بسم الله الرحمن الرحيم

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

"مَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ۖ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ۚ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ"
والرِّجْسُ هو العذابُ وأَتى رِجْساً: أتَى عَمَلاً دَنِيئاً، قَذِراً، قَبيحاً.

تنبيه من ثلاث نقاط:
أوَّلاً هو للذين يقرأون هذه المقالات ويضيق صدرهم بها فإنَّها لم تُكتب لهم، ولن تنفعهم في شيء، فأرجو أن يتوقَّفوا عن مواصلة القراءة فوراً وينصرفوا لما يشرح صدورهم فإنَّهم خُلقوا له، فقد تُنكر العين ضوء الشمس من رمدٍ أو من طول مكثٍ في الظلام.

أمَّا إذا ما أصرُّوا على مواصلة الاطلاع فليعلموا أنَّ رأيهم مُحترم ولكنَّه ليس مطلوباً ولا مرغوباً، فهذه المقالات ليست لإثبات صحَّة رأي الكاتب، أو تفنيد رأي القارئ، أو دعوة لحوارٍ فكريٍّ مع من يضيق صدره بها، وإنَّما هي عرض فكر لا يُبغي من ورائه إلا توضيح وتبيين رأي الكاتب حتى يري النَّاس ما عندنا من بضاعة فإن راقت لهم اقتنوها، وإن لم ترُق لهم انصرفوا عنها، وحتى لا ينخدع الشباب الأغرار بما يسمِّيه د. محمد أحمد محمود بالمنهجيَّة العلميَّة تاريخيَّة كانت أو بحثيَّة.

وليعلموا أيضاً أنَّ الكاتب لا يقبل إظهار عدم الاحترام لمعتقدات الغير أو سبَّها فهو ليس من الحكمة في شيء، فهذه حريَّة خاصة لا يمكن أن نُسيء لمعتنقها بمهاجمته أو مهاجمتها ولكنَّنا يمكن أن نناقش منهاجيَّته أو منهاجيَّتها العلميَّة وننظر في برهانها.

ثانياً أنا أقف في صفِّ من يطالب بالحريَّة العقائديَّة وأرفض الإكراه في الدِّين حتى وإن كان لذريَّتي، فليس الغرض من العقيدة هو تفريخ منافقين وإنَّما هو الاختيار الحُر بوعيٍ حصيف، وعلم عميق يجيء من التَّفكُّر والتَّدبُّر العلمي النَّقدي باستقلاليَّة فكريَّة تامَّة، حتى تصير فعاليَّة وفاعليَّة الشباب، بناة وأمل الوطن، في أقصاها بغير تذبذب، ولا إهدار للطاقات، وتكاملاً للمواهب من كلِّ البشر، مؤمنين وكافرين وملحدين، لبناء الوطن والله سبحانه وتعالي هو الذي سيحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون.

فحريَّة العقيدة شيء مقدَّس حماه الله سبحانه وتعالي منذ الأزل، فلم يقهر الإنسان على الإيمان به، ولو شاء لفعل كما فعل مع بقيَّة المخلوقات، فهو لا يريد إيمان إكراه ولكن يريد إيمان محبَّة. وكلُّنا نعرف الفرق بين أن نُكره على الزواج من شخص وبين أن نفعل ذلك محبَّة ورغبة، فالإكراه يلزمه النفور وسعي للبعد، والمحبَّة تطلب القرب ولا تحتمل الفراق.

ولذلك فلم يحرم الله سبحانه وتعالي مخلوقاً من عطاء الرّبوبيَّة عقاباً له على إنكاره لوجود من خلقه، بل فضلاً منه أعطاه، وفي أحيانٍ كثيرة أكثر من المؤمنين به، وذلك على قدر اجتهاده وتتبُّعه للأسباب في هذه الدُّنيا لأنَّها خالص مبتغاه، لأنَّ الله لا يظلم أحداً، ولكنَّه ليس له في الآخرة، التي ينكر وجودها، من نصيب.
ولذلك فأنا أدافع عن حريَّة العقائد التي وهبها وأرادها الله لعباده لأنَّ فيها نفعاً للبشريَّة وحكمة إلهية قد تعمي عنَّا:
" ‫وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ ‬".‬

فالإكراه لا يُنتج إلا منافقين، وهم أرذل البشر وأعلى مرتبة منهم في نار جهنَّم الكافرين والملحدين:
" ‫إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا‬". فالملحد والكافر الظاهر متَّسقان في فكرهما وفعلهما ولذلك فهما أقلُّ ضرراً لأنَّهما لا يتظاهران أو يخادعان، ولذلك احترام موقفهما أكبر حتى وإن لم نتَّفق معهما، بينما المنافق تستولي عليه الذبذبة وهي نتيجة التَّناقض الفكري والسلوكي فخيانته لذلك أصيلة.‬

وثالثاً يجاري الكاتب فرضيَّة د. محمد أحمد محمود أنَّ المصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم "ألَّف" القرآن، وابتدع النبوَّة وصنعها، وقال للناس أشياء كثيرة إجابة على أسئلتهم من تفكيره الخاص. ونجد أيضاً أنَّ د. محمد أحمد محمود ألَّف كتاباً ،وكتب مقالات كثيرة، وحاضر في كثير من الجامعات واللقاءات عن مقارنة الأديان وهو، كما أعرف، ليس مجال تخصُّصه في دراسته من أوَّلها لآخرها، فهو كما علمت تخصَّص في الآداب وفي اللغات خاصَّة، ولكنَّه برغم ذلك درَّس مقارنة الأديان وابتدع مركزاً للعقلانيَّة ينشر منها أفكاره.

ولذلك وجب علينا المقارنة بين كتابين نعرف أنَّ أحدهما لم يقل بتأليفه، والآخر كتب اسمه على كتابه. وبما أنَّهما فرضاً من قول وصنع البشر فيجب للتَّمييز بينهما وزنهما شكلاً ومضموناً بمعايير علميَّة واضحة على ميزان الحق.
ولذا لزم التَّنويه أنَّني عندما أتحدَّث عن القرآن فإنَّما أتحدَّث عنه من منطلق أنَّه جهد بشريٌّ خالص حتى لا أميل في ميزاني العلمي، وسنري أيّ السبل ستأخذنا المقارنة بين هذين الكتابين من مؤلِّفين أحدهما محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب ولقبه النَّبيُّ الأمِّي والرسول كما ورد في الكتاب الذي بلَّغه، والآخر من محمد بن أحمد بن محمود ولقبه الدكتور كما ورد في كتابه.

طبيعة تفاعل البشر مع الجديد:
عند ظهور الأفكار أو المخترعات الجديدة فالنَّاس تنقسم إلى ثلاثة مجموعات أوَّلها المبادرون لتبنِّيها وهم لا يتجاوزون 12% وثانيها من يجلس على الرصيف ينتظر إلى أيِّ اتِّجاه تهبُّ الرياح فإن ظهرت علامات نجاحها انضمَّ للمبادرين وإن فشلت ظلَّ على رصيفه يراقب وهم الأغلبيَّة أو السواد الأعظم. أمَّا المجموعة الثالثة فهي ما تعرف بالمخلَّفين الذين يستمسكون بالقديم ويقاومون تغييره مهما ظهر فلاح الفكرة الجديدة وهم لا يتجاوزن 20%.

ولا يعني ذلك أنَّ الأفكار أو المخترعات الجديدة تكون نافعة لمجرَّد أنَّها جديدة، ولكنَّها قد تكون تنبيهاً إلى خلل في وظيفة القديم مثل أن يُعاني الإنسان من ألمٍ لأوَّل مرَّة، فهو غير مرحَّب به فلا أحدٍ يفرح بالألم، ولكنَّه ذو وظيفة مهمَّة إذ أنَّه تنبيه إلى مرض إذا أُهمل صار ضارَّاً، وإذا اهتُمَّ به فإنَّه يكون بداية رحلة الشفاء، ومن المعروف أنَّ أكثر الأمراض خطراً هي التي لا تُسبِّب الألم مثل الأمراض الخبيثة حتى تستشري في الجسم.

وقد تلاقي الأفكار الجديدة ترحيباً خاصَّاً من المتمرِّدين على واقعهم، فمنهم من يعاني من الظلم الاجتماعي، ومنهم من يكون ثائراً على ظلمٍ خاص وقع عليه مثل ظلم أبيه، ومنهم من تكون طبيعته ثائرة على كلِّ شيء فهو ثائر بلا قضيَّة مُعيَّنة وإنَّما قضيَّته أن يظل ثائراً يتبنَّي القضايا التي في الساحة، فإن لم يجد قضيَّة ابتدع واحدة جديدة.

فليست كلُّ ثورة نافعة، ولا كلُّ نظام طيِّب، ولكن من هذا ومن ذاك على حسب حاجة السياق فهما كوجهي العملة الواحدة لا يقوم وجه بغير الآخر مثل الليل والنهار يبدوان في حالة تنافر ولكنَّهما في حالة تكامل.

فمثلاً نجد أنَّ جسد الإنسان فيه أجزاء تبدو ثابتة لا تتغيَّر كثيراً، ولكنَّه في نفس الوقت في حالة ثورة مستمرَّة على الجراثيم، وعلى الطعام الزائد، ويجدِّد الخلايا، ومن هذه الوظائف المتساندة ينشأ التناغم واستمرار الحياة.

والفرق الأساس بين مجموعة المبادرين ومجموعة المُخلَّّفين هو ما يُعرف بالمرونة العقليَّة للمبادرين وبالتصلُّب العقلي للمخلَّفين، وقد وصف المولي عزَّ وجلَّ هذا التَّصلُّب العقلي الذي مصيره الخسران: "‫وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ‬".‬

هذه الإحصائيَّة الجديدة ذكرها القرآن من قبل:
"‫ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ‬". وقال سبحانه وتعالي عن المبادرين وهم السابقون بالخيرات: "‫وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ‬"، وإذا رجعنا لنسبة المبادرين فنجدها تنقسم إلى 2.5% كمخترع الفكرة أو مبلِّغها وأوَّل من يبادر لاعتناق الفكر الجديد. وهم في العادة من يقود عمليَّة التَّغيير ويتميَّزون بالاستقلاليَّة الفكريَّة، والغربة النَّفسيَّة، والإخلاص التَّام للفكرة، فلا يثنيهم شيء عن التَّمسُّك بها أمَّا 9% فيكونون ثاني من يلحق بهم ويكون بهم بعض ضعفٍ فكري ولكن نشاط حركيِّ فهم حُراس معبد الفكر الجديد. ‬‬

والطريف أنَّ الاسم الذي أطلق على المجموعة المُخلَّفة باللغة الإنجليزيَّة (laggards) هو ما أطلقه الله سبحانه وتعالي عليهم:
"قل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ".

والفرق بين المجموعتين في نهاية نطاق انتشار أنواع النَّاس من الفكر الجديد يعتمد على وقت ظهور الفكر فمُخلَّفين اليوم هم مبادرو الأمس ولكن ارتبطت مصالحهم بالفكر القديم فلذلك يصعب قلع جذورهم.
ولتعرف أهل الحقِّ من أهل الباطل يجب تطبيق معيار البُعد الأخلاقي أو ما يُسمَّي بالذكاء الأخلاقي. فأهل الحقِّ مشغولون بتنقية أنفسهم، واتِّهامها بالتَّقصير، ونكران الذات في خدمة الآخرين، ولا يفعلون أكثر من التَّبليغ المبين لما يعتقدون بالحسني، ويحترمون حريَّة اختيار الآخرين. وأيضاً ما يفعلون لا يكسبون من ورائه شيئاً في الزمن العاجل، فهم ظاهريَّاً يُعطون ولا يأخذون، ولكنَّهم في حقيقة الأمر يستبدلون عطاءً عاجلاً بآخر آجلٍ أنفع وأبقي لأنفسهم ولذريَّتهم.
بينما أهل الباطل ينشغلون بتنقية النَّاس والحكم عليهم، ويظنُّون أنَّ هداية الغير لسبيلهم هي مسئوليَّتهم الأخلاقيَّة، والتي يجب التضحية من أجلها ويوهمون النَّاس أنَّهم يضحُّون من أجلهم، ولذلك فهم يقهرون الآخرين بإرهابهم بالقول أو الفعل للانصياع لفكرهم.
وهم أيضاً ينتفعون بما يفعلون فيأخذون ولا يعطون ويظهرون كالخاسرين.

وأهل الحقِّ يبنون، وإن لم يكن لهم بديل أصلح فلا يهدمون، ويستخدمون الحكمة لا الجهل. وأهل الباطل يستخدمون الجهل لا الحكمة تسرُّعاً في الأحكام والفعل فبداية عملهم الهدم، حتى وإن لم يكن لهم بديل أفضل يقدِّمونه، فعندهم أنَّه طالما أنَّ البناء يستحقُّ الهدم فيجب أن يتمَّ الهدم حتى وإن تركوا النَّاس في العراء.

طبِّق هذا على كلِّ المجموعات إن كانت تدعو لدين الإسلام أو الشيوعيَّة أو الرأسماليَّة أو العقلانيَّة فستري الدَّمار في كلِّ مكان وإن قام عمران فهو للمنشآت وليس للإنسان، ولذلك فلا يهم نوع الفكر المطروح وإنَّما يهمُّ نوع الناس وطريقة الطرح.

فكم من الناس عُذِّبوا وقتلوا باسم الدِّين أو الفكر لا لأنَّ جوهر الفكر أو الدِّين يدعو لقتل الناس، أو لإكراههم على الفكر الجديد، ولكن لأنَّ من ينادي به تسكنه الطاغوتيَّة العالية والنرجسيَّة المريضة.

والمشكل الأخلاقي هنا ينبع من ثلاثة أمور أوَّلهما العزَّة بالرأي ومحاولة إثبات صحَّة الرأي بكلِّ السبل، وثانيهما الجهل بالواقع وقراءته، وثالثهما تبلُّد الإحساس بالآخرين وعدم القدرة على تقمُّص شعورهم نتيجة تضخُّم الذات.

وتستطيع أن تُفرِّق بين الإنسان النَّافع والإنسان الضار بمدي أصالة أفكاره، فالأصيل يحترم الآخرين وينقد منهجهم وليس شخصهم، ويراجع فكره ويعدِّله بناءً على الواقع والعلم الجديد المكتسب من تطبيق الفكر على الواقع، وذلك لامتلاكه الحسَّ الأخلاقي السليم إذ أنَّه يُدرك أنَّ الفكر جاء لخدمة الإنسان وليس العكس ولذلك فلديه المرونة العقليَّة ولذلك فنموذجه يتغيَّر ويتطوَّر حسب الظرف والسياق ولكنَّه لا يفقد جوهره الأخلاقي.

والإنسان الضار يفعل عكس ذلك بتبنِّي أفكار الآخرين بغير فهم له أو إدراك لأثره فهو في حالة انفصال عن البشر وحالة اتّصال مع فكره الذي يتحوَّل إلى أيديلوجيَّة، أو بصياغة فكر قديم في شكلٍ جديد. ويتميَّز مثل هذا الإنسان بصلابته العقليَّة ويقينه الكامل بصحَّة مذهبه بلا فسحة لشكٍّ منهجيٍّ، ويتميَّز أيضاً برخاوة البعد أو العقل الأخلاقي فيهاجم الأشخاص بدلاً عن منهجيَّة الفكر بغير حياد علمي والذي في جوهره يعني الذكاء الأخلاقي.
والذكاء الأخلاقي هو الذي يتحكَّم في كلِّ أنواع الذكاء وبغيره يصير العالم غابة متوحَّشة وتعريفه:
"الذكاء الأخلاقي هو قدرة الفرد على الالتزام بالسلوكياتِ الأخلاقية مع ذاته ومجتمعه؛ مثل: التسامُح، والعدل، والتعاطُف مع الآخَرين، بالإضافة إلى الاحترام، والضمير الحيِّ، ومراقبة الذات".

وسنواصل إن أذن الله سبحانه وتعالي
ودمتم لأبي سلمي