عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
حقيقة الخلاف بين الشيخ محمد شريف نورالدائم والمهدى

    لقد نهل محمد أحمد من علوم الفقه والتفسير حيث ورد انه قرأ تفسير الجلالين اكثر من سبع واربعين مرة وعلى مختلف المشايخ. ودرس علوم النحو والصرف والتصوف حيث أبدى شغفا خاصا تجاه العلوم العقلية. كما تأتى له دراسة الفلسفة والمنطق والعلوم الطبيعية. ومن بين ما قرأ مؤلفات لإبن سينا وإبن رشد وكتا ب إحياء علوم الدين للإمام الغزالى ( مهدى الله ص 12). ويذكر مؤلف كتاب " شقائق النعمان فى حياة المهدى ووقائع السودان" ان الامام المهدى كان ملما إلماما كبيرا بالسنة وعلم الحقائق وكان ميالا إلى مذهب الامام الشافعى ؛ كما كان " فقيها بارعا أصوليا متكلما محدثا مفسرا أديبا كاتبا شجاعا واعظا " (ص 17) . وعندما هفت نفسه للاستزادة من التحصيل الدينى بالأزهر عام 1279 هجرية سافر لتحقيق ذلك ؛ ولكن فى بربر لم يحبذ الشيخ السمانى ود فزع احد تلامذة الشيخ محمد الخير عبدالله خوجلى سفره وعرّفه بطول باع شيخه فى علوم الفقه وتدريسه ولديه ما يغنيه مؤنة السفر إلى مصر. ولزم الشيخ محمد الخير مدة ثلاث سنوات ثم قفل راجعا إلى كررى ( ص 4 ) . وسبق ان اكمل المهدى دراسة المختصر (مختصر خليل فى المذهب المالكى) وكتاب السلم لدى الشيخ قرشى ود البصير بالنيل الابيض.
    علم التصوف والحقيقة:
    وبعد إكمال محمد أحمد دراسة القرآن وعلوم الفقه والنحو تطلع إلى دراسة التصوف ؛ فالتحق بالشيخ محمد شريف نور الدائم حفيد الشيخ احمد الطيب البشير قطب الطريقة السمانية بمنطقة ام مَرِّح حوالى عام 1277 هجرية الموافق 1860 م (شقيرص 322)؛ . و يلخص الشيخ عبد المحمود نور الدائم إبن الشيخ محمد شريف نور الدائم جماع ما تفرد به محمد احمد من مناقب فى كتابه أزاهير الرياض بقوله : " السيد محمد احمد المهدى بن عبدالله" كان " خاتمة عصره فضلا ونبلا "؛ وهو المولود بلبب بجزائر الاشراف بدنقلا والمنسوب إلى الامام الحسن بن على والى الحسين؛ وان امه من بنى العباس وجده الاعلى حاج شريف الشهير بالولاية والذى نسبه اولاده فى الطريق إلى السيد عبد السلام بن مشيش. ويتناول نشأة محمد أحمد وسلوكه الشخصى فىيقول ا ن محد أحمد نشأ " نشأة مباركة على العبادة والصيانة والصدق والأمانة والتعفف عن كل ما يوجب قدحا فى المروءه." ويشيد بمزاياه فى التفوق العلمى وتفرده فى التحصيل بقوله ان المهدى " قرأ القرءان العظيم والعلم على مشايخ الوقت وتنّبل وتفوّق وحاز قصب السبق فى مضمار المعارف والعوارف ثم إقتفى أثر السادة الصوفية بمطالعة كتبهم والتخلق بأخلاقهم والتأدب بآدابهم. وحول التزام محمد أحمد بطريق القوم وشدة عزمه وحزمه فيها يقول: " وسار فى الطريقة سيرا لم يسمع لغيره وقد ذبح نفسه بمدية المخالفة لها " ( ص 267-269) . ويورد شقير ان محمد أحمد " اظهر... تعلقه بالطريقة السمانية وتعلق بصاحبها الشيخ محمد شريف..." ( ص 24).
     الشيخ محمد شريف نورالدائم:
    يعد الشيخ محمد شريف نورالدائم واحد من اميز مشائخ عصره حيث حظى بمقام مرموق وجناب عالى بجمعه لعدة مقامات من بينها قطب الطريقة السمانية ؛ وشيخ المشايخ ؛ ونقيب الأشراف. وهو من اميز احفاد مؤسس الطريقة السمانية الشيخ العارف بالله احمد الطيب البشير ( توفى عام 1823م) . وكان يقيم فى منطقة " ام مرحى" حوالى عام 1861 م . وتلقى عنده محمد احمد علوم التصوف ونهج التسلك ولازمه مدة طويلة بلغت فى مجملها " عشرين عاما " بلا إنقطاع ؛ اشتهر خلالها بالتقشف والزهد وبذل الجهد الكبير فى طاعة وخدمة استاذه والقيام بأعمال من شاكلة الطحن والطبخ والسقاية والإحتطاب بدون ان يطلب منه ذلك . ونال محمد إحمد الاجازة العلمية من شيخه محمد شريف بعد سبع سنوات شحذ خلالها الهمة للسير فى طريق المريدين والتخلق بمنهج الصالحين . ولقد ترقى محمد احمد خلال سبع سنين فى مراقى الطريقة السمانية العلية منتقشا ومتسلكا بعلوم التصوف وأصبح مخوّلا له تسليك الطريق وإعطاء العهود وتحرير الإجازات العلمية لغيره من الحواريين (مهدى الله ؛ ص 16). وعاد محمد احمد إلى الخرطوم ليتزوج إحدى بنات عمه احمد شرفى فى عام 1871 م ؛ وبعد ذلك بقليل ارتحلت اسرة محمد أحمد مجددا الى منطقة الجزيرة ابا حيث أنشأ هناك مسجدا وخلوه خصصها لتدريس القرآن. ( نعوم شقير ص 322-323) .
    ويرجح د. محمد سعيد القدال إلتحاق محمد احمد بالشيخ نور الدائم فى عام 1865 م ؛ درس خلالها كتب " إحياء علوم الدين" للامام أبو حامد الغزالى ؛ و كتاب " الفتوحات المكية " للشيخ الاكبر محى الدين بن عربى ؛ و" الكؤوس المترعة فى مناقب السادة الاربعة" و" النغمات الآلهية فى كيفية سلوك الطريقة المحمدية" بجانب كتب الشيخ احمد الطيب البشير     ( الامام المهدى: 1844 - 1885 ؛ ص 53) .
    ومن جهة اخرى إنتقل الشيخ محمد شريف نور الدائم فى عام 1872 م ؛ الى منطقة القادرية بالنيل الابيض بالقرب من جبل   ( أُولِى ) . وكان محمد أحمد يزور شيخه بشكل دائم كل عام فى منطقة العراديب حيث شهدت تلك الفترة إزدياد شهرة الشيخ محمد أحمد وكثرة عدد حوارييه وانصاره بشكل كبير (شقير ص 323). وورد انه كان يباشر تعليم الطلاب بنفسه حتى ان اعدادا كبيرة من الأعراب تلقى العلم عنده حيث شاع ذكره وعلا صيته بين الناس الذين حاروا فى امرهذ الولى الشاب ؛ كما أقبلت عليه الجموع بغية التبرك بصلاحه بحيث كانت السفن العابرة لا تمر بجزيرة ابا دون التوقف لزيارة الشيخ محمد أحمد والتمّلى فيه (مهدى الله ص 16). ويذكر د. مكى شبيكه ( السودان عبر القرون) إن حبل المودة ظل متصلا بين الشيخ محمد شريف نور الدائم وتلميذه محمد أحمد حيث كان الأخير يذهب فى المواسم والأعياد " لتقديم فروض الولاء لإستاذه فى مقره " فى حين إرتفع ذكر إسمه ى الأفواه والبواخر والمراكب بين فشوده والخرطوم والتى كانت ترسو فى " جزيرة الشيخ محمد احمد ليمدها بالبركات وتترك بعض الهدايا عنده لينفقها على الخلوات والجيران الذين كثر عددهم "( ص 253). ولإشتهار صلاحه وباتت تأتيه الهدايا بغير حساب وانعكس ذلك على اغداقه الهدايا على استاذه ؛ وعلى حد رواية الشيخ عبد المحمود نور الدائم ؛ استمر مع أستاذه على حال الصفاء والوفاء.
    سبب ا لخلاف بين الشيخ نور الدائم والمهدى:
    يطعن أحفاد الشيخ محمد شريف نور الدائم ومشايخ الطريقة السمانية ومن بينهم الشيخ " ضياء الدين العباسى" فى مدونة له مخطوطة بعنوان " تحقيق الحق وإزهاق الباطل " فى صحة المعلومات المتداولة فى كتب تاريخ السودان ومقررات المناهج المدرسية حول ما وصفوه " جناية على شخصية الاستاذ محمد شريف نور الدائم وعلى الحقيقة العلمية..." لأن الطريقة التى كتب بها المؤرخون سيرة الامام المهدى و صلته بالشيخ محمد شريف نور الدائم تفتقر إلى التحرى والدقة. ويروى سلاطين باشا فى كتابه " السيف والنار فى السودان " ان محمد شريف جمع لمناسبة ختان أبنائه مشايخ الطريقة والتلاميذ وأذن لهم فى الغناء والرقص لأن الله يغفر فى مثل هذه الظروف الخاصة فى الافراح ما يحدث من الخطايا والذنوب المخالفة ؛ ولكن محمد احمد لما انطبع عليه من الُتقى والصلاح استنكر الغناء والرقص وضروب الطرب الأخرى واوضح لاصدقائه انه لا يمكن لأى إنسان مهما علت مرتبته ان يترخص فيها . ولما بلغت هذه الأقوال أستاذه محمد شريف أستنكر الحجج التى ادلى بها وطلب من محمد أحمد ه ان يبرر أقواله ؛ ولما اعتذر قام أستاذه بمحو اسمه من قائمة الاتباع فى الطريقة السمانية. ولجأ محمد احمد لإتخاذ شعبه توضع فى العنق وذر الرماد على وجهه وعاد الى شيخه طالبا الصفح مجددا ولكن الشيخ رفض مخاطبته وطرده ( ص 35 ).
    وفى موضع آخر يقول سلاطين ان محمد احمد رفض العودة لمحمد شريف بعد أن علم أستاذه ان الشيخ القرشى ود الزين قبله فى ديوان الطريقة السمانية ؛ حيث كتب إلى تلميذه يخبره بعزمه الآن على الصفح عنه ؛ وان محمد احمد رد عليه ردا أبيا قال فيه ؛ إنه لا يطلب الصفح لأنه لم يذنب وأنه لا يحب أيضا ان ينقص مكانة الشيخ بأن يجتمع به علنا امام الناس وهو " دنقلاوى شقى " –إشارة إلى ما رواه سلاطين ان الاستاذ محمد شريف وصف المهدى بعد الخلاف بالدنقلاوى الشقى – ؟؟؟؟( م. سابق ؛ ص 36). ولكن سلاطين يثير مسألة الاثر الذى تركته تداعيات الخلاف بين المهدى واستاذه فى منطقة دارفور ومن جهة إشتهار محمد أحمد كشخصية قومية بأنها " صارت حديثهم وصار هو ( محمد احمد ) بطلا يعجب به لرفضه الطاعة لمولاه... وكان يزوره الناس من جميع البلاد يتبركون به وصارت العامة تهرع إليه وترى فيه مظلوما خرج على ظالمه وأبى الضيم" ( ص 36 ).
    ويميل د. ع. الودود شلبى إلى تصديق ان الخلاف منشؤه موقف المهدى الرافض للغناء والرقص بحسبانها محرمة لدى المهدى وهو الموقف الذى يتماشى مع نشأة المهدى وتربيته ؛ وانه سبق له ان امتنع عن اكل طعام الشيخ محمد الخير لتعاطيه راتبا حكوميا لأن اموال الحكومة تجبى بوسائل مخالفة للدين ومتنافية مع العدل ولذا طالتها الحرمة. ويعزز رأيه بأن سلوك الامام المهدى كان واحدا تجاه كل انتهاك للشريعه ؛ فمن لا يخادع السمك لا يبالى بشىء للصدع برأيه والجهر بحكمه ( ص 27 ). ويستشهد بما اورده كتاب " مهدى الله" ان الشيخ محمد شريف ذهب إلى حكمدار السودان رؤوف باشا ليخبره بخطر مهدية محمد احمد عندما سعى الأخير إلى إعلانها على الملأ. ولكن الحكمدار إكتفى بالتبسم فى وجه الشيخ محمد شريف لعلمه لما بينهما من خلاف و" يعزو قوله إلى الحسد وضغن النفس" ( ص19 ).
    كما يعزو شلبى تطور شخصية محمد احمد بسبب الخلاف الذى خرج منه المهدى "حواريا ثائرا منتصرا" وان اتباع الشيخ القرشى عند وفاته التحقوا بمحمد احمد وبايعوه ( ص 29 ) ؛ وكذلك يرى توفيق البكرى فى كتابه مهدى الله ان سبب الخلاف مرده إستنكار المهدى حفلا أقيم بمناسبة ختان أنجال الشيخ محمد شريف.
    وحول الخلاف يقول د. حسن أحمد إبراهيم فى كتابه " تاريخ السودان الحديث" المقرر للصف الثالث الثانوى ان اتباع محمد احمد يردون الخلاف إلى " غيرة شريف من المكانة الدينية السامية التى نالها- محمد أحمد – فى حين يزعم شريف ان محمد احمد قد أفصح له عن مهديته وأنه طرده بعد ان فشلت محاولاته فى إثنائه عنها.." ( الشيخ ضياء الدين محمد سعيد العباسى: تحقيق الحق وإزهاق الباطل ؛ 1990 ؛ ص 2). ويرفض د. حسن أحمد إبراهيم ما وصفه بزعم شريف لأنه جهر به " بعد سقوط دولة المهدية ليبرهن انه كان معارضا للمهدية منذ البداية لينال رضاء الحكومة ...." ولأن فكرة المهدية لم يكن لها وجود فى ذهن محمد أحمد فى ذلك الوقت ... وان السبب المباشر فى هذا الخلاف هو إعتراض محمد احمد على حفل غنائى راقص أقامه محمد شريف لختان أبنائه بإعتباره منافيا لتعاليم الشريعة الاسلامية " ( م. سابق ص 3 ). ويقول د. مكى شبيكة " ويظهر ان لمعان اسم محمد احمد فى سماء الشهرة أوجد شيئا من المنافسة بين التلميذ وأستاذه فتوترت العلاقات ووقع خلاف وأنشقاق يقال انه نتيجة إستياء محمد احمد مما حدث فى حفل ختان ابناء استاذه من لهو لم تستسغه طبيعة التلميذ " ( م. سابق ص 253).
    الخلاف بسبب المهدية:
    وفى المقابل يرى الشاطر بصيلى فى قول منسوب الى الشيخ محمد شريف ان سبب الخلاف مرده إلى نهى محمد احمد عن دعاية المهدية والقول بأنه هو المهدى المنتظر. ويؤكد هذا وصف إبراهيم فوزى فى كتابه " السودان بين يدى غردون وكتشنر" الخلاف الذى وقع فى عام 1259 هجرية بين الشيخ محمد احمد وأستاذه الشيخ محمد شريف بعبارة " النفور العظيم" حيث كان أستاذه يقيم غير بعيد من الجزيرة ابا فى منطقة المرابيع وذلك بسبب " الميل إلى دعوى المهدوية ". وهذا ما ادى إلى إصدرا الشيخ نور الدائم منشورا تم تعميمه على اتباع الطريقة السمانية يعزل فيه محمد احمد عن الخلافة السمانية ويبعده عن سلك الطريقة نظرا " لعيوبه وطموحه الى الدعاوى الكاذبة توصلا إلى الملك والرئاسة" (ص 88 )
    وقال شقير ان الجفوة وقعت بعد ان اسر محمد أحمد إلى شيخه بأمر المهدية ورغب ان يكون محمد شريف احد وزراء المهدى وكان ذلك عام 1295 هجرية الموافق 1878 م. واورد ابيات من القصيدة التالية المنسوبة للشيخ محمد شريف نورالدائم وانه القاها واقفا امام عبد القادر باشا (حلمى) ( شقير ص 323 ). ويبدو ان محمد احمد قد لقى قبولا وترحابا حميما من قبل الشيخ القرشى ؛ بل ان طلابه ذكروا ان وارث مقام السلسلة الطيبية هو الشيخ القرشى الذى اورثها بدوره إلى محمد احمد ؛ حيث ورد ان معظم ذرية الشيخ الطيب قالوا ان فى كتب طريقتهم نصا يؤكد خروج المهدى من بينهم وان الشيخ القرشى أشار إلى محمد أحمد بالمهدية وهى سبب الخصومة بينه وبين استاذه محمد شريف  ( شقير ص 327 ).
    الشيخ عبد المحمود نور الدائم والخلاف:
    الشيخ عبد المحمود نور الدائم وهو مؤرخ ممتاز لم يشر فى وصف العلاقة بين المهدى واستاذه محمد شريف إلى وقوع أى خلاف ؛ بل يشير وصفه إلى العكس تماما " ولم يزل مع شيخه على حالة الوفاء والصفاء الى ان تم نحو اربع عشرة سنة او خمس عشرة سنة " ثم يؤكد ان شيخه قد اجازه فى الطريق واشتهر فيها واخذ عليه الجم الغفير " ( م. سابق ص267) ؛ وعدم إشارة الشيخ عبد المحمود نور الدائم لحادثة الخلاف وهو معاصر للمهدى وخليفة والده وقام بتأييد المهدى فى عام 1883 يلقى بظلال الشك على موضوع الخلاف برمته أو انه ناجم عن ختان الانجال! . ويقول شقير ان حبل الود استمر موصولا بين الشيخ محمد احمد ومحمد شريف حتى بعد إنتقال الأخير إلى منطقة تسمى " القادرية " بالقرب من جبل "اوُلِى " بالنيل الابيض . وكان محمد أحمد يزور استاذه فى المواسم والاعياد ويقوم بذر الرماد على رأسه ووضع شعبة على رقبته ويربط فروة من جلد الضأن على وسطه تشبها بالعبد فى حال الذلة او التذلل والتواضع لشيخه ؛ وكان يقيم معه اياما ثم يعود إلى وكره بالجزيرة ابا– ( ص 323 ).
    ان التذلل وذر الرماد ووضع المهدى الشعبة على رقبته وإنكساره الذى اورده سلاطين ونقله عنه " بيرمان" فى كتابه " مهدى الله " ضمن سياق تداعيات الاحداث وإمعان محمد احمد فى إهانة نفسه طلبا للصفح والغفران من استاذه يشير بخلافه شاهد العصر والمعاصر لتلمذة المهدى وإبن الشيخ نور الدائم ؛ الشيخ عبد المحمود نور الدائم الذى ذكر فى كتابه ازاهير الرياض بشكل صريح " ...وكان يحمل على رأسه العجين إذا قدم لشيخه نحو اليوم ويمشى حافيا؛ ويهدى له الهدايا الواسعة الكثيرة التى لم تسهل من مريد غيره .ويضيف بقوله " وقد اخبرنى هو عن نفسه قال: كنت إذا زرت سيدى الشيخ أحمد الطيب "ر" فإنى أطرح نفسى على عتبة قبته ؛ واكلم الناس أن يطئوا على ظهرى عند مرورهم إلى زيارته وقاية للعتبة ؛ وذلك من ضحوة اليوم إلى الظهر ؛ وغير ذلك من عجائبه التواضعية والانكسارية وسلامة نفسه من النزغات الشيطانية ". ..ولم يزل مع شيخه على حالة الوفاء والصفاء إلى ان تم نحو اربع عشرة سنه او خمس عشرة سنه ؛ وكان شيخه قد أجازه فى تلك السنين فى الطريق وإشتهر فيها. واخذ عليه الجم الغفير؛ وكانت تلامذته تبلغ العدد الكثير من الاعداد وله خلفاء كثيرون جدا "( ص 267) .
    ان شهادة الشيخ عبد المحمود نور الدائم لم تشر إلى وقوع الخلاف أصلا نا هيك عن سببه حفل الختان المزعوم ام الافصاح عن المهدية ؛ بل تدلل على ان ماذكره " سلاطين " بشأنه وما اخذه " بيرمان " من رواية سلاطين ؛ هو محض خلط مشهد التواضع الانكسارى من الشيخ محمد احمد حيال الشيخ الأكبر والعارف بالله سيدى أحمد الطيب البشير ؛ وليس مساومة فى سياق الاعتذار والصفح مما ورد انه خلاف بينه وبين الشيخ محمد شريف نورالدائم. ثم ان شهادة الشيخ عبد المحمود نور الدائم حول حال وخصال محمد احمد اكدت على " سلامة نفس محمد احمد من النزغات الشيطانية " وما عده فوزى خيانة للعهد وجنوحا نحو الرتب الدنياوية.
    وانه كان يهادى شيخه بالهدايا الواسعة الكثيرة حيث أشرنا إلى ان محمد أحمد بعد إقامته فى الجزيرة أبا كانت السفن ترسو للتبرك بصلاحه وتهدى له الهدايا التى كان يوزعها على الناس ؛ فهو لم يكن فقيرا ولا محتاجا ؛ ولا يخادع كما أشرنا إلى ذلك فى حديثنا عن شخصانية محمد احمد بل الشيخ عبد المحمود يقول " واجتمع ...بالاستاذ محمد شريف بن سيدى نور الدائم فأخذ الطريقة عليه ؛ وبذل جهده فى خدمته ومحبته ؛ وصار علما بين أٌقرانه فى الزهد والعفاف والاستقامة على الشريعة ؛ والتنوير بأنوار الحقيقة ؛ وظهرت له كرامات..." (ص 267 ). ويشير تقرير الكولونيل ستيوارت الذى اعد فى عام 1881 عن المهدى إلى ان المهدى بعد نيله الاجازه من الشيخ نور الدائم إعتزل بالجزيرة أبا " وبدأت شهرته وصلاحه فى الانتشار إلى الاقاصى وأصبح محمد احمد غنيا ..." .
    وان الشيخ عبد المحمود يذكر سبب انتقال محمد أحمد إلى الشيخ القرشى ود الزين بقوله " ثم أنه بعد تلك المدة المذكورة قد احبت نفسه الانتقال إلى صحبة عارف وقته ليكمل له المقصود ؛ وهو العارف الربانى شيخنا الشيخ القرشى بن الزين "ر" ؛ فأنتقل إليه هو وتلامذته ؛ واخذ الطريق لكن بإذن من سيدى الشيخ أحمد الطيب "ر" هكذا حدثنى شيخنا مشافهة ؛ وقد لازمه ملازمة الشبلى للجنيد ؛ ونال من بركاته وفيض بحره المديد فأجازه الشيخ فى جميع ما اجازه به الاستاذ الاكبر – اى الشيخ محمد شريف نور الدائم – ثم رجع إلى محلته بجزيرة أبا..." (م. سابق ص267-268). أما " ريتشارد هيل " فى سياق عرضه لسيرة محمد شريف نور الدائم قال ان محمد أحمد حوّل ولاءه بعد ان كان تلميذا للشيخ محمد شريف ؛ إلى الشيخ القرشى ود الزين بالمسلمية بدون ان يحدد سببا لذلك التحول. ووفقا لرواية شقير ان " هذا الذى قاله الشيخ محمد شريف فى سبب العداء بينه وبين محمد احمد وقد اكده لى شفاها بعد فتح ام درمان سنة 1898 م "( ص 325). أى قبل وفاة الشيخ محمد شريف بثمان سنين . ومن جهة اخروى يروى شقير ان " انصار محمد احمد " يقولون ان سبب العداء هو إنصراف الناس عن محمد شريف وميلهم إلى محمد احمد بالعقيدة والاتباع. ويقولون ان الشيخ محمد شريف عين الشيخ رضوان احد خلفائه منافسا لمحمد احمد جفاء وتحاملا مما ادى إلى وقوع صدام بينه وبين انصار محمد احمد.