بسم الله الرحمن الرحي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نكمل تأمُّل الأسباب التي طلب منَّا المولي عزَّ وجلَّ أن ننظر فيها مثل خلق الإبل، ورفع السماء، ونصب الجبال، وسطح الأرض، وقد تحدَّثنا بتفصيل عن سببين وهما: كيفيَّة الخلق، والتَّوصيف الوظيفي لكلِّ مخلوق، وتبقَّي لنا أن ننظر في نهاية دورة الحياة بعد الخلق وأداء الوظيفة.

وسنستخدم الجبال كمثال لمكانها الخاص في حياة البشر، فهي أعظم المخلوقات في الأرض، وتُعتبر مقياساً لقوَّة الإنسان أو الأمم إذا تسنَّموا قممها، أو نحتوا فيها أو منها البيوت الفارهة، أو أشادوا من البنايات ما يماثلها حجماً مثل الأهرامات، أو طولاً مثل الأبراج، أو روَّضوا بعضها فانتفعوا بمائها وطاقتها.

وإذا كانت الجبال بحجمها المهول خُلقت من العدم فذلك يعني أنَّها ستنتهي إلى العدم. وهو ما وجدناه في نموذج دين الإسلام ممَّا يعني أنَّ الكون سيزول يوماً ما لأنَّ له بداية فلا بُدَّ أن تكون له نهاية مثل كلِّ المخلوقات كبيرها وصغيرها. وعندما نتحدَّث عمَّا سيكون فنحن نتحدَّث عن المستقبل حيث تنتهي دورة الحياة الأولي وتبدأ دورة الحياة الثانية والخالدة.

وسنأخذ ما سيحدث للجبال كمثالٍ عند نهاية الكون حسب نموذج الإسلام، لأنَّ وجودها الحالي يُعطى الانطباع بصلابتها وديمومتها ولذلك سأل صحابة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم عنها، فإذا كانت قد خُلقت من عدم كما ثبت علميَّاً فهي ستنتهي إلى عدم ويثبت بذلك أنَّ الدَّائم هو الله سبحانه وتعالي. ولماذا يكون نموذج الإسلام هو الذي تعلو احتمالية صدقه على غيره؟ والسبب أنَّ من يعرف النشأة والوظيفة للشيء فهو أقدر من غيره على تحديد المصير.

فالطبيب مثلاً يتعلَّم كيف ينشأ الجنين وما هي وظائف أعضاء الجسم المختلفة، ثمَّ يتعلَّم أنواع الأمراض التي يمكن تُصيب هذه الأعضاء وعلاجها، ولذلك هو أقدر الناس على اختيار العلاج ومعرفة مآل المرض؛ أي ماذا سينتهي إليه حال المريض. فإن كان التهاباً باكتيريَّاً فسيصف له مضاداً حيوياً ويتوقَّع له الشفاء، وإن كان مرضاً خبيثاً فسيعتمد على نوعه ودرجة تمكُّنه من الجسم، ووجود علاجه.

وعليه لنقوم بأيِّ عملية استقراء وتنبُّؤ لما يمكن أن يحدث في المستقبل فالعلم يقول إنَّ أكثر العوامل مساعدة على التَّنبُّؤ بالمستقبل هي العوامل التي حدثت في الماضي، ومن هذا يجئ طلب المولي عزَّ وجلَّ للناس للنظر في أمر الخلق كما بدأ في الماضي ليعرفوا حقيقة الحاضر وعندما يوقنون أنَّ ما جاء من دليل في كتاب الله يصدِّقه العلم نتيجة النظر فذلك يعني أنَّ ما سيأتي، كما يقوله كتاب الله، حقّ.

ولذلك للجبال نصيب كبير من الذكر في القرآن الكريم في سياقات مختلفة، لأنَّ الجبال تُقزِّم الإنسان بجانبها وتهزم غروره لعُلوِّها وكبر حجمها، وهو ما لا يستطيع أيّ مخلوق آخر على الأرض أن يفعله، وليس في وسع الإنسان أن يري حجم الكرة الأرضيَّة جملة واحدة ليقارن به حجمه.

والمغزى منها أن تُرجع الإنسان للوعي بتفاهة حجمه وقيمته إذا تكبَّر على الخالق، وزعم أنَّ له كرامة وقيمة من غيره، فما قيمته إلا كقيمة العدم الذي خُلق منه، ولذلك فقيمته وكرامته ترتبطان بمعجزة خلقه وبقيمة خالقه، وهما مشروطان بذلك وليسا حقَّاً طبيعيَّاً وفي ذلك يقول المولي عزَّ وجلَّ:
"‫وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ‬".‬‬‬‬

وقد طلب منَّا المولي عزَّ وجلَّ أن نتأمَّل في طرق إنشاء الجبال ووظيفتها مطابقته بالنموذج الذي ذكره القرآن الكريم إذ أنَّها نُصبت نتيجة حركة الصفائح التكتونيَّة أي البنائية التي تكوِّن سطح الأرض وحمم البراكين فتنتصب كالعمود لتخرق قشرة الأرض كجذر الوتد الذي يغطس في الغلاف الموري الضعيف قليل الصلابة الذي يلي قشرة الأرض، فيغلف ما تحتها مثل العباءة، لأنَّ ما تحتها أكثر سيولة، فيُقلِّل ويثبِّت بذلك حركة قطع أو صفائح الأرض المتجاورة، والتي كانت تميد بلا ثبات قبل ذلك. وهناك أربعة نماذج للجبال معروفة اثنان منها توصَّل العلماء إلى طريقة تكوينها ولا تزال النماذج الأخرى غير واضحة خاصَّة التي على السواحل. وقد وضَّح لنا الله سبحانه وتعالي أنَّ وظيفتها كالرواسي التي يُلقيها أصحاب السفن في البحر لتُثبِّتها من الحركة الشديدة.

وقد ذكر القرآن الكريم الغلاف الموري الذي يلي القشرة الأرضيَّة، والتي تتكوَّن من قطع منها الكبيرة ومنها الصغيرة، تقع على حدودها سلاسل الجبال فقال:
" ‫أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ‬ ‫أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ‬؟"، وخسفت به الأرض يعني اختفي بداخلها ولا أحد كان يعلم في زمن الرسول صلِّى الله عليه وسلَّم أنَّ الطبقة التي تلي قشرة الأرض، والتي تبدو صلبة من الخارج، اسمها الغلاف الموري، وأنَّها طبقة ضعيفة سائلة تمور بعنف بكلَّ محتوياتها من غازات ومعادن منصهرة وحرارة عالية. إذن هذا النموذج يطابقه العلم المُكتشف وليس العكس إذ أنَّه سابق له ويثبت صدقه:‬ ‬‬‬‬‬
‫"وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ‬".‬‬‬‬‬‬

وإذا كان العلم الحديث يقول بصدق ودقَّة الوصف العلمي لتكوين الجبال مثلاً، وأنَّها مثل كلِّ المخلوقات نتجت من الماء الذي تمَّ من عمليَّة تلاقح بين مكوِّنات مختلفة، مثلما حدث للجبال فترسَّبت كطبقات، وكوَّنت قشرة الأرض في قاع البحار، ثمَّ حدث تلاقحٌ آخر بين صفيحتين من الصفائح البنائية والبراكين فولدت الجبال.

وقد جاء هذا الوصف على لسان رجل أُمِّيٍّ من البشر لم يكن حاضراً وقت تكوينها ليصفه لنا، ولا هو كان باحثاً علميَّاً له من المُعدَّات التي تغوص في أعماق البحار وتطير فوق قمم الجبال، فلا بُدَّ أنَّه أعلم منَّا جميعاً إذ استطاع أن يعلم أسرار الكون من بطن بيته إذا قسنا الأمور بمقياسنا البشري عندما نقارن مدي معرفته بمدي معرفتنا. وهو يحسم أمر المستقبل أيضاً في حين أنَّ العلماء لم يحسموا مصير الكون بعد. بل يذهب أبعد من هذا ويعطينا صورة أخري لما سيحدث بعد اندثار الكون وطريقة اندثاره وبعثه من جديد بصورة مختلفة وبصفات مختلفة وما سيصير إليه أمر الناس بعد ذلك. هذه صورة مكتملة ونموذج شامل للحياة منذ خلقها إلى وقت اندثارها إلى موعد خلقها تارة أخري لا يجرؤ أيٌّ من علماء الفيزياء أن يقدِّم بثقةٍ نظرية حقيقيَّة متكاملة ومتناسقة ومتَّسقة.

وإذا كان هذا الرجل يقول أنَّ الكلام الذي يقوله ليس بكلامه، وهو كلام بهذه الدقَّة العلميَّة والإعجاز اللغوي الذي يبني نموذجاً شاملاً يغطِّي كلَّ جوانب الحياة، من أخصِّ خصوصيَّات الإنسان في مخدع الزوجيَّة إلى العلاقات الإنسانيَّة في كلِّ دوائرها، والنُظم الاقتصاديَّة والإداريَّة، ووسائل حلِّ النزاع وغيرها، بل ويخاطب العقول كلَّها من أدناها إلى أعلاها كُلَّ عقل بحُجَّته المقنعة، وقد كان في استطاعته أن يفخر بعلمه كما يفعل العلماء على يومنا هذا باكتشافاتهم وحصولهم على الجوائز العالميَّة، فلا بُدَّ أن يدعونا هذا الموقف لنتساءل عن دوافع هذا الإنسان والتي هي غير مُتَّسقة مع دوافع البشر التي نعلمها.

ومن غير أدني شكٍّ لو كنت مكانه وألَّفت هذا النموذج الراقي لكنت أوَّل من أعلن حقوق ملكيَّته، وتكسَّب منه وابتغي به المجد، ونحن نعلم أنَّ الشعراء والعلماء على مرِّ العصور تفاخروا وتكسَّبوا مالاً أو مجداً أو الإثنين معاً بما أنتجوه ولا يزالون يفعلون، فلماذا كان هذا الرجل الاستثناء بينهم؟ وهذا هو المتنبِّي كمثالٍ رام المال والمجد بشعره فلم ينل شيئاً سوي عطاء ملوك وميتةً بائسة وقد كان فخوراً بموهبته:
" ‫أَنامُ مِلءَ جُفوني عَن شَوارِدِها *وَيَسهَرُ الخَلقُ جَرّاها وَيَختَصِمُ‬".‬‬‬‬

والفرق بين نبي الكذب ونبي الصدق هو أنَّ نبيُّ الكذب ينتفع من دعوته ويتكسَّب منها، ويبغي منها السمعة والمجد في الحياة الدنيا خاصَّة، إذا كان لا يؤمن بالحياة العليا ولا بالله العليِّ القدير. ونبيِّ الصدق لا يتكسَّب من رسالته بل يخسر في سبيلها الدنيا وما فيها، ولا يقبل بها بديلاً عن الرسالة إذا عُرضت عليه، فهو لا غرض له إلا تبليغ الرسالة، حتى وإن عانى في سبيلها ما عانى، على أمل أن يضمن الحياة العليا.

فإن كان كاذباً فعليه كذبه، ومن غير المعقول أن يكذب على نفسه فلا ينال حياة دنيا ولا حياة عليا، إذ كيف نفسِّر تصرُّفه إذا كان يعلم أنَّه غير مرسل من الله؟ أو أنَّ الله لا يُوجد؟ هناك تفسيران:
الأوَّل أنَّ به جنون، والثاني أنَّه سفيه.
ونحن نعلم من التاريخ المُوثَّق أنَّ حياته كانت مثالاً للحكمة في كلِّ شيء، ولذلك فلا يمكن أن تكون هذه الصفات محتملة أو ممكنة في حقِّه؛ إذ أنَّنا نحكم على ماضٍ وليس على مستقبل لم يتحقَّق بعد. فهو الرسول الوحيد من كلِّ الرسل الذي له قبر معروف لا يدخل الشكَّ في أنَّه قبره. وهو الرسول الوحيد الذي تمَّ التَّأكيد على وجوده بشهادة الناس في تواتر مستمر من يوم ولادته إلى يومنا هذا، فسلسلة البشر لم تنقطع أبداً مثلما حدث للرسل والأنبياء من قبله، لأنَّ دولة الإسلام لم تنقرض في يوم ما لتقوم من جديد وإن كان أصابها ضعف.
وسنعود لمسألة الجنون والسفه من ناحية علميَّة في حلقة لاحقة إن شاء الله.

هذا الرجل الأمِّي، بما عُرف عنه من صدق وسُمِّي الأمين قبل الرسالة، لم يقل غير أنَّ الكلام كلام خالق الكون الذي سمَّي نفسه الله ودوره كبشر ورسول أن يُبلِّغهم الرسالة كما أُمر:
"فَلذلِكَ فَادْعُ ۖ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ۖ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ ۖ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ۖ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ ۖ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ۖ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ‬".‬

ولنكون موضعيين في حكمنا على نموذج الإسلام ممثَّلاً في رسول الإسلام، وعليه فيجب علينا أن نقارن مقدراتنا العقليَّة والعلميَّة، ونحن نحمل الشهادات فوق الجامعيَّة، مع رجل سكن البادية ولم يدخل مدرسة وجاء بكلام لا نستطيع أن نأتي بسطر مثله، ونموذج لا يرقي نموذج عليه، أليس الأولي أن نتبع ما قال إذ ليس لدينا، بكلِّ معارفنا المتاحة، ما يوازي نموذجه ذكاءً وفعاليَّة وفاعليَّة؟ وإذا كان ما قال هو الصدق، لأنَّنا نعلم صدقه العلمي بعد أكثر من ألف سنة، فالأولي أن نقبل النموذج كما هو بلا تفريق بين مفاهيمه، والذي يقوم على أساس أنَّ للكون خالق، وهو الذي أرسل لنا رسولاً ليعلِّمنا كيف ولماذا نعيش هذه الحياة.
وإذا رفضنا هذا فقد تحدَّانا هذا الخالق وأنذرنا بأنَّنا سنتبع نموذجه غصباً عنَّا لأنَّ تجارب الحياة ستُعلِّمنا أنَّه الشيء الوحيد النافع لنا في دنيانا إن كنَّا لا نؤمن بالحياة الآخرة.

وسيدنا محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم بلَّغ الناس رسالة أنزلت عليه اسمها القرآن، وطُلب أن يبلِّغها للناس حتى يتعرَّفوا على طبيعة خلقهم، ويدركوا الغرض من وجودهم، وكيف يعالجوا هذا الوجود لينعموا بالعافية، وكيف يشفون من الأمراض إن أصابتهم، ويخبرهم فيها أيضاً بما يصيرون إليه في نهاية رحلة الحياة. وقد كانت الرسالة موجَّهة لكلِّ الناس ولكنَّها تخصَّ البعض الذين يؤمنون بالله ويخافون وعيده:
" ‫فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ‬".‬‬‬

وكلَّ الذي طلبه من الناس هو أن يستخدموا عقولهم ويتفكَّروا في الدلائل العلميَّة لإثبات صحَّة هذه الرسالة مقارنة بالواقع الذي حولهم في سياقهم الضيِّق، وفي سياق العالم الواسع، والذي يشمل ما حولهم من آيات مُعجزات أو في أنفسهم:
‫"وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ‬، ‫وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ‬؟". ‬‬‬‬‬‬
فالجزء الأوَّل من الآية تقرير لواقع ولكن الرسالة مُوجَّهة لمن يوقن بأنَّ للأرض خالق ولكنَّه لا يعرف كيف يتَّصل بهذا الخالق أو يتعرَّف عليه وعلى صفاته. أمَّا الجزء الثاني فهو مُوجَّهٌ لمن لا يُوقن ولذلك فهو في شكل سؤال للتأمُّل في أنفسهم لأنَّ في داخل كلِّ واحد منهم إيمان فطري بالخالق وآيات أخري عديدة.

والإيمان في نموذج الإسلام فطريٌّ مثل تنفُّس الأكسجين للوليد بعد خروجه للدنيا، أو رضاعته لثدي أمَِّه إذ لا يُعلِّمه أحد، ولا يتساءل أحد أين تعلَّمه، ولا يتوقَّع أحد أن يعجز الطفل عن أدائهما، وإذا ما قام بهما فهو قد ضمن موارد الحياة:
" ‫فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ‬". والفطرة هي الْخِلقة التي يكون عليها كل موجود أَوّلَ خَلْقِه، وبالفِطرة تعني مُتَّصف بصفة أو موهبة معيَّنة منذ الولادة.‬‬
وإذا كانت الرئة وعاء الأكسجين، والمعدة وعاء الطعام والشراب، والشرايين والأوردة وعاء الدَّم، فالقلب وعاء الإيمان:
" وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ".
ويقول المصطفى صلَّى الله عليه وسلَّم:
" ألا وإن في الجسدِ مُضغَةً: إذا صلَحَتْ صلَح الجسدُ كلُّه، وإذا فسَدَتْ فسَد الجسدُ كلُّه، ألا وهي القلبُ".
ويقول أيضاً:
"يقولُ تُعرَضُ الفتنُ علَى القلوبِ كالحصيرِ عودًا عودًا فأيُّ قلبٍ أُشرِبَها نُكِتَ فيهِ نُكتةٌ سَوداءُ وأيُّ قلبٍ أنكرَها نُكِتَ فيهِ نُكتةٌ بَيضاءُ حتَّى تصيرَ علَى قلبَينِ علَى أبيضَ مِثلِ الصَّفا فلا تضرُّهُ فتنةٌ ما دامتِ السَّماواتُ والأرضُ والآخرُ أسوَدُ مُربادًّا كالكوزِ مُجَخِّيًا لا يعرِفُ معروفًا ولا ينكرُ مُنكرًا إلَّا ما أُشرِبَ مِن هواهُ".
فالقلب له شراب وهو الإيمان أو الكفر حسب اختيار الإنسان:
" وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ‬".
وله غذاء وهي الأعمال الصالحة:
"" ‫أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا‬". ‬ ونحن نعلم أنَّ الإنسان عندما يتوقَّف قلبه يموت ويحاول الأطباء دلك قلبه لبعث الحياة فيه من جديد وعندما يفيق تلمع عيناه بعد أن تنطفئ. ‬
ولكن لا الأكسجين ولا الطعام والشراب، ولا الدَّم يصل إلى كلِّ جزء في الجسد، ولكنَّ الإيمان يصل حتى للشعر والأظافر التي تُسبِّح الله، لأنَّ الإيمان نور وهو صبغة الله، والتي هي فطرة الله، والصبغة تغطِّي كل خليَّة في الجسم كما ينتشر النور لا يوقف انتشاره إلا عائق أو حاجز:
" فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا"، وهذا الإيمان هو: "صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ".
فيوم القيامة يظهر هذا النور الذي لا نراه الآن لأنَّه غيب لنا:
" ‫يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم‬".‬

ولذلك إذا لم يستطع المولود أن يقوم بواحدٍ من الوظائف الفطريَّة مات في الحال إذا كان التَّنفُّس هو المشكلة، أو بعد حين أثناء طفولته إن كانت الرضاعة هي المشكلة، أو عندما يصل سنَّ التكليف إذا كان الإيمان هو المشكلة، فانعدام الوظيفة هو الذي يخلق المشكلة ويهدِّد حياة الإنسان. وفي هذا يجئ سؤال المولي عزَّ وجلَّ:
" ‫أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى‬؟". وسُدى تعني مُهمل، دون فائدة أو باطل لا يُكلَّف ولا يُجازَى؟‬‬


والنموذج في دين الإسلام يقوم على أساس أنَّ الهداية الأولي ملك للجميع:
‫"وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ"، أي طريق الخير ليمشي فيه وطريق الشرِّ ليتجنَّبه وعلى الإنسان الاختيار. فطريق الخير مُنير بنور الله والآخر مظلم:‬
"وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ".‬
ومصدر النور هو إيمان بالله وإيمان بكتابه لأنَّ نور الفطرة لا يكفي ويلزمه نور إضافي:
" فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا ۚ". فالإنسان عندما يُقبل للعمل بمؤسَّسة لا يكفيه القبول ولكن يلزمه التوصيف الوظيفي الذي يُوضِّح واجباته ومسئوليَّاته وحقوقه.

وللإنسان كامل الخيار أن يقود سيارة حياته في أيِّ الطريقين ولكن لا يلوم إلا نفسه. فإن اختار طريق الإيمان أعانه الله سبحانه وتعالي بهدى إضافي فيه تيسير:
"إ ‫نَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ‬". ‬‬
‫‬
ولذلك فنموذج الإسلام يقول إن رفض الملحدون الإيمان فهم في جهد: "وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ". والشقاق هو الاختلاف والنزاع والشقاء كمن يشقُّ شيئاً صلباً.

ويقول النموذج أيضاً أنَّ الإنسان في حالة غفلة فلا يهتمّ كثيراً بتوفير معينات الإيمان لطفله، مثلما يوفِّر معين التَّنفُّس فيضع الطفل في مكان هواء نقي، ويوفِّر له الحليب للغذاء، وإذا ما أصاب جهازه التَّنفُّسي مرض أو امتنع عن الرضاعة فهو يذهب به للطبيب.
ويغفل الإنسان أنَّ وظيفتي التَّنفُّس والرضاعة هما خادمتين لوظيفة الإيمان، وهي أداء حقَّ الله عليه، إذ بغير الإيمان يمرض المرء في جملته ويموت.

إذن لا يظهر المجهود إلا حين يظهر عائق لأداء الوظيفة الطبيعيَّة، ونحن نري ذلك في حياتنا فنحن لا ننتبه لتنفُّسنا إلا إذا كان هناك عائق مثل الربو، أو الألم في الصدر، أو بعد مجهود الجري، ونفس النمط ينطبق على الإيمان فنحن نتذكّره إذا احتجنا لجرعة أكبر عند المُلمَّات والمولي عزَّ وجلَّ يوضِّح ذلك:
" ‫وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا‬"، وهو وصف دقيق لحالة الهيجان النفسي الذي يصيب الإنسان عندما يواجه ما يُهدِّد حياته أو أمنه.‬‬

والسؤال الذي يجب أن يسأله الإنسان لنفسه: من يحتاج من؟
والإجابة في نموذج الإسلام قالها الله سبحانه وتعالي:
" يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ".
ونجد أنَّ الضرَّ الذي يذكِّر بالمولي عزَّ وجلَّ يُهيِّجُ الجسد والنَّفس أيضاً ليطلبا مدداً يعينهما على مواجهة الخطر، ففي حالة الخوف فالقلب يزداد خفقانه، والنَّفس يتسارع، ويصيب الإنسان جزع وهلع فيهرع إلى من يطمئنه ويلوذ به مثل الوالدين حتى وهو يلوذ بالله. هذه العمليات الجسدية والنفسية والاجتماعية لا تنفص عن العملية الروحيَّة لأنَّها طبيعيَّة مثلما يلوذ الطفل بحضن أمِّه عندما يخاف ولم يدخل مدرسة تعلمه ذلك.

ولذلك فالأنسان لا يبحث عن كيفية تنفُّسه أو جريان الدم في عروقه بل لا يتذكَّره أبداً إلا إذا أصابه ما يثيرهما فيبحث عمَّا يردَّهما إلى طبيعتهما، ولا رأينا إنسانا قال أريد أن أفهم أولاً كيف أتنفَّس قبل أن أتنفَّس أو كيف يعمل قلبي قبل أن أسمح له بالخفقان أو أنا لا أصدِّق أنَّ عندي خلايا في مُخِّي حتى أراها رأي العين. وكذلك مسألة الإيمان لا تحتاج إلى إثبات أو فهم لكيفيَّة أو لإقناع لأنَّها موجودة داخل نفس الإنسان شاء أم أبي مثل بقيَّة الأعضاء التي تعمل تلقائيِّاً من غير تدخُّل منه بلا مجهود مبذول ولا ملاحظ إلا إذا حدث ما يُغيِّر طبيعتها.

فالمؤمن يؤمن كما يتنفَّس، فلم نر أحداً يصيح في الشوارع أنا أستطيع أن أتنفَّس إلا إذا كان قد مرَّ بتجربة ربو حادَّة كادت أن تقتله، وكذلك نري النَّاس تمشي في أمور دينها تؤمن كما تتنفَّس ولا تصيح في الشوارع أنَّها تؤمن إلا إذا حدثت مصيبة فتسمع الناس تذكر الله. وإذا أراد الإنسان أن ينفي أنَّه يؤمن فيلزمه مجهود ليفعل ذلك مثل الذي يرفض أن يتنفَّس، فيلزمه مجهود أن يُوقف عمليَّة التَّنفُّس التي سيعقبها إحساس بالضيق وحاجة أكثر للهواء ومجهود أكبر. ولذلك فنري الملاحدة في حالة جهد دائم لينفوا عن أنفسهم الإيمان، أو لينفوا وجود الله، فيجعجعون بالحُجج ليقنعوا أنفسهم قبل أن يُقنعوا الآخرين، ويكتبون الكتب ليثبتوا أنَّ الله لا يوجد، والله لا يحتاج إلى أثبات وجوده بشهادتهم لأنَّه لا يحتاج إلى شهادة أحد:
"وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا".

فرفضهم الإيمان لا يُسبِّب ضرراً لله ولا نقصاً له، ولكن يسبِّب ضرراً لأنفسهم ونقصاً لها كالذي يحاول أن يُوقف تنفُّسه الطبيعي حتى يري بأمِّ عينيه كيف يدخل الأكسجين إلى رئتيه، ثمَّ ينتقل إلى شعيرات الدم لينتقل إلى بقيَّة أجزاء جسمه، فهو إن أراد أن يتنفَّس فذلك شأنه وإن لم يُرد فذلك شأنه أيضاً، كما للناس كامل الحُريَّة في أن يؤمنوا أو لا يؤمنوا، لأنَّ إيمانهم أمر خاص ولا دخل له به. فهو إن تنفَّس أو لم يتنفَّس لن يستطع أن يري بكلِّ مجاهر الدنيا كيف يتمُّ ذلك، ولذلك فعليه أن يؤمن بحوثها لأنَّ العلماء أثبتوا بالدليل العقلي أنَّ ذلك يحدث عندما رأوا لون الكريات الحمراء تتغيَّر، ولكنَّهم لم يروا الأكسجين يذوب في كريات الدم الحمراء، ولكنَّهم تتبَّعوا المنطق فعرفوا أنَّ الإنسان يحتاج للهواء، ولم يكونوا يدركون أي جزء من الهواء ينفع الإنسان ولا أي جزء يضرُّه.

أمَّا إذا أصرَّ الإنسان ألا يتنفَّس حتى يري كيفية التَّنفُّس فالعلماء سيقولون له أنت حر لأنَّنا نعلم كيف تحدث ولكنَّنا لا نستطيع أن نراها تحدث فنحن مطمئنين بإيماننا وعليه يقوم علمنا. فالطمأنينة لا تحدث مع المرض والشرِّ ولكن مع العافية والطمأنينة تعني انتفاء الشكِّ وهو مصداق قول المصطفى صلَّى الله عليه وسلَّم:
"دَعْ ما يَريبُك إلى ما لا يَريبُك، فإنَّ الصدقَ طمأنينةٌ وإنَّ الكذبَ رِيبةٌ"، وفي رواية أخري: "الخيرُ طُمأنينةٌ والشَّرُّ رِيبةٌ".
ويصف حال الملحدين وصفاً دقيقاً إذ أنَّهم يغترُّون بما علموا وهو قليل، فينزعجون من وجود الغيب الذي يؤدِّي للطمأنينة ويصفون من يطمئنون إليه بالسُذَّج، والإيمان بالوهم، والأمل الزائف، ولا يدعون أحداً في حاله يسبِّبون الإزعاج، مثلما تسبِّب البعوضة إزعاجاً، أينما ساروا، فهو طنين ومرض، والسبب أنَّ منهج السماء يقف حجر عثرة أمام تحقيق شهواتهم فيستخدمون الشبهات والتشكيك ليفتحوا بابها الذي يوصده الله:
"أمَا رأيتُمُ المأخوذينَ على الغرةِ والمزعجينَ بعدَ الطمأنينةِ الذينَ أقامُوا على الشبهاتِ وجَنَحوا إلى الشهواتِ"

فالمطلوب إذن، حسب نموذج دين الإسلام، هو تأمُّل ناصح للنفس، يأخذ بالحُجَّة المعارضة بموضوعيَّة كاملة، ليوزن ما لها وما عليها فيدركوا أين تقع الحقيقة لا أن تكون مُجرَّد تعصُّب باسم العلم والعقلانيَّة.

ونجد في القرآن الكريم الوصف الكامل بكلِّ خطواته لعمليَّة موت الجبال بعد انتهائها من أداء وظيفتها عند نهاية العالم، ممَّا يعني أنَّ الكون مخلوق من عدم، حسب نموذج دين الإسلام فهو لذلك سينتهي إلى عدم، ولو كان أزليَّاً، كما يقول الملاحدة، فلن يزول:
" ‫وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا، فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا، لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا"‬.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وعملية النَّسف هي الاقتلاع، والقاع هي الأرض الملساء لا نبات ولا بناء فيها، وصفصفاً:
أي أرضاً مستوية.
وكيفيَّة ذلك أوَّلاً بحدوث الزلازل:
"إِذَا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجًّا"

وثانياً بالاقتلاع مثلما تقتلع شجرة:
"وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً‬"
وثالثاً مرحلة التَّحلُّل مثل أن تجعل الشجرة نشارة:
"وَتَكُونُ اْلْجِبَالُ كَالْعِهْنِ اْلْمَنفُوشِ"، والعهن هو الصُّوف المصبوغ ألوانًا والقطعةُ منه، ونفش الشيء أي نَدَفَهُ، شَقَّهُ، فَرَّقَه، وهذا منظر الجبل من بعيد ولكن من قريب ما إن تلمسه حتى يتحوَّل إلى كومة رمال:
‫" ‫وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلا‬ ‬"، وتعني أنَّها أصبحت رَمْلا مُجْـتمِعًـا أو سائلا مُنهالاً إذا تحقَّقت من ذلك بالاقتراب منه، ولذلك فبلاغة القرآن الكريم كانت في استخدام كلمة "كثب"، وهي تعني قُرب وأيضاً تعني الرَّمل المجتمع، أمَّا إضافة الوصف "مهيلاً" أي أنَّه سينهال من أقلِّ لمسة فتذروه الرياح من نعومته؛ وهي مرحلة البعثرة وهي المرحلة الرابعة: ‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
" ‫وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا، فَكَانَتْ هَبَاءً مُّنبَثًّا"‬، أي بعد عمليَّة التَّفتيت وهي البسُّ، فتصير هباء تذروه الرياح مثلما نري ما يفعل الريح برماد نشارة الخشب:‬ ‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫"أَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ‬"، والهباء هو ما تطاير في البيت ولا تراه إلا في ضوء الشمس كالدخان. ‬‬‬
‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وأخيراً مرحلة الاختفاء:
"وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا". والسراب هو الذي لا حقيقة له؛ أي وصلنا إلى مرحلة العدم مرَّة أخري وخرجنا من عالم الملك المًشاهد ودخلنا في عالم الملكوت في الغيب.
وهي مرحلة ما قبل الخلق. فإذا كانت الجبال في باطنها في حالة عدم لأنَّها تنتهي إلى جسيمات لا حجم ولا وزن لها ولا تُري في كينونتها الحاليَّة إذا حلّّلناها إلى جزيئياتها، فهي أيضاً سترجع إلى هذا الأصل في يوم القيامة عياناً بياناً وتختفي من أمام أعيننا مثل أن يكون معنا إنسان ثمَّ يموت ويُحرق ويشتَّت رماده في الرياح.

وسنواصل إن أذن الله سبحانه وتعالي

ودمتم لأبي سلمي