جذور الايدولوجيا الشعبوية الامريكية:

يعرف المؤرخ الاميركى " مايكل كازين" الشعبوية السياسية الخطابية بأنها لغة ذات صوت عالج ومزعج تخاطب الناس العاديين الذين يشكلون جمهرة نبيلة لاتحدها حدود الطبقة ؛ وتصف خصومها من الصفوة بالأنانية وانتهاك الديمقراطية ، كما تهدف حركيا إلى تعبئة الجماهير ضد الصفوة او النخبة السياسية الرسمية. ونشأت الشعبوية الاميركية من تجمع الجماهير وعامة الناس من الذين تأثرت مصالحهم او تم تجاهلها خلال العهود التى شهدت التحولات والضغوط الاقتصادية. وفى امريكا القرن التاسع عشر كانت فئة المزارعين فى الجنوب والغرب هم اكثر المتأثرين من الكساد الاقتصادى حيث عانوا من وطأة الديون وارتفاع تكلفة نقل المنتجات والمواد التموينية جراء الاحتكار. وفى موجة زخم حركى انبرى النشطاء المتأثرون لتشكيل تعاونيات إقتصادية ضمت اطرافا ثالثة مثل " حزب الشعب " ما ادى إلى حصولها على دعم طبقة العمال وملاك الاعمال التجارية الصغيرة. فى عام 1896 برز مرشح الحزب الديمقراطى " وليام برايان" بخطاب شعبوى مناوىء للصفوة ومحرضا المنتجين ضد الآخرين " احرقوا مدنكم واتركوا مزارعكم فسوف تزدهر مدنكم من جديد بفعل اشبه بالسحر، ولكن دمروا مزارعنا فسوف ينبت الزرع فى شوارع المدينة بالمقاطعة". وطالب بالتخلى عن التمسك بقاعدة الذهب النقدية لأنها ليست سوى "صلب للبشرية على صليب مصنوع من الذهب" فكانت النتيجة ترشيحه لثلاث مرات متتاليات. ويعزى إليه إطلاق الشعبوية من قمقمها لاعتقاده برؤيا مسيحية تماثل موقف بابا الفاتيكان الحالى المنادى بالاصلاح الاقتصادى المرتكز على حركة إجتماعية إنجيلية او ما اطلق عليه وليام برايان " المسيحية التطبيقية " او الوظيفية ؛ المضادة للداروينية الاجتماعية التى كانت مذهب منتقدية الليبراليين. ونادى بإقتران التطور الاقتصادى بالمثل الدينية والاخلاقية السائدة فى الريف الاميركى حينذاك. ان الشعارات السياسية التى راجت منذ الحرب العالمية الثانية فى اوربا قد ولد مخاضها دولا إتسمت بحمأة الوطنية الأوربية الجياشة التى افرزت الدولة- الأمة. وفيما بعد عملت على تلطيف حدة وطنيتها إنبثاق ثورات حقوق الانسان العالمية التى بدأت مسيرتها خلال القرن الثامن عشر فى فرنسا على عهد الامبراطور لويس السادس عشر؛ والتى توّجت بإعلان حقوق الانسان والمواطن فى عام عام 1789م. يشرح المحلل الامريكى " جون جوديس" فى كتابه " الانفجار الشعبوى" الذى بدأ فى عام 1890 ثم تمظهر حديثا على شكل نظام سياسى عالمى يستصحب الكراهية العصابية من شاكلة أعمال العنف التى شهدتها امريكا مؤخرا بإطلاق البعض الرصاص على خصومهم ويضم ايضا أعمال عنف تنظيم داعش فى سوريا والعراق وتفريعاته والعنف اللفظى الذى وسم خطابية الرئيس ترامب. ولقد بدأ هذا التيار الشعبوى على شكل موجة وطنية حانقة إستشرت حول العالم حتى بلغت حديثا طور العنصرية وكراهية النساء فى وسائل التواصل الاجتماعى. ولقد ساهم تقهقر اليسار الاميركى بمكوناته الليبرالية فى صعود الموجة اليمينية الشعبوية بقيادة " جورج والاس" و" رونالد ريغان".
وبعد تلك البداية فى القرن التاسع عشر الميلادى والتى جسدها حزب الشعب الاميركى فى عام 1892 استمرت الموجة الشعبوية خلال القرنين العشرين والحادى والعشرين ببروز زخمها السياسى على يدى عضو الكونغرس " بيرنى ساندرز" مرشح الرئاسة الامريكى فى انتخابات العام الماضى المصنف من قبل خصومة باليسارى الشعبوى ؛ وبالديمقراطى الاشتراكى من قبل المؤرخين. مجلة " نيويركر" الادبية الامريكية فى عددها الصادر فى 12 اكتور 2015 كتبت تحت عنوان " نبى الشعبوية" وتقصد به " بيرنى ساندرز" ؛ إنه قضى عقودا طويلة يهاجم عدم المساواة السائد فى امريكا. وفى حملته الانتخابية فى العام الماضى كان معظم مستمعيه الحضور فى ندواته من خلفية بيضاء ارقها الاجحاف بحق الطبقة العاملة الذى استمر لاكثر من اربعين سنة والناجم عن التوزيع غير العادل للدخل القومى. وينتقد " ساندرز" كمية المال السائب المستخدم فى السياسة وقرار المحكمة العليا الامريكية الصادر فى عام 2010 القاضى بعدم وضع سقوف للمال المصروف على الحملات الدعائية الانتخابية. وينتقد كذلك التأثير الكبير لبليونيرات امريكا. ورغم ان امريكا هى اغنى دول العالم قاطبة ولكن معظم الناس لا يعرف ولايرى ذلك ولا يحس بذلك الغنى لأن الثروة مملوكة من قبل فئة قليلة وهو ما اسماه " إجحاف الثروة ". لقد صوت للرئيس دونالد ترامب 61 مليون امريكى معظمهم من البيض مدفوعين بشعار " امريكا اولا " ويطمحون إلى طرد المهاجرين غير الشرعيين تمهيدا لإعادة مجد امريكا. ويمثل الرئيس الاميركى ترامب مثالا حديثا يطمح قادة الحركات الشعبوية فى اوربا الغربية إلى تقليد شعاره الانتخابى " امريكا أولا " الذى غدا شعارا مقتبسا ضمن ادبيات احزاب اليمين الشعبوى الاوربى.
وفيما يوافق دونالد ترامب على بعض شعارات الحملة الانتخابية للرئيس الامريكى السابق رونالد ريغان فى عام 1980 باجراء تغييرات لا يمكن ان تحدث سوى مرة واحدة فى التاريخ ؛ إلا انه يخالف منظور ريغان الذى كان يحلم بالولايات المتحدة ذات الشخصية الانبساطية والتى تبدو مثل مدينة مشرقة على قمة جبل تسهم فى كل ما يجعل العالم آمنا. د. فريد زكريا الكاتب فى الشؤون السياسية ؛ وكاتب الاعمدة فى صحيفة " واشنطون بوست" الاميركية تناول موقف الشعبوية العالمية فى الدورية الامريكية المتخصصة فى قضايا الشؤون الخارجية " فورين أفيرز" ( نوفمبر/ ديسمبر 2016)؛ حيث يصف الرئيس " دونالد ترامب" بأنه واحد من الذين أفرزتهم موجة الشعبوية التى تنتظم العالم الغربى فى الوقت الحاضر؛ فهو مطّور العقارات المتمتع بالكاريزما الذى تحول إلى نجم فى المسلسلات التلفزيونية الواقعية ( تعنى بقضايا ووقائع الحياة اليومية) والذى تعرضت شعبويته الفاقعة وماضيه المتقلب إلى الانتقاد من الكثيرين فى الحزب الجمهورى. فإذا كانت الوطنية - المدنية تشد الأمة إلى قيم مشتركة لتحقيق اهداف لا يمكن تحقيقها عبر العمل الفردى وتتفاعل مع القيم العالمية مثل الحرية والعدالة والمساواة ؛ فإن الوطنية- الشوفينية – المحفزة اثنيا والمتمثلة فى خطاب دونالد ترامب تبحث عن مجدها الآفل منطوية على نفسها ؛ متشائمة تشيد الاسوار من حولها خشية تسلل الجيران وتستنفر طاقاتها لوضع حد لآثار العولمة الكاذبة. وعلى حد تعبير احد مناصرى دونالد ترامب وهو السياسى الجمهورى وعضو الكونغرس الاميركى " نيوت جنجريش" ان الرئيس " دونالد ترامب" هو شخصية فى قامة المشاهير ؛ يتحدر من طينة مختلفة ؛ ومرن تجاه الحقائق لأنه يمثل تجربة متفردة المثال. امريكا ترامب تتوشح شعبوية - شوفينية تتعارض مع الوطنية- المدنية وقيمها التى ارساها جيل الآباء الامريكيين ؛ يحدث ذلك لأول مرة منذ الحرب الكونية الثانية ما يجعل من السياسة الخارجية معادلة صفرية عدوانية تلجأ إلى التاريخ والعرق لفرز تمايزها عن الآخرين؛ ما يجعلها شكسة ومتحفزة لخوض الحروب بدافع من حساسيتها الاستثنائية. ولذلك لا بد من رصد كيفية تطور سياستها الخارجية وموقفها من قضايا القانون الدولى الرئيسة.
أرضيته الداخلية وقاعدة إنطلاقة الدولية:
ويتمثل نهج الرئيس دونالد ترامب بالعمل لإعادة امريكا إلى عظمتها ومجدها الآفلين ومنح الشعب الاميركى دورا اكبر فى تحديد الخيارات والاولويات السياسية تحت شعارمشحون بالوطنية التى ترقى إلى درجة الشوفينية. ولقد استغل ترامب اخطاء الحزب الديمقراطى وطريقة تصرفه؛ وهو يصف هاليرى كلينتون مرشحة الحزب الديمقراطى اثناء حملته الانتخابية بأنها " ملكة المؤسسات المالية الكبرى الفاسدة؛ المتحالفة مع دوائر الاعلام والاتحادات والمؤسسات الاكاديمية ومصالح هوليود السينمائية. وهى التى قامت بإنشاء " داعش " وتود خوض حرب عالمية رابعة" !!!. وعلى حد رأى بعض الدوائر الامريكية ان الحزب الديمقراطى ظل خلال الثلاثين عاما الماضية مستهترا بطبقة العمال البيض المسيحيين التى تعد من واحدة من اكبر الكتل الانتخابية التى عمل الديمقراطيون على تغريبها بقصد ما يعد خطأ إستراتيجيا ادى إلى خسارتة الانتخابات الرئاسية. وعلى الجبهة الداخلية حولت الانتخابات الرئاسية مركز القوة الانتخابية اوالسياسية من مناطق السواحل الليبرالية إلى الوسط الامريكى الذى يشكل هويته عوام الامريكيين. ولقد احسن الوصف من كتب عنهم ليقول " ليبراليو السواحل صفوة ممن يتسوقون فى متجر Walmart بينما يتسوق عوام الامريكيين فى الوسط " الصدىء " فى متجر " امازون " الالكترونى ؛ وهم يحتسون اكواب القهوة فى مطعم " ماكدونالد " وليس فى مقاهى " ستار- بكس" ؛ ويتبضعون بكبونات الخدمة الذاتية فى بقالة "Piggly-Wiggly" الزهيدة الثمن وليس فى متاجر الجملة ؛ وعادة ما يستمعون إلى راديو الموجة المتوسطة " A.M " وليس لراديو NPR ( راديو ممّول بشكل عام وخاص من عضوية منظمات غير ربحية وتمثل نقابة وطنية لشبكة تضم 900 محطة راديو شعبى). الخطاب السياسى للرئيس دونالد ترامب مؤطر بنزعة وطنية - شوفينية وينطوى على كراهية شديدة للصفوة الليبرالية الحزبية التى تداولت حكم اميركا مما كرس هيمنتها على المؤسسة الرسمية والتى جيرت لدعم مصالحها منذ الحرب العالمية الثانية.
الشعبوية الاوربية:
لقد طرات متغيرات حديثة فى السياسة الدولية وامثلتها تمرد الديمقراطيين الامريكيين من ذوى التوجهات الاشتراكية الذين دعموا حملة ترشيح بيرنى ساندرز ؛ وخروج بريطانيا من الاتحاد الاوربى فى ظاهرة عرفت بمسمى " بريكزيت" ووصول مرشح الحزب الجمهورى ؛ رجل الاعمال ؛ البليونير " دونالد ترامب" إلى البيت الابيض الامريكى وكذلك تواتر فوز مجموعة من الأحزاب المتمردة الاوربية فى الانتخابات فى كل من سويسرا والنرويج والنمسا وإيطاليا واليونان. ويشرح الباحث " بانكاج ميشرا" فى كتابه " عصر الغضب" مرور العالم بمرحلة الحداثة حيث يمر بوطأة المستلبين بشكل كبير إلى الخطاب الديماغوجى الشعبوى ممن فشلوا فى الاستجابة إلى وعود الحداثة المتمثلة فى الحرية والاستقرار والازدهار؛ وان الذين تم دفعهم الى الوراء او وصلوا متأخرين الى هذا العالم كانت ردة فعلهم مخوفة ؛ بدت عوارضها فى الكراهية الشديدة للاعداء المصطنعين ؛ وتسعى إلى إعادة إبتكار ماضى ذهبى خيالى وتحقيق تمكين الذات عبر العنف العجائبى غير المألوف. ولقد إنبثقت النضالية المقاتلة فى القرن التاسع عشر من بين مصاف الشباب الساخطين بالاضافة إلى الفوضويين الدوليين فى المانيا وروسيا وإيطاليا. وفى عالم اليوم الذى يمكن يفتقر الى المعنويات بالمعنى الحرفى للكلمة نشهد تجدد إعتناق سياسة الجماهيرية بمثل ما ادت التكنولوجيا والفردانية وتحصيل الثروات وقسمتها الضيزى إلى مزيد من المستضعفين المتأثرين بالابتعاد عن التمسك بالتقاليد ومن تأثيرات الحداثة فى ذات الوقت. وفى اوربا المعاصرة بدأت مظاهر الانتقال من "الوطنية - المدنية" العالمية إلى الوطنية - الشعبوية المكتسية بخطاب ديماغوجى مشوبا بنزعة عرقية ومبلورة شرعية اواصر الدم والأرض لتجسيد التماهى الوطنى داخل المجتمعات الاوربية الحديثة. وتطورت الوطنية المنفتحة - المعولمة بشكل معكوس إلى وطنية منحصرة مفخخة بالوجل ومحّفزة بالخوف من الاجانب حتى اصبح ذلك التوجه كراهية عنصرية نسخت إرث المساواة والعدالة وحقوق الانسان الذى كان ثمرة من ثمار الليبرالية الديمقراطية حيث شهدت حقبة سنى السبعينات بداية ظهور التيارات الشعبوية اوربا الغربية.
انبثقت تيارات الشعبوية الاوربية من مصاف الاحزاب اليمينة واليسارية حتى بدت تشكل فى الوقت الحاضر احد البدائل السياسية إثر تراجع الليبرالية الغربية تحت وطاة الإنغلاق السياسى لصفوتها وضيق افق مؤسساتها الرسمية وحصر تداول السلطة على اجيال متعاقبة من صفوة اليمين واليسار فى متوالية نظام إقتصاد السوق الذى يهتم فقط بالحفاظ على المصالح الاقتصادية والتجارية لرجال الاعمال والشركات الكبرى. ان الاجانب ضحايا المقت والكراهية وآلة الاعلام الغربى صاروا جزءا من التركيبة الديمغرافية الاوربية وفيما يبدو ان الخطأ الذى وقعت فيه آلية الدعاية الاعلامية الغربية التى صورت الاسلام بعبعا والمسلمين إرهابيين فى أسوا الاحوال أو حواضن للارهاب فى احسنها؛ قد ساهمت فى تكييف ادمغة المواطنيين الاوربيين بكليشيهات نمطية لنموذج المسلم الارهابى ! حيث تدفع هى نفسها الآن فاتورة الاكذوبة الكبرى - اى مسلم هو مجرد إرهابى كامن ريثما يتخلق إرهابيا كاملا- التى تحولت إلى خطاب سياسى وإيدولوجيا تعبوية شرع فى مناهضتها ويرد إليها بضاعتها الاعلامية فى شكل منظومة سياسية تتقدم بخطى حثيثة لتضع خط النهاية للمسيرة الليبرالية المتأرجحة بين سكرات أفولها او ضعفها الكبير ومطارق الشعبويين واليمين المتطرف ؛ إذا استمرت عوامل التحليل التى ارتكزنا عليها فى حالتها الراهنة. ها هى تيارات الوطنية المتطرفة فى طورها الشعبوى القائم على النقاء العرقى الرافض للتعديية الثقافية والداعى لإنخراط الكافة فى ثقافة أحادية من صنع الانسان الابيض. إنها عودة خبيثة لأيدولوجيا الوطنية - الشوفينية التى تتقاطع مع النازية فى اسطورة تفوق الجنس الآرى على العالمين وما نجم عنها من محرقة لليهود ؛ او المختارية التوراتية التى تعتمل كمكبوت دينى.
رغم إنكار بعض المحللين السياسين لوجود ايدولوجيا شعبوية حيث يقولون ان التيارات الشعبوية تتميز بمنطق سياسى وطريقة تفكير واحدة؛ ولكنها بدأت تتضامن مع بعضها البعض وتخطط لمولد " ربيع شعبوى" استعاد ثقته مجددا بعد فوز دونالد ترامب فى الانتخابات الامريكية وخروج بريطانيا من الاتحاد الاوربى حيث يتوقع الشعبويون الحصول على مزيد من المكاسب فى الانتخابات التى ستجرى قريبا فى فرنسا وهولندا والمانيا. وسيوظف الشعبويون موجة الوطنية المناوئة للمؤسسة الليبرالية الرسمية وشعار تعزيز المصالح الوطنية وإطراح اشكال التعاون العابر للحدود ومناهضة الاتحاد الاوربى وأستخدام الغضب الناجم عن قدوم ملايين المهاجرين إلى اوربا للوصول إلى سدة الحكم والسلطة. هذه هى الرسالة التى بعثها ملتقى اليمينيين الشعبويين الاروبيين الذى عقد فى مدينة "كوبلينز" فى المانيا فى الشهر الماضى معلنا بداية تضامن تيارات واحزاب الشعبويين فى سيرها الحثيث لتشكيل اممية دولية شعبوية بديلة للنظام الاوربى الحالى. وتلخص مقولة مارين لوبين زعيمة الجبهة الوطنية الفرنسية سقف مطامح المنظومة الشعبوية " عام 2016 هو عام صحوة العالم الانجلو- ساكسونى وإن عام 2017 سيكون عام صحوة القارة الاوربية"؛ ويوضحه كذلك مقولة "غيرت فيلدرز" زعيم حزب الحرية الهولندى المرتقب فوزه بنسبة عالية من الاصوات فى الانتخابات البرلمانية التى ستجرى فى هولندا خلال شهر مارس الحالى " امس كانت هناك امريكا جديدة ؛ اليوم فى كوبلنز ؛ وغدا ستكون هناك اوربا جديدة إن الوطنيين سينتصرون ؛ لقد حان أوان التغيير". واكتسبت تيارات الشعبوية فى اوربا زخما للخلاف حول وجهات النظر السائد فى اوساط صفوة الليبراليين الديمقراطيين الذين سيطروا لوقت طويل على الحكومات وهيمنوا على " المؤسسة الرسمية " وذلك حول السياسات الاقتصادية والثقافية والموقف من الهجرة . وكانت قضية الهجرة احد العوامل المهمة فى انتهاضة الشعبويين المحدثين ولكن بإلقاء نظرة على إحصائية الاجانب يتضح خطل الحجة الشعبوية وخطاب اليمين المتطرف: إحصائية الاجانب فى اوربا حتى عام 2015 كانت على النحو التالى: روسيا 8% ؛ الدنمارك 10% ؛ فرنسا 12% هولندا 12% ؛ بريطانيا 13% ؛امريكا 14% ؛ المانيا 15% ؛ السويد 17% .
وتتهم الحركات الشعبوية اليمينة الصفوة الغربية الليبرالية بإهمال قضايا الجماهير وقلب سلم الاولويات بتقديم قضية المهاجرين والاسلامويين؛ وهذا يشكل أساسا فى خطابها. وتختلف ايضا عن احزاب المحافظين المؤتلفة مع طبقات رجال الاعمال والساعية للحفاظ على مصالحها. اما حركات اليسار الشعبوى الأوربى فهى تتميز تاريخيا عن حركات الاشتراكيين الديمقراطيين او الأحزاب الاشتراكية ؛ ولا تقوم سياساتها على مفهوم صراع الطبقات او المطالبة بإلغاء الرأسمالية ؛كما إنها تختلف عن سياسات التقدميين اوالليبراليين التى تهدف إلى تحقيق المصالح المتباينة للطبقات والجماعات المعارضة بإحداث التوازن فيما بينها. ولقد أدى خروج بريطانيا من الاتحاد الاوربى كحدث سياسى كبير إلى إشهار بريق الاحزاب الشعبوية وحركات اليمين المتطرف فى اوربا والتى تشكل فى الوقت الحاضر اما أغلبيات سياسية او برلمانية فى ستة دول اوربية. كما تشارك تلك الاحزاب فى إئتلافات سياسية فى ثلاث حكومات، ما يدل على ان الخارطة السياسية والنظام الاوربى القائم منذ الحرب الكونية الثانية إثر هزيمة النازيين فى المانيا والفاشيين فى إيطاليا بتدخل امريكا لصالح الحلفاء بقيادة بريطانيا قد بدأ فى الاضمحلال. ويلاحظ ان احزاب اليسار فى اوربا فى إنعطافة قامت بإنعطافة نحو الوسط ؛ طمعا فى كسب اصوات الناخبين حيث نجد ان حزب العمال البريطانى تمكن من الفوز بقيادة تونى بلير فى الانتخابات التى جرت فى عام 1997 على غريمه حزب المحافظين واحتفظ باغلبية انتخابية حتى عام 2010|. وحدث لأن رئيس وزراء بريطانيا السابق تونى بلير قام بسرقة شعارات مارغريت تاتشر ليجعل حزب العمال اليسارى مقبولا إنتخابيا. وادى هذا الحراك نحو الوسط إلى بروز فجوة فى الفضاء السياسى تمددت فيها الحركات الشعبوية فى امريكا وبريطانيا. وظلت الفجوة قائمة حتى عام 2008 الذى شهد انهيار النظام الاقتصادى العالمى وارتفاع معدلات البطالة.
وفى اليونان أدى تآكل الرصيد السياسى لحزبى " باسوك" الاشتراكى الحائز على 90% من مقاعد البرلمان فى التسعينات وحزب " الديمقراطية الجديدة" ( محافظين) ؛ إلى بروز حزب " سيريزيا" اليسارى المتطرف الذى يحكم البلاد ضمن تحالف سياسى جديد. ولقد إضمحلت شعبية حزب " باسوك" لتنحط إلى حوالى 6% من مقاعد البرلمان فى الانتخابات الاخيرة. وفى إسبانيا حصل حزب " بوديموس" على 20% من اصوات الناخبين فى آخر انتخابات اجريت العام الماضى. وفى النمسا خاض " نوربرت هوفر" زعيم "حزب الحرية " الشعبوى انتخابات الرئاسة التى جرت مؤخرا بشعار " النمسا أولا " ليحصل على 40% من الاصوات ويحل فى المرتبة الثانية. وتشهد المانيا تنامى الحركة الشعبوية المتمثلة فى الحزب اليمينى الشعبوى المناوىء للاتحاد الاوربى والذى يتهدد حكم المستشارة " إنجيلا ميركل" بحجة الترحيب بمليون مهاجر. وفى بريطانيا برز الحزب الوطنى البريطانى فى الساحة مؤخرا وإن لم يتمكن بعد من تحقيق الارضية التى حققتها احزاب اليمين فى اوربا الغربية. وفى اسبانيا برزت حركة " بوديموس" بقيادة " بلبلو إيغلزياس" اليسارى الشعبوى والتى حصلت على 20% من الاصوات مؤخرا.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.