عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

السودان: سنوات التيه- نصف قرن لم يكتمل (1-2)
المؤلف: السفير فاروق عبدالرحمن احمد عيسى
الحارث إدريس الحارث
إختار المؤلف الذى عمل دبوماسيا وسفيرا ثم وكيلا فى وزارة الخارجية ولفترة مهنية بلغت ربع قرن ؛ عنوانا لمجلده الكبير الذى يحتوى علىى اكثر من 700 صفحة ؛ يذّكر القارىء بتيه بنى إسرائيل وكأن قدر السودان منذ إستقلاله ان يتوه خلال نصف قرن بعشرية مضافة على اربعينية التيه الاسرائيلى ؛ ولكن لا تزال تنداح دائرة تيه السودان إثر الشرخ الإثنى الكبير. ويهدى مؤلفه بوفاء إلى " معلميه ومن اسدوه رأيا صوابا او قدموا إليه المساعدة او تحملوه دون منّ أو أذى خلال نصف القرن الماضى. ويشكل الكتاب حصيلة منتقاة من ذكريات ومشاهدات وتقييم واسترجاع احداث شهدها المؤلف خلال فترة نصف قرن من الترحال النشط حول العالم زار خلالها اكثر من 80 قطرا فى القارات الخمس ويطمح ان يصل بالرقم القياسى إلى 100 قطر. ويتميز اسلوب الكتاب حتى يخال لك انك تقرأ رواية من شاكلة مائة من العزلة لغارسيا مركيز أو " الياطر" لحنا مينا او " الموسم " للطيب صالح لما اشتملت عليه من دقة الأوصاف والأحكام والتفصيل الوافى للأحداث والوقائع بشكل يشبع نهم القارىء ويزيد إلمامه بخلفيات الاحداث والشخصوص والجغرافيا والمواقع والأمكنة والتغيرات التى طالتها عبر الزمن.وعبر الكتاب يبدو لك المؤلف من خلال سنى التجوال والتسفار الذى بدأه منذ عام 1962 وكأنه يمت بصلة قربى إلى إبن بطوطة وان لم يكن هو كذلك فأخوه الاكبر الكامل الذى كان يعمل قبطانا فى سفن البحار.
ولقد نفى المؤلف فى مقدمة الكتاب ان يكون عمله سيرة ذاتية ؛ فهو صادق ؛ إذ يمثل الكتاب حزمة من شتى التجارب ولكنه يبدو سمتا واحدا وآخاذا بل أشبه بكشكول وتاريخ لأحداث كتبت بقلم يزاوج مزاوجة لطيفة بين الثقافة والتنشئة الوطنية التى تلقاها بمدينة الابيض المنفتحة على العالم والتعليم الجامعى وما صحبه من التزام سياسى دون الالتزام الحزبى او العقائدى الايديولوجى ؛ ثم ما اضافته الاسفار المبكرة للعمل الطوعى بمنظمات الشباب العالمية من وعى بالعالم والإنتخاب لعضوية اتحاد طلبة جامعة الخرطوم اواسط الستينات، والخدمة الدبلوماسية والتدريب فى كورس اللغة الفرنسية فى باريس وسلم التدرج المهنى وصحبة الشخصيات السياسية الوطنية والاجنبية المرموقة خلال حقبة النظامين العسكريين فى عهد الفريق عبود والمشير النميرى والديمقراطية الثالثة على عهد السيد الصادق المهدى ؛ فحقبة الاسلامويين طويلة الامد ؛ ثم الفصل من الخدمة الدبلوماسية وضراوة الكفاح الضارى بشق الانفس وجهد الابدان للبحث عن وظيفة بديلة وما اقتضاه ذلك الهم من اسفار قضت بالضرورة على كل مدخراته. وإذا دققت فى السرد سوف تعثر على مفتاح لشخصية المؤلف وعلاقته بوالده المعلم المحترف المتفان بالابيض ؛ الاب الحازم -الصارم-المحب للسفر الذى إلتقى رائد الكشافة العالمية بادن باول وجرب السياسة فى مضمارها الاقليمى كسكرتير عام لحزب الامة فى كردفان عام 1964 والذى اخذ فاروق جل صفاته كما يبدو لى. وتتابع احداث التنقل ما بين مختلف مدن السودان :الابيض وام روابه وخورطقت ونيالا والفاشر والخرطوم وشندى التى خصها ب 11 صفحة ؛ والدويم وبخت الرضا وكوستى وسنار ومدنى وسنجه والسوكى والقولد ملتقيا فيها بالراحل الصدّيق وكريمة وحلفا القديمة وكسلا وطوكر والقضارف وبورسودان وملكال وبور ويامبيو ومريدى وواو وكنشاسا وباريس والشانزليزيه وبروكسل ولندن ونيويوك ومن قبل الدول الاسكندنافية ودول المعسكر الشرقى. ثم تلحظ وقع كل ذلك بشكل بعيد المدى على عقلية ونفسية وتجربة المؤلف ونمط تفكيره الوسطى الايجابى ورد الفعل والاحكام المسببة منطقيا التى يصدرها بين الحين والآخر موضحا تفاصيل الاحداث ومواقف الاشخاص بدون وجل او مجاملة. وتتعرف على مدينة الابيض الحاضرة إلإقليمية باكثر من بعد خلال الفترة ( 1959 -1965 ) ؛ وهى تستقبل الرئيس اليوغسلافى السابق جوزيف بروز تيتو والرئيس الراحل جمال عبد الناصر والرئيس السوفيتى السابق ليونيد برجنيف ثم زيارة ملكة بريطاينا إليزابيث الثانية فى عام 1965.
ونكتشف ان شخصانية المؤلف المتدفقة من خلال السرد مؤمنة بالخيار الوسطى المبرأ من الانتماء الحزبى والآيدولوجى ولا اقول الالتزام السياسى والانفعال بالهم الوطنى؛ ولشدة تثمينه للحرية فضل عدم ارتهانها بالانضمام إلى اهل اليمين أو اليسار. وهو يكشف من خلال روايته لأحداث الكتاب عن التزام متجدد ومطلوب بضرورة التعايش بين مختلف التعدديات السودانية. وهنا يطرح قراءته لمآ لات المذاهب السياسية الأيدولوجية: الشيوعية لن تنجح لأنها ضد المزاج الانسانى فى الحرية والانعتاق والرأسمالية الصرفة تمارس الاستغلال ؛ والتطرف الدينى يبدل اليسر إلى عسر ؛ والتعالى العرقى والعنصرى يرفض الآخر ويسعى لإخضاعه وإذلاله بدعاوى التطوير. ولذلك لم يكن فى يوم ما شيوعيا ولا رأسماليا ولا عنصريا ولا جهويا ؛ معتدا بحريته ورأيه الذى تجده واضحا وصريحا حول الاحداث والاشياء والاشخاص.
ولذلك يتوقع المؤلف إن إستمرار نظام الانقاذ فى انتهاج سياسة التعالى العرقى قد يؤدى إلى انفصال إقليم دارفور ومنطقة جبال النوبة ؛ كما يشير إلى إزدواجية النظام المعجب بنموذج دولة ما ليزيا وتفوقها المذهل واحترامها للتعددية ويستغرب فى تقاعسه عن إقتباس تلك التجربة لا سيما انها طبقت فى بلد إسلامى. وبالرغم من عدم قناعته بالعقائد الايدولوجية إلا انه رفض إعدام جمال عبد الناصر للمفكر الاسلامى سيد قطب لأن الاخير كان صاحب رأى ولم يرفع سلاح ضد الحكومة بينما يذكر ان د. منصور خالد كان يرى خلاف ذلك بأن إعدامه خطوة جديرة بالثناء. ولكى لا ُيظن انه غير آبه بالاسلام فهو يصلى ويصوم ويعتمر ويحج ويقرأ القرءآن ويحتوى كتابه على صورة فتوغرافية يقف فيها المؤلف ضمن كوكبة مسلمين فى الكونغو لوضع حجر اساس مسجد كنشاسا الذى صليت فيه انا كذلك عند ابتعاثى إلى كنشاسا على ايام الرئيس السابق موبوتو.
ويورد المؤلف امثلة فعلية عندما يسرد جانبا من مناهضاته مع رفاقة بجامعة الخرطوم ضد القهر والظلم والتزاماته تجاه الحرية وغيرته الصادقة تجاه السودان فهو احد اعضاء اللجنة التنفيذية لاتحاد طلاب جامعة الخرطوم فى الاعوام 64/1965 ومعاصرته لثورة اكتوبر حيث تم اعتقال اعضاء اللجنة التنفيذية للاتحاد والزج بهم فى سجن كوبر برفقة المحامى احمد سليمان ولم يعثر حينها فى جيبه الأ على 10 قروش اى عشر جنيه سودانى. ويتصدى المؤلف للدفاع عن مدرسته العليا خورطقت التى اخذت حيزا من الكتاب بلغ 13 ثلاث عشرة صفحة ؛ التى ذاق فيها اول تجربة ظلم طالت حوالى 40 طالبا والتى علقت فى ذاكرته الى الآن بإبعادهم من السكن فى الداخلية فى عام 1957 ؛ وهى إحدى ثلاث من الثانويات العليا ضمت حنتوب ووادى سيدنا وصفها المؤلف بانها كانت " مراكز علم وإشعاع بقدر ما كانت اماكن صهر واندماج لابناء السودان الموحد" حتى طالتها الخبطة العشواء من قبل العنجهيين الجدد الذين اصدروا قرارا بإغلاقها بحجة انها واحده من ثالوث المدارس التى كانت تخرج " الخونة وعملاء الاستعمار" ؛ ولكنه يقول ان التاريخ يشهد أنها خرجت نفرا من قادة السودان مدنيين وعسكريين فى حقبة ما بعد الاستقلال. ثم يعقد مقارنة لا تخلو من نكته وإشارة لطيفة حول إغلاقها وإغلاق النميرى لثنتين وعشرين سفارة فى عام 1983 او ما يعادل 50 % من الحجم الكلى لسفارات وبعثات السودان بالخارج وهو قرار كان أيضا من شاكلة الخبط العشوائى الرئاسى. ولقد قاده الاحتكاك المبكر فى ريعان الشباب بالعالم ورغبته فى رؤية العالم والتفاعل معه لتطوير توجه صادق للعمل فى وزارة الخارجية من خلال انفعاله الايجابى مع بانعقاد مؤتمر باندونغ فى عام 1955 واستقلال السودان فى عام 1956 ؛ والدربة المضافة التى حصل عليها من مشاركته فى تمثيل السودان فى مهرجانات الشباب والطلاب فى فنلندا والسويد حيث كانت الخرطوم حاضرة ليس فقط للثقافة والريادة الافريقة بل مركز استقطاب لفعاليات أفريقية وعالمية. ثم يسافر بك المؤلف عبر ربع قرن قضاها ممثلا لبلاده فى المحافل الدبلوماسية (1965-1989) ويخبرك وما ينبؤك مثل خبير بأنه اول دبلوماسى سودانى مقيم فى إيران وقائم بأعمال سفارة السودان فى طهران على عهد الشاه رضا بهلوى ثم يتنقل بك عبر محطات التمثيل الدبلوماسى باريس ولندن ونيويورك وبانقى وبروكسل والدوحة. ثم يشرح فى سرد روائى كيف قضت الانقاذ على تجربة اجيال فى الخدمة الدبلوماسية ظلوا مشردين فى عوز وفاقة بين الخرطوم والدوحة والقاهرة ولندن وباريس وواشنطن وسيول ؛ بمثل ما قضى اجتياح صدام حسين للكويت على آمال عقدها فى الحصول على وظيفة بديلة.
ويورد امثلة حول تدخل الحكومات السودانية فى كيفية الاختيار للسلك الدبلوماسى ؛ كما انها ايضا مارست اسلوب الطرد الانتقائى من الخدمة الدبلوماسية الذى بلغت ذروته على عهد الانقاذيين وان كراهية النساء أدت إلى فصل 70 % من كوادر الدبلوماسيات بالوزارة. وتتابع فيه إحداثيات المنحنى البيانى للمؤلف اللذى عرك غمار الحياة وعركته والمتحدى للصعاب ؛ فمن سفير للسودان بالاتحاد الاوربى بستراته المموسقة وربطات عنق احسبها من دار ازياء " لانفان" اشهر المصممين المحدثين فى فرنسا ؛ إلى متشرد فى سن الكهولة بالمهاجر المشرقية والاوربية ومكابدة سد الفجوة المالية الناجمة وفظاعات الفاقة على اثر التعديل الوزارى فى قطر فى 1992 وغيرها وكل ذلك نتيجة مباشرة لما اسماه سيادة " المشروع الهمجى" المفروض قسرا من عل والذى جعل الصالح العام صالحا إخوانيا. وهو لا يعطيك الاحساس بأنه مؤثرا للوظيفة مهما كان رونقها ولكن يضعك امام الضر الناجم من قرارات الخبطة العشواء التى طالته مع الآف وهو فى السن الذى ييحفز فيه الانسان للتفوق على مؤشر الانجاز الامثل فى حياته المهنية.
وتقرأ فيه ايضا قائمة الرؤساء الذين إلتقاهم خلال فترة عمله الدبلوماسى ومنهم العاهل المغربى الراحل الحسن الثانى ورئيس وزراء الصين شوإين لاى وشاه إيران محمد رضا بهلوى ؛ وكل شيوخ دول الخليج والرئيس العراقى الراحل صدام حسين والرئيس القابونى ديورى هامانى والرئيس الفرنسى جيسكار ديستان والرئيس الجنرال اندريه كولنقبا رئيس افريقيا الوسطى ورئيس وزراء استراليا بجانب إصطحابه للرؤسا ء وكبار المسؤولين السودانيين فى رحلا تهم الرسمية. وتقف فى الكتاب على زيادة كتلة العالم ؛ فقد شهد عبر نصف قرن وصول عدد وحدات الدول المكونة للنظام الدولى إلى حوالى مائتين كما شهد تقلص كتلة السودان الذى كان يحتل المركز العاشر من حيث المساحة عالميا ولكن ظهور دولة كازاخستان قلصّه درجة الى الوراء ثم انتكس بفقده ثلث مساحته فى عام 2011 على إثر إنفصال الجنوب أى صار السودان دوله تلد الدول.
فهو ينتقل بك إنتقالا سلسا بين الاحداث المختلفة فى البلدان المختلفة فيصيغها قلمه فى احسن العبارات واجمل الصيغ. فهو متابع بقدر كبير من المثابرة للتطورات الدولية. فقد شهد التطوارت التى طالت المعسكرين الغربى والشرقى من عهد ليونيد برجنيف وجوزيف تيتو إلى عهد اوباما وبوتين ؛ بما فيها تفكك الاتحاد السوفيتى إلى 21 دولة ؛ ويوغسلافيا إلى ست دول وتشيكو سلوفاكيا إلى دولتين.
ويوضح السفير برامج الاعداد الممنهج للدبلوماسيين الجدد وذلك بسرده لتفاصيل الفترة التدريبية التى قضاها مع نخبة من زملائه الدبلوماسيين امثال السفيرين الراحلين يوسف مختار ابوعاقله وطه ابو القاسم ؛ ومحمد المكى ابراهيم وهاشم التنى مقارنا بين التحصيل الاكاديمى الانغلوفونى فى جامعة الخرطوم التى درس فيها الاقتصاد والتاريخ الدبلوماسى والمؤسسات الاكاديمية الفرنسية خلال تلك الفترة. ويدين التدخلات السياسية فى كشف تنقلات الدبلوماسيين الذى بدأ بعد إنقلاب مايو 1969 الذى غير نقل المؤلف من بروكسل إلى كنشاسا حيث وقف المؤلف فيها على ثورة التأصيل الثقافى او افريقانية الاصالة الموبوتوية التى تبعها تغيير المسمى السيادى للبلاد وكذلك الزى الوطنى. ويصف المؤلف مدينة كنشاسا العاصمة فى اوائل السبعينات ثم يثرى القارىء بالاشارة إلى الاوضاع السياسية فى دول الجوار والتمسك بالمقاطعة السياسية والاقتصادية المفروضة من قبل الجامعة العربية على اسرائيل وجنوب افريقيا وروديسيا ؛ والتى قادته الى الالتزام بمقاطعة الاطعمة والمنتجات التى تستورد من تلك البلدان الى السوق الكنغولية.
ولا ينسى ان ينقل القارىء الى احداث درامية تمثلت فى تعرض منازل الدبلوماسيين للسطو والسرقات المتلاحقة حيث كان يقيم فى منطقة شعبية فى حى " ليميتيه " المجاور لمنطقة "ماتونغى" الشعبية مما اضطرهم إلى استيراد كلاب الحراسة المدربة من بلجيكا والذى انتهت غرابته الى تعرض الباحثة الراحلة د. فيفيان ياجى حرم السفير السابق محمد احمد ياجى إلى هجوم واحد من تلك الكلاب العضوضة. ثم ترتفع درجة الاثارة بتعرض القنصل العام السودانى والسفير الراحل حسن الامين البشير فى مدينة " كيسنغانى" الى الاختطاف من قبل الانفصاليين الكنغوليين وإتخاذه درعا بشريا ورهينة دبلوماسية يدرءون بها الهجوم الجوى المباغت الذى شنته قوات الرئيس موبوتو المدعومة من قبل بلجيكا فى عام ويساومون به من أجل سلامتهم 1965. حيث انتهى المطاف بالدبلوماسى المخطوف الى الحدود الكنغولية السودانية الاوغندية فى منطقة " أبّا ".
ويتناول بداءات ومساعى لتأطير مبكر لللعلاقات السودانية الأفريقية على عهد الرئيس الراحل إسماعيل الازهرى بسرده تفاصيل إنعقاد قمتين إقليميتين شارك فيها ضمن الوفد السودانى الرسمى وهما: قمة زندر الثلاثية التى عقدت فى النيجر فى اكتوبر عام 1968 وضمت الرؤساء إسماعيل الازهرى و" ديورى هامانى" رئيس دولة النيجر ويعقوبو غاوون" رئيس دولة نيجيريا. وكانت القمة بداية موفقة لتلمس مفاهيمى ودبلوماسى لفكرة " السودان الإفريقى الكبير" حيث وقف المؤلف على تطابق بيئة النيجر مع بيئة كردفان بما فيها من اشجار النيم والتبلدى والهشاب وحتى الفرسان على ظهور الخيل. اما عن السودان فى افريقيا ويردنا ذلك الى مسألة الهوية السودانية ؛ فقد إكتشف المؤلف اثناء فترة تدريبه بفرنسا إن المرء يحس بقربه من افريقيا عندما يكون فى باريس اكثر من إحساسه بها وهو فى السودان. واثمرت دبلوماسية حسن الجوار الافريقى فى عهد الازهرى بإنعقاد قمة كيسنغانى إلإقليمية والتى ضمت الرؤساء الازهرى والرئيس اليوغندى السابق ملتون اوبوتى والرئيس الكنغولى السابق موبوتو سيسى سيكو فى مايو عام 1969 والتى وقع إنقلاب مايو فور إنتهائها. ومن الواضح ان البرنامج قد اتاح له فرصة للتعرف على فرنسا التى كان تعريفها مقتصرا على دول الجوار الافريقى الفرنكوفونى لشخص نشأ مثله فى كردفان. ويفّصل المؤلف وقائع مكابدة تمثيل السودان فى الكونغو فى اوائل السبعينات بحكم انها واحدة من دول الجوار المهمة التى أنهى إنفصال جنوب السودان جيرتها وهناك يلتقى بالدبلوماسى المصرى احمد ماهر الذى اصبح وزيرا لخارجية دولة مصر لاحقا. وانتهى المطاف بالسفير فاروق بتولى منصب وكيل وزارة الخارجية بعيد انتفاضة 1985 ليروج لسياسة التقارب الافريقى العربى ؛ حيث كان ابراهيم طه ايوب وزيرا للخارجية منتخبا من كلية الدبلوماسين.
ويخبرك عن مثال من امثلة الحرج والارتباك الذى يقابله الدبلوماسيون احيانا بالبعثات الخارجية لا سيما بعد قرار النميرى تغييرعلم السودان القديم فى 20 يونيو 1970 ؛ حيث لجأ ت بعض السفارات إلى تصميم العلم الجديد من مواد محلية فى دائرةالتمثيل لأن الأوامر قد أصدرت بتوجيه السفارات برفع العلم الجديد فى ساريات السفارات خلال يوم واحد فقط من بدء العمل به. فكان عليه التوجه الى السوق المحلى لشراء اقمشة بالوان العلم الجديد رغم شدة تباين درجة التركيز اللونى وبالاخص اللون الاحمر القرمزى . فلما تم ارسال العلم الجديد الذى اعدته مصلحة المخازن والمهمات عبر الحقيبة تبين شدة التباين بين العلم المنتج محليا تحت وطأة الاستعجال والعلم الحقيقى المصنف تحت طائلة التقليد العروبى وتشابهه مع اعلام عدد من الدول العربية. كما اتضح للكاتب ان الوان العلم القديم كانت أكثر جاذبية من الوان العلم الجديد ولذلك ينصح الكاتب بالتمهل لدى إختيار رموز الدولة مثل العلم والنشيد الوطنى وعدم مجاراة تقليد الآخرين بدافع الحماسة من منطلقات العروبية. وتقرأ ايضا ان مويس تشومبى زعيم الانفصاليين الذى قاد مغامرة فصل كاتنغا عن الكونغو اصبح فى خاتمة مطافه حبيسا بالجزائر ودفينا في ارضها. ثم يلحق به موبوتو الرئيس الذى خلع باتريس لوممبا بالتعاون مع الاستخبارات الاميركية وبلجيكا والذى اصبح بعد ان خلعته ثورة كابيلا فى اواسط التسعينات رهينا فى المغرب ودفينا فيها.
ويتناول الكتاب الشخصيات السياسية التى التقاها المؤلف او إصطحبها فى زيارات عمل رسمية مثل الرئيس الراحل إسماعيل الازهرى ورئيس الوزراء السابق السيد الصادق المهدى ووزير الخارجية السابق محمد إبراهيم خليل والراحل جمال محمد احمد وكيل ووزير الخارجية ود. منصور خالد وزير الخارجية السابق وامير الصاوى وكيل وزارة الداخلية واللواء حمد النيل ضيف الله وإبراهيم المفتى وغيرهم. ومن الشخصيات التى تناولها المؤلف فى كتابه وهى كثيرة نختار شخصية الراحل الدكتور حسن الترابى والذى استمع له المؤلف اول مرة فى عام 1964 بقاعة امتحانات جامعة الخرطوم وهو عائد لتوه من فرنسا وبأناقة باريسية واضحة للعيان ويتحدث فى " ثورية قوية عن الحرية والديمقراطية " بوصفهما الملاذ الآمن لحل مشكلة جنوب السودان وجميع مشاكل السودان. ولقد تابعه المؤلف بإهتمام منذ ندوة اكتوبر 1964 بجامعة الخرطوم وكان صفق له فى تلك الندوة ما يدل على ان حكمه المختلف الاحق كان جراء قناعة وتجربة مريرة. فهو وفق توصيفة المؤلف الشخص " الذى وصل تآمره بإن أسقط نظام حكم ديمقراطى تعددى كان شريكا فيه بمنصب نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية فى إحدى حكوماته. ولكن الطمع فى السلطة باكملها جعله يدبر انقلاب يونيو 1989 ويلعب دورا مسرحيا لم ينطلى على احد إلى ان تمت المواجهة بينه وبين من صنعهم بيده فأكلوه كما أكل الوحش فرنكنشتاين صانعه ".
وتقف على تحول السياسة الخارجية بتعزيز التوجه نحو الدول الاشتراكية والشيوعية بعد الاعتراف بنظام مايو فى باكورة إطلالته بالمانيا الشرقية وكوريا الشمالية وقرار فتح سفارات فى برلين وبراغ وإغلاق سفارة بروكسل. ويشجب نعرة النميرى الاسرائيلية التى سهلت تهريب الفلاشا عبر مطار الخرطوم الى فلسطين ليصبحوا مواطنيين إسرائيليين من الدرجة الثالثة . ويقر المؤلف بأنه قام بتسليم طلب إلى السفارة المصرية بالخرطوم يطلب فيه تسليم النميرى وإعادته من مصر بغرض محاكمته. ثم يلتقيه المؤلف بمصر التى انتهى فيها لاجئا مدة 14 عاما. ويكشف الكتاب صيروة الزمن وما قاد إليه من تبدل السياسات فى النظام الاقليمى العربى بتغير كثير من الثوابت المبدئية الراسخة فى عالمنا المعاصر حين تتابع متوالية دخول العالم العربى الى العصر الاسرائيلى حسب تسمية الراحل ياسر عرفات او الهرولة إلى تل ابيب ؛ حيث يرفرف العلم الاسرائيلى فى بعض البلدان العربية اليوم علنا أو سرا فى اكثر من عاصمة عربية كبرى ابتداء من مصر والاردن وقطر وغيرها. وتقف على غيرة الدبلوماسى المتمسك بموقف دولته تجاه القضايا القومية حيث كان يلتزم بالمقاطعة المفروضة على اسرائيل وجنوب افريقيا وروديسيا بالاقلاع عن شراء منتجات تلك الدول التى كانت موفوره فى سوق الكنغو فى السبعينات ؛ كما امتنع كذلك عن عن شراء سيارة " فورد " كرغبة اولى وذلك لإدراج الشركة ضمن قائمة الشركات المقاطعة.
وتنتابك حيرة مطبقة من وقع البرقيات المتوحشة صياغة فى بداية " سورة " نظام الانقاذ التى فصل بموجبها المئات من رفاقه الدبلوماسيين حيث تلقى برقية فصله من منصبه كسفير للسودان لدى بلجيكا والمفوضية الاوربية فى برقية لم تزد على اربعة اسطر ؛ وفى امثلة اخرى لم تزد على بضع كلمات. ولقد حرمه هذا الفصل التعسفى المتعجل من فرصة توديع رأس الدولة البلجيكية الملك بودوان ؛ والسيد جاك ديلور رئيس المفوضية الاوربية والامير جون الدوق الاكبر لدولة لوكسمبورغ. كما فصلت حكومة النميرى المقدم عبد الرحمن سوار الذهب من الجيش فى اول كشف ضباط تم إصداره وتمر الايام والليالى ليساعد اللواء سوار الذهب انتفاضة ابريل 1985 بالانقضاض على نظام النميرى ويتوج برئاسة المجلس العسكر الانتقالى .
ويقتلك الغيظ من ان وطأة الانقاذ لم تكتفى بطرد الدبلوماسيين من الخدمة بل سلطت جهدا جهيدا فى ملاحقة المفصولين وقطع الطريق على البعض ممن عثر على وظيفة بديلة مثل تجربة المؤلف بالدوحة ؛ وتشابه عدوى الفصل التعسفى من الخدمة بين السودان وقطر اثر تغيير وزارى استهدف من وصوفوا " باولاد واصحاب د. منصور خالد " بتحريض من دبلوماسى سودانى سابق ايد نظام الإنقاذ وأشاد بحربها الجهادية فى الجنوب . وموقف آخر يتمثل فى دعم غزو صدام حسين للكويت فى بداية عهد الانقاذ حيث يذكر المؤلف ان وزير مالية كويتى سابق اعتذر عن قبول طلبه بالتوظيف مسببا ذلك بموقف السودان المساند لصدام الذى احتلت قواته دولة الكويت ؛ رغم ان الكويت اول من افتتح مكتبا فى جوبا اثر اتفاقية اديس ابابا للسلام فى عام 1972 وشيدت مستشفى فضلا عن استثماراتها المؤثرة فى السودان. وضم الكتاب فصلا شيقا يسلط فيه المؤلف الضوء على اسفاره مع د. منصور خالد وزير الخارجية فى عام 1973 حيث يكشف من خلاله بعض التفاصيل عن شخصية منصور؛ لا سيما انه رافقه فى واحدة من اطول الرحلات الدبلوماسية التى استغرقت اكثر من 50 يوما ؛ وتمثلت فى 27 رحلة جوية شملت عواصم ودولا من بينها نيويورك والمغرب والجزائر وسويسرا وايران واستراليا واليابان والصين والكويت والسعودية. واكثر ما اضحكنى فى استعراض هذه الرحلة هو شتيمة شو إين لاى رئيس وزراء الصين للاتحاد السوفيتى بأنه " سخيف وإبن كلب ". ويتجدد اللقاء مع الدكتور منصور خالد مرة اخرى بعد ان التقيا اول مرة فى باريس فى عام 1966 يوم كان منصور خالد يدرس لنيل إجازة الدكتوراة من جامعة السربون. فقد اصبح فاروق مفصولا من منصبه سفير السودان لدى بروكسل والمجلس الاوربى فى عام 1989 ؛ ليلتقى منصور فى القاهرة فى مطلع التسعينات كمعارض لنظام الانقاذ حيث كان يتنقل بجوازى سفر زامبى وجزائرى.
ومن نتائج الجولة التى شملت إيران برفقة منصور خالد إبتعاث المؤلف لإفتتاح سفارة السودان فى طهران ليكون اول دبلوماسى سودانى مقيم خلال الاعوام ( 1974-1976) ليواجه معاناة وضنى عملية فتح السفارات الذى عايشته وخبرته عندما نقلت من الكونغو الى اثينا فى عام 1988 لفتح سفارة السودان فى اليونان والتى ظلت مغلقة منذ ان اغلق النميرى 50 % من سفارات السودان بجرة قلم فى مطلع الثمانينات. فهو اول قائم بأعمال مقيم فى طهران قبل حوالى ثلاث سنوات من ثورة الخمينى التى قضت على حكم الشاة.
وواجه هناك مأزق هوية ؛ فهو عربى فى السودان ولكن الايرانيون قرروا انه زنجى اميركى فى احد الاجتهادات وهو أخ محمد على كلاى فى افضلها ؛ اما زوجته فقد اطلقوا عليها " سياه سياه " اى سوداء – سوداء وهى فى السودان بيضاء- بيضاء. ولما حوصر من قبل شبان فضوليون لم يتخارج منهم إلا ب " بركة إمام آلى" اى الامام على بن ابى طالب. يبدو من الواضح ان فاروق كان دبلوماسيا شاطرا بعثوره فى اول مأزق على المفتاح السحرى للشخصية الايرانية- الإمام على.
ومن الواضح آنذاك رجوح ميزان العلاقات السودانية- الايرانية فى المجال العسكرى والبحرى آنذاك حيث كان السودان يرسل مبعوثين الى ايران من جهاز الامن والقوات المسلحة من سلاح المدفعية والبحرية والطيران للتدريب العسكرى فى كلية القادة والاركان. وحول سياسة دولة ايران التوسعية واثرها على الامن القومى العربى يراهن المؤلف على ان ايران التى عايشها سوف تبقى جمهورية فارسية وان ارتبطت عبارة اسلامية بالجمهورية التى تشكلت بعد الثورة الايرانية فى عام 1979 ؛ وانها تحتفىء بعيد النوروز وهو مطلع العام الفارسى فى 21 مارس من كل عام ؛ أكثر من إحتفائها بعيدى الفطر والأضحية ؛ وان إيران وان استصحبت الابجدية العربية فى كتابة لغتها إلا انها تستنكف عن سماع عبارة " الخليج العربى" وانها سوف لن تعيد الجزر الاماراتية الثلاث " طنب الكبرى والصغرى وأبى موسى". ويبدو ان فاروق قد صدق ؛ لأن ايرانيا تعرفت عليه منذ اكثر من عشرين عاما ؛ عندما انتقدت ايران بسطوها على الاراض العربية المتمثلة بالجزر الثلاث ؛ قال لى: ان ايران سوف لن ترد الجزر الثلاث ويكفى انها تنازلت للعرب عن البحرين.