أقرب إلى القلب:

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

(1)

           قال يوسف  أنه كان مع جماعة من عليّة أمراء التعايشة ، يقضي السهرة  في هذه المدينة الترابية الكئيبة ، أم درمان . ذلك  كان في أطراف ميدان "العرضة"، شمال غربي أم درمان. في خدمة الأمراء، نفر من الرجال ومن النسوة البارعات في فن الضيافة وترتيب الجلسات الحميمة، تتخللها كؤوس الخمر المسكر،والجعة البلدية التي تملأ البطن  ولا تكاد تصل إلى الرأس، تريحه."خادم الله"، هو إسمها، صاحبة الحان . يأتي القوم إلى الحان، بعد نهارات مليئة بالصراخ واللهاث والهرولة، وراء معاناة العيش تحت ظرف محفوف  باحتمالات  نشوب قتال إلى الشمال وإلى الشرق  من الوسط النيلي الذي بسط فيه خليفة المهدي سلطته المطلقة. القوم موعودون إلى أكثر من ذلك، بهجرات بعيدة لبسط نفوذ دولة المهدية وإعلاء كلمة الله في التخوم البعيدة..

(2)

      جاء رسول من مقرّات القيادة يهتف:

- يا "يوسف" : يطلبك "خليفة المهدي" لالتخطّ رسالته إلى خديوي مصر.

      ثم تلفت كمن لم يتثبت ممّن هم حوله في الحانة، ثم هتف:

- أيها الأمير "آدم".. الأمير "يعقوب" يطلبك في أمر مستعجل.  يريدك عنده قبل صلاة الظهر.

      "شيخ الدين"، وحده الذي يهتم بما لا يهتم به الأمراء عادة. أصدر أوامره إلى مساعديه أنْ اذهبوا إلى المسئول عن النحاس و"أم بايا".  يريد أن يزاد له في أقداح العصيدة، فالتلاميذ قد زاد عددهم، والطبول الضخمة، لا يعالجها ذوو بطونٍ خاوية. النهار محتشد بالأوامر والتوجيهات. الأمسيات هي الملاذ الآمن،  بعيدًا عن طلبات "الخليفة" وضغوط التجهيزات الإدارية والعسكرية وشئون بيت المال وبناء الطوابي قبالة النيل.

      كانت جيوش الإنجليز في طريقها إلى حلفا، تعدّ لدخول السودان، وفق روايات الشارع، والشائعات التي يروّج لها رجال الطابور الخامس، المناوئين سراً لحكم "الخليفة"، من أبناء القبائل الصغيرة في مناطق الشمال والوسط النيلي. مد "يوسف ميخائيل"رجليه وهتف بـ"خادم الله":

-  هيا يا امرأة .. ما علينا والشائعات . . أسقني يا "خادم الله"،  وغدًا أمرٌ آخر . . !

(3)

           في حديث هامسٍ وبصوت خفيض، أسرّ الأمير آدم إلى جليسه يوسف، أن رسالة قادمة إلى " الخليفة" من ملك الحبشة، يقال إنها من الأهمية بمكان. قال له يوسف، غير مصدق :

-  يا سيدي آدم،  أرجو أن لاتكون هذه الحكاية من وحي وتأثير ما سقتك منه " خادم الله". . !

-  لا و الله . . لقد بلغنا "أحمد ود علي" ، أمير الجيش في  القلابات ، برسالة وصلت البارحة ،  أن مبعوثاً كبيراً من طرف " مِنلِيك" ، كبير  الأحباش ، هو الآن في طريقه إلى " البقعة " . .

-  أيها الأمير. . لقد كنت أنا في حضرة  "الخليفة" ، وقت صلاة العصر. ما ذكر لي عن الأمر شيئاً وأنا - كما قد تعلم- قاريء  رسائله  وهو الذي كتب جلها بقلمه. . !

-   ليس كلّ مقربٍ من "الخليفة" ، ُيتاح له معرفة كلّ معلومة. لذا أنا أهمس إليك همسًا ، ولا أريد  الأمير "موسى" - هذا المشغول بالصبايا البيضاوات المليحات في دار "خادم الله" -  أن يسمع وسوستي لك . . !

-   هذا لعمري أمرٌ عجبا . . !  لم نعهد ملوك الحبشة يبدون حسن النوايا ، لا قبل ولا بعد قتالنا   لهم . . !

-  لقد سألني "خليفة المهدي"، أن أسمّي له من يرافق الرسول الحبشي عند دخوله أراضينا  وحتى مسيره إلى أم درمان .  أصدقك القول إني رشحتك مع خمسة آخرين . إختار خليفة المهدي "ود تور شين" إثنين، لست أنت منهما. أسرّ إلي أنّه  يريدك لتكليف آخر  هنا في البقعة .  

-   ومن اللذين عهد إليهما مرافقة السفير الحبشي ؟

وضحك الأمير آدم ، وغمز بعينه :

-  هل كنت تتوقع أن يختار"الخليفة" لمهمة مثل هذي، رجالا من جماعتنا ؟ كلا ! "أولاد البحر" هم خير من يفهم  في مثل هذه الأمور. لقد إختير للمرافقة مستشاره محمد عثمان حاج خالد،وإدريس عبد الرحيم ..  وهما من أعيان البلد المرموقين . .  

-  أعرف كم يثق فيهما "خليفة المهدي" . . !  

(4)

        نودي على إبراهيم رمضان، القريب من ديوان "الخليفة". جاء الرجل مهرولاً، يكاد أن يتعثر في جلبابه "الأنصاري" الفضفاض، ودلف إلى مجلس "الخليفة". كان الأمير يعقوب كالعادة، في معية "الخليفة". مثل ظله، لصيقاً به. إبراهيم رمضان رجل حاذق، يقوم بمهام التجهيزات المراسمية وشؤون الضيافة، ينجزها كما ينبغي. رجل من أهل البلد، من قدامى المواليد الذين حلوا بالبلاد،  قبل قدوم جيش محمد علي باشا . قال "الخليفة" موجهاً حديثه لإبراهيم :

-  إبراهيم . . إن رسول "مِنلِيك"، قادم إلينا هنا في "البقعة" . . !

 ثم التفت إلى شقيقه :

-  قل لي يا "يعقوب" . . هل خرج "حاج خالد" و"إدريس"، لملاقاة الرسول ووفده ؟

    يدرك " الخليفة" أن المسائل الأمنية، هي ممّا اختص بها الأمير "يعقوب". .    

-   نعم يا "سيدي ".  .

-    عليك يا "يعقوب" أن ترأس بنفسك بعثة الشرف،  تلازم الضيف الجليل بعد وصوله وحتى تأهّبه للمغادرة ، وتؤمّن له ولصحبه الحراسة اللازمة ..

-  نعم . .  تم ترتيب كل شيء. الآن نريد أن نعهد لأخينا إبراهيمرمضان، بعد موافقتكم ،  بمهمة  إخراج الضيافة، وترتيب بقية تفاصيل الوفادة . .

(5)

         كان الأمير "يعقوب" ذكياً في إدارة أمور الحكم، وعرف كيف يرضي شقيقه "الخليفة"، ثم هو يمضي يفرض رؤيته وفق مزاجه، لا مزاج " الخليفة ". نظر حوله في حذرٍ وكأنه يخشى أن يفشل من هم حوله فيما يكلفهم به من مهام. ثم صاح في معاونه"إبراهيم رمضان"، يملي عليه تفاصيل برنامج زيارة الوفد :

-  عليك يا "إبراهيم" ، أن تتخير أحسن منزلٍ يحل فيه ضيوفنا . ليس بعيداً فيعسر سيرهم إلى "الخليفة" وقت يطلبهم، وليس قريباً بما يتيح لهم النظر فيما لا نريد لهم أن ينظروا فيه.أوصيك بتفاصيل أعرف أنها لن تغيب عن بالك، لكني أقولها لك رغماً عن ذلك . . !

-  إني أسمع وأطيع سيدي الأمير . . !

-  هيئوا للضيوف خرافاً حيّة ،  لهم أن يذبحونها بالطريقة التي يريدون، ذلك أنهم قد لا يأكلون أو يستسيغون ذبيح  المسلمين . ! وقل لموالينا، أن يعدّوا لهم ما طاب من مأكل ومن مشرب، خاصة وهم أهل خمر والسكر عندهم مباح. يفضّل هؤلاء القوم خمراً من البلح. .  ثمّ احضروا لهم من يجيد الخدمة من أولادنا، ويحسن الطهي وتقديم الأطعمة واجلبوا الخبز الأفرنجي من فرن الشوّامفي سوق "البقعة"، ورتبوا الموائد بما يليق بهؤلاء القوم، إذ هم أهل ضيافة راسخة وكرمٍ معلوم . علينا أن نريهم بضاعة خيراً من بضاعتهمن وضيافة خيراً من ضيافتهم . أحسنوا النظافة في كلّمكانٍ  يحلون به. رتبوا المفارش في أحسن زينة. لا تفارقهم يا إبراهيم، إلا لساعة الراحة والنوم،  ثم من بعد  ترافقهم، قدماً لقدم ، إلى حضرة سيدي " الخليفة"، ساعة يطلبهم .

(6)

         أنجز "إبراهيم" مهمته خير إنجاز. سكن الوفد إلى الغرب من الجامع الكبير، ليس بعيداً عن بيت الأمير "يونس الدكيم"، وكان لشيخ الدين، نجل "الخليفة"، الفضل في هذا الإختيار . إن"إبراهيم" مثال لرجل المراسم الضليع والبارع في التجهيز لراحة ضيوف "الخليفة" ، القادمين من بلاط مِنلِيك. هذا ملك من سلالة ملوك قدامى، لهم رسوخ في تاريخ الحكم والسياسة في تلك البقاع، مثلما لهم باع في معرفة طبائع الممالك و الملوك، و يعرف "إبراهيم" أن أجداد هذا الملك الهمام، هم الذين آووا صحب الرسول (صلعم)، حين ضيّق الكافرون عليهم في "قريش"، والرسالة بعد في أول عهدها. أحسن ملك الحبشة وقتذاك، وفادة صحب الرسول (صلعم)، وأنزلهم خير مكانة. حريّ أن يلقى موفد "منِليك" ، ملك الحبشة الآن ، من الضيافة أحسنها، ومن الرفقة آمنها ، ومن المأكل والمشرب أطيبه .   

      بذل "إبراهيم رمضان" قصارى جهده، فأفلح في توفير الراحة للضيف الكريم ومرافقيه ، وقد بلغ عددهم خمسة عشر شخصا.  كانت اللغة عقبة كبيرة أول الأمر،  لكن سرعان ما تغلب عليها القوم. عثر "إبراهيم" على من يعينه في الترجمة من لغة الأحباش، كما كان في معية رسول "مِنلِيك"، من يفهم العامية العربية فهماً دارجاً، "يمشّي الحال"،  كما يقال .

(7)

       يوم الإثنين، وبعد صلاة الظهر، أخذهم إبراهيم إلى مجلس "الخليفة"، في بيته شرق الجامع. دخلوا عليه ورؤوسهم إلى الأرض، والأيدي على الصدر. تلك تحيتهم في مجالس الملوك. لم يألف الحاضرون في مجلس "الخليفة"،  تحية كهذي. كلا، ولا "الخليفة" نفسه. . بلغ به الرضا مبلغاً وهو يرى الضيوف يبدون من الإحترام،  ما لم يعهده من أبعد مواليه الذين يهابونه. درج القوم، والأمراء خاصة من أهليه، يخاطبونه بغير ألقاب الإحترام، يلتزم بها الرعية أمام واليهم وراعي أمورهم. سمع بعضهم يناديه " ود تور شين " وما استنكفها. وحده "إبراهيم"، الذي يمتعض، حين يرصد تبسّط الأقربين في مجلس "الخليفة"، يخاطبونه باسمه مجرّداً من هالة الإحترام. يجد "إبراهيم" عنتاً في إقناع أمراء الغرب الأقحاح، بالإلتزام بقواعد المراسم، وحرفية المجاملات في أدنى صورها. يعقوب لا يفارق عبوسه ولا تخفى?صرامته في حضرة "الخليفة". "يونس الدكيم" المتوجّس دوماً، بلحية كثة ولباس غير مُرتب. "حسن أبو كدوك" بتقطيبةٍ وفمٍ مزموم على الدوام . موسى يمدّ  رجليه في حضرة "الخليفة"، لا يبالي . أولئك هم أمراء الجيوش المقربون.

    يضحك " الخليفة "،  يناكف "إبراهيم" ، مدير المراسم  ويسخر:

-  أنت يا "ود الريف "، لا تعرف أساليبنا.  تخال قومي يتبسّطون معي  وحقيقة الأمر أني  أعرف، مثلما هم يعرفون، أنهم يهابونني . نحن في طبعنا، بداوة لن تمسخها إقامتنا في "البقعة" . . !  

-  أنا سادن الفجوة تُحفظ بين الراعي والرعية. لا أريد لها أن تقصر وإلا قصرت معها المهابة. أنت كلفتني بهذه الشئون  ليتك، يا "خليفة المهدي"، تتركني أنجز مهمتي حتى تكون مكانتك في مثل مكانة ملوك الفرنجة الأبعدين، أو في مثل مكانة ملوك الحبشة  الأقرب إلينا . . !

        ضحك " الخليفة" حتى بانتْ نواجذه، واتكأ على " عنقريبه " سعيداً فرحا . نظر إلى "إبراهيم" وقال :

-  صدقت يا "ود الريف". . !  أحسّ المهابة كاملة الآن، وأنا أرى قبالتي رسول "مِنلِيك"،  يحني هامته إجلالاً لـ"خليفة المهدي"، ويتبعه مرافقوه في هذا المسلك . . !

(8)

      خاطب "الخليفة" رسول "منليك"، مُرحباً :

-  أدعوكم إلى الجلوس. . ولكن  قل لي يا سفير مليك الحبشة، ما مغزى إحناء الهامة عند  السلام ؟

-  مولاى . . هذا سلامُ الطاعة للملوك . . !

        تبادل الخليفة والوفد عبارات المجاملة والحديث عن الرحلة ومشقة السفر،  من الحبشة إلى أم درمان. ثم دعا الأمير "يعقوب"بقية الوفد إلى تناول أقداح الشاي،  وأنبأهم أن "الخليفة" سيختلي في القاعة الصغيرة المجاورة، مع رسول الملك "ِمنلِيك"، للتباحث حول فحوى رسالة الملك إلى "الخليفة". تلك ترتيبات أشرف عليها "إبراهيم رمضان"، مدير مراسم "الخليفة عبد الله". لا يخالف الأمراء توجيهات مدير المراسم،  ولا يجرؤ  حتى الأمير  "يعقوب" على ذلك .

         لم يغِب عن بال "إبراهيم رمضان"، أن يوعز "للخليفة عبد الله"،  أن برنامجاً مصاحباً قد أعدّ للوفد الحبشيّ، وأنّهُ لا بدّ أن يشرّف المناسبة بنفسه. قام رجال "الترسانة" بالتجهيزات اللازمة، بعيد صلاة المغرب. أعدّوا برنامجا لألعاب نارية تطلق من المدافع، تضيء السماء من فوق مقر الوفد، ليس بعيداً من "هجرة" "يونس الدكيم"، التي يقيم فيها شمالي أم درمان، حيث يتسع المكان لأعداد من الناس تشارك في الألعاب، أو تشارك بالحضور والتفرّج على فعاليات لم يألفوها من قبل في أم درمان. يرى الناس مفرقعات الألعاب الناريّة تصمّ الآذان، ترتفع إلى السماء تضيئهكما النجوم، يصرخون مهللين مع كل فرقعة مدوية. سرّ وفد ملك الحبشة سروراً عظيما. .

(9)

        في صبيحة يوم الثلاثاء، بدأت الجولة الرئيسية للوفد في المدينة. المرافق الرسمي للوفد، هو الأمير "يعقوب"، ولكن لا بد أن يكون "مدير المراسم" حاضراً هناك أيضا. دخلوا إلى "بيت المال". عاينوا المحفوظات والمكنوز، ونظروا في الدفاتر والسجلات. كان مهماً عند "الخليفة"، أن يُرِى الوفد كيف تدار وزارة المالية في دولة المهدية. رافقوا الوفد بعد ذلك، في جولة  إلى "الورشة الحربية ".  الدولة المهدية  تعدّ لأعدائها ما استطاعت من قوّة، ولا بدّ  أن يَرى رســــول " مِنليِك"،  حُسن هذا الإعداد. الشائعات قد بلغت بلاد الحبشة، تردّد أن جيوش الفرنجة قادمة لسحق جيوش المهدية. أما تناولت رسالة الملك الحبشي التي حملها رسوله أمر هذه  الحملةالقادمة ؟  كان "يوسف ميخائيل" يعرف ذلك،  فقد سمع الرسول يحدث "الخليفة" حولها .

         جاء الوفد إلى السور الكبير حول جامع "الخليفة". . وعاينوا بوابة "عبد القيوم" و"الطوابي" الطينية، وقد شرع البناءون في تشييدها قبالة النيل. أخذهم "إبراهيم رمضان" إلى "السوق الكبير". نظروا في أعمال الصاغة والأقمشة المستوردة من المملكة المصرية، أعجبتهم فابتاعوا بعضاً منها . .  

(10)

      كتب "يوسف ميخائيل" في مذكراته، أن ملك الحبشة بعث برسالة،  جدّ هامة مع  سفيره  إلى  "الخليفة عبد الله التعايشي". قال الرجل فيما حكى، أن "الخليفة" كان حريصاً على الإختلاء بسفير "مِنلِيك "، يسمع منه فحوى الرسالة. غير أن "يوسف"يروي، وكأنه كان حاضراً تلك المقابلة الخاصة. ترى هل كان ترجمانا للخليفة، ينقل للرسول ما يقوله "الخليفة" ؟ هل كان "يوسف" من بين خدام "الخليفة"،  ممن يباح له اقتحام خلوته مع جلسائه، يقدم الأطعمة والمشروبات، دون أن يقحم نفسه في الذي يدور من حديث بين "الخليفة" وضيوفه، فيسمع ما لا ينبغي له أن يسمعه ؟ لا تفصح المذكرات التي كتبها بعد ذلك بسنوات، عمّا جرى تفصيلا. لكن الذي عرفناه، أن ملك الحبــشة "منلِيك" ،  بعث مع رسوله علم دولة فرنسا، وحمل رسوله رسالة، فحواها أن فرنسا تعرض حمايتها لدولة "الخليفة" ولكن ملك الحبشة،  يريد للأمر أن يبقى في السر. ما كان أمر حملة "كيتشنر" قد شاع بعد. وما كان مليك الحبشة يمضي على هذا النحو في إبداء حسن النوايا،  ومشاعر الصداقة، يحملها نيابة عن فرنسا ، دون أن يكون وراء مسعاه هذا ،  إرادة أقوى وأكبر. وضح في التاريخ أن بين فرنسا بريطانيا، ما صنع الحداد في "فشودة"، بعد ذلك ، من مرارات .

       فهم " الخليفة " الرسالة،  ثم طوىَ العلم الفرنسي وحفظه تحت إبطه .

-  أنقل لمليكك تحاياي، وقل له إني أقدّر له حرصه على سلامتنا جميعاً، وإني أقبل الراية  الفرنسية. أحفظها عندي الآن ، لكني سأدير الأمر مناصحة بيني والأمراء ، ثم نقرر بعدها أيّ  سبيل نمضي عليه .  

      سعد الرسول بالرّد،  سعادة عظيمة .

-  سأنقل لمليكي تحاياك يا "خليفة المهدي" العظيم، ونحن شاكرون لكم حسن الضيافة. .  

       ثم نادى " الخليفة" على "إبراهيم" :

-  هل أنجز إبننا "يوسف" تحضير هدايانا لـ"منلِيك"، كبير الحبشة المبجل، ولسفيره المحترم  ؟

-  مولاي و"سيدي". .هاهي كلها جاهزة ومن مشغولات الذهب الصافي، من مكنوزاتنا المجلوبة من جبــــل "بنــــي شنقول " . .!   

        قبل الرسول هدية "الخليفة" راضياً مبتسما، ثم غادر بيت "الخليفة" متبوعاً بحاشيته وبمرافقيه ، يقودهم مدير المراسم : "إبراهيم رمضان" . .

      نادى الخليفة على يعقوب وهتف :

   -  خذ علم الفرنجة هذا بعيدا عني..!

(11)

          لما بلغ "الخليفة" نبأ الجيوش الغازية تزحف على مشارف مدينة حلفا في الشمال، نادى على الأمراء جميعهم من مناطقهم في كردفان ودارفور. جاء من الغرب - على ما ذكر "يوسفميخائيل" - كافة التعايشة والعربان، من الهبانية، إلى الرزيقات والمحاميد وأولاد حميد والمعاليا، وبقية القبائل من "دار سلا " إلى " "تامة" و"برقو"  و"برنو" و"زغاوة" و"مغاوة" و"قِـمِـر" و"كحيا" و"مسبعات"  و"كنجارة" . وقع نزوح كبير إلى بقعة المهدي في أم درمان. جاء القوم لنصرة "الخليفة "، وقد بلغهم أن الكفرة به متربصون .

         ساعة التناصح،  صاح "يعقوب" بصوت قويّ :

-  القتال، القتال . . !

      ووقف معه أمراء من أهله بدارفور.  جاء صوت واحد يترجّى،  يقول "للخليفة"  :

-  لا . . ! لا . . يا "خليفة المهدي" . . هلا قبلتَ أن ترفع الراية التي جاءتك من "منلِيك" ،  ففيها خلاص الدولة . . !

      ذلك كان صوت " شيخ الدين "، نجل "الخليفة" وأذكى الأمراء .

 ولكن  ضاع الصوت الواحد وسط قعقعة السيوف والرماح، وصخب البنادق . .

انتهت


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.