الجبهة الوطنية الفرنسية ( الشعبوية المتدثرة بالديغولية):
برزت الجبهة الوطنية الفرنسية فى بداية السبعينات بقيادة جان مارى لوبين فى قاعدة ضمت الفاشيين – الجدد ؛ والاعضاء السابقين فى حكومة فيشى الديكتاتورية بقيادة فيليب بيتان خلال فترة الاحتلال النازى لشمال فرنسا (1940-1944) والتى بدلت شعار الثورة الفرنسية من ( حريه-مساواة-إخاء ) إلى ( الوطن- الاسرة- العمل) واتخذت من الثورة الوطنية ايدولوجيا للنظام الفيشى المتعاون مع النازيين. وكان خطاب جان مارى لوبين المؤسس محشو بالعنصرية وكراهية الاجانب واليهود وإنكار المحرقة النازية مما اضطر الجبهة الوطنية فى نسختها المستحدثة إلى إجراء عملية تخليص من خطابية المؤسس سعيا لحراك يفك وضعية الحركة الهامشية لنقلها إلى طور جماهيرى عريض ذى نزعة يسارية يخاطب الغاضبين الفرنسين فى ادنى سلم الطبقة الوسطى حيث اكسبها معارضة الهجرة والاسلاميين زخما سياسيا ترجم فى شعارات " فرنسا للفرنسيين" و" نحن فى وطننا" On est chez nous.
قبيل إعلان نتائج الانتخابات الاميركية الأخيرة بقليل وعند ظهور مقدمات النتيجة التى تشير إلى خسارة هاليرى كلينتون وبداية الهلع المباغت الذى اصاب المؤسسة الليبرالية الامريكية ؛ كتب " فلوريان فيليبو" احد مستشارى مارين لوبين زعيمة الجبهة الوطنية الفرنسية فى تغريدته " إن عالمهم قد بدأ ينهار اليوم حيث يبدأ عالمنا فى التأسيس". كان إنتصار ترامب قد توافق مع ذكرى رحيل الجنرال شارل ديغول الذى قاد المقاومة الفرنسية ضد المانيا النازية والذى تتمثله مارين لوبين مثلما تمثل ترامب الرئيس رونالد ريغان. انها تتقاسم مع ترامب كراهية المؤسسة الرسمية الصفوية ؛ التى تتمثل فى فرنسا بالمدرسة الوطنية للادارة وهى المؤسسة التعليمية التى ظلت تخرج رؤساء ؛ ورؤساء وزراء فرنسا كما تخرج جامعتى اكسفورد وكمبردج صفوة الليبرالية البريطانية. لقد كان فلوريان فيليبو الذى يلعب دورا يماثل دور الثائر الفرنسى روبسبيير؛ وهو نفسه خريج مدرسة الادارة الفرنسية والملم بتقاليدها ونقاط ضعفها ؛ اول من وصف فوز دونالد ترامب بإنه إشارة إلى مولد نظام دولى جديد وان الجبهة الوطنية ( تأسست فى عام 1972) ستفوز فى انتخابات الرئاسة فى مايو 2017 ؛ لأن كل ما وصف بالأمس بالمستحيل وغير الممكن اضحى اليوم ممكنا ومحتمل التحقق؛ وان مارين لوبين سوف " تجعل فرنسا عظيمة مرة اخرى". إن الجبهة الوطنية الفرنسية لم تعد مجرد حركة إحتجاج صوتى ؛ لأن تزايد نفوذها وقاعدتها السياسية جعلها تدخل دائرة الفعل السياسى وتعلن عن طموحها لخوض الانتخابات الرئاسية لتكون حزب حاكما يهدف لتطبيق برامجه السياسية اسوة بغيره ممن سبقها من الاحزاب الفرنسية. مارى لوبين هى أصغر بنات جان مارى لوبين المؤسس الفعلى للجناح اليمينى الفرنسى المتطرف تحت مسمي الجبهة الوطنية Le Front National ؛ التى نشأت فى معمعة مخاض سياسى إستغرق حوالى 13 عاما. لقد فازت "مارين لوبين" وهى محامية درست القانون ؛ فى اول إنتخابات لها فى المجالس البلدية فى عام 1998؛ ثم تمكنت من إزاحة والدها من زعامة الحركة وحلت محله فى رئاستها.
مارين متشككة بالوحدة الاوربية ومناهضة للهجرة ومنتقدة للإصولية الاسلاموية مما ادى إلى ارتفاع شعبيتها حسب مؤشرات استطلاعات الرأى العام التى اجريت مؤخرا. وتطالب مارين بوصفها زعيمة الجبهة الوطنية ومرشحتها فى إنتخابات الرئاسة الفرنسية القادمة بتقليد المثال البريطانى المصطلح على تسميته " بريكزيت " - التخارج البريطانى - من الاتحاد الاوربى بإعتمادها مصطلحا مشابها " فريكزيت " - التخارج الفرنسى - وهى تقر بإنتهاج شعبوية دونالد ترامب وتدافع بحدة عن حظر المسلمات الفرنسيات إرتداء البوركينى- زى يستخدم فى شاطىء البحر يغطى كامل جسد المرأة- محتجة بالتمسك باللائكية- علمانية الدولة- . حاليا يزداد زخم الجبهة الوطنية بفعل موجة الهجرة المتزايدة وإنشطار فرنسا إثر الهجمات الارهابية التى استهدفتها فى مدينتى باريس ونيس. ترى "مارين لوبين" ان الشعوب تنزع نحو الحرية لانها ادركت منذ امد طويل فى الاتحاد الاوربى وامريكا ان القيادات السياسية لا تهتم بمصالحها. وبمرور الوقت ادرك الناس ان المحصلة تتمثل بإنكباب النظم السياسية الاوربية على خدمة نفسها وهذا هو الموقف الذى يحاصر الآن بثورة. وهذا المنطق يشبه بروز دونالد ترامب وبيرنى ساندرز كمرشحين للحزب الجمهورى اللذين لم يكن بروزهما فى الحسبان؛ ورفضهما لأنانية النظام السياسى او " المؤسسة الرسمية " المتمركزة حول ذاتها وغير الآبهة بتطلعات الجماهير.
منتقدو مارين لوبين يستبعدون فوزها فى انتخابات الرئاسة الفرنسية فى شهر مارس القادم لأن الجبهة الوطنية عادة ما تخسر فى الجولة الثانية ما نالته فى الجولة الاولى؛ وان مارين نفسها عاجزة عن الفوز بمقعد برلمانى فى باريس إذ تحظى الجبهة الوطنية بمقعدين فقط فى البرلمان الفرنسى ؛ وانها من اسرة غنية ربيبة المؤسسة الرسمية التى تنتقدها ؛ وانها تفتقر إلى القبول العريض الذى ناله دونالد ترامب فىى امريكا ولا القاعدة السياسية التى تتمتع بها هالرى كلينتون فى امريكا. ومن جهة اخرى يلحظ ان ثمة تماهيا مع الوطنية ورفض" العولمة المتوحشة " التى تضارع نمط الشمولية والتى ينظر لها الشعبويون بمثابة حرب فرضت بتكلفة باهظة لمصلحة أقلية او صفوة سياسية. ولذلك إنصب إهتمام زعيمة الجبهة الوطنية على نتائج الخيارات السياسة لكل من هاليرى كلينتون ودونالد ترامب حيال الاوضاع الاقتصادية والامنية فى فرنسا. وهى تعارض مثل ترامب خيار اوباما- كلينتون لاتفاقية الشراكة عبر الاطلسية للتجارة والاستثمار كما تلقى باللوم على سياسة هاليرى كلينتون الخارجية التى أفضت إلى الحروب فى كل من العراق وليبيا وسوريا مما أسفر عن عواقب وخيمة ثمتلت فى زعزعة استقرار الجبهة الداخلية فى فرنسا وتوفير ارضية ادت إلى بروز الاصولية الاسلامية وفاقمت من تدفق موجات المهاجرين إلى دول الاتحاد الاوربى. وتقول "مارين لوبين" ان " دونالد ترامب يريد عودة الولايات المتحدة الأمريكية إلى عرينها الداخلى ضمن حدود دولتها الوطنية فيما تطمح هاليرى كلينتون إلى تطبيق القانون الامريكى خارج نطاق السيادة الأمريكية " ؛ ولذلك فهى تدعم الرئيس ترامب لأن خياراته السياسية سوف تخدم فى خاتمة المطاف المصالح القومية الفرنسية.
الخروج من الاتحاد الاوربى:
وتحلل "مارين لوبين" الاسباب التى ادت إلى تفاقم البطالة فى فرنسا التى بلغت نسبة هى الأعلى بين الدول الاوربية السبعة الكبرى مقترنة بسن التقاعد المبكر وفشو طابع العمل الجزئى - بارتايم - ؛ كما تعارض الاتحاد الاوربى للأسباب التالية:
• تأثر فرنسا سلبيا من التجارة الحرة بتعريضها للمنافسة غير العادلة مع دول تمارس سياسة الإغراق الاجتماعى والبيئى ( بيع كميات كبيرة من السلع بأسعار زهيدة وادنى من سعر السوق الوطنى)؛ فى ظل إنعدام الوسائل لحماية الشركات الفرنسية الاستراتيجية الكبرى خلافا لما هو حاصل فى الولايات المتحدة.
• تأثر فرنسا من نظام الاغراق الاجتماعى وفق موجهات الاتحاد الاوربى Posted Workers Directives التى تقنن حركة العمل الحرة والتى بموجبها تم استقدام موظفين اجانب إلى فرنسا بأجور متدنية.
• تأثر فرنسا من سياسة الاغراق المالى المتمثلة فى وقف التعامل بالعملة الوطنية وإستخدام اليورو الذى خلق العديد من المتاعب الاقتصادية
• تأكيد صندوق النقد الدولى على ان عملة اليورو يتم تقييمها بنسبة أعلى من قيمتها السوقية بواقع 6% فى فرنسا ؛ فى حين يتم تقييمه بأقل من قيمته السوقية فى المانيا بواقع 15% مما يؤدى لخلق فجوة نقدية بمعدل 21% مع المانيا المنافس الرئيس لفرنسا فى اوربا. وان إستخدام عملة اليورو التى خلقتها المانيا أفضى إلى تبنى سياسات التقشف وتفاقم مستوى الركود الاقتصادى بجانب تسبيبه للبطالة.
• النظام الاوربى الحالى ادى إلى زوال الدولة الاستراتيجية فى فرنسا أى " الدولة الديغولية" التى منحت الأولوية لدعم الصناعات الرائدة ؛ لأن فرنسا بالأساس دولة مهندسين وباحثين ولكنها بالمقابل ليست دولة رجال اعمال. وهذا اثر بدوره على مصير العلاقة التعاضدية القائمة بين الدولة الاستراتيجية والشركات الرائدة فى حقل الصناعات مما نجم عنه حرمان فرنسا من ميزة الريادة والابتكار بإفتقار الدولة لأحد أهم الروافع فى عملية التنمية.
• ضرورة استعادة فرنسا لسيادتها على حدودها لأن عملية مكافحة الارهاب سوف تصبح مستحيلة بترك الحدود مفتوحة وفق سياسة الاتحاد الأوربى الراهنة.
• ان الخطر الذى يتهدد البلاد هو انتزاع الوطنية من الفرنسيين وان الشرخ الحالى ليس بين أثرياء اليمين واليسار وانما هو بين الوطنيين ومؤيدى العولمة ؛ وان الاصولية الاسلاموية والعولمة المالية هما ايدولوجيتان تشدان من ازر بعضهما البعض لتركيع فرنسا.
• إرتداء الحجاب وإقامة الصلوات فى الشوارع وتشييد المساجد كلها مهددات ثقافية لا يقبلها مواطن فرنسى عاقل.
• يجب الحد من حجم موجات تدفق المهاجرين الذين يتسرب وسطهم الارهابيين لحماية فرنسا من التعرض للهجمات الارهابية

آلية رقابية لضبط الهجرة ومنح الجنسية:
تنتقد "مارين لوبين" سياسة الهجرة الالمانية بقولها إن احزاب اليمين غاضبة من قرار المستشارة الالمانية إنجيلا ميركل فتح ابواب المانيا لإستقبال مليون مهاجر ؛ لتحتفظ بأفضلهم ثم تبعث المتبقين إلى اوربا لعدم وجود الحدود بين دول الاتحاد الاوربى. ويجب وقف منح شهادة المواطنة بموجب حق الميلاد حيث أسفر منحها بهذه الطريقة إلى بروز الارهابيين المعادين لفرنسا الذين تمكنوا من مهاجمة باريس فى عام 2015. وتشير إلى وضع قيود على منح الجنسية الفرنسية بإستحداث آلية رقابية جديدة لمنح الجنسية الفرنسية وإلغاء ميزة الجنسية المزدوجة لكل من عرف بإرتباطه مع منظمات إرهابية.
ومثل الرئيس الاميركى دونالد ترامب تطالب لوبين بمجابهة الاصولية الاسلامية المننتشره فى المساجد والمراكز الثقافية والتى لم يقتصر تمويلها على فرنسا وحدها بل تتلقى الدعم من دول اخرى تعمل على مساعدتها. وتعتقد ان فرنسا قد تخلت عن مصلحتها القومية لصالح امريكا والمانيا. كما تطالب بالاحتفاظ بمسافة واحدة بين امريكا وروسيا وتجنب معادة أى منهما لأن التقارب الفرنسى - الروسى ضرورة تحتمها عوامل التاريخ المشترك والروابط الثقافية ؛ ولكن امريكا تمنع حدوث ذلك التقارب وان حربها الباردة ضد روسيا دفعت بالاخيرة إلى احضان الصين. كما تطمح مارين لوبين ان تتمكن فرنسا من قيادة منظمة دول عدم الانحياز مثل ما كان على العهد الديغولى. ولذا تطالب " مارين لوبين" بالخروج المنسق او الناعم من الاتحاد الاوربى بحيث يتم تداول مسألة عودة التعامل بما اصطلح على تسميته ب "Currency snake" ؛ وهى سياسة سادت خلال حقبة السبعينات تقوم على الحد من تقلبات اسعار الفائدة بالسماح لكل دولة بالتأقلم مع سياساتها النقدية الوطنية انطلاقا من برامجها الاقتصادية. وترى ان الوسيلة المثلى للخروج من الاتحاد الاوربى تتم عبر التفاوض او الاستفتاء وفق النهج البريطانى. وتؤكد مارين ان الفرنسيين تعرضوا لخيانة فى عام 2005 حين رفضوا دستور الاتحاد الاوربى ؛ ولكن ساسة اليمين واليسار قاموا بفرضه ضد رغبة الشعب الفرنسى. ولذلك ستقرر نتيجة التفاوض المشترك الناعم او الاستفتاء مصير فرنسا فى الاتحاد الاوربى. وتذكر الفرنسيين بالأكذوبة التى روجها البعض فى بريطانيا حين زعموا ان الخروج من الإتحاد الاوربى سوف يؤدى إلى كارثة بإنهيار الاسواق وركود الاقتصاد وتفاقم نسبة البطالة وان شئيا من ذلك لم يحدث ؛ حيث روجت المصارف لهذه الاكذوبة لأنها كانت تريد التأثير على نتيجة الاستفتاء ؛ وهذا يندرج فى طائلة اللأعيب التى ادرك الناس كنهها وتهدف إلى ترهيبهم من التمسك بخياراتهم وان البريطانيين كشفوا عن نضج فى عملية الاستفتاء.

وبشأن العزلة التى سيجرها خروج فرنسا من الاتحاد الاوربى المشار إليها بلفظة " فريكزيت" تقول لوبين ان هذه الانتقادات تعيد إلى الاذهان الانتقادات المماثلة التى وجهت إلى الجنرال ديغول فى عام 1966 عندما عزم على الخروج من القيادة المشتركة لحلف الناتو. وان فرنسا كانت دائما تتمتع بالقوة حينما كانت مستقلة بذاتها؛ وعليها إكتشاف مكمن القوة الفرنسى الذاتى بدلا عن كونها الآن فى وضع أشبه بمحافظة داخل الاتحاد الاوربى الذى اصبح اشبه بالاتحاد السوفيتى القديم يتدخل فى كل شىء مما ادى إلى إغلاق العملية الديمقراطية. ويلخص ذلك الموقف حديث حيث رئيس المفوضية الاوربية " جان كلود جنكر" انه لا يوجد خيار ديمقراطى ضد المعاهدات الاوربية ؛ وهو ما تعتبرة لوبين بمثابة مصادرة للحرية التى تم الحصول عليها خلال فترة الحربين الاولى والثانية.
الخضوع لقواعد العلمانية:
توضح مارين لوبين موقفها المؤيد لعلمانية الدولة لأن كل الاديان الاخرى ما خلا الاسلام تخضع لقواعد العلمانية وهناك عدد كبير من المسلمين علمانيين ولكن الاصوليين الاسلاميين لم يقبلوا بذلك وفى إعتقادهم ان الشريعة تعلو على كافة القوانيين والاحكام بما فى ذلك الدستور الفرنسى. وخلال قرن من الزمان منذ ان تم سن قانون العلمانية لم يسع شخص لفرض قانون دينى فوق قوانين الدولة. وتعتقد ان هذا ما تطمح إلى فعله جماعات الاصوليين الإسلاميين ؛ ومن ثم لا يمكن محاربة العدو بدون تسميته. ولقد تراجع منسوب حقوق المرأة فى فرنسا لحد تخشى فيه النساء فى بعض المناطق إرتداء الملابس التى يرغبن فى إرتدائها.
ولذلك فهى تؤيد فرض حظر على إرتداء النساء الفرنسيات للبوركينى ؛ لأنه ليس لباسا للحمام بل زيا إسلاميا يستخدمه الأصوليون الاسلاميون وسيلة لإستعراض عضلاتهم. وبمجرد قبول المرأة لهذا الزى الاسلامى تتبعه الخطوة التالية وهى المناداة بالفصل بين الجنسين فى احواض السباحة والمواقع العامة ؛ ما يؤدى إلى قبول مستويات مختلفة من الحقوق لكل من النساء والرجال فى فرنسا. وتنتقد إختيار الساسة الفرنسيون المثال الكندى لسياسات الاندماج المعقول ؛ ما يعنى العيش المشترك جنبا إلى جنب ؛ وكل وفق نهج حياته وقوانينه وقيمه ولغته -Integration ؛ وان العلمانية هى الوسيلة التى منعت وقوع حمام الدم فى فرنسا لانها تحول دون ان يفرض شخص معين نموذجه المختار على بقية الاشخاص. وتتمسك "مارين لوبين" بالنموذج الفرنسى القائم على الاستيعاب Assimilation. وحسب رؤيتها ان الفردية لا تسمح للأشخاص بالتشكك فى الخيارات الحضارية التى إرتضتها فرنسا. كما لا تؤمن فرنسا بمفهوم قبول إرادة الضحية لأن القانون الجنائى لا يعطى الناس الحق لإحداث الضرر بإنفسهم ؛ لانهم يملكون الحق لفعل ذلك بالتصرف بوحى من إرادتهم. وان قبول تلك المقاربة سيؤدى إلى نسف الخيارات الحضارية الرئيسة التى ارتضاها الفرنسيون بخصوص حق النساء فى المساواة.
الموقف من الاصولية الاسلاموية:
ترى مارين لوبين ان الاصولية الاسلامية ليس سوى " نير" يعيش الفرنسيون تحت وطآته حاليا . وان العلمانية تعنى رفض الاعتراف بالجاليات والجماعات المنظمّة communitarianism التى تعيش وفق احكامها الخاصة مثل الحالة البريطانية. اما نموذج الاندماج الامريكى فقد حدث نتيجة التطور التاريخى فى امريكا لأن الجاليات ( الجماعات ) قدمت إلى تلك الارض البكر من دول شتى بهدف خلق امة متعددة الخلفيات جاؤوها من كل فج ومكان. ولذلك تعترض مارين لوبين على اعتماد نموذج الجماعات الإثنية بالمفهوم الاميركى والبريطانى لأنه تسبب فى نشوب المنازعات بين الجماعات وهو الشىء الذى ترغب عنه فرنسا. وهى تقر بتواجد أفراد يملكون حقوقا وإرادات حرة ؛ وهؤلاء الافراد يوافقون على مفهوم الاستيعاب وهو لا يتوافق مع مفهوم الجماعات. وفى حال فوزها فإنها سوف تعتمد سياسة "فرنسا اولا" فى مجال السكن الشعبى والتشغيل وتفرض ضريبة على الواردات وعقود تشغيل الاجانب وتخفض سن التقاعد عن العمل وتزيد الفوائد الاجتماعية وتخفض من نسبة ضريبة الدخل وتعمل على الحد من الهجرة ومكافحة الجريمة وطرد المهاجريين غير الشرعيين وإغلاق مراكز صلوات الاسلاميين المتشددين بالاضافة إلى إبعاد الائمة المروجون لخطاب الكراهية. ومالم تقله مارين لوبين عن حال المسلمين الضحايا فى فرنسا اوضحه بيتر بيرغن محلل شؤون الامن ومكافحة الارهاب وهو ان المسلمين فى فرنسا يباغ عددهم حوالى (5-6) مليون نسمة بنسبة 10% من السكان ؛ ولكنهم يشكلون حوالى 70 % من المساجين فى سجونها وان الديانة الاسلامية تأتى فى المرتبة الثانية بعد الديانة الكاثوليكية. وهم مجموعة مهمشة يفتقر بعضهم إلى الانتماء ويثير احد الجهاديين السابقين قضايا التهميش والفقر والبطالة ومعدلات الاعتقال العالية والتشديد الامنى على الاقليات بوصفها سببا لتوليد الاحساس بالحصار ؛ وكمثال على ذلك فإن الاخوين كواشى الفرنسيين اللذان قاما بالهجوم على مقر صحيفة " شارلى إيبدو" الساخرة فى اكتوبر 2014 كانا يعيشان فى مناطق فقيرة فى فرنسا.



عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.