترابي ليس ملاكاً ولا هو بشيطان ولكنَّه بشر يخطئ ويُصيب، وأكبر خطأ ارتكبه أنَّه قزَّم أصحابه بدلاً من أن يبنيهم كما فعل المصطفى صلَّى الله عليه وسلَّم مع أصحابه، وأكبر أخطاء أصحابه أنَّهم ألغوا عقولهم وتبنُّوا عقل الترابي ليفكِّر نيابة عنهم، وهو ما لم يفعله صحابة الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم وهو الرسول المختار، وخاتم النبيين، والذي كان يأتيه الوحي من الله مباشرة، فقد كان يستشيرهم ويأخذ برأيهم وكانوا لا يتردَّدون في سؤاله. ولم يُعهد عليه أنَّه همز أو لمز أو استهزأ بواحد من أصحابه، بل عندما ارتعد الإعرابيُّ أمامه قال له: هوَّن عليك فإنِّي لست بملك، إنَّما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد في مكَّة.

لا شكَّ أنَّ الترابي كان أيديولوجياً وطاغوتيَّاً ولكن ذكاءه وحضوره الطاغي مكَّنه من أن يخفي أيديولوجيَّته تحت غطاء الفكر والتجديد وفعل ذلك بمرونة عقلية كبيرة مقارنة بأصحابه الذين افتقدوا الذكاء العاطفي والعمق المعرفي والحسَّ الأخلاقي فكانوا وما زالوا من أسوأ نماذج الأيديولوجيَّة وشرورها.

ومثل هذه المواقف تعطينا درساً مهمَّاً عن منهج المفكِّرين الأصيلين وهو أن نعامل الأفكار كأفكار لا غير قابلة للتغيير والتطوُّر، أو إن كان نصَّها غير قابل للتغيير مثل الرسالة السماوية فإنَّ فهمها قابل للتغيير والتَّطوُّر، ويجب أن نفهمها في سياقها وحسب نسقها، إذ أنَّها لا تمثِّل الحقيقة الكاملة، وحتى لو أنَّها مثَّلت الحقيقة الكاملة ففهم النَّاس لها يختلف عن جوهر حقيقتها، وهو فهم قاصر مهما بلغ من العمق والعلم فليس هناك من يعلم كلَّ شيء إلا الله، ولذلك فيتغيَّر الفهم باستمرار لتغيُّر السياق التاريخي والواقعي، وللناس الحق في قبولها أو رفضها إذ لا إكراه في الدين.

فالحسُّ الفكاهي والساخر مُهمٌّ للمفكِّر الأصيل لأنَّه يفتح أبواب التفكير خارج الصندوق، وهو مفتاح الإبداع إذ أنَّ الذي يتمسَّك بحرفيَّة الأفكار لا يمكن أن يتعدَّى حدود الأفكار ليري الجديد في الأفق، فالقديم يكفيه والمُفكِّر الأصيل لا يكفيه شيء، إذ هو في حالة تعلُّم دائم واستكشاف مستمر حتى لا تبهت ألوان أفكاره أو إحساسه بالحياة أو ارتباطه بالناس.

وحتى الرسل اتَّبعوا هذا المنهج التَّخفيفي ودعوا إلى التعامل مع المفاهيم، أيَّاً كانت، بمرونة عقليَّة ونفسيَّة وسلوكيَّة، ونحن نعرف كيف أنَّ المصطفى صلَّى الله عليه وسلَّم نصح النَّاس وحذَّرهم من التشدُّد والغلو وبمعني آخر من السلوك والأسلوب الأيديولوجي فقال:
"إنَ الدين يسر، ولا يشادَّ الدين أحد إلا غلبه، فسدِّدوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والرَّوحة وشيء من الدُّلجة".
ومعني سدِّدوا أي اهدوا الآخرين للتوفيق والصواب والإصلاح بإرشادهم بالقول السديد والحكمة، حتى لا ينفروا وبشِّروهم بحسن العاقبة لمن يستمع ويعمل بالمنهج المعروض.

وفي هذا الهدي نهي عن التَّعصُّب والغلظة، ويتَّضح ذلك أكثر في حديث آخر نهي عنه المصطفى صلَّى الله عليه وسلَّم الصحابة من التَّعصُّب للفهم الخاص للقرآن، فقد خرج على أصحابه وهم يتناظرون في القدر، ورجل يقول ألم يقل الله كذا؟ ورجل يقول: ألم يقل الله كذا؟ فغضب فقال: "إنَّما هلَكَ من كانَ قبلَكم بِهذا: ضرَبوا كتابَ اللَّهِ بعضَهُ ببعضٍ وإنَّما نزلَ كتابُ اللَّهِ يصدِّقُ بعضُهُ بعضًا فلا تُكذِّبوا بعضَهُ ببعض، فما عملتم منْهُ فقولوا وما جَهِلتم فَكِلوا إلى عالمِه".
وفي رواية أخري قال: "يا هؤلاءِ بهذا بُعِثتُم، أم بهذا أُمِرتُم؟ لا ترجِعوا بعدي كفارًا، يضربُ بعضُكم رقابَ بعض".
ٍ
وحذَّرهم قائلاً: "وإِيَّاكُمْ والغُلوَّ في الدِّينِ، فإنَّما هلكَ مَنْ كان قبلَكُمْ بالغُلوِّ في الدِّين".ِ
وفي معجم المعاني الجامع نجد هذه المعاني لكلمة الغلوُّ: غَلاَ فلانٌ في الأَمر والدِّين أي تشدَّد فيه وجاوز الحدَّ وأَفرط، وكَلاَمُهُ فِيهِ غُلُوٌّ أي فِيهِ مُبَالَغَةٌ، وتَمَيَّزَ فِكْرُهُ بِالْغُلُوِّ أي بِالتَّعَصُّبِ.
وتصديق ذلك الحديث الشريف: "ألَا هلكَ الْمُتَنَطِّعونَ، ألَا هلَكَ المتنطِّعونَ، ألَا هلكَ المتنطِّعونَ".
وتنطَّع في الشيء تعني بَالَغَ فِيهِ وَتَكَلَّفَ والمتنطِّع هو الطائش والمغرور.
وهذا تحذير واضح لاجتناب طريق الأيديلوجيَّة والتي أهمّ معاييرها هو الإيمان الأعمى بشيء ولو خالف البرهان، والتَّعصُّب لفهم خاصٍّ له ممَّا يجعل الأيديولوجي لا يري إلا أمام ما يريد أن يراه ونجد في القرآن الكريم وصفاً بديعاً لهذا السلوك: " ‫أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ؟ ‬

وإطلاقي لصفة الشرِّ على هذه الصفات لأنَّ الأيديلوجيَّة لا يمكن أن تأتي بخير أبداً؛ إن لم يكن عاجلاً فآجلاً بلا شك. وأقول لا يمكن، وأعنيها، ولا أقول من غير المحتمل، فعدم الإمكان يعني المستحيل، وعدم الاحتمال يعني إمكانيَّة الحدوث ولكن بشروط مُعيَّنة.

والسبب لوصفها بالشرِّ لأنَّ الأيديولوجي يري الحقيقة بعين واحدة، أو تكون عينه عليها غشاوة فلا يري منها إلا ما يتوهم أنَّه الحقيقة، وينتقي من الحُجج ما يوافق تفكيره ويتفِّه قيمة ما يراه مُعارضاً، ويفعل ذلك بيقينٍ عظيم لا يدخله الشكُّ أبداً، وهو غشاوة القلب، فلا يُدخل على عقله إلا ما ارتضاه قلبه، لا ما وافق البرهان، ولذلك فهو أمرٌ عاطفيٌّ بحتٌ ليس للمنطق قدم فيه.
وفي دراسة نُشرت في العام السابق استخدمت الرنين المغناطيسي لتري تأثير الحُجَّة المضادَّة على أداء مُخ الذين لهم إيمان راسخ بأفكار سياسية مُعيَّنة مُحافظة أو ليبراليَّة وجدت أنَّ المخُ يقاوم البرهان المنطقي طالما أنَّه يخالف عقيدته فيستثير مناطق معروفة في المخ تُمثِّل هويَّة المرء وهو ما يٌسمَّي بالنشاط التلقائي للمخ إذ هو يرتبط بالعاطفة وبالهويَّة التي تستخدم الجزء العاطفي من المخ.

فإذا أخذنا الدكتور محمد أحمد محمود كمثال للملحد الأيديولوجي المُتَّبع لا المبتدع وطبَّقنا عليه هذه المعايير فسنجد أنَّها تنطبق عليه كاملة. فهو لم يأت بجديد وإنَّما اتَّبع مناهج عقائديَّة موجودة فتبنَّاها ورفض بعضها ولربما يرفض عقيدة الإلحاد في يومٍ ما مع أنَّه صار مُلحداً محارباً مبادراً بتسفيه الأديان وخاصَّة دين الإسلام، ولربما كان غرضه أن يقطع على نفسه خطَّ الرجعة كما فعل من قبل، لأنَّ أفكاره مشوَّشة وهو غير متأكَّد من حقيقة اختياره، ويخشى على نفسه أن ينقلب على نفسه بعد أن جعل من نفسه نبيَّاً للإلحاد يتنبَّأ بمستقبل مشرق يقوده من على شاكلته من يزعمون أنَّهم حرَّروا أنفسهم من الوهم والأساطير بنور العلم وسلاح العقل. ولا ندري أهو قد حرَّر نفسه من الوهم أم قيَّد نفسه طواعية بقيود الوهم وصار سجينه.
فحُجَّة الإلحاد الذي يدعو ليس هو إلا، كما ذكرنا من قبل، إثباتاً بالنفي أو الإقصاء لكلِّ الفكر الآخر، على أساس أنَّ ما تبقَّي من أفكار تكون هي الحقيقة في نظر ملحد كدكتور محمد أحمد محمود، ولذلك فهو يقول للناس لا تؤمنوا بهذا أو بذلك ولكن يجب أن تؤمنوا بالعقل وبالعلم بديلاً وبما ينتجانه. ويطلب ذلك وهو يعلم أنَّه لا العلم ولا العقل كامل أو ثابت.
إذ لو أخذناه كمثال وذلك لنري ثبات علمه أو عقله، لرأينا أنَّه نشأ في بيئة مسلمة كمسلم مُقلِّد، ولكنَّه لم يجد ما يروي غليله حينها فبحث عن نهر آخر ليشرب منه فوجد الفكر الجمهوري مورداً وعبَّ منه ما شاء ثمَّ فارقه لسبب ما، وأخيراً خرج على النَّاس يبشِّر بالإلحاد ويجد فيه خلاصاً للبشريَّة. ويستخدم في بناء حُجَّته منهجاً سبقه عليه غيره في سياق ونسق مختلفين في دول مسيحيَّة سادت فيها الأيديولوجيَّة الكنسيَّة، والتي تعصَّبت لآراء لا تمتُّ للعلم ولا للعقل ولا للمنطق بصله، وهي أيديولوجيَّة متسلِّطة ومُستغلَّة ونخبويَّة ذات ثقوب فكريَّة في نموذجها كثيرة لا تقدِّم أجوبة مقنعة ولا تروي حاجات البشريَّة الجسدية والنفسية والاجتماعية والروحيَّة.
وإذا ما سألناه عن تقييمه لعقله ساعة كان مسلماً مُقلِّداً فهل كان سيُقرُّ أنَّ عقله كان ناقصاً وعلمه فقيراًً؟ فإن كان سيجيب بأنَّ عقله وعلمه كانا أبعد ما يكونا عن الكمال، فسنسأله الآن وما الذي جدَّ؟ فسيقول: إنَّ عقله وعلمه زادا كمالاً ممَّا يعني أنَّهما لا يزالان في حالة النقص واحتمال التغيُّر المستقبلي لأنَّ الكمال مستحيل، ولذلك فلا يحقُّ له التبشير بشيء قد يتغيَّر لأنَّ في ذلك مسئوليَّة أخلاقيَّة لمن سيتبعه، إذ لربما غيَّر الدكتور محمد أحمد محمود أفكاره وعقيدته مرَّة أخري في المستقبل إذا بدا له برهان جديد أو مذهباً أكثر جاذبيَّة، فيكون قد خدع شخصاً وهو يبيعه بضاعة ضارَّة بينما الأكثر نفعاً منها موجودة الآن أو ستوجد مستقبلاً.

وسنعيد نفس السؤال عن اختياره للفكر الجمهوري أكان ذلك عن عقل وعلم ووعي أم أنَّه كان رمية من غير رام؟ ونحن نعلم أيضاً أنَّه مشي على درب رجل سبقه ولم يبتدع مذهب الفكر الجمهوري. وسيلحقه نفس المنطق إن كان سيقول بأنَّه تمَّ عن عقل وعلم ووعي، فسؤالنا هل هو الآن أكثر عقلاً وعلماً ووعياً؟ وبذلك فهو معرَّض لأن يكون أكثر عقلا وعلماً ووعياً في المستقبل ممَّا سيقدح في مصداقيَّة اختياره الحالي والسابق.

وهل إذا عقله وعلمه ووعيه يخضعان لطبيعتهم المتغيِّرة فماذا بعد الإلحاد إلا الإيمان إن تغيَّر في المستقبل؟ فلماذا يبشِّر بشيء لا يضمن استمراره عليه إذ أنَّه لو كان يضمن ذلك لما اختار عن اقتناع في الماضي ودافع عن مبتدع الفكر الجمهوري؟

ولو أنَّ الأوروبيين كانوا على علم بما يحتويه دين الإسلام من علم لما ذهبوا بعيداً ولو علم تشارلس دارون أنَّ القرآن الكريم يقول:
‫"قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ "،‬ لعلم أنَّ جهده مشكور وأنَّ نتائجه ستثبت أنَّ الخلق بدأ، وإذا بدأ فذلك يعني أنَّ الكون أيضاً بدأ ممَّا يعني أنَّه غير أزلي، وهو ما يدحض حُجَّة الملحدين. وهل يمكن أن يفكِّر تشارلس دارون أنَّ ما ظنَّه تطوُّراً من قرد لإنسان إنَّما هو قد يكون عمليَّة عكسيَّة إذا قرأ:‬
" ‫وَجَعَلَ مِنْهُمْ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ‬"، أو قرأ: " ‫لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ‬، ‫ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ‬". فنظريَّته كانت افتراضاً يقوم على تصوُّر معيَّن ولم يسعفه خياله بصورة عكسيَّة لما ظنَّ، إذ أنَّ موت ابنته هزَّ إيمانه، ولم يكن لتخيَّل أنَّ الإنسان هو الذي يمكن أن يتراجع خلقيَّاً. وتحليل الجينات أثبت علاقة جينيَّة بين الإنسان والقرود والخنازير أكثر من أيّ ثلاثة مخلوقات أخري من الثديَّات.‬‬‬

وقد ظنَّ الدكتور محمد أحمد محمود أنَّ المنهج الذي تبنَّاه يعمل مثل المضاد الحيوي لا يهمُّ من اكتشفه أهو مسيحيٌّ أم مسلم أو ملحد، فهو في ظنَّه سيقوم بقتل الجراثيم التي تسبب المرض أين كان المريض في الغرب أو في الشرق، وصار مثل أرخميدس يصيح وجدتها وجدتها، يريد أن يحقن بهذا الوعي الجديد شرايين أمم المسلمين المتخلِّفة ظنَّاً أنَّه سيحرِّرها من قيود الظلام ببعث نور عهد التنوير، ليقودها إلى مدارج الحضارة حذوك النعل بالنعل كما فعلت الحضارة الغربيَّة.

والذي يدلُّ عليه بتبنِّيه لهذا المذهب، ولا أقول المنهج، إنَّما يفضح نفسه أنَّه لا يعرف حضارته ولا يفهمها ولا يعرف قيمتها أو مكان العلل فيها أو الشفاء، فهو كان مسلماً مُقلِّداً ولم يعرف شيئاً عن جوهر الإسلام ونموذجه الراقي المتكامل، مع أنَّه قضي سنوات من عمره يُدرِّس مقارنة الأديان ويبحث عمَّا يقوِّضها بدلاً عن أن يفهمها أو يفهم وظيفتها. فما أخفَّ وزنه المعرفيِّ عن الإسلام الذي لم يدرسه دراسة منهجيَّة وما أخسر ميزانه. فهو لم يستخدم نقداً تحليليَّاً وإنَّما استخدم نقضاً تفكيكيَّاً يسعي لهدم كلِّ أركان الديانات، والتي لا يري فيها إلا شرَّاً محضاً، وليس هناك شرٌّ محض حتى في منهج الشيطان نفسه إذ أنَّ له فائدة في تمييز المؤمن الحقِّ من المنافق.

ونحن نحمد للدكتور محمد أحمد محمود شجاعته الأدبيَّة في إعلانه عن إلحاده لأنَّه بذلك ينفي عن نفسه صفة النفاق وقد وعد المولي عزَّ وجلَّ بفضله وعدله أن يُعذِّب أمثاله أقلَّ من المنافقين فهم أكثر ضرراً.

لا بأس أن يؤمن الإنسان بما يريد فهذه مسئوليَّة شخصيَّة حفظها له الله والقوانين الوضعيَّة، ولكن أن تصير رسولاً لفكر معيَّن تدعو له، وتقنع به شباباً غريراً يرون في شهادات الرسول ومنطقه الحذق ملجأ يتيح لهم مساحة للتمرُّد والبحث عن هويَّة، وهو نفسه لا يضمن الثبات على أفكاره، فسيكون لذلك تبعات قانونية وأخلاقية وهذا ما لا يصح.

هذا الإيمان اليقيني بفكر ما أو فهم ما هو نوع من العصبيَّة لا غير، وهو جوهر الأيديولوجيَّة، ولو كان لدكتور محمد أحمد محمود أدني موضوعيَّة علميَّة لراجع مسيرة حياته، وحلَّل أسباب تغييره لفكره من فترة لأخري، وقيَّم تقديره لعقله وعلمه ووعيه في كلِّ مرحلة كأنَّه يعيشها ليري هل العقل والعلم والوعي الذين آمن بهم وقتها، ويتَّخذهم الآن آلهة، هم من الثبات في شيء؟ فإن كانوا ثابتين فعلام غيَّر أفكاره؟ وإن كانوا متغيِّرين فعلام الإيمان بهم، وهم عرضة للتغيير في المستقبل، ممَّا يعني احتمال وصوله لساحة رأي آخر سيتحمَّل مسئوليَّته؟ وأيُّ عقل من العقول التي استخدمها نثق فيه؟ أم أنَّه وصل قمَّة العقل والعلم والوعي ممَّا لا ينبغي لشخص آخر وكأنَّ كلَّ العقول ما عدا ما يوافق عقله ضالَّة مُضلَّة أو من الغباء بمكان بحيث لا تعرف صرفاً ولا عدلاً؟

وسنواصل إن أذن الله سبحانه وتعالي

ودمتم لأبي سلمي