بسم الله الرحمن الرحيم
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

مفهوم الإيمان:

عندما نتحدَّث عن مفهوم الإيمان فنحن نعني التصديق بشيء في الغيب أي لا يُمكن أن يُشاهد والمعني الغالب هو الإيمان بالله. ولذلك عندما أقول لك بأنَّ شخصاً ما قد فعل فعلاً ما وأنت لم تشهده فهو غيب عليك، ولك أن تصدِّق صحَّة القول مباشرة لأنَّك "تثق" في المبلِّغ للخبر حسبما عهدته عليه من صدق في الماضي أو أن تطلب الحجَّة وهي الدليل والبرهان.

ولفهم موقف أهل الكتاب في عصر التنوير لا بُدَّ من وضعه في سياقه التاريخيِّ الصحيح وإلا اختلطت المفاهيم وظهر العلم الزائف في لبوس العلم الحقَّ وانتقلنا من حقيقة المعرفة إلى وهم أو جهل المعرفة وهذا كثير منه في أيَّامنا التي نعيشها.

فالذين يريدون للإسلام أن يتبع المنهج العلمي النَّقدي التَّاريخي، حذوك النَّعل بالنَّعل كما فعل أهل الكتاب في القرنين الثامن والتاسع عشر الميلادي، لربما لا يضعون الأمور في سياقها التَّاريخي لجهلهم به، أو تجاهلاً لأنَّه لا يستقيم مع دعوتهم، أو جهلاً بدين الإسلام وسياقه التاريخي. فالحقائق تظلُّ حقائق وهي متاحة لمن يريد أن يعلم ولا ينفع معها النَّظرة الانتقائيَّة إن كانوا يبغون علماً حقيقيَّاً بحياديَّة علميَّة منضبطة بالذكاء الأخلاقي، أي الضمير، فالحقُّ يعلو ولا يُعلي عليه.
ولذلك فالغرض الأساس من كتابة هذه المقالات هو توضيح الفرق بين العلم الحقّ وبين العلم المزيَّف، لتمكين الشباب، ممَّن تساورهم الشكوك ويقلِّبون الفكر في ورثتهم الدِّينيَّة، أن يمتلكوا وسائل البحث والتَّفكير العلمي المستقل المُّحايد ليستطيعوا أن يصلوا إلى نتائج علميَّة مُستقِّلة تعتمد على الدليل والبرهان، لا على الافتراضات الكاسحة المبنيَّة على الهوى والغرض. ومثل هذه الافتراضات تبدأ كخلاصة يقينيَّة يُبحث لها عن البراهين التي تُثبت صحَّتها، بدلاً من اعتبارها كفرضيَّة لا غير تقوم على الشكَّ المنهجي، وتخضع للبحث العلمي الذي يأتي بنتائجه المحايدة والتي يُستخلص منها الحقائق.

ولذلك فلا بُدَّ من تلخيصٍ تاريخي، لربما يكون مُملاً ولكنَّه ضروري، يضع خارطة ذهنيَّة في ذهن القارئ ليعرف تطوُّر المفاهيم والأديان خلال عمر البشريَّة القديم والحديث لأنَّ التَّاريخ نهرٌ متَّصل من منبعه إلى مصبِّه يرفده الزمان بمياهٍ من مصادر كثيرة تختلط وتتفاعل وتُنتج لنا ماءً مختلفاً في كلِّ نقطةٍ نغترف منها وإذا ما حلّلناها فسنجد جميع مكوِّناتها. وهذا لا يختلف عن علم الوراثة الذي يمكن أن يُثبت لك تفاعل جيناتك منذ بداية ظهور البشر إلى اليوم.

فمنذ عهد الحركة الإصلاحيَّة للكنيسة الكاثوليكيَّة، بقيادة القسّ الألماني مارتن لوثر في القرن السادس عشر الميلادي، والتي أعقبتها حرب الفلاحين التي أدانها وانتهت بميلاد الديانة المسيحيَّة البروتستانتية، إلى عصر الأنوار أو التنوير، والذي ترجع أصوله الفكريَّة للفيلسوف فرانسيس بيكون في القرن السابع عشر الميلادي. وقد تبعت عصر التنوير حركة ثوريَّة أدَّت إلى ولادة الدولة الحديثة في القرنين الثامن والتاسع عشر الميلادي.

وقد كان جوهر هذه الحركات هي تحرير الإنسان بتحرير عقله من التَّبعيِّة حتى يُقرِّر لنفسه ما يكون في مصلحته دون وصاية أو قهر وكان أوَّل من صرَّح بذلك هو القسّ مارتن لوثر أثناء محاكمته في مجلس "ورمز" عام ١٥٢١ فقال: "إنَّه لا يجوز أن يُكره بأن يعتقد ما هو ضدَّ ضميره". والقس مارتن لوثر لم يرفض المسيحيَّة كدين ولكنَّه اعترض على بعض التَّعاليم والمفاهيم والسلوك الكنسي في ذلك الوقت مثل اعتقاده أنَّ القدسيَّة لا تجوز لغير الكتاب المقدَّس ولذلك فأحكام البابا والمجامع الكنسيَّة ليست مُقدَّسة لأنَّها تخطئ وتناقض نفسها في كثير من الأحيان. وأيضاً مبدأ العفَّة أي الرهبانيَّة التي انتقدها وقال هي ليست من المسيحيَّة وقد كسرها بتهريب راهبة من دير وتزوَّجها وأنجب منها ستَّة أطفال.

وقد انتهت تلك المحاكمة بإدانة القس مارتن لوثر بوصفه خارجاً عن القانون، وحظر مؤلَّفاته، كما طالبت باعتقاله بوصفه "زنديق سيء السمعة". كذلك نصَّ القرار على تجريم كلِّ مواطن في ألمانيا يأوي مارتن لوثر أو يقدِّم له مساعدة، كما أُهدر دمه بمعني أنَّ قتله العمد لن يتسبَّب بأيِّ أثر قانوني.

فقد كانت دعوة القسِّ مارتن لوثر أوَّل دعوة للاستقلاليَّة الفكريَّة في أوروبا ولكن ليس في العالم فقد سبقها القرآن الكريم بقرون قبلها، ولكنَّها، وإن كانت قاصرة على تعديل مفاهيم لاهوتيَّة كنسيَّة، فتحت الباب لمبدأ التَّفكير الحر والدفاع عن القناعات الخاصَّة والتحرُّر من الوصاية.
أي أنَّها دعوات للتَّخلُّص من حالة الطفولة الدائمة والوصول لمرحلة الرشد، باستخدام التَّفكير العلمي، الذي ينتج عنه المنهج العلمي النَّقدي التَّحليلي، بالاعتماد على واستخدام العقل بدلاً من الكسل الذهني الذي تفرضه الكنيسة، بادَّعائها لامتلاكها للحقيقة المطلقة.

وذلك أدَّي لامتلاك السلطة المطلقة لتقرِّر للنَّاس ماذا يؤمنون به، وكيف يفكِّرون وكيف يتصرَّفون حسب النصَّ الديني في الكتاب المقدَّس، على أساس أنَّه كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وهذا الزواج بين السلطة والدِّين لقهر الناس واستعبادهم واستغلالهم قديم منذ خلق الإنسان عقبته في كلِّ فترة ظلم واضح وفسادٍ فاضح حركة ثوريَّة تصحيحيَّة تحريريَّة يقودها الأنبياء والرسل.

فمنذ عهد سيدنا نوح عليه السلام مروراً بعهد سيدنا إبراهيم عليه السلام وسيدنا موسي عليه السلام إلى عهد سيدنا ومولانا محمد بن عبدالله عليه صلوات الله وسلامه عليه فقد ظلَّ الحلف بين السلطة والدِّين قائمة بحيث وحَّد الملوك بين سلطتي الدنيا والدِّين بادِّعاء الألوهيَّة فكان النمرود على عهد خليل الرحمن عليه السلام:
" ‫أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي ‫يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ۖ‬".‬‬
وكان فرعون على عهد موسى وهارون عليهما السلام:
" وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إلهٍ غَيْرِي".

وقد كان الاستثناء الوحيد لفصل صفة الألوهيَّة من الملك في ذلك الزمان بعد قيام المملكة اليهوديَّة والتي أثبتت صفة البشريَّة التي تخطئ وتصيب على الملوك برغم من أنَّهم رسل.

فسيدنا داود عليه السلام حكم بين عامي ١٠١٠ و ١٠٠٢ قبل الميلاد بينما حكم سيدنا سليمان الحكيم عليه السلام بين عامي ٩٧٠ و ٩٣١ قبل الميلاد والقرآن الكريم يثبِّت هذه النقطة المفصليَّة التاريخيَّة:
"يَـا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً في الاَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى".
بل إنَّ صفة النبوَّة لا تعصمه من الخطأ في الحكم في أمور الناس:
" َدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ، فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ۚ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا‬".

هذا يعني أنَّه قبل قيام الامبراطوريَّة الاغريقيَّة بقرنين من الزمان كانت مملكة الله قائمة بالعدل ولكنَّها كانت في مشرق وجنوب الأرض ولم تذهب شمالاً، ولم يستفد منها أهل أوروبا كثيراً، بل بعد اندثار حكمها وتشتّت اليهود في بقاع الأرض، فقد اليهود لغتهم العبريَّة في المهجر ولذلك كانت أوَّل ترجمة للتوراة من العبريَّة للإغريقية في الإسكندرية في العام الثالث قبل الميلاد.

وفي هذا عار شنيع إذ أنَّ اليهود أصحاب الرسالة والعلم فقدوا أصولهم وبدلاً من أن يؤثِّروا في شعوب العالم تأثَّروا بها نتيجة انغلاقهم وضعفهم الأخلاقي وهو حال المسلمين اليوم.

‬وبعد مائتي عام قامت الامبراطوريَّة الإغريقيَّة وانتشرت بقضائها على مملكة الفرس بقيادة الاسكندر الأكبر الذي أعلن على سرير موته أنَّه ليس سليل الملك المقدوني فيليب الثاني الأعور وإنَّما هو سليل كبير الآلهة زيوس وبذلك رجع زواج السلطة والكهنوت.

أمَّا الامبراطوريَّة الرومانيَّة، التي قامت في عام ٢٧ قبل الميلاد، بعد قيام الجمهوريَّة الرومانيَّة التي أنشئت عام ٥٠٩ قبل الميلاد على أعقاب الإمبراطوريَّة الإغريقيَّة، وبرغم علمانيَّتها كجمهوريَّة، فقد كان لها آلهتها الخاصَّة ومعابدها التي تدعم الحاكم من غير أن تُنصِّب هذا الحاكم كإله ولكنَّها تُقدِّم القرابين في المعابد للآلهة بعد العودة من الحرب منتصرة.

ولكنَّها لم تقاوم كثيراً هذا الزواج فقد أعلن مجلس الشيوخ عقب موت القيصر يوليوس بتنصيبه إلهاً، ممَّا أعطي ابنه أوغسطس لقب الامبراطور، فحوَّل الجمهوريَّة العلمانيَّة في انقلاب أبيض إلى مملكة، وأعطاه السلطة الدينيَّة التي تعطيه الحقّ الإلهي للحكم مع السلطة الزمانيَّة المطلقة.
تزامن قيام الإمبراطوريَّة الفارسيَّة في عام ٥٥٩ قبل الميلاد مع قيام الجمهوريَّة الرومانية وقد اتَّخذت ديناً مُختلفاً يُسمَّي المجوسيَّة يؤمن أنَّ في الكون إلهين (أهورا) إله النُّور و (أهريمن) إله الظلام وهما يتنازعان السيطرة على الكون ويقف البشر الأخيار مع إله الخير والنور (أهورا) والأشرار مع (أهريمن)، وهي ديانة تقدِّس النَّار لأنَّ منها يصدر الضوء وأيضاً تكون مظلمة شرِّيرة.
واتَّخذ الملك صفة (كسري) وله صلاحيَّات مُطلقة ووضع نفسه في موضع وسط بين الآلهة والبشر فقال (كسري أبرويز) أنَّه الرجل الخالد بين الآلهة والإله العظيم جدَّاً بين الرجال.

واستمرَّ هذا الوضع حتى ظهور سيدنا عيسى بن مريم عليه السلام في وقت كان الرومان في أوج سلطانهم ولأنَّ رسالته كانت تصحيحيَّة لمفاهيم اليهود المنحرفة، الذين جعلوا من الكتاب المقدَّس وسيلة للكسب المادِّي فأغرقوا في الماديَّة القحَّة، فقد جاء بمفاهيم تُجدِّد وتبعث الروح في الجانب المعنوي لرسالة الله مثل الحب والصبر والتسامح والغفران.

وكان لا بُدَّ وأن يصطدم مع السلطة الرومانيَّة الوثنيَّة وعملاءها من أحبار اليهود الذين هدَّد سلطتهم الزمنيَّة على النَّاس، ولم تكن رسالته غير رسالة تصحيحيَّة في مجال محدود، وتبشيريَّة بمن يأتي بعده ليُقيم مملكة الله في كلِّ الأرض بحيث يحارب الطواغيت أينما كانوا، ويفصل بين سلطة الله وسلطة البشر ويحرِّرهم من الاستغلال والعبوديَّة لغير الله فلذلك فقد قال مقولته التَّوفيقيَّة:
"أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله".

وهذا الرَّد كان على سؤال المنافقين من أحبار اليهود الذين أرادوا الإيقاع به فسألوه عن الجزية التي يدفعها الشعب لقيصر، وقد ضاق بها الشعب وظنَّ أنَّ سيدنا عيسي بن مريم هو مُخلِّصهم من عبوديَّة الرومان كما فعل سيدنا موسى عليه السلام.

فكان سيدنا عيسى بن مريم عليه السلام بين أمرين أحلاهما مرٌّ، فإن وافق على إعطاء الجزية انفضَّ النَّاس من حوله ونجي من السلطان وإن قال برفضها وقع تحت طائلة القانون الروماني، فقال للأحبار المنافقين: "ائتوني بدينار"، فلمَّا رأي أنَّ صورة الإمبراطور عليها أدرك أنَّهم يُقرُّون بسلطته باختيارهم، ولو كانوا يرفضونها لكانوا أوَّل من قاد الشعب للثورة، ولكنَّهم لانتفاعهم من الوضع السائد لا يريدون ذلك، فقال لهم ما معناه أنَّهم قد علموا الإجابة بقرارهم عدم الاعتراض فما وجه السؤال إذن غير محاولة الوقيعة به؟

ثمَّ حدث التَّحوُّل الكبير باعتناق قسطنطين الأوَّل للمسيحيَّة بعد اعتناق أمَّه القديسة هيلانة لها فتحوَّلت الامبراطوريَّة الرومانيَّة تدريجيَّاً نحو المسيحيَّة ولكنَّها ابتدعت صيغة توفيقيَّة أبقت على بعض الشعائر الوثنيَّة ومنعت كلَّ الصيغ الأخرى.

والذي أدَّي لإنكار وجود الله عند الماديِّين منذ بدايات التاريخ وإلى العصر الحديث هو ما يصفونه باستحالة إثبات وجود شيء غير مُشاهد، لأنَّ ذلك لا يخضع لقانون العقل ولا لقوانين التجربة. وعليه فلا يمكن إخضاع المفاهيم الدينيَّة؛ مثل وجود الله وتلك التي في الكتب المقدسة، مثل المُعجزات، لمنطق العقل. ولكن في عهد التنوير الأوروبي، استطاع بعض الفلاسفة المؤمنين التوفيق بين الإيمان بوجود خالق للكون وبين العقل، وذلك بالتَّركيز على صفة الربوبيَّة، أي أنَّ ربَّاً خلق هذا العالم، ولكنَّه لم يُرسل رسولاً وذلك يعني إنكار الوحي لأنَّ المفاهيم التي في العهد القديم والجديد تعارضت مع نظريات العلم الحديثة.

وبما أنَّ الإيمان بهذه الكتب كان إيماناً قاطعاً ويؤخذ ما فيها على أنَّها الحقيقة المُطلقة، لأنَّها كلام الله، عليه فإثبات أنَّ بعضها خطأ يمكن أن يُعمَّم على الكتاب كلِّه لأنَّ مصداقيَّته فيها شكٌّ ممَّا دعا لإنكار مصدر الكتاب المُقدَّس، لأنَّ إيمانهم أنَّ الله الذي خلق كوناً بهذا الجمال والكمال والعلم لا يُمكن يُخطئ ويقول كلاماً يكذِّبه العلم. ولذلك فقد كان من المنطقيِّ أنَّهم اعتبروا مصدر الكلام صناعة بشريَّة لا غير والله سبحانه وتعالي مُنزَّهٌ عنها، وطالما هي صناعة بشريَّة فذلك يعني أنَّ الأنبياء افتروا على الله.

وهذا كان أوَّل فصل بين الله كخالق للكون وبين الكتب المقدَّسة في أوروبَّا. ولكن الذي فات على هؤلاء العلماء هو أن يستخدموا المنهج العلمي ويضعوا احتمالاً آخر وهو أنَّ الكتاب المقدَّس لربما يكون صحيحاً في أصله ولكنَّه تحوَّر، ولذلك فيه أخطاء علميَّة لأنَّها افتراضات بشريَّة وليست حقائق إلهيَّة، أو ينظروا في وظيفة الدِّين الموجبة لتعاليم الدين بالرغم من قابليَّته للتحريف واستغلال الشعوب.

لا أحد يلوم العلماء في أوروبا في ذلك الزمان على ثورتهم على الإقطاع والكنيسة، وهم يرون ما آمنوا به يتضعضع تحت مطارق العلم الحديث بينما تُصرُّ الكنيسة على الدوغما بغير مراجعة، أو رجوع للحقِّ بإظهار مواقع الخلل التاريخي في الكتاب الذي ورثوه مشوَّهاً فينقِّحوا منه الدخيل على كلام الرَّب ويُقرُّوا بالحقائق المُخفاة.

ولا أحد يلومهم وهم أيضاً يرون كيف تستخدم الكنيسة الدين لاستغلال النَّاس وثبيت حكم جلاديهم مع انعدام كامل للعدالة الاجتماعيَّة والنَّاس طبقاتٍ مالكة وطبقات مملوكة. فالنفس البشريَّة لا تقبل الظلم على نفسها وإن كان من الممكن أن تقبله على الآخرين.

ولذلك فقد عانى العلماء والفلاسفة من الاحتفاظ بالإيمان الفطري الذي أحسُّوه وبين حقائق العلم الجديدة التي تثبت بطلان ما يقوله كتابهم المُقدَّس فاستنتجوا أنَّ كلَّ علمٍ اكتشفوه في الطبيعة وأيضاً المنطق العقلي السليم يدلان على وجود خالق ومن ذلك قول ألبرت أينشتاين: "كلَّما أدرس العلم التطبيقي كلَّما أومن بالله أكثر".

وسنواصل إن أذن الله سبحانه وتعالي
ودمتم لأبي سلمي