عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الرواية الادبية بناء أدبى متكامل يقوم على اسس ووقائع واحداث وشخصيات وزمان ومكان مضافا إليها حبكة الخيال فنى ؛ وهى ليست عملا يقرا لتزجية الفراغ وتسلية الوجدان كما كانت الرواية فى بداية نشأتها ؛ ولكن تهدف الرواية إلى ملاحقة هدف وتحقيق غاية  تتسع وتضيق قاعدتها حسب امكانية الروائى الفنية والابداعية. وعلى حد رؤية الناقد الأدبى العربى جابر عصفور ان الرواية العربية أسهمت  منذ الحرب الكونية الثانية فى دفع مسيرة التغيير نحو الافضل من حيث كونها تجسيدا لعقلانية الاستنارة ورمزا للتسامح ضد التعصب ومنطلقا ودعوة لتغيير الواقع بشكل جذرى. ولما كتب جرجى زيدان روايات تاريخ الاسلام انتقدها البعض بأنها شوهت حقائق راسخة فى تاريخ الاسلام لا يسوغها تداخل عنصرى التاريخ والخيال . وجرجى نفسه قال " ....فرسمنا ذلك العصر في صورة مكبرة جمعنا فيها أبهى مناظره وأهم مظاهره، فإذا لم تكن هي الحقيقة بعينها فإنها كثيرة الشبه بها، وإذا كان بعض حوادثها لم تقع، فوقوعه ممكن، لأن الروائي المؤرخ لا يكفيه تقرير الحقيقة مجردة، وإنما هو ينمقها بما يوضحها " . وكان جرجى يرفض " التأويل الايدولوجى " للتاريخ بأنتقاء لحظات الانتصار، وإهمال لحظات الهزيمة، أو ما يسميه الاسقاط  على المتن التاريخى ؛ بوصفه احد مستويات الأدلجة البحتة ؛ ولذلك عرض المراحل التاريخية حسب ورودها فى المصادر ثم أفرغ فى ثناياها الروايات الغرامية ؛ ومن ضمن رواياته التاريخية للحقب الاسلامية رواية " أسير المتمهدى" التى تناولت احداث ثورة الامام المهدى فى السودان فى القرن التاسع عشر الميلادى.  ويرى د. قاسم عبده قاسم ان الروائى والمؤرخ يعملان فى إطار ثالوث الزمان والمكان والانسان ؛ وان الحرية النسبية التى يتمتع بها الروائى للاستجابة لمقتضيات الغرض الفنى لا تعطيه الحق فى الافلات من " السياق الزمنى العام" للرواية.
     هل يشترط على الروائى الالتزام بالحيدة حيال الحقائق التاريخية التى لا تحتمل الجدل حال تضمينها روايته ام يحق له ان ينتحل ويغير ويبدل مستندا إلى الخيال الروائى الفنى؟ ان عددا من الروايات المعاصرة باتت تستهدف مراحل او حقب تاريخية معينة ملتحفة فى بعض الاحيان باطروحة الخيال " الجامح" الملتبس بدوافع ايدولوجية للنيل من القيمة التاريخية لتلك الحقب بشكل يعجز المؤرخ عن فعله . هل يصح ان يكون العمل الأدبى تاريخا او منضبطا بمعايير المؤرخين الصارمة لدى تناول الرواية حقيقة تاريخية معينة؟ فإذا كانت إجابات النقاد الادبيين بأن العمل الادبى ليس تاريخا ؛ فهل يحق للروائى ان يغير الحقائق التاريخية على لسان احد شخوص العمل الروائى بدافع صريح او بغيره ؟ يمكن تقديم النصوص التاريخية فى اعمال روائية ولكن هل الخيال وحده هو المعيار النهائى الذى يهيمن ويسيطر على حركة الروائى والبناء الفنى حتى يقوده إلى تلبيس التاريخ  ما ليس منه؟ الا يغدو العمل الروائى المدفوع وحده بالخيال الفنى وغير الآخذ فى الاعتبار الحقائق التاريخية مهما كانت نسبية  أشبه بعمل الرسومات الكاريكاتورية التى توظفها  جهات  فى الغرب لمحاربة الاسلام والهزء بالمسلمين تحت ستار محاربة الارهاب ؟ ثم ينبرى الشانئون للقول بان الفن لا يعرف التقديس او التمجيد فهو متاح له ان يخضع اى انسان فى التاريخ ويجعل منه مادة للهزء والسخرية تحت ستار حرية التعبير. لقد اعتبرت رواية موسم الهجرة الى الشمال ضمن قائمة أفضل مائة رواية فى العالم. كما صنفها الناقد الأدبى والمفكر الفلسطينى- الاميركى إدوارد سعيد مؤلف كتب الاستشراق وتغطية الاسلام ؛ وتمثيل المثقف؛ والثقافة والامبريالية ؛ بأنها واحدة من أميز ست روايات فى الأدب العربى المعاصر. وفى كتابه "الطيب صالح سيرة كاتب ونص" قال الناقد الأدبى الفذ ،  د. أحمد محمد البدوى الذى استغرقت كتابة كتابه المشار إليه عشر سنوات ؛ ان الرواية العربية بلغت طور النضج قبل ان يكتب الطيب صالح موسم الهجرة الى الشمال ولكن هذه الرواية " قفزت بفن الرواية العربية فى وثبة جريئة متقنة إلى مصاف الرواية العالمية فى اعلى مستوياتها". ولقد اشتهرت رواية موسم الهجرة الى الشمال عالميا لحد كان اسم الروائى الطيب صالح فى قائمة المرشحين لجائزة نوبل وظل فى سجل المرشحين للجائزة إلى حين وفاته. والطيب صالح كاتب واديب على مستوى راق ويمتلك موهبة وقريحة متفردة ، وبجانب ذلك فهو إعلامى ماهر عمل لسنوات عديدة بالقسم العربى بهيئة الاذاعة البريطانية حتى ترأس فيها قسم الدراما؛ وهى الاذاعة الدولية التى بزت غيرها من الاذاعات العالمية فى بلورة الرأى العام الدولى تجاه القضايا الرئيسة فى العالم والشرق الاوسط وأفريقيا فى ذلك الوقت.
     لست ناقدا ادبيا ولكن سيقتصر تناولنا لرواية " موسم الهجرة إلى الشمال" على الجزء الذى وردت فيه الإشارة إلى حدث تاريخى يتعلق بالأمير محمود ود احمد ؛ وعلى لسان بطل الرواية مصطفى سعيد ؛ عندما أسر محمود ود احمد من قبل الجيش الانجليزى- المصرى الغازى فى معركة عطبرة ( النخيلة ) فى ابريل 1998. المعلوم ان الامير محمود وداحمد (1865-1906) يتحدر من قبيلة التعايشة وهو ابن اخت الخليفة عبدالله حيث ولد فى منطقة الكلاكلة بجنوب غرب دارفور. وكان قد عين  اميرا لكردفان ودارفور خلفا للأمير عثمان آدم جانو الذى قتل فى عام 1889 فى معركة جرت فى دار مساليت. وتمكن من إخماد تمرد استهدفه فى منطقة النهود فى عام 1892. وقبيل سقوط دولة المهدية تم إختياره لقيادة  نخبة من جيش الدولة المهدية للتوجه شمالا لمواجهة الجيش الانجليزى-المصرى الغازى بقيادة الجنرال هربرت كتشنر. وخاض الامير محمود على رأس جيش قوامه 15000 مقاتل ، معركة مصيرية ضد جيش كتشنر ؛ ولكنه خسرها ووقع فى الأسر ، وقضى بقية حياته سجينا فى سجن رشيد بمصر إلى حين وفاته فى عام 1906. وتناولت روايته المذكورة  احد مشاهد واقعة عطبرة على لسان بطل الرواية د. مصطفى سعيد أثناء محاكمته الشهيرة التى جرت فى محكمة  " ذى اولد بيللى " بتهمة قتل عشيقاته الإنجليزيات ، وبالتحديد موقف الأمير محمود ود أحمد أمام الجنرال كتشنر قائد الجيش الغازى على النحو التالى: حين جاء- وا-  لكتشنر بمحمود ود احمد وهو يرسف فى الأغلال بعد ان هزمه فى معركة اتبرا قال له: " لماذا جئت إلى بلدى تخرب وتنهب؟ الدخيل هو الذى قال ذلك لصاحب الأرض ؛ وصاحب الأرض طأطا رأسه ولم يقل شيئا ... فليكن ايضا ذلك شأنى معهم..." (ص 117).
    مصطفى سعيد بطل رواية موسم الهجرة الى الشمال  حصل على الدكتوراة فى القانون والاقتصاد من جامعة اكسفورد  وكان محاضرا فى الاقتصاد بجامعة لندن ؛ التى تضم مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية المعروفة بإسمها المختصر ( سواس) وهى كانت ولا تزال مدرسة متميزة وبمثابة محفظة تاريخية عبر الابحاث والدراسات حول تاريخ الدول المستعمرة فى الشرق الاوسط وافريقيا. وكان د. مصطفى سعيد مثقفا نهما ؛ صدرت له  مؤلفات عن إقتصاد الاستعمار والاستعمار والاحتكار وإغتصاب أفريقيا والصليب والبارود ؛ ما يمكن وصفه بأنه احد المناهضين للاستعمار والمناوئين لصليبه وباروده  عبر الخطاب الاكاديمى . وكان سعيد كذلك مثقفا موسوعيا حيث ضمت أرفف مكتبته " كتب الادب والتاريخ والفلسفة ". وهو الذى أقام فى لندن مدة 30 سنة خبر خلالها مظهرها ومخبرها ؛ وكان يتردد على " حانات تشلسى" المنطقة الارستقراطية لحزب المحافظين البريطاني والتى يوجد بها متحف التاريخ العسكرى " الاستعمارى" . ورغم ذلك فقد عجز د. مصطفى سعيد عن البحث عن حقائق وطنه التاريخية ؛ فهو لا يقف على ما كتبه " استيفنز " فى كتابه الشهير والذى لا بد ان يكون مبذولا فى المكتبات فى الفترة التى شهدت وقائع واحداث رواية موسم الهجرة الى الشمال ومسرح احداثها الكبرى فى بريطانيا. وعندما يصدر هذا الانتقاص فى رواية الطيب صالح بسمعته المعروفة وصيته الدولى ؛ والذى أقام فى بريطانيا وفى لندن منذ الخمسينات إلى ان توفى فيها فى 18/2/2009 عن عمر ناهز الثمانين ؛ فسوف يغدو أمرا ذا بال. جورج وارنغتون ستيفنز" كاتب وصحافى بريطانى ( 1869-1900 م)تلقى تعليمه فى كلية باليول بجامعة اكسفورد ؛ وحاز على زمالة كلية " بيمبروك" بنفس الجامعة فى عام 1893 ؛ وكتب خمسة كتب من بينها كتابه عن السودان بعنوان " مع كتشنر إلى الخرطوم " الذى طبع فى عام 1898 . وشرح مشاهد تداعيات هزائم الجيوش التركية إثر إندلاع الثورة المهدية بوصفه كان احد الصحفيين الذين رافقوا حملة الغزو الانجليزى- التركى بقيادة الجنرال هربرت كتشنر:
    "...الآن وعلى مسافة 20 يارده عبر الخط (السكة حديد) فى الجزء الاوسط من حلفا كل شارع يمثل خط سكة حديد؛ بحيث ترى ماكينة معطوبة هاهنا فى عام 1884. وهذا واحد من خصائص الفصل الثانى للجهود المتميزة برباطة الجأش من اجل حيازة السودان عندما بدأ المهدى فى إطلاقه من عقاله ؛ حيث شهد عام 1881 قبل وصولنا الى مصر( احتلت انجلترا مصر عام 1882) ظهور واعظ دينى من مواطنى دنقلا إسمه محمد احمد " . السودان هو موطن التعصب ولذا اطلق عليه على الدوام " ارض الدراويش " ..التحق محمد احمد بإستاذ جديد ( إثر خلافه مع استاذه محمد شريف) واصبح اكثر تنسكا من ذى قبل ؛ وبدأت شهرة قداسته فى الانتشار حيث توافد إليه الموالون. ولقد رأى ان اهل السودان يعانون الأمرين تحت وطأة الإضطهاد والابتزاز فخاطر بكل شىء واعلن نفسه المهدى المنتظر؛ مسيح المسلمين؛ ...الحاكم العام فى الخرطوم أرسل سريتين لإعتقاله ؛ ولكن اتباع المهدى إنقضوا عليها وفتكوا بها. ..وتم إرسال مزيد من القوات لينقض عليها المهديون للمرة الثانية ويدمرونها.  واعقب ذلك إرسال جيش صغير وللمرة الثانية يدمره المهديون. وتقاطرت جموع رجالات القبائل صوب راية المهدى حتى حاصر الابيض المدينة الرئيسة لكرفان فى سبتمبر 1882 ولكن هجومه تم صده مخلفا عددا كبيرا من الضحايا. وبعد 5 اشهر من الحصار استسلمت المدينة ... ولم يعد السودان يخامره الشك فى حقيقة ان هذا هو المهدى. جاء جيش هكس باشا من الشمال فقط ليضخم من حجم انتصار المهدى ؛ غير منظّم ؛ مفتقر الى التدبير والبراعة ؛ خائف؛ زحف المصريون تجاه الابيض ؛ منهك بغارات متكررة من قبل عدو غير مرئى؛ لقد رأوهم آخر مرة فى 4 نوفمبر 1883 فى شيكان: استمر القتال دقيقة واحدة ولم ينجو من المجزرة سوى مائتين من جملة عشرة الآف ... اما بقية القصه فمعلومة لديكم- مهمة غردون ؛ خسارة بربر؛ حصار الخرطوم ؛ مذبحة بيكر وقواته المجندة فى التيب ؛ بعثة غراهام إلى سواكن؛ ومعارك التيب الثانية وتمى ؛ بعثة وولزلى عبر النيل  .... " (ص 3-4) .  
    اما بشأن الهيئة التى أعتقل فيها محمود ود احمد ومثوله للتحقيق فى حضرة قائد الحملة العسكرية الجنرال هربرت كتشنر يجيبنا  ستيفنز الذى رافق الحملة وشاهد محمود يقف أسيرا امام كتشنر( ص 152-153) بقوله: " الآن لنرى ما فعلناه وكابدناه ؛ أولا ؛ عامل جديد مثير للابتهاج ؛ اصبح الآن محمود أسيرا؛ لقد وجده بعض جنود الجهادية السود التابعين للفرقة العاشرة اثناء المسح الشامل للزريبة جالسا على فروته وسلاحه بجانبه وفق النمط المعروف لدى قواد الحروب عندما ينهزمون ؛ انتظارا للموت ؛ لم يقتل محمود ولقد اتوا به حاسر الرأس امام السردار - كتشنر- طويلا ؛ ذو سحنه غامقة يناهز عمره ما بين الثلاثين والاربعين. كان يلبس سروالا  واسعا وجبة - لباس الدراويش الذى يحاكى قميص المهدى المرّقع ولكنه موّشى بلون ذهبى. كان وجهه ضيّق الخدين وناتىء الجبهة لأنه من سلالة عربية نقية: قسماته كانت قاسية لكنه شجاع ؛ لم يلتفت لا يمنة ولا يسرة بل وقف فى خفة ونشاط امام السردار منتصب الرأس. سأله السردار: هل انت الرجل الذى يسمى محمود؟ اجاب محمود: نعم أنا محمود وانا فى مثل مرتبتك".
    لماذا اتيت لتشن الحرب فى هذا المكان؟ اجاب محمود" اتيت إلى هنا لأنى أمرت ان آتى إلى هنا مثلما اتيت انت" ثم أحيل محمود الى الحبس ؛ ولكن احبه كل فرد منا لأنه كان ينظر إلى قدره بأمانة وشرف وبهيئة جريئة – بلا وجل ". وكنت شاركت فى مؤتمر نظمته الجمعية البريطانية للدراسات السودانية التى تضم اكاديميين بريطانيين وسودانيين بالمهجر البريطانى بجامعة لندن - مدرسة الدراسات الشرقية والافريقية- ؛ وعلى الارجح هى الجامعة التى كان د. مصطفى سعيد بطل رواية موسم الهجرة إلى الشمال يحاضر فيها. وتحدث الطيب صالح فى ذلك المؤتمر؛ وفى الفترة المخصصة لتلقى أسئلة الحاضرين تصدى الدكتور احمد حسب الله وهو الحائز على دكتوراة فى النقد الادبى موجها نقدا لاذعا إلى اديبنا العالمى الطيب صالح ؛ لأنه حسب قوله " لم يرق الى وطنية الكتاب والأدباء الافارقة الذين انتقدوا الاستعمار مثل الكاتب الكينى انقوقى والنايجيرى وولى سوينكا". واشار د. احمد إلى قضية نقاشنا الراهن فقال: ان ستيفنز حضر مشهد إعتقال محمود ود احمد موضحا شهامته الفذة ولكن الطيب صالح قال فى روايته الشهيرة خلاف ذلك؟ ورد اديبنا الراحل الطيب صالح بأن " رواية موسم الهجرة الى الشمال ليست تاريخا للسودان ولم يقصد بها ان تكون تاريخا لأحداثه الوطنية ". ولكن لا يمكن الحديث عن حملة الاسكندر المقدونى بوصفها حادثة جرت فى العصر البلايستوسينى.
    ولذلك نجد ان الروائيين الغربيين المعاصرين يمهدون لرواياتهم بإجراء مسح تاريخى شامل للحقبة الزمنية التى تقع احداث الرواية فيها لتفادى صدام حقائق التاريخ مع الخيال الفنى للروائى  حال تعلق احداث الرواية الادبية باحداث تاريخية معروفة. نعم ان رواية موسم الهجرة إلى الشمال ليست رواية تاريخية بحيث يكون تاريخ السودان محورا لها ؛ مثل ثلاثية نجيب محفوظ ( بين القصرين ؛ قصر الشوق والسكرية ) المندرجة تحت تصنيف الرواية التاريخية. ولكن تعرضت لحدث تاريخى وطنى معروف فى تاريخ السودان ؛ وبالتالى نعتقد ان الحقائق التاريخية يجب ان تقيد خيال السارد او الروائى فلا يشتط بالعمل على تغيير الحقيقة التاريخية. ربما لم يقصد الطيب صالح الانتقاص من موقف محمود ود احمد التاريخى ؛ ولكنه ترك بطله على سجيته ليدمغ موقف تاريخى حيثياته مسجلة فى أضابير التاريخ البريطانى؛ لا سيما ان الرواية نالت شهرة عالمية وترجمت الى العديد من لغات العالم ؛ وسيكون الانتقاص قد ثبت  فى مخيلة أكثر من ثلاثثين لغة ترجمت إليها الرواية.
    وفى نعيه للطيب صالح كتب الروائى السودانى - البريطانى جمال محجوب ( احد الروائيين المحدثين ممن يكتبون باللغة الانجليزية وينتقدون التجربة الاستعمارية ؛ ومن رواياته  Navigation of the Rainmaker، و The Drift Latitudes واجنحة الغبار وساعة الاشارات والناقلة ) فى صحيفة الغارديان البريطاينة بتاريخ 20 فبراير 2009 ؛ ان الروائى الطيب صالح قد خالف معاصريه من الأدباء ولم يلجأ إلى شجب الاستعمار فى رواياته بشكل ساذج ؛ وان عالم الطيب صالح يبقى فيه كل شىء مبهما بشكل يثير الحنق ؛ واصفا موسم الهجرة الى الشمال بالعمل العجيب الذى شكل نقلة مفاجئة وإيجازية وهى أشبه بسلسلة مونولوجات مسرحية ترسم تفاصيل المسافة بين الريف السودانى بشمال السودان ومدينة لندن ببعدها الكوزموبوليتانى فى عشرينيات القرن الماضى؛ حيث تتنافس الفتوحات الاستعمارية والجنسية عبر الانشطار بين الشرق والغرب والتى اعتبرها واحدة من اميز المواجهات - التاريخية- من نوعها. ولكى ينتقم مصطفى سعيد بطل الرواية من الاستعمار الذى طال بلده ؛ كرّس وقته لغواية النساء الانجليزيات بإشباع رغباتهن المشرقية مع واحد من ابناء الشرق . وهو النزوع الى الغير الذى تكبته الثقافة المحلية او التحضر بيد أنه نزوع غريزى فى وسط حضارى كوزموبوليتانى . وادرك مصطفى سعيد بذكائه الحاد الذى أقر به محاكميه بأنه سيكون قاهرا غريزيا فذا بإشباعه لذلك النهم المكبوت الذى لم يخجل ان يسمح له بالسريان عندما عانق امه الانجليزية بالتبنى فى ميناء الاسكندرية وهو قادم الى بريطانيا فى عام 1910. فإذا اعتبرنا ان مصطفى سعيد " سودانيا " خسرت بلاد ه المواجهة العسكرية الشاملة فى كررى بقوة التفوق التقنى على السلاح الابيض.؛ فهو الآن يخوض حربا حضارية فى عقر دار المستعمر يستخدم فيها عقله وجسده ؛ عقله يخطط وجسده ينفذ. إنه يمارس الإرهاب السلبى ؛ ألم يهزم غاندى الاستعمار الانجليزى بالمقاومة السلبية الشاملة؟  يفلح فقط فى غواية النساء البيض اللندنيات المتطلعات الى تجريب شبق الانسان الأسود بخلق مناخ جنسي شرقيا معطرا بالبخور والصندل ؛ فى مشاهد قتل طقسى وإنتقامى ممزوجة بالاكاذيب وأفانين الاستدراج الماكرة ؛ أشبه بحالة عطيل فى رواية شكسبير؛ وعطيل نفسه كان أسودا. إنه يتحول مختارا ام مكرها إلى  كائن مازوخى يتلذذ بقتل عشيقاته وزوجاته بشكل طقسى وقربانى أو بدفعهن إلى الانتحار؛ وهو وفق القرار القضائى حالة من حالات فشل الحضارة الغربية فى إعادة تربية المصطفين من البلدان المستعمرة ؛ وهو الذى اعطى مصطفى سعيد الفرصة وفتح له أبواب العلم والتحضر ومنحه الدكتوراة من جامعة اكسفورد ؛ الجامعة التى تخرّج وتعد بشكل رتيب صفوة القيادات السياسية البريطانية ؛ وكأن مصطفى سعيد مشروع حاكم سودانى يرضاه المستعمر فى فترة ما بعد الاستعمار ؛ ولكنه خيب ظنهم ؛ لعدم قابليته للتحضر والاستنارة ؛ وانتهى إرهابيا غازيا بآلته الحاده. كان جيل الطيب صالح " كوكبة من الشبان العرب القادمين من الجنوب" فى الخمسينات وفى نفس كل منهم يكمن مصطفى سعيد ؛ حسبما كتب د. احمد البدوى ؛ يتصرفون كأنهم جنود غزاة فى لندن عاصمة الامبراطورية البريطانية حيث عبر على لسانهم مصطفى سعيد " أننى جئتكم غازيا فى عقر داركم قطرة من السم الذى حقنتم به شرايين التاريخ..." (م. سابق ص 34-35).
    لا شك ان الطيب صالح قد أغضب الانجليز حينما وصف بطل الرواية رسالة التحضر الاستعمارية التى كان يسبقها القساوسة ويشرف عليها صفوتهم من خريجى الجامعات البريطانية الطليعية ؛ وجيشوا لها الجيوش وجمعوا لها المال إنها مجرد  " سم " حقنت به شرايين التاريخ. إن بطل الرواية يثير غضب الانجليز بنفس القدر الذى يثير فيه حنق الوطنيين من السودانيين. فقد فشلت علوم الانجليز الحديثة فى التاريخ السياسى والاختلاط بصفوته الراقية فى تطهير بطل الرواية من حنقه الاسطورى المكبوت تجاه الدخيل او ان تجعل منه إنجليزيا أسودا مبرمجا وفق آليتها الاكاديمية. كانت شخصية مصطفى سعيد مزيجا معقدا من البوهيمية المفخخة بشبق جنسى خبيث ؛ وظفه بإحكام كسلاح للانتقام ؛وهو مادته الخام ؛ وتجد فى شخصيته جوانب من امرىء القيس وعطيل وشرلوك هولمز و د. جيكيل ومستر هايد ؛ لقد كان بحق فرنكنشتاين مخلّق ؛ إستطاع الطيب صالح نسج كل تلك التناقضات  فى بطل روايته فى حنكة ادبية ومهارة نسيج وحدها . يلخصه د. احمد محمد البدوى بقوله " ومن هنا يكون مصطفى سعيد ذا هوية واهنة الأواصر بالتراب ( السودانى) ؛ هو بحكم الميلاد مؤهل لأن يكون مرتبطا بالانجليز... مولود فى مدينة وهمية مقحمة على الواقع السودانى ، لا جذور لها ينتمى إلى أبوين أنجباه فى مكان لا يجد فيه اهل أبيه من الأعمام ولا اهل أمه من الأخوال... وبحكم الميلاد مؤهل لأن يكون مرتبطا بالانجليز..." ( م. نفسه ؛ص 118).  مصطفى سعيد بطل فشل فى حسابات القوة المادية وفى التنشئة الحضارية فوظف عقله للانتقام من المستعمر فى عقر داره  بطريقته  الداعشية ؛ مريض نفسيا بعقدة القهر والدونية وعدم الانتماء ؛ عاجز عن المواجهة الحضارية ؛ لا يكترث بمواقف الذين ملكوا الجرأة على مجابهة الاستعمار بما توفر لهم من سلاح نارى بدائى ليحولوا دون تمكينه من الظفر ببلادهم وارضهم وقهرهم ؛ يطفف من مجابهتهم بجعل الشجاعة نكوصا وطأطأة نواصى ؛ ثم يفرض على نفسه تقليد هذا النكوص والصمت فى المحفل الحضارى العالمى بشكل سايكوباتى ؛ انه يقتدى ببطل وطنى فى إحدى وقفاته التاريخية ؛ معجب ومستلب فى ذات الوقت ،  لا يرهق نفسه بالتثبت من وقفة محمود ود احمد التاريخية وإن جرت ضمن سياق هزيمة عسكرية ؛ وبقصد او بزلة لسان وجدت طريقها الى ذاكرة العالم وما دخلها شىء إلا وأستقر فيها على التأبيد . ومصطفى سعيد إذ يفعل ذلك يخدعنا بخوض معركة خفيه تعتمل فى نفسه وبشكل خاص؛ انه عاق للانجليز الذين رعوه منذ طفولته وتبنته واحدة منهن وارسلوه الى بريطانيا كى يتحضر ولكنه خيّب ظنهم حيث أصبح قاتلا لنسائهم ؛ يصفه الدكتور البدوى انه " لا يحمل أى قيمة من قيم الخير والسلوك القويم لأنه آل إلى كائن ضار ؛ إلى مجرم سقيم سخر كل الثقافة التى اكتسبها من ذاك المجتمع لتدمير المجتمع وإهانته ..( إنه ) وحش ينشب اظافره ومخالبه فى اعناق البريئات " (ص 129). ينتصر مصطفى سعيد لنفسه ؛ بعقله الحاد الذى فرضه على الصفوة فى المجتمع الاكاديمي البريطاني فى اميز جامعاتهم ؛ وبسبيه الجنسى لنساء المستعمرين. وعندما يعود للسودان يفتقد مسرح انتصاراته اللندنى ؛ يتزوج بأمرأة عادية محاولا الاستجابة الى التقاليد التى لم يحفل بها يوما ؛ ولكنه يسئم من ذلك القيد فيقرر الإنتحار ليس بالسكين التى أودى بها حياة عشيقاته اللندنينات بل فى النيل ؛ سليل الحضارات الاقدم لعله يغسل آثامه ويطهر روحه الملتاثة بجرثومة المستعمر وحب التشفى والانتقام ؛ يعود إلى أصل الحياة الاول –البداءة المائية التى خلق منها كل شىء حى ؛ يروم الحياة فى الموت غرقا  فى الماء الذى لا بد ان قتيلاته اللندنيات قد عمدن فيه وهن مواليد ؛ يغرق فيه  عنوة او إختيارا ؛ فى حرية غير محدودة مثل ماء النيل الجارى منذ القدم ؛ من البداءة الاولى إلى النهاية العظمى ؛ محررا من القهر النفسى ومشفيا عفيا من ركامات الاستلاب الحضارى الذى استقر فى نفسه بلا امل للبرء منه او الفكاك من هيمنته.
    فى لقاء جمعنا بالطيب صالح رتبّه الراحل الاستاذ محمد الحسن احمد فى بيته بمنطقة آكتون بلندن ؛ وضم الاستاذ الراحل حسن ساتى والاستاذ حسن تاج السر ومولانا القاضى السابق عبد المنعم عوض صاحب ديوان " أزمنة الخروج الاولى" ؛ اتضح لى جانب من شخصية الطيب صالح: فقد كان قليل الكلام ؛ ولكن ينطلق لسانه لدى ذكر الشعر ولا سيما الصوفى منه ؛ وهو رغم شهرته العالمية إلا انه لم تكن تصرفاته فى تلك الجلسة من منطلق "العالمية" ؛ ولكنه "  أستبقى تركيبته التى فطر عليها فى الدبة " كما وصفه الناقد الادبى د. احمد محمد البدوى ؛ فكان الطيب صالح سودانيا أصيلا ؛ جم الادب ؛ طيب المظهر والباطن ؛ ومستمسك بقيم السودان فى محيط عالمى . ولاحظت أيضا ان الطيب ينتبه للدقائق والتفاصيل بحكم موهبته كمبدع وروائى. وقد أصر عندما حان وقت الغداء وطلب منه الراحل محمد الحسن احمد ان يتقدم الجمع لأنه كبيرنا الطيب صالح ؛ فاجئنا بتقديم مولانا عبد المنعم عوض تقديرا لقيمة مهنته السابقة كقاض فى الهيئة القضائية بالسودان ؛ وهو اصغر منه ومنهم سنا ؛ ما يدل على تواضعه وعدالته القيمية. الطيب صالح ينصت إلى محدثه بشغف ويتحدث بصوت جهورى عميق بشكل نسكى يشبه  " البرهمة " ولا يقاطع المتحدث ولا يلقى بالأحكام على ما يقوله ؛ راقه قوله ام لم يرق له. ويرتاح للحديث عن الهوية السودانية ويثمن المعرفة من أى شخص أتت ؛ لكننى لا حظت انه لا يريد الكلام عن نفسه ولا ما يكتبه. وكنت قد شرحت له كيف كان رد فعل جيلنا عندما قرأنا روايته الموسم ونحن شبان أحداث ؛ وكيف أن احد زملائنا بكلية القانون بجامعة الخرطوم وهو القاضى السابق " إسماعيل التاج " عندما جاء إلى لندن طالبا اللجوء السياسى فى اوائل التسعينات كان قد ذهب الى محكمة " ذى اولد بيلى" بالحى المالى فى لندن المعروف ب " السيتى"  ليبدأ بها جولته التفقدية لمعالم لندن ؛ ولم يفعل ذلك لأنه قد عثر عليها فى احدى القضايا فى كتب القانون الجنائى ولكن للأثرالذى تركته رواية الموسم. وحاولت ان اختبر استعداده لتناول اعماله حتى اساله عن تناقض الحقيقة التاريخية مع مقالة بطل روايته ؛ بطرحى سؤالا عما إذا كان مصطفى سعيد قد تأثر بشخصية " عطيل " ؛ لم يجب بلا أو نعم وقال بطريقة سودانية مختصرة ومتواضعة " يعنى .. بنكتب يا استاذ الحارث"
    لقد ترك الطيب صالح زمام بطله مصطفى سعيد بدون عقال ليقلب الحقيقة التاريخية فى مشهد أسر محمود ود احمد  بشكل يلغى كل شهامته التى شهد بها الانجليز وهم فى أشد القوة وهو فى أضعف لحظات حياته . هل يمكن تخريج موقف بطل الرواية تجاه محمود ود احمد بإن سعيد لم يكن ملما بدقائق التاريخ السودانى ولذا تركه الكاتب على سجيته بدون ان يتدخل فى تعديلها ؛ لا سيما ان شهادة الدكتوراة والعيش فى بريطانيا ضمن نطاق صفوتها الراقية عجزت ان تصلح إنحرافاته الشخصية ؛ كما عجزت بدورها روائع الموسيقى العالمية ؛ سيمفونيات بتهوفن وباخ ؛ عن تهذيب وتطويق عقدة الشر المتأصلة فى شخصيته مدة ثلاثين سنه ؛ وكذلك مسرحيات برنارد شو.  وهو نفسه يتحدث عن نفسه قائلا " ولدت فى الخرطوم ، نشأت يتيما ، فقد مات أبى قبل ان اولد ببضعة أشهر ...لم يكن لى إخوة...لم يكن لنا اهل ( هو وامه) ، ...كانت ( امه) كأنها شخص غريب ...كنت احس إحساسا دافئا بأننى حر ، بأنه ليست ثمة مخلوق أب وام يربطنى كالوتد إلى بقعه معينه وحيط معين ..". ويضيف د. احمد البدوى فى تحليل لشخصية مصطفى سعيد "...ان مصطفى سعيد وافد جديد على البلد ، يجهل الناس أصله وفصله ؛ وعلى رأسهم عمدة الانساب ...إن جد الراوى الذى يعرف الاصول ؛ أصول الانساب؛ لا يعرف نسب مصطفى سعيد أو بالاحرى يعرف انه مقطوع  بلا أصل ، من شذاذ الافاق " (م. سابق ص 120) .
    مصطفى سعيد مات غرقا ولم يتم العثور على جثته بعد ولم يعرف له قبر؟ عجيب ؛ ان نهاية بطل موسم الهجرة إلى الشمال تشبه بشكل ما نهاية الجنرال كتشنر الذى إستجوب محمود وهو أسير ويلومه على قدومه إلى تلك الاصقاع من السودان؛ لم يعثر على جثته بعد إنفجار لغم فى سفينة كانت تقله إلى روسيا وفى ظروف مبهمة ولم يعرف له قبرأيضا !  السؤال: هل يحق للأديب او الروائى ان يشير إلى حدث تاريخى ضمن سياق الكفاح الوطنى ضد الاستعمار أو غيره ويثبت خلاف ما اثبتته الحقيقة الموثقة تاريخيا على لسان احد ابطال روايته الادبية ؟ هل يحق للروائى التغاضى عن الحقيقة التاريخية لأغراض السرد الادبى والفنى ؟ هل يمكن تبرير هذا الخطأ الجسيم بتخريجة ضمن  رواسب تراث رشحت  فى العقل الباطن لبطل الرواية لا سيما ان الرواية نقلت إلى الشمال ( اوربا) تفاصيل الحياة اليومية السائدة فى منطقة مروى وقرية " كرمكول" التى شهدت ميلاد الكاتب ؟ هل كان بوسع  الطيب صالح إعادة طباعة الرواية فى طبعة منقحة تزيل التناقض بين سمت الرواية والحقيقة التاريخية؟   لقد بلغنى ان رواية موسم الهجرة إلى الشمال كتبت بأكثر من مسودة ؛ بيد ان الطيب صالح غنتقى منها النص الموجود بين أيدينا.  
    لقد اضحت تلك الكبوة فى رواية موسم الهجرة إلى الشمال مثل الشوكة الدامية فى قلب الذين احبوا الاثنين معا لأنهما احبا السودان وعبر كلاهما عن ذلك بموقف " محمود ود احمد دافع عن حرية اهل السودان ونذر شبابه لذلك حتى فقد حريته وكرامته عندما وقع اسيرا لدى قوات الجيش الغازى فى عام 1898 ( العام الذى ولد فيه مصطفى سعيد ) ومات اسيرا ؛ سجينا فى غربته ؛ والروائى العالمى الطيب صالح  الذى إغترب عن السودان جل عمره الذى نذره مبلورا لقيّم السودان والسودانية فى رواياته ؛ فى وسط عالمى ريادى نافس فيه ضمن المتنافسين فعلا ذكره وإرتفع شأوه ضمن الصفوة الادبية العالمية. اللهم إغفر للطيب صالح وإلحقه بالصالحين فى عليين. اما محمود ود أحمد فتكفيه الشهادتين ؛ الأولى كفاحه من اجل الوطن والحرية  ؛ والثانية إنصاف عدوه لموقفه البطولى بشكل صريح لا يحتمل اللبس والإبهام من إلإجحاف الأدبى خضوعا لمتطلبات الإبداع المتخّيل!.