بسم الله الرحمن الرحيم
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نواصل ما انقطع من حديث في الحلقة السابقة عن حُجَّة المسلمين لإثبات أنَّ هذا الكون مخلوق، وهو لذلك جديد له بداية ونهاية، وأنَّ الذي خلقه هو الله سبحانه وتعالي القديم الأزلي الذي هو البداية والنِّهاية نفسهما. وقلنا إنَّنا إن شاء الله سنعود لحُجَّة الملحدين، الذين يؤمنون أنَّ العالم هو الأزلي القديم خلق نفسه بنفسه نتيجة الصدفة، وذلك بعد أن نفرغ من النَّظر في حُجَّة المسلمين.

والمسلمون يستندون في حُجَّتهم على كلام الله سبحانه وتعالي في كتابه القرآن الكريم وعلى سنَّة رسوله الأمين للنَّاس أجمعين ليتأمَّلوا فيما حولهم من مخلوقات، وذلك بدراستها وتمحيص حقائقها العلميَّة حتى يبصروا ويقتنعوا أنَّ الكلام هو كلام الله المُعجز.

وإذا ما آمنوا أنَّه كلام لا يمكن أن يصدر عن بشر، فذلك يثبت وجود خالق أكبر وأقوي وأعلم وأقدر من البشر، ويؤمنوا أنَّ هذا الخالق أرسل المرسلين للنَّاس رحمة بهم فما كان ليخلقهم ويذرهم بلا رعاية وهو أحنُّ وأرأف بهم من المرأة بوليدها:
"قدِمَ على النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سَبيٌ، فإذا امرأةٌ من السبيِ قد تحلُبُ ثَديَها تَسقي، إذا وجدَتْ صبيًّا في السبيِ أخذَتْه، فألصقَتْه ببَطنِها وأرضعَتْه، فقال لنا النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (أترَونَ هذه طارحَةً ولدَها في النارِ). قُلنا: لا، وهي تقدِرُ على أن لا تطرَحَه، فقال: (لَلّهُ أرحَمُ بعبادِه من هذه بولَدِها)".
، وما كان لتركهم كالأيتام ولا يُعرِّفهم بوجوده، أو لا يُعطيهم حناناً من عنده وإحساساً بالأمان عند الشدائد والمخاطر، ويدلَّهم على سبل العافية في الدنيا والآخرة، وسمَّى نفسه الله، وهو اسم لم ولن يدَّعيه أحد قبله ولا بعده:
‫"رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ ۚ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا‬"، وحتى زماننا هذا فلم يجرؤ إنسان، حتى الملحدين، من تسمية أنفسهم باسم الجلالة الله. ‬

والمفروض في كتاب وعد الذي أنزله بحفظه، وقال بأنَّه العليم، أن تظلَّ كلُّ آياته متناسقة مع حقائق العلم المُثبتة، والتي لا خلاف حولها أو عليها، في كلِّ زمان ومكان حتى يوم البعث، ممَّا يعني أنَّ مُجرَّد وجود آية واحدة تُعارض العلم المُثبت كفيلة بأن تنقض مصداقيَّة القرآن كلَّه، لأنَّ الذي أنزله قال إنَّه الحقّ، وأنَّه العلم، وأنَّه لا شكَّ فيه ولا اختلاف، وهذا هو التَّحدِّي من الله سبحانه وتعالي إلى يوم القيامة للكافرين بوجوده أن يثبتوا خطأ ما قال ولو في حقيقة واحدة، أو عدم اتِّساقه مرَّة واحدة،أو يأتوا بسورة واحدة مثله.

إذاً الغرض الأساس من إرسال الله سبحانه وتعالي للرسل بالمعجزات هو تعريفهم بربِّهم، وتقديم منهج للحياة للنَّاس الذين خلقهم ليسيروا على هداه حتى يصونوا به حياتهم الجسديَّة والنَّفسيَّة والاجتماعيَّة والروحيَّة من الضرر، ويُتمُّوا به عافيتهم بكلِّ أقسامها، وسمَّاه هُدَى:
" قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى‬".
ثمَّ عرَّف أنَّ الهدى الذي يجب أن يُتَّبع هو هداه وحده، لأنَّ هناك مذاهب وأفكار مختلفة في العالم تدَّعي أنَّها هي الهدى لأنَّها تظنُّ أنَّها الحق، ولذلك يقرِّر الله سبحانه وتعالي أنَّ تسمية الهدى يجب أن تُحصر في هداه فقط: " ‫قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى‬".‬‬‬‬
ولماذا ذلك؟ لأنَّ الله هو الوحيد الذي يهدى للحقِّ: " ‫قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ؟ ۚ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ ۗ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّي إِلَّا أَن يُهْدَى؟ ۖ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ؟ ".‬‬‬‬
وهذه حُجَّة منطقيَّة فكيف يهدى إنسان الآخرين إذا كان هو نفسه لا يعرف الفرق بين الحقيقة والرأي؟ أو الفرق بين ما ينفع في الحال أو في المستقبل حتى الأدوية التي يُصرف عليها البلايين في الأبحاث والتجارب يثبت ضررها بعد استخدامها بسنوات وتُسحب من السوق. وهذا أيضاً ينطبق أكثر على الأفكار التي تسود في زمان مُعيَّنٍ ويموت الملايين في سبيلها ثمَّ تبيد ويهدمها نفس من بناها.

والسؤال كيف تحكمون؟ مُوجَهٌ لناصية المخ الأماميَّة التي تتَّخذ القرارات بناءً على الحيثيَّات، مثلما يفعل القاضي في المحكمة، ولذلك فالحكم يجب أن يكون في جانب الحقِّ لا في جانب الباطل، أي في جانب الحكمة لا في جانب الحماقة والجهل. والإنسان الحكيم هو الذي ينظر في الأشياء مُجرَّداً عن الهوى ويضع الأشياء موضعها حتى تصدر أعمالُه وأقوالُه عن رويّة ورأي سديد.

والله سبحانه وتعالي سمَّي نفسه الحقُّ، والمعني المُوجَّه للإنسان إنَّك إن اتَّبعت هدى الله، فقد اتَّبعت الحقَّ وإن فعلت ذلك فقد وصلت إليه، لأنَّ ما غير الحقّ هو الضلال: " ‫فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ ۖ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ؟ ۖ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ؟‬"‬‬‬‬
وتُصرفُون أيضاً مُوجَّهة لطريقة اتِّخاذ القرار بعد النَّظر في الحيثيَّات وهي تعني: كيف تستجيزون العدول عن الحقّ إلى الكفر والضَّلال؟

والهُدى هو أقصر الطرق الموصلة للغاية؛ أي الطريق المُستقيم:
" ‫اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ‬ ".‬‬‬‬
فالمغضوب عليهم، وهم اليهود، تركوا الطريق المستقيم عن علمٍ لينصروا دينهم بالباطل بسبب العصبيَّة ومن أجل السُلطة الزمنيَّة فهُم طُلَّاب باطلٍ أدركوه، أمَّا الضالين فهم النَّصارى ضلُّوا عن جهل، فهم طُلَّاب حقٍّ أخطأوه.

ومن أسماء الله سبحانه وتعالي الحُسني: (الهادي)، وهذا الاسم يُلخِّص جوهر رسالة الإسلام ومنهجها:
"يقول ابن الأثير رضي الله عنه: "هو الذي بصَّر عباده وعرَّفهم طريق معرفته حتى أقرُوا بربوبيَّته، وهدى كلَّ مخلوق إلى ما لا بُدَّ له منه في بقائه ودوام وجوده". ونضيف أيضاً في بقائه ودوام وجوده حتى موته في حالة عافية تامَّة ليؤدِّي ما عليه من واجبات ومسئوليَّات حسب "التَّوصيف الوظيفي" الذي خُلق له.

والمولي عزَّ وجلَّ يقول كلَّ شيء مخلوق هو من صنعه، ووصف صنعه بالمُتقن، ولم يتثن شيئاً من خلقه صغيراً أو كبيراً، وهذه جملة شاملة وجريئة لا يمكن أن يدَّعيها إنسان، فلم نر حتى هذا اليوم صناعة بشريَّة وُلدت في حالة إتقان أو لها القدرة على التَّكيُّف ذاتيَّاً مثل خلق الله، ولهذا لا نزال نشتري آخر السيارات وآخر الطائرات وما شابه:
"صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ‬".
ويؤكِّد الله سبحانه وتعالي ما قاله في آية أخري: "الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَه‬"، وهذا يعني إدراك مرتبة الكمال من إتقانٍ في الصنعة، وقوَّة في التَّحمُّل، وجمال في المظهر وأداء للمُهمَّة، وهو ممَّا لا يجوز لبشر. فنحن عندما نشتري سيَّارة مثلاً فإنَّنا نسعى لذات الصنعة الدَّقيقة المُتقنة التي تُوفِّر كلَّ أسباب الراحة، ولكنَّنا نبحث في نفس الوقت عن التي تضمن السلامة والأمان لأقصي حدِّ عند الحوادث أو السرقة، وذات التَّصميم الخارجي الجميل الجذَّاب، وبعد كلِّ هذا نبحث عن التي وقودها رخيص ولا يسبِّب أذي للبيئة، وتؤدِّي المُهمَّة المصنوعة لها بكفاءة لمدَّة طويلة إن كانت سيارة نقل أو رياضة أو عائلة.

وبهذه المعايير الدَّقيقة نستطيع أن ندرس الإبل مثلاً لنري هل تنطبق عليها معايير الإتقان والإحسان والقوَّة والسلامة وأداء المُهمَّة ونوع الوقود لتتمُّ بذلك معايير الكمال؟
ونجد أنَّ هذا الجمل حيوان لا يُسبِّب للبيئة أيِّ ضرر، فحتى بوله وبعره يستخدمهما الإنسان، ففي البول شفاء من سقم، وفي البعر دفء من برد ووقود لطعام ووقاية من حيوان متوحِّش، وهو لذلك أوَّل وآخر مخلوق يتمُّ إعادة تدوير كلّ أجزائه ومُخلَّفاته بلا فائض يؤثِّر على البيئة، أو يُسبِّب لها أو لنا ضرراً، ونحن نعلم أنَّ ما يصنعه البشر يسبِّب، أثناء صنعه أو الانتهاء من صنعه واستخدامه، مشاكل صحيَّة كارثيَّة للبيئة والإنسان يصعب معالجتها.

وعندما يقول الله سبحانه وتعالي: أَفَلَا يَنْظُرُونَ؟ فهو لا يعني رؤية الشيء بالبصر، فهذا لا يستطيعه الضرير والله لا يظلم أحداً بأن يطلب منه شيئاً لا يقدر عليه، ولكنَّه يقصد النَّظر بالفكر والبصيرة.

فالضرير يمكنه أن يسمع عن صفات الإبل ويقارنها بصفات الحيوانات الأخرى ويستنتج من ذلك من المعاني والمفاهيم ممَّا قد يساعده على الإيمان بالله أو يبعده منه.

وفي معجم المعاني الجامع نجدُ أنَّ النَّظر هو البصيرة والتَّفكير والدراسة، وأطال أو أنعم النَّظر في كذا أي تأمَّله وفكَّر فيه بدقَّة.
وأنواع التَّفكير المطلوبة هم التَّفكير العلمي؛ أي المنطقي الذي يعتمد على التَّعريف والدَّليل، وهو ما يُعرفُ بمرحلة التَّفسير للظواهر وإدراك العوامل الدَّاخلة فيها، وهو يمكن أن يقوم به كلُّ دارس أو طالب للعلوم أو ما يُسمَّي بالمتعلِّم على سبيل نجاة.
أو التَّفكير التَّفكُّري الذي يستخدم الاستنباط ليخرج بنتيجة مختلفة من فكرتين مختلفتين، وهو ما يمكن أن يفعله العالم المُتخصِّص في مجاله فهو تبدو له أشياء وتغيب عنه أشياء ولذلك فلا رؤية كاملة عنده.
أو التَّفكير التَّدبُّري الذي يستخدم الاستقراء ليستخرج معني مُخبَّأ في معانٍ كثيرة وهو ما يُعرف بالتَّأويل وهو ما يمكن أن يفعله الرَّاسخ في العلم لإلمامه بجوانب علوم أخري تفتح له باب تكامل المعرفة ورؤية الأشياء من زوايا مختلفة أو كما يُسمَّي بالتَّفكير خارج الصندوق: " ‫وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ‬".‬‬‬‬
فالمولي عزَّ وجلَّ عندما يدعو النَّاس للنَّظر فهو يدعوهم على وُسع مقدرتهم.

"أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ؟ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ؟ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ‬؟ وَإِلَى اْلأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ؟ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ".
هذه الآيات تربطها أشياء عديدة ببلاغة مُعجزة. دعونا نتأمَّل أوَّلاً في العامل المشترك بين الإبل والسماء والجبال والأرض والرسول صلَّى الله عليه وسلَّم، فأوَّل شيء أنَّهم ذروة سنام الخلق في سياقهم أو لهم سنام وعمود يرفعهم. وثاني شيء الإعجاز في الخلق وطريقة خلقه، وثالث شيء "التَّوصيف الوظيفي الذي خلق له كلَّ واحد منهم.

والسنام من كلِّ شيء في اللغة هو أعلاه وأوسطه. فالفردوس مثلاً في أعلى الجنَّة ووسطها فوقها العرش مباشرة:
"الجنَّة مائة درجة كلُّ درجة منها ما بين السماء والأرض، وإنَّ أعلاها الفردوس وإنَّ أوسطها الفردوس".
ونحن نعلم أنَّ الجمل هو الحيوان الوحيد الذي له سنام في وسط ظهره ومنها من له سنامين. وللسنام وظيفة أساسيَّة تُمكِّن للجمل من أن يقاوم الفناء ويؤدِّي وظيفته حسب التَّوصيف الوظيفي الذي كتبه له الله سبحانه وتعالي.

والإبل، كما نعرفها اليوم، أُكتشف حديثاً بقاياها في شمال كندا في المنطقة الجليديَّة قبل ثلاثة إلى خمسة مليون سنة، وقد كان حجمها أكبر من الإبل الحاليَّة بثلث الحجم ولذلك سُمِّيت بالإبل العملاقة. ولكنَّها لا تختلف عن الإبل الحاليَّة في شيء آخر في صفاتها أو جيناتها، وهي ما تُسمَّي ببصمة الأصبع الجينيَّة من الكولاجين، ممَّا يعني لو أنَّنا لو أفلحنا في استنساخ جمل منها الآن لما وجدنا اختلافاً بينهما إلا في الحجم.
وهذا يعني أنَّ تركيبها الأوَّل لم يتمّ كعمليَّة تطوُّر وتفاعلٍ بينها وبين الطبيعة حتى تستطيع أن تعيش وتبقي كنوع كما تقول نظريَّة النشوء والتَّطوُّر.
فالإبل التي خُلقت في شمال كندا، حيث الجليد، لها نفس الخُفِّ الذي مكَّنها من المشي على الجليد ويمكِّنها الآن من المشي على أنعم أنواع الرمل التي لا تستطيع مركبة غيرها أن تمشي عليها، ومن هنا جاء اسمها: "سفينة الصحراء". ولها أيضاً على رُكبها جلد سميك تستطيع أن تبرك عليه في أقسي البيئات ولا تخدشها، وهي مفيدة في حالة تحميلها بالأثقال، وهي لم تكن مستأنسة ولا حملت أثقالاً من قبل في شمال كندا حتى تتحوَّر لتلائم وظيفتها الجديدة.

وهذه الإبل لها مواصفات تساعدها على الصبر على العطش لمدَّة عشرة أيَّام أو ستَّة أشهر دون أن يكون لها حاجة أن تفعل ذلك في شمال كندا حيث توفُّر الماء.

وتقول الدِِّراسات أنَّ الإبل نزحت إلى أوروبا وآسيا الكبرى والصغرى حيث الصحاري ومن المذكور أنَّ العرب استأنسوا الإبل حوالي خمسمائة سنة قبل الميلاد.

أمَّا نظريَّات التَّطوُّر فترجع أصل الإبل إلى قبل خمسين مليون سنة وتصوِّره كحيوان صغير في حجم الأرنب، ولكن هذا مُجرَّد تخمين فلا يوجد دليل علميٍّ وثيق يربط بينها وبين هذا الحيوان بل بعض الاشتراك في بعض الجينات الوراثيَّة، بل هناك اختلاف بين العلماء في طريقة التَّحوُّل من ذلك الحيوان إلى شكل الإبل كما نعرفها اليوم، أو حتى مُجرَّد اتِّفاق في احتمال حدوث هذا التَّحوُّل، ولكن الشيء المُؤكَّد علميَّاً أنَّ الجمل عاش بشكله الحالي وصفاته الخَلقيَّة منذ زمان طويل يفوق الثلاثة إلى خمسة ملايين سنة.

وتقول الدِّراسات العلميَّة الحديثة أنَّ الإبل كانت تستطيع أن تعيش في شمال كندا في فصل الشتاء لمدَّة ستَّة أشهر في ظلام باردٍ بلا أكل أو شرب وتعتمد على سنامها فقط، وهو الذي تعتمد عليه في الصحراء أيضاً، وتستطيع أن تُحوِّل شحمه إلى طاقة أو إلى ماء وهو ما لا يستطيع أيّ حيوان آخر أن يفعله.

وهذا يعني أنَّ الجمل هو الحيوان الوحيد الذي يستطيع أن يعيش في مناخين مختلفين تماماً بين درجتي حرارة قصوى، ولهذا فهو الحيوان الوحيد الذي لا يحدث له استطراق في درجة الحرارة مثل بقيَّة الحيوانات بما فيها الإنسان.
فمثلاً درجة حرارة الإنسان ثابتة في كلِّ أجزاء جسمه إن كان في حرٍّ أو في بردٍ، فهي ثابتة في 37 درجة مئويَّة إلا إذا تعرَّض لبرد شديد أو ممرض يسبِّب الحمَّي، وهذا هو ما يُعرف باستطراق الحرارة أي انتشارها بنفس الدرجة في كلِّ أجزاء الجسم. أمَّا الجمل فدرجة حرارته تتغيَّر بين 34 – 41 درجة مئويَّة حسب البيئة التي هو فيها، وهو يتحمَّل درجات الحرارة 49 أو 29 تحت الصفر ولا يوجد حيوان آخر من الثديَّات يفعل ذلك. وعنده في عنقه قرب شرايينه وأوردته جهاز تنظيم حراري طبيعي؛ أي جهاز تكييف، يستخدمه ليُغيِّر درجة حرارته ودرجة حرارة الدَّم قبل أن يدخل على مُخِّه حسب البيئة التي هو فيها.

الشيء الثاني هو مقدرته على تخزين الماء وشرب كميَّات هائلة من الماء العذب أو المالح في خلال دقائق قليلة حتى وهو في حالة فقدان سوائل، من غير أن يؤثِّر ذلك على عناصر الدَّم، وهو أمرٌ سيقتل في دقائق أيّ حيوان آخر بما فيهم الإنسان.
وأيضاً من ميزاته اختلاف كُريات الدم الحمراء، التي هي دائريَّة في كلِّ الثديَّات، ما عدا الإبل فهي بيضاويَّة الشكل مثل شكل الكرة الأرضية، وشكلها يساعد على مرور الدَّم في الشرايين والأوردة في حالة فقدان السوائل، وهو شيء يختصُّ به الجمل فقط، فلا يتخثَّر الدَّم ويسبِّب جلطات.

ولكريات الدَّم الحمراء أيضاً وظيفة إضافيَّة في تنظيم الماء في الدَّم والحفاظ على نسب الأملاح والعناصر. وللإبل أيضاً اختلاف في الكُلي مقارنة ببقيَّة الثديَّات فهي لها جهاز تنقية مختلف يحتفظ بمعظم الماء ولذلك فبولها مثل العصير السميك.

ومن الأشياء الأخرى التي تختلف فيها هو بعرها الذي يخرج جافَّاً تماماً حتى إنَّ البدوي يستطيع أن يستخدمه كوقود مباشرة. فالإبل هي الحيوانات الوحيدة التي تُركب ويُحمل عليها الأثقال، ويُشرب لبنها، ويُؤكل لحمها، ويُغزل وبرها، ويُلبس جلدها، وكلُّ شيء فيها حلال نافع حتى بولها يعالج مرض الاستسقاء والتهابات الجروح ودمها يُغذِّي التربة ويجعلها خصبة.

كلُّ هذه الاختلافات تدلُّ على أنَّ الذي خلق هذا الحيوان خلقه مختلفاً بنظامٍ ونسق وتناسق مدهش بين أجهزته المختلفة وبين البيئة التي يعيش فيها حتى يستطيع أن يؤدِّي ما عليه من واجبات حسب التَّوصيف الوظيفي المكتوب له بأفضل كفاءة، كما فعل الله سبحانه وتعالي ذلك مع بقيَّة الوجود الذي خُلق بنسق راقٍ يؤيِّد بعضه بعضاً بشكل موزون لا يعانده:
" ‫الْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ‬". ‬‬‬‬‬
والإنبات لا يعني به النَّبات ولكن كلَّ مخلوق هو من إنبات الله سبحانه وتعالي:
" ‫وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأرْضِ نَبَاتًا‬".‬
فالله سبحانه وتعالي خلق من الأنعام ثمانية أزواج منها الإبل وللأنعام جميعاً توصيف وظيفي مختلف ما عدا الإبل التي تشمل كلَّ شروط التَّوصيف الوظيفي وهي:
الحمولة والفرش: "وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا"
والركوب والأكل والمنافع الأخرى من لبن للشرب ووبر للغزل وما شابه:‬‬‬‬
"اْللَّهُ اْلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ اْلْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُواْ مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ‬، وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ".

هذا يعني أنَّ تفسير الصدفة في الخلق، أو التَّطوُّر بتحوُّر الأعضاء لتلائم البيئة، أو تحوُّل نوعٍ لنوع آخر ليس لهم مصداقيَّة علمية، فهناك حيوانات تعيش في القطب الشمالي مثل الدُّب القطبي ولم يحدث له تحوير في أعضائه ليتلاءم مع بيئة لم ينشأ فيها مثل الجمل، ولكن الجمل منذ ملايين السنين ظلَّ كما هو لم يتغيِّر إلا في الحجم، وهو تطوُّرٌ في الحجم كما حدث لسيدنا آدم عليه السلام فرضته عليه ظروف البيئة.
فلماذا خُلق بهذه الهيئة ليلائم ظروفاً بيئيَّة على النَّقيض من بيئته التي نشأ فيها وهو لم يتعرَّض لها أصلاً؟ ونري أنَّه نزح بمرور الزَّمان وصار وجوده الرئيس في بيئته الجديدة الصحراويَّة فقط، وينقرض في بيئته الأصليَّة، ولا يتغيَّر تركيب أجهزته أبداً ورغم ذلك لتلائم المناخ الصحراوي الذي وجد نفسه فيه، بل يظلّ كما هو، بلا تغيير أو تحوير تفرضه عليه بيئته الجديدة، ويستطيع أن يعيش في نفس المناخين المتناقضين بنفس الكفاءة إلى يومنا هذا؟

فهذه "المواصفات" تدلُّ على أنَّ الإبل هي سنام الحيوانات شرفاً ومنفعة، ومن غيرها لم يكن العالم ليكون كما نعرفه اليوم. وتدلُّ أيضاً على أنَّ الذي خلقها كان يعلم مسبقاً بما ينتظرها من وظائف فجهَّزها لها من أوَّل خلقها ولم يجعلها تتحوَّر مع الزمان وهذا يهدم أساس نظريَّة التَّطوُّر.

إذ لماذا تكون لديها المقدرة على العطش وعدم العرق لمدَّة طويلة، أو القدرة على إلصاق أذنيها حتى لا يدخل فيها الرَّمل، أو أن يكون لها جفن ثالث ورموش طويلة تقفل العينين تماماً أو ذنباً تحميها من أذى الرمال؟ أو يكون باستطاعتها أن تسُدَّ منخريها، ولا تتنفَّس بفمها لتحفظ الماء، وتأكل حتى الأشواك القاسية، وهي خلقت في بيئة جليديَّة لا صحراء ولا رمال ولا أشواك فيها؟
ولذلك في ختام التوصيف الوظيفي للأنعام في عمومها في سورة غافر، التي نزلت قبل سورة الغاشية إذ بينهما سبع سور، يوجَِّه الله سبحانه وتعالي سؤالاً للبشر:
" وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنكِرُونَ‬؟"
ويختار الإبل من دون أنواع الأنعام الثمانية ليطلب من البشر أن يتأمَّلوا خلقها لأنَّ خلقها معجزة لا يمكن أن يصل إلى كمالها بشر:
" أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ؟"

وسنواصل إن أذن الله سبحانه وتعالي
ودمتم لأبي سلمي