بسم الله الرحمن الرحيم
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

المرءُ لما جَهلَهُ عدوٌّ:
نواصل تأمُّلنا في نموذج الإسلام مقارنة بما وصل له العلم الحديث ومعاييره الصحيحة، قبل الكلام عن نموذج الملاحدة، لنكشف عن مصداقيَّة هذا النموذج كما جاء في القرآن الكريم والسنَّة الصحيحة ونأخذ في ذلك مثالاً في الآيات التي طلب منَّا المولي عزَّ وجلَّ أن نتأمَّل ونتفكَّر فيها.

"أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ؟ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ؟ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ‬؟ وَإِلَى اْلأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ؟ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ".

قلنا سابقاً إنَّ الذي يربط بين هذه الآيات ثلاثة أشياء؛ أوَّلاً أنَّ لها سنام أو هي سنام الخلق في سياقها، وثانياً هناك توضيح لكيفيَّة الخلق المتشابهة في خطواتها وتجهيزها لأداء وظيفتها كاملة حسب "التوصيف الوظيفي" الخاص بها، وأخيراً اكتمال دائرتها بزوالها إلى العدم بعد خلقها من العدم.

وإذا رجعنا إلى خلق الكون، كما ورد في النموذج الذي ورد في القرآن الكريم والسنة الحكيمة، نجد أنَّه يتبع نسَقاً أو نظاماً واحداً يتخلَّل أيّ جزء منه، أو في تكامله، بقوانين أو نواميس واحدة من أصغر جزيئي إلى أكبر جزء، وهو شيء تثبته اكتشافات ونظريَّات العلم. ومن لطائف الربط بين ما ذُكر في الآية الكريمة هو عامل الماء. فالناس المُخاطبين: " أَفَلَا يَنْظُرُونَ؟"، قال لهم المولي عزَّ وجلَّ: " أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاءٍ مهين؟"، ثمَّ نموا في ماء في الرحم حتى وُلدوا، وقال لهم المولي عزَّ وجلَّ:
" وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا".
وكذلك الإبل لها أيضاً علاقة خاصَّة بالماء ذكرناها من قبل وهو أمر سيستمر إلى نهاية العالم. ثمَّ خلق السماء: "وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ"، وتأكيد خلق كلِّ شيء من الماء: "وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ؟"، ممَّا يعني أنَّ الماء الذي خلق منه كلَّ شيء أيضاً أحاط بكلِّ شيء مثل ماء الجنين ثمَّ ينزل من السماء ماء المطر الذي لا ينقطع إلى يوم القيامة.
ويجيء ذكر الجبال وعلاقتها بالماء فهي أيضاً قبل أن تُنصب كانت قاعاً للبحر مغمورة فيه ونُزعت من القاع لتظهر للوجود كما يُنزع الجنين من رحم أمِّه مُحاطاً بالماء. ونجد أيضاً أنَّ هذه الجبال لها علاقة بالماء الذي يخرج منها وستظلُّ تفعل ذلك حتى نهاية الدنيا:
"وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ‬".
ومن بعد ذلك يجيء ذكر الأرض وهنا نري أيضاً أنَّ الأرض كانت مُغطَّاة تماماً بالماء حتى انبثق منها بيت الله المُحرَّم كأوَّل وليد يُنزع من رحم الأرض وبُسطت اليابسة منه ثمَّ أخرج منها الماء الذي أيضاً سيظلُّ إلى نهاية الكون:
" وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا‬"، ولكن لبيت الله الحرام مُعجزة أخري مرتبطة بالماء وهي بئر زمزم التي تنبع من تحت البيت والتي عمرها آلاف السنوات وظلَّت لا ممنوعة ولا مقطوعة لا تجفُّ ولا تُجفي كما قيل لعبدالمطلب جدَّ المصطفى صلَّى الله عليه وسلَّم عندما أُمر بحفرها في رؤيا:
"فقال: وما زمزمُ؟ فقال: لا تُنزَفُ، ولا تُذمُّ". وأنْزَفَتِ البِئْرُ: اُسْتُخْرِجَ ماؤُها كُلُّهُ، وذمه أي لامه، وانتقصه واستحقره، وأذَمَّ المكانُ ونحوه: أجدَبَ وقلّ خَيرُه.
ويقول المصطفى صلَّى الله عليه وسلَّم:
"خيرُ ماءٍ على وجهِ الأرضِ ماءُ زَمزمَ، فيهِ طعامُ الطُّعمِ، وشِفاءُ السُّقمِ"، وهذا أثبتته التحاليل على أنَّه أنقي ماء بخصائص علاجيَّة عديدة.
ومن بعد الأرض يُذكر المصطفى صلَّى الله عليه وسلَّم: "فَذَكِّرْ"، فهو خُلق من ماء طاهر، ونما في ماء رحم طاهر:
" سألتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قلتُ فداك أبي وأمِّي أين كنتَ وآدمُ في الجنَّةِ قال فتبسَّم حتَّى بدت ثناياه ثمَّ قال كنتُ في صُلبِه ورُكِب بي السَّفينةَ في صُلبِ أبي نوحٍ وقُذِف بي في صُلبِ إبراهيمَ لم يلتَقِ أبواي قطُّ على سِفاحٍ لم يزَلِ اللهُ تعالَى ينقُلُني من الأصلابِ الحسنةِ إلى الأرحامِ الطَّاهرةِ".
وله معجزة تخصُّ الماء الذي خرج منه:
" ‬خرجَ إلى قُباءٍ فأُتيَ مِن بعضِ بيوتِهِم بقدحٍ صغيرٍ وفيهِ ثمَّ قال هلُمَّ إلى الشُّربِ قال أنسٌ بَصَرَ عَيني نبْعَ الماءِ مِن بينِ أصابعِهِ ولَم يرِدِ القدحَ حتَّى رَوَوا منه". ولكنَّه ارتوي بأخلاق القرآن الكريم مفتاح ماء الحياة حتى أثني عليه المولي عزَّ وجلَّ:
"وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ". وأثبتت أمَّ المؤمنين عائشة بنت الصديق رضي الله عنها وقالت: "كان خُلُقُه القرآنُ".
فالذي يُذكَّرُ به هو هذا القرآن الكريم ولو أنَّهم آمنوا به وعملوا بمنهجه لكان مفتاح كلِّ بركة وأوَّلها الماء:
‫"وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ".‬
ونخلص إلى أنَّ لكلِّ شيء خُلق "توصيف وظيفي" يتبعه بلا تغيير حسب نواميس الله إلا الإنسان الذي يخالف نواميس الله ولا يُطبِّق شروط وواجبات وظيفته التي بيَّنها الله له، فهدف خلق الإنسان مثلاً حدَّده المولي عزَّ وجلَّ:
‫"وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ‬". ثمَّ بيَّن له سبب خلق العالم:‬
"‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۗ"
أمَّا التوصيف الوظيفي للرسول صلَّى الله عليه وسلَّم فقد كان واضحاً وهو التذكير فقط إذ ليس عليه سيطرة على قلوب العباد ولا مقدرة على هدايتهم وتكرَّر ذلك مرَّات كثيرة في القرآن الكريم:
‫"وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ".‬‬
‫ ‬‬
وكما في خلق الإنسان الذي تخاطبه الآية: " أَفَلَا يَنْظُرُونَ؟"، نجد ما يدلُّ على بداية الحياة فيه، وهي السُرَّة، وهي علامة ارتباط الجنين بالمشيمة التي تلتصق بجدار رحم الأم ومنفذ الغذاء للجنين والسُرَّة تعني أفضل المواضع وأوسطها أو مُستقرَّ الشيء في أسفله.
ولولادة الجنين فلا بُدَّ من "فتق" هذا الالتحام أي فصله بقوَّة ثمَّ قطع الحبل السُرِّي الذي يظل علامة دائمة تُذكِّر بلحظة الميلاد.

وكذلك كان خلق الكون إذ أنَّ السماء والأرض كانتا متلاصقتين ككتلة واحدة إذ كانت الأرض في رحم السماء وحان وقت ولادتها وفي لحظة الميلاد، وهو الانفجار العظيم، "فتقهما" الله سبحانه وتعالي؛ أي فصلهما عن بعضيهما بقوَّة ومكان الانفجار يمثِّل سُرَّة الحياة التي منها اتَّسعت السماوات وتستمر في الاتِّساع إلى يومنا هذا. وكما يختفي الحبل السُرِّي والمشيمة ويبقي أثرهما في السُرَّة، والتي هي شيء له خاصيَّته ومميِّزاته الخاصَّة دون الحبل السُرِّي والمشيمة، كذلك اختفت المُكوِّنات الأولي للكون من جزيئات وبقيت آثارها.

فالسماء خُلقت أوَّلاً كدُخان، وهي تُمثِّل الرحم الذي سيستقبل الجنين، وبعد أن يتكوَّن الجنين في داخل الرحم واكتمال نموِّه يحين وقت ولادته:
"قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ".
ولكن قبل الولادة لا بُدَّ من تجهيز المهد الصالح للطفل المولود بما يضمن سلامته ورعايته والمهد لا يُمثِّل كلَّ البيت ولكنَّه سرير في غرفة واحدة من البيت بحيث يكون موقعها أفضل موقع يضمن سلامة وحياة الوليد لا هو قريب من الحرارة الشديدة ولا هو بعيد عنها تماماً وله فيها مجال اليقظة والنوم وهذا ما تمَّ لوضع الأرض من الشمس والقمر في السماء الدنيا:
"ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ".
ويوجد قانون أو ناموس للخلق يوحِّد بين موضع وصفات ووظائف المخلوقات قاطبة ليعطيها كمال الجمال وتمام الوظيفة وهو ما يعرف بالنسبة الذهبيَّة أو النسبة الإلهيَّة في الرياضيَّات. وهي تتحقَّق عندما تكون النسبة لمجموع قيمتين عدديتين والأكبر بينهما تساوي النسبة بين أكبر العددين والأصغر بينهما. وهو عبارة عن ثابت رياضي معروف تبلغ قيمته 1.6180339887 تقريباً وقد استخدم في المباني القديمة مثل الأهرامات. فمثلاً خارج قسمة الطول الإجمالي لجسم الإنسان على ارتفاع السُرَّة عن الأرض مساو للرقم الذهبي والتي تقع في مركز ثقل الجسم وأيّ اختلاف في النسبة سيؤدِّي إلى نقص في التناسب الجمالي للجسم واضطِّراب في الوظيفة.

ونحن نعلم الآن أنَّ مكان الكعبة في مكَّة المُكرَّمة كان أوَّل ظهور لقشرة الأرض والتي من صخرتها دحي الله سبحانه وتعالي الأرض كما قال المصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم، وتقع في مكان يُطابق النسبة الذهبيَّة لكرة الأرض. وإن كانت مدينة الطائف اليوم هي التي تمرُّ بها النسبة الذهبيَّة بفرق 12 ميلاً عن مكَّة فإنَّ ذلك لأنَّ صفيحة الأرض التي عليها مكَّة المُكرَّمة زحفت من مكانها منذ ذلك الوقت، إذ أنَّها تتحرَّك حوالي البوصة في العام في اتِّجاه الشمال الشرقي، وهي تحرَّكت تقريباً حوالي 45 متراً منذ ظهور المصطفى صلَّى الله عليه وسلَّم. وهذه الحقيقة العلميَّة عن صفائح الأرض التكتونيَّة المُتجاورة ذكرها القرآن الكريم:
"وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ".

وتتكون الصفائح من غلاف صخري محيطي وغلاف صخري قارِّي أكثر سمكًا، يعلو كل منهما قشرة أرضيَّة بكليهما وعلى طول الحدود التقاربية.
وعن الصحابي قتادة بن النعمان رضي الله عنه قال:
كانوا على الأرض تمور بهم لا تستقرُّ فأصبحوا وقد جعل الله الجبال وهي الرواسي أوتاداً للأرض. وهذا وصف علميٌّ سليم لأنَّ الطبقة التي تحت قشرة الأرض أطلق عليها علماء الأرض في القرن العشرين الغلاف المَوْرِي أو المتكور الموري وهي المنطقة من الأرض ما بين 100 إلى 200 كم تحت سطح الأرض، ولكنها من الممكن أن تمتد إلى أكثر من عمق 400 كم، وهي تعتبر الطبقة الأضعف في غطاء الأرض. والمَوْرُ هو الشيء اللين أو المُتحرِّك أو المَوُجُ.
ولتتكوَّن الجبال فتغطس بعض الصفائح إلى الدثار، وهو ما يلي قشرة الأرض، كما للصفائح التكتونية قدرة على التحرك حتي عشرة سنتميترات في العام لأن الغلاف الصخري للأرض أقوى من الغلاف الموري الذي يرتكز عليه، كما أن كثافة الدثار تتغير نتيجة تيارات حمل.
وذكر الله سبحانه وتعالي وظيفة خلق الجبال لتثبيت هذه القطع من الحركة الشديدة مثل السفينة على الماء تميد بالناس ذات اليمين وذات الشمال:
" ‫وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ‬ "، وماد الشيء أي تحرَّك واضطَّرب. ‬
وفي الحديث: "لمّا خلق اللّه الأرض قمصت قال فأرسى اللّه فيها الجبال. وقمَصَ الْبَحْرُ بِالسَّفِينَةِ يعني حَرَّكَهَا المَوْرُ أي الاضطراب ونري تردُّد كلمات المور والاضطراب. وفي حديث آخر يتكلَّم المصطفى صلَّى الله عليه وسلَّم عن الزلازل وهو تحرُّك الصفائح التكتونيَّة بعنف:
"لتُقمَّصنَ بِكُم قُماصَ البَقَرِ، يعني الأرضَ".

وعليه فالبيت الحرام الذي كان أوَّل بيت وضعه الله سبحانه وتعالي والذي نتج، كما استنتجنا من حديث الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم، نتيجة نشاط بركاني في قاع البحر حتى ظهر على سطح البحر. فهو عمليَّة فتق جديد لسطح الأرض التي كانت تُكوِّن قاع البحر بنزع حمم البركان بواسطة النار والغازات المضغوطة في الطبقة الموريَّة ليظهر خلق جديد نُسميِّه سطح الكرة الأرضيَّة الجاف أو اليابسة فهو جنين تكوَّن ووُلدَ من قاع البحر. ولذلك فأوَّل مكان لهذا النشاط أو الفتق بقوَّة هو سُرَّة للأرض مثلما الأرض هي سُرَّة الكواكب الحيَّة. وبما أنَّها سُرَّة الأرض فيجب أن تلتزم بالنسبة الذهبيَّة في التناسق وفي الوظيفة. والكعبة كما وصفها المصطفى صلَّى الله عليه وسلَّم كانت مكاناً عالياً كما قال المصطفى صلَّى الله عليه وسلَّم عن البيت ساعة ترك خليل الرحمن إبراهيم ابنه وزوجه عنده عليهم أفضل الصلاة والسلام:
"وكان البيتُ مرتفعًا من الأرضِ كالرابيةِ، تأتيهِ السيولُ، فتأخذُ عن يمينِهِ وشمالِهِ".
ولمَّا رجع سيدنا إبراهيم عليه السلام ليبني البيت طلب من سيدنا إسماعيل أن يساعده في بنائه وكان كما هو في مكان مرتفع:
"قال: فإنَّ اللهَ أمرني أن أبني ها هنا بيتاً، وأشار إلى أَكْمَةٍ مرتفعةٍ على ما حولها، قال: فعند ذلك رفعا القواعدَ من البيتِ".

وقد ظهر إنَّ النسبة الذهبيَّة تنطبق على علاقات الكواكب مع أقمارها أو مع النجوم في متتاليات سميت متتالية فيبوناتشي نسبة إلى ليوناردو البيسي والمعروف باسم فيبوناتشي ولها صلات بالأعداد للكواكب والمجرات والتصنيفات النباتية والحيوانية.
فنري أنَّ الإنسان المُخاطب في الآية هو سنام المخلوقات الحيَّة جميعاً، والإبل هي سنام الحيوانات، السماء هي سنام الكون، والأرض هي سنام الكواكب، والجبال هي سنام الأرض، والكعبة هي سنام الأماكن، والقرآن الكريم الذي أُمر أن يُذكِّر به الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم هو سنام الكتب السماوية والأرضيَّة، وحبيبنا المصطفى هو ذروة سنام الأنبياء والرسل والبشر.
والمصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم يقول:
"لكلِّ شيء سنام، وإنَّ سنام القرآن سورة البقرة، وفيها آية هي سيِّدة آي القرآن: آية الكرسي". فإذا تخيَّلت القرآن مطروحاً وطبَّقت عليه ترتيب الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم فستجد أنَّ سورة البقرة ترتفع على القرآن بما يشبه السنام وعليها آية الكرسي كذروة السنام.

وهذا ينطبق مثلاً على الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم فإذا كان البشر هم القاعدة وكان الأنبياء طبقة وعليهم طبقة الرسل ثمَّ سنامهم الرُّسل أولي العزم فإنَّ الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم هو ذروة هذا السنام كآخر ما فيه عُلوَّاً ومنزلة ليس بعده إلا الله وهو أعلاهم وأوسطهم:
" وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ‬".
ويسري هذا على مثل الخلق أجمعين من غير الرسل فتأمَّل قول المصطفي وحاول وضعه في خيالك كمراتب متتالية تجد سناماً يتكوَّن وله ذروة:
"إنَّ الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى هاشماً من قريش، واصطفاني من بني هاشم"، كما وصفه سيدنا حسان بن ثابت رضي الله عنه، بسنام المجد من بني هاشم. وهو كما وصفه سيدنا أبو سفيان، قبل إسلامه، لهرقل: "إنَّه من أوسط قريش"، أي أعلاهم لأنَّ الأوسط هو الأعلى والأشرف.

ويقول المصطفى صلَّى الله عليه وسلَّم أيضاً:
(ألا أخبركم برأس الأمر كله وعموده وذروة سنامه؟)، قلت: بلى يا رسول الله قال: ( رأسه الإسلام ) الأمر يعني الهدى، ( وعموده الصلاة ) أي عمود الإسلام الصلاة، لأن عمود الشيء ما يبنى عليه الشيء ويستقيم به الشيء ولا يستقيم إلا به وإنما كانت الصلاة عمود الإسلام، لأن تركها يُخرج الإنسان من الإسلام وهي تشمل كلَّ أركان الإسلام من شهادة وزكاة وصيام وحج، (وذروة سنامه الجهاد) في سبيل الله، والسنام ما علا ظهر البعير وذروة أعلاه وإنما ذروة سنام الإسلام الجهاد في سبيل الله، لأنَّ الجهاد؛ ويشمل جهاد النَّفس والباطل، هو الذي يرفع الإنسان ويُحرِّره من شهوات النَّفس وطغيانها ومن طغيان الآخرين بعبوديَّته لله وحده وهو عين المفارقة الحكيمة وهو استبدال عبوديَّة ضارَّة بعبوديَّة نافعة فالإنسان عبد شهواته رضي أم أبي.
ربط مفهوم الخلق بأصلٍ واحدٍ يعني أنَّ كلَّ المخلوقات تمرُّ بنفس دورة الخلق وتكون مقهورة بنواميس من خلقها وذلك يعني أنَّ لكلِّ مخلوق "توصيف وظيفي" يشمل هدف خلقه وتفاصيل مهامِّه ولهذا فلحياته معني وإلا صار خلقه عبثاً:
" ‫أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ‬؟". ‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

وإذا كان الهدف فقط للهو واللعب لكان له هدف أيضاً ولكن ذلك ينفيه المولي عزَّ وجلَّ:
"وما خَلَقْنَا السماء وَالأرض وما بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ، لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ".‬
وبما أنَّ هناك هدف واضح فالذي يحدِّد الهدف هو الخالق، والذي يحدِّد طريقة عمل المخلوق هو الخالق. فمثلاً لا أحد يخترع شيئاً وهو لم يُحدِّد الهدف أوَّلاً أو هو أيضاً لا يعرف كيف يصنعه أو كيفيَّة استخدامه.

وبما أنَّ الله سبحانه وتعالي حدَّد الهدف فقد حدَّد أيضاً طريقة الاستخدام لأداء الوظيفة في شريعته ومنهاجه بالتوصيف الوظيفي لنا لنقوم بأمر العبوديَّة فقد درَّب من أرسله ليُري النَّاس ليدرِّبهم واقعاً على استخدامه: " ‫لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً". وهو ما يُعرف بالقيادة بالمثال وهو ما فعله الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم:‬
"وإني، والذي نفسي بيدِه! لو أنَّ فاطمةَ بنتَ محمدٍ سرقت لقطعتُ يدَها". ‬ ‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

وسنواصل إن أذن الله سبحانه وتعالي
ودمتم لأبي سلمي