صفحات منسية من التاريخ السودانى فى كتب الرومان والاغريق 

(إلى السفير والاديب- الوزير  النوبى الراحل جمال محمد احمد – سرة شرق)

كتب  كاونت فولنى  فى مؤلفه (حطام الامبراطوريات ص 120-122) ؛ مشيرا إلى المرويين القدامى بوصفهم شعبا أسودا يعيش على تخوم النيل الاعلى والذى تمكن من تدبير نظام عبادة النجوم المعقد  من حيث صلته بمنتوجات الارض والزراعة . هكذا قام الاثيوبيون فى طيبة ... بتسمية مجموعة النجوم المائية ذات الصلة بحدوث فيضان النيل: مجموعة برج الثور التى تحت تأثيرها يبدأ موسم الحرث . مجموعة برج الاسد ؛ والتى تحت تأثيرها يندفع الاسد  بفعل العطش خارجا من  الصحراء. وتظهر على ضفاف النيل مجموعة نجوم البكرة المحزوزة اوعذراء الحصاد؛ وتلك المتعلقة بموسم الحصاد اى نجوم برج الحمل وبرج التوأئم والتى تحت تأثيرها يتم إستجلاب الحيوانات النادرة . واستفاد الاثيوبيون من الرصد المتكرر لفيضان  النيل انه يتطابق دائما مع طلوع نجم جميل يظهر فى إتجاه منبع النيل . ولذلك كانوا يحذرون الفلاحين من حدوث الفيضان مقارنة بنباح الحيوان الذى ينذر بإقتراب الخطر وأطلقوا على النجم اسم "الكلب النبّاح" – سيريوس- وبنفس القدر اطلق مسمى السرطان على مجموعة النجوم التى تبدأ بالتراجع البطىء عند وصول الشمس إلى مدار خط الاستواء. كما اسموا مجموعة نجوم المعزة البرية او الجدى عندما تصل الشمس إلى أعلى مستو فلكى  فى جريانها السنوى و التى تضاهى المعزة فى حركتها الجزلى عندما تتسلق الصخور  كما اطلقوا مسمى مجموعة برج الميزان التى تبدو فى تواز وإعتدال مثل آلة الميزان عندما يتساوى طول الليل والنهار فضلا عن مسمى مجموعة نجوم برج العقرب نظرا لأن الرياح الموسمية الناجمة فى فصلها  تجلب أبخرة حارقة كسم العقرب". وقال ديدور الصقلى ان المصريين اخذوا عادة تقديس الملوك وابجديتهم من الاثيوبيين كما يجزم بإن الاثيوبيين هم الذين اخترعوها ضاربا امثلة لما تعنى به بعض الرموز الهيروغلوفية.

خصائص الجغرافيا-عبقرية المكان:

 ولفتت اوجه الشبه  بين حيوانات الهند ومصر واثيوبيا ؛ و سحن  سكان جنوب الهند " الدرافيديين  والاثيوبيين القدامى وتشابه سكان شمال الهند مع المصريين القدامى انظار المؤرخين القدامى  على حد قول إ سترابون ( ص 21 ) .  وتم عقد مقارنة من قبل " اريستوبولوس"   طريفة حول الشبه القائم فى الخصائص المناخية والبيئية فى الهند واثيوبيا حيث يفيض نهر النيل من مياه الامطار الهاطلة فى الجنوب ؛ إلا ان انهار الهند تفيض من المياه القادمة من الشمال .  ولكن رغم ذلك فإن مناطق الاقليم الاوسط  فى البلدين  يسودها الجفاف وانعدام الامطار: فالمنطقة الممتدة ما بين طيبة وأسوان حتى اقليم مروى مثل الاقليم الهندى الممتد ما بين  مناطق "بتالينى" و"هيداسبيس" طابعها الجفاف (ص 31 ) ؛ وان مناطق جنوب الهند مثل جزيرة العرب واثيوبيا تنتج القرفة والنارد والعطور. ولكن يضيف بلينى تميز شرق السودان بإنتاج الذهب  والاحجار الكريمة

 أسرار نهر النيل:

ان نهر النيل يعد  الاكثر خصوبة مقارنة بغيره من الانهار مع ملاحظة ارتفاع خصوبة المصريات حيث روى –ارسطو- ان امراة مصرية ولدت سبعة اجنة مرة واحدة عازيا ذلك لأثر الاعتدال فى سخونة اشعة الشمس و ان مياه نهر النيل تغلى بنصف كمية الحرارة اللازمة لغلى بقية مياه العالم  (ص 37). ولقد اتفق  كل القائلين بالتشابة بين الهند واثيوبيا ومصر على عدم صلاحية  المناطق السهلية التى لم تغمرها المياه فى البلدان الثلاثة للزراعة . ويضيف " نياركوس " ان هذا الشبه العميق ادى الى توهم الاسكندر المقدونى عندما شاهد التماسيح فى منطقة " هيداسبيس والفول المصرى  فى منطقة " اكسينيس" بالهند ؛ توّهم أنه قد عثر على منابع النيل وفكر فى تجهيز اسطول لاكتشاف مصر معتقدا بالابحار عبر النهر" (ص 41)

ويشير إلى رواية جوبا التى تختلف عن رواية بيون اعلاه حيث يقول:

" كانت هناك مدينة محصنة اسمها الحائط العظيم  بين مصر واثيوبيا وان أسمها العربى "مير سيوس" وتليها  تاكومبسون/ اراموم / سيساموس/ بيدى/ مامودا/ كورامبيس بالقرب من نبع مياه معدنية/ امودوتا/ بروسدا/ بارنتا/ مانيا/ تيسا تا/ قاليس/ زوتون/ قراوكومين/ إميوم-إميوس/ بيدوتاى/ إندونداكوميتاتى/ قبائل بدوية تسكن الخيام/ غيستابى/ مجدال الصغيرة/ بروميس/ نوبس/ ديكيليس/ باتنغاس/ بريفيس/ مجوس الجديدة/ إى قسملا/ كرامدا/ ضنه- دينه/ كاديوس/ ماثينا / باتا/ علانه-ألانا/ ماكوا/ سكاموس/ قورا/ وجزيرة قصية تسمى أبالى/ اندروكاليس/ سريس- سرس/مالوس/ أغوسيس (ص 473)

أما المواقع على الجانب الافريقى للنيل - الضفة الغربية:

تاكومبسوس/ موقورى/ سايا- صاى/ إيدوسه/ فلين ارياى- بلين إرياى/ بينديس/ماقاسا/بوما/ لينتوما/ سبينتوم/ سيدوبت/ غينسوى- جينسوى/ بيندكيتور/أغوغو/ اورسوم/ سوارا/ ماومروم/ اوربيم / مولون ويطلق عليها الاغريق هيباتون/ باقورتاس/ زامنيس ويتواجد الافيال فيما بعدها/ مامبلى/ بريسه/ كوتوم– كيتوم/ وتوجد فى السابق مدينة اسمها إيبيس قبالة مروى تم هدمها قبل صدور كتاب بيون. والمهم فى هذا الصدد ان بلينى يذكر ان تلك المدن اندرست وندر ما  وجد منها على ضفتى النيل إبان عهده ويبدو ان بلينى اسس رأيه على خلفية تقرير فريق استكشاف من القوات البريتورية  تحت قيادة تربيون – مدافع عن حقوق الشعب – بعثه الامبراطور نيرون  الذى كان يخطط لشن هجوم على اثيوبيا ولقد  ذكر الفريق انه لا يوجد غير الصحراء. ويذكر انه على ايام الامبراطور اغسطس تمكنت قوات روما  من النفاذ الى الاقاليم الداخلية  تحت قيادة بوبليوس بيترونيوس  حامل وسام الفروسية  ابان ولايتة على مصر (ص 473 ). ولقد استولى بيترونيوس على مدن العرب  التى لم يوجد منها سوى بسيلكيس/ بريمى/ بوكين- بوهين؟/سوق قمبيز/ أتينيا/ وستاديسيس حيث يوجد شلال النيل الذى يؤثر ضجيجه على السكان القريين منه بتسبيب الصمم. كما تمكن بيترونيوس من نهب مدينة نبته وبلغ اقصى نقطة داخل السودان على مسافة 870 ميلا من منطقة سينى (إسوان) ؛  وينفى ان القوات الرومانية هى التى حولت البلاد إلى صحراء (ص 475)

جغرافية اثيوبيا:

وحول مساحة اثيوبيا (مملكة مروى) فإن التقارير التى اوردها  " داليون" الذى ابحر على طول المسافة الى ما وراء مروى وتقارير كل من " ارستوكريون " و " بيون " و" باسيليس" و" سيمونيديس الاصغر" الذى أمضى 5 اعوام فى مروى  اثناء كتابة  روايته عن اثيوبيا .  ويضاف لذلك " تيموستينيس" الذى قاد اساطيل فيلا دلفوس اورد ان المسافة ما بين إسوان إلى مروى تعادل رحلة مقدارها 60 يوما بدون ان يحدد عدد الاميال المقطوعة فى اليوم الواحد. بينما حددها " إيراتوستينيس"  ب 625 ميلا  ؛ و" ارتيميدوروس " ب 600 ميلا . وقال " سيبوسوس " عن ان المسافة من اقصى نقطة فى مصر إلى مروى تبلغ 1672 ميلا. ويؤكد بلينى ان التفاوت والاختلاف حول المسافة  قد انتهى برحلة الاستكشاف التى بعثها الامبراطور نيرون  للكشف عن اثيوبيا والتى ذكرت فى تقريرها ان المسافة ما بين إسوان ومروى تبلغ 945 ميلا على النحو التالى: (ص 475-477). والثابت عن جغرافيا المدن فى ذلك العصر التالى:

من إسوان إلى مولبيرى المقدسة 54 ميلا ؛ وتتميز المنطقة بتواجد نبات اليونوموس الدائم الخضرة؛ ؛ ومنها الى مدينة تاما 72 ميلا ؛ ومن تاما إلى بريمى 120ميلا؛ ومنها الى أسينا 64 ميلا ؛ ومن أسينا إلى بيتارا/بيطارا 22 ميلا ؛ ومنها إلى تيرغيدوس 103 ميلا ؛ ومنها إلى نبته 80 ميلا ؛ ومن نبته إلى جزيرة مروى 945 ميلا ؛ ومن أسوان إلى جزيرة مروى 945 ميلا ؛ ومن مروى إلى سربيتوس 12 ميلا (يوم سفر بحرى) ؛ ومنها إلى دابيلى 12 ( يوم سفر بحرى ) ؛ ومنها إلى المحيط الاثيوبى 6 أيام بالبر ؛ وامسافة من جزيرة مروى إلى المحيط الاثيوبى تعادل 625 ميلا . يمكن للجغرافيين الافادة من هذه المعلومات لتحديد موقع جزيرة مروى وتلك المدن التى اندرست. وذكروا ان البيئة حول مروى كانت مخضرة حيث يمكن مشاهدة الغابات ؛ مع وضوح آثار فرس البحر والافيال بالمنطقة. وتبعد مدينة مروى على مسافة 70 ميلا من اول ناحية فى الجزيرة . وبجانبها على الجانب الايمن من قنال  يمتد  تجاه المنبع  تقع جزيرة  تادوس  والتى تشكل مرفأ حيث يوجد عدد قليل من البنايات. وهى الجزيرة التى قيل  ان ملكتها امرأة تدعى كنداكه الاسم الذى حملته سلسلة من الملكات المتعاقبات لحقبة من الزمن.

وتتم الطقوس الدينية فى معبد هامون بالمدينة  وفى كافة المزارات او المقامات المقدسة  المخصصة لهامون فى المنطقة. وفى عهد السيادة  الاثيوبية  كانت جزيرة مروى تحظى بحفاوة شديدة . كما ذكر التقرير ان مروى كانت تجهز 250 الف مقاتل بجانب 3000  من الحرفيين المهرة . وذكر التقرير انه كان فى ذلك العهد 45 ملكا آخر فى اثيوبيا. وليس من المستغرب ان المناطق النائية فى هذا الاقليم تضم بشرا وحيوانات غاية فى الضخامة والبشاعة بإعتبار قدرة العنصر المتنقل للنار لتشكيل اجسادهم ونحت اطرافها. وحول المناطق الواقعة فى  نهاية تخوم مروى  يشير إلى ان الاقليم تحده منطقة سكان الكهوف والبحر الاحمر ما يدل على انه يعنى منطقة شرق السودان وان المسافة من نبته إلى شاطىء البحر الاحمر  تبلغ  مسيرة 3 ايام  وتوجد فى عدة مناطق مخازن لمياه الامطار لخدمة المسافرين  وان المنطقة الواقعة بين نبته والبحر الاحمر تنتج كميات كبيرة من الذهب ولعلها تلك المناطق التى هرع إليها السكان واغتنى البعض منهم من ذهبها.

 اما الاجزاء الواقعة خلف تلك المناطق  توجد بها قبيلة أتابولى الاثيوبية. كما تقيم بقبالة مروى قبيلة الميغا بارى  والتى يطلق عليها البعض اسم اديا بارى. ولهم مدينة تسمى ابولو وبعضهم بادية  ويعيشون على لحوم الافيال.  وتتواجد قبيلة " مكروبى" بالجهة المقابلة على الجانب الافريقى ( الضفة الغربية للنيل) . وبعد منطقة قبيلة الميغا بارى توجد قبائل " ميمنونيين " التى اشرنا اليها فى المقال الاول ؛ ودابيلى" وبعد مسيرة 20 يوما اخرى يقيم "كريتنسى" ومن خلفهم "دوكى" ثم  تليهم قبيلة      "  جيمنيتيس" ( ص 479 ). وتليهم قبائل " آنديريه"  و " ما تيتى" و" ميسا نكيس" والتى تصبغ اجسادها  بالطين الاحمر .  وذكر التقرير ان جزيرة جاغوديس  تقع على منتصف المسافة بين إسوان ومروى حيث يوجد طير الببغا وات  فى المنطقة ويوجد القرود بعد منطقة آرتيكولا وتليها منطقة تيرغيدوس حيث تتواجد السعدانات ( قرود وجوها أشبه بوجوه كلاب) ص 481).

وفى شرقى اثيوبيا توجد بعض القبائل التى تتصل مع بعضها عبر الانحناء  وإلا يماءات بدلا عن الكلام وبعضها لم يكن ملما بإستخدام النار قبل عهد الملك بطليموس لا ثيروس فى مصر . وان بعض الكتاب رووا عن جنس من الاقزام  يعيشون فى المناطق الحدودية التى ينبع منها النيل. وتقع على احد سواحل تلك المناطق  سلسلة من الجبال التى تلمع بلونها الاحمر والتى تبدو بمظهر النار المشتعلة . وعلى الجانب الافريقى (الضفة الغربية للنيل ) توجد قبائل " ميد يمنى" وتليها قبيلة من البدو تعيش على البان السعدانات او البابونات ثم يليهم "  ألابى " و" سربوطى" ويقال ان طولهم يبلغ 12 قدما . ( ص 479 )

 وروى " اريستوكريون" ان الجانب الليبى الذى يقع على مسيرة 5 ايام من مروى  يضم مدينة " توليس" –  وعلى مسيرة 12 يوما اخرى منها تقع مدينة "عيزار" التى يقطنها  طوال الثلاثمائة عام الاخيرة مصريون فروا من " بسامتيكوس" – وكان المؤرخ اليونانى هيرودت ذكر " الاسماخ" الذين إرتحلوا إلى مروى واقاموا فى إحدى جزرها – وقلنا فى المقال الاول انه يزعم بأنهم نقلوا الحضارة المصرية إلى مروى . وأن مدينة " ديارون"  الواقعة على الجانب العربى (للنيل) المقابل تتبع لهم .(ص 481) . ولكن " بيون" ذكر ان الاسم آلآخر لمدينة " عيزار" هو " سا بيس" و المسمى اللاتينى " سابين " وقال ان الاسم  يدل على ان سكانها أجانب . وان مدينتهم الرئيسة هى " سمبو بيتيس" وتقع على جزيرة . ولهم مدينة ثالثة  تسمى " سينات "  فى جزيرة العرب.  وبعد مدينة" سمبو بيتيس"  فى اتجاه مروى تبلغ كل المسافة مسيرة 20 يوما ( ص483)

ويمتد التكوين السطحى الجغرافى لاثيوبيا من الجنوب الشرقى إلى الجنوب الغربى حيث يمتد خطها الاوسط صوب الجنوب . وتكثر الغابات بالاقليم وبالاخص شجر الابنوس . ويرتفع جبل عظيم الارتفاع من البحر فى وسط الساحل  ويمتيز بتوهج مستديم للنيران حيث اطلق عليه الاغريق مسمى" مركبة الآلهه " وعلى مسيرة اربعة ايام منه يوجد رأس " القرن الغربى" على الحدود مع افريقيا على مقربة من الاثيوبيين الغربيين(  قبالة جزيرة " اطلانطيس" بمنطقة جبل اطلس وعلى مسافة يو مين  على طول الساحل. والقرن الغربى هو انحناءة  الخط الساحلى للمحيط الاطلسى  بأتجاه الغرب . وهذه المنطقة اطلق عليها الرومان اسم موريتانيا ) ص 487. و اطلق الرومان على الجزر الواقعة  خلف جزر موريتانيا( المغرب الاقصى) جزر " بليس " اى الجزر السعيدة وهى جزر الكنارى الحالية. وتوجد جزيرة بأسم "كابراريا" واسمها الآخر " جوميرا  . (وكان إسم جزيرة " كنارى الكبرى "- إشتق من إسم كناريا لكثرة كلابها الضخمة فأسميت " بلانا سيا " " (ص 489).

اما سترابون (36/46-ق.م إلى 25 م) ذكر ان نهر استابوراس (عطبرة) الذى ينبع من بحيرة يصب جزء من مياهه  فى البحر الاحمر او الخليج العربى آنذاك  فى الجوار اليمنى  قبالة مضيق سبأ ولكن معظم مياهه تصب فى نهر النيل. وذكر استرابون (ص 319-320 ) ان بلاد تينسيس فى جنوب اليمن بعد خليج سبأ فى الداخل ؟(الداخل اليمنى ام الاثيوبى) يقيم فيها السمبريتى وهم غرباء ( انظر هيرودوتس 2.30 ) وتحكمهم ملكه يخضع لحكمها ايضا (جزيرة مروى بالقرب من ذلك الاقليم ). وفوق هذه الجزيرة توجد جزيرة اخرى على النيل تشكل مستوطنة لهؤلاء اللاجئين . وتبلغ المسافة  من مروى الى البحر الاحمر بالنسبة للمسافر بدليل سفر كفؤ 15 يوما.

وبالقرب من مروى يلتقى نهرا استابوراس واستابوس ؛ كما يوجد ايضا مقرن نهر استاسوباس بنهر النيل  وعلى طول تلك الانهار تعيش قبائل تأكل كعكا نباتيا  تصنعه من الجذور النباتية فى الاحراش بعد طحنها بالحجارة ثم تحمصه بإشعة الشمس اى أستخدام مبكر للطاقة وتقطن بين النيل والجبال  قبائل " سيمبارى" و" بالونغيس – المسمى اللاتينى – بالوغيس - .     ( ص 321 ) . وعلى الجبال قبائل "  أساكى" العديدة على مسافة 5 ايام من النيل والذين يعيشون على صيد الافيال . وتوجد جزيرة على النيل  تتبع لقبيلة " سمبريتى"  وتحكمهم إمرأة.  وعلى مسافة 8 ايام منها يقيم النوبيون الاثيوبيون والتى تقع مدينتهم " تينوبسيس" على النيل  و" سيسامبرى" ويكثر فى تلك المنطقة  كافة الحيوانات.

 وعلى الجانب الافريقى  يقيم " أبتونبارى " و" أبتيمفانى" الذين يملكهم كلب ويصدر اوامره من خلال  تحركاته . ويليهم " هروسبى"  الذين تقع مدينتهم على مسافة بعيدة من النيل . ويليهم " اركيسارمى"  و" فاليجيس" و" ماريغارى" و" كاسامارى  كما روى " بيون" مدنا اخرى على عدد من الجزر . وفى الجزيرة الاولى توجد  مدينة " سمبريتى" التى تحكمها ملكة . ومدينة " أسارا". وفى الجزيرة الثانية توجد مدينة " داردى" . وفى الجزيرة الثالثة وإسمها "ميدوى"  ( ميدوى- ميدوين باللاتينى يعنى منطقة مدين بشرق السودان ) توجد مدينة  " أسيل". وتوجد مدينة فى الجزيرة الرابعة "قا روى" بذات أسم الجزيرة ؛ وتقع على طول السواحل مدن " ناوتيس"  و" مادوم"  و" ديماداتيس"  و" سيكاندى" و "عرابه" و " نافيكتابى" واقليم " ابسيغيبتا" و"كاندراغورى" و"سومارا".  أعلاه اقليم "سيربيتوم"  حيث تنتهى سلسلة الجبال حيث ذكر بعض الكتاب انه موطن  قبائل الاثيوبيين الساحليين " نيسيكاتى" و" نيسيتاى" وتعنى ذوى الثلاثة والاربعة عيون وليس ذلك حقيقة الامر ولكن نظرا لاهتمامهم الشديد بإستخدام الاقواس ( ص 483 ). وذكر  " داليون" ان على ضفة النيل التى تمتد إلى داخل اليابسة من منطقة " سيرت الكبرى" والمحيط الجنوبى يقيم " فاكاتى" الذين يعتمدون على مياه الامطار فقط و" كيسورى"  وتقع " لوغون بورى" على مسافة خمسة ايام من " اوكاليس" ثم " اوسى بالكى" و" إسبيلى" و" بيروسى" و" بالى " و" كسيبى"  ( يبدو انها مدن او قبائل بقبالة المغرب الأقصى)  وان ما تبقى من البلاد غير مأهول بالسكان ( ص 483 ).

العرب على الساحل الشرقى للنيل:

تكاد كافة حقب الحضارة السودانية لم تخل من تواجد عربى نشط ومستقر لحد يخال المرء ان جدلية السودانوية والعروبة وجهان لشجرة بشرية واحدة. وينسب بلينى الاكبر إلى  جوبا قوله ان سكان ضفتى النيل من سينى (إسوان) إلى مروى ليسوا اثيوبيين بل قبائل عربية. وان مدينة الشمس (عين شمس)  التى لا تبعد كثيرا عن ممفيس قد اسسها عرب. ويبدو ان الشاطىء الأبعد حسب بعض المراجع قد نزع من اثيوبيا والحق بأفريقيه وان ( الاثيوبيين) يعيشون على شاطئه  لأجل الماء. ثم يمضى ليعدد المدن الموجودة على ضفتى النيل  بدء من إسوان  حسب الترتيب الذى وردت به التقارير: (ص 471). ويقول  نقلا عن المؤرخ بيونوالذى ضاع كتابه حول مروى " واذا اخذنا الجانب العربى من النيل-الضفة الشرقية-  توجد قبيلة كاتا دوبى ثم سينيتى – (إسوانيون او سينائيين و العبارة اللاتينية فونيطيقيا تشبه زناته البربرية)  حيث اكد ابن خلدون فى تاريخه ان صنهاجه جاءت من ريف الحبشة. وتليها مدن تاكومبسون التى يطلق عليها البعض  تاتيكى؛ ثاتيكى ثم اراموم ؛ نديتا ؛ نوا ؛  يساموس ؛ اندورا ؛ نصاردوما- نزار دوما قرية عين دوما وآرابيتا-عربيتا وبونغيانا ؛ لوفيتورقا ؛ تاوترين ؛ مياى؛ شنديتا ؛ قوبلوا ؛ جيستاتى ؛ ميقادا؛ ليا ؛ ريمنى ؛ نوبس ؛ ديريا ؛ باتيقا ؛ باقادا ؛ دومانا ؛ راداتا حيث كان يعبد القط الذهبى ؛ بورون ومروى الداخلة قرب مالوس.

 )Trogodytice Country -Midoe) بلاد التروجلوديين (شرق السودان

ذكر بلينى ان تلك البلاد – سواحل البحر الاحمر بشرق السودان-  كانت تسمى فى الازمنة الغابرة - ميدوى *–  كما تطلق عليها شعوب اخرى– ميدويى- (ولعلها مدين  التى ذهب إليها النبى موسى بعد ان خرج من مصر خائفا يترقب على حد القصص القرآنى) حيث اشير فى بعض كتب الإخباريين العرب السابقين ان مدين تقع على الضفة الغربية للبحر الاحمر .  وبلاد التروغلوديته و تعنى (جحر الفار) فى اللغة الفرنسية المأخوذة من أصل لا تينى وتشير الى بلاد سكان الكهوف الذين كانوا يقدسون السلاحف) . و يذكر بلينى جغرافية المنطقة بتحديد  جبل الاصابع الخمسة؛ وجزر المضايق او البوغاز وهالونيزى  بذات العدد؛ كاردامينى* – وتعنى حب الهيل- وتوبازوس* اشتق اسمها  من الحجر الكريم (وهى اصل العبارة الانجليزية توباز للحجر الكريم ) ؛ وتكثر فيه الجزر ومن بينها جزر ماتريوس  التى توجد بها عيون للمياه وجزر اخرى جافه تعرف بإسم إيراتونوس- إيراتو- وكان حكام هذه الجزر يعينهم الملوك . ثم يذكر الشعوب التى تقطن بالداخل او فى اليابسة بشرق السودان بعد الساحل ويذكر كانداى الذين يطلق عليهم باليونانى - اوفيو فاغى-  حيث جرت  العادة فيهم بأكل الثعابين  لكثرتها فى تلك الاصقاع. ولقد أشار هيرودوت فى تاريخه ان حدود مصرواثيوبيا تكثر فيها الثعابين الطيّارة والتى كانت تحول دون عبور تلك الحدود من قبل الاعداء ؛ موضحا كيفية تمكن النبى موسى عليه السلام بجيشه المصرى من عبورها بإستخدام طائر اللقلق الذى يبتلع الثعابين . وقال انه وجد هياكل الثعابين العظمية الموجودة بكثافة فى المنطقة العازلة بين بلاد العرب ومصر) . وذكر مدينة برنيس التى اغفلها جوبا وان اسمها الآخر هو - المذّهبة -  وما يبدو ان الاسم اشتق من مناجم الذهب بجبل العلاقى حيث كان قدماء المصريين يتحصلون على مؤن الذهب من تلك المنطقة)– اسم دهب يوجد بإحدى جذر البحر الاحمر التابعة لمصر او منطقة نبك-.  

وتوجد منطقة ثالثة بإسم برنيس على المضيق او الخانق الارضى ذو الموقع المميز والذى يمتد مسافة طويلة الى اليابسة حيث تفصل مضايق البحر الاحمر افريقيا من جزيرة العرب بمسافة يبلغ طولها سبعة اميال ونصف حيث توجد جزيرة (سايتيس) التى تنتج الزبرجد. وخلف تلك المنطقة توجد غابات بنى فيها بطليموس فيلا دلفوس مقرا لاغراض صيد الافيال ومن ثم اسميت " نزُل صيد بطليموس " بالقرب من بحيرة " مانولى "– مونوليوس( ص  465) . وتتميز هذه المنطقة بظاهرة تقلص الظلال  او انعدامها فى الساعة قبل الظهيرة فى فترة الخمسة واربعين يوما التى تسبق وتلى حلول منتصف  الصيف . اما خلال بقية اليوم  يسقط الظل نحو الجنوب واما فى بقية أيام السنة يسقط الظل نحو الشمال. وأما فى برنيس الاولى ( انظر  صفحة 186 والاثنين الباقيتين فى صفحة 170)  خلال فترة انقلاب الشمس الصيفى يختفى الظل  تماما قبل ساعة من حلول وقت الظهيرة ؛ ويقع هذا الموقع على بعد 60 ميلا ونصف من نزل صيد بطليموس. ووصف الظاهرة بانها إستثنائية وملفتة للنظر مما إقتضى تخصيص ابحاث متعمقة ومتواصلة حولها ( ص 467 ) "( انظر وصف جزيرة العرب لدى الهمدانى وسترابون ص 307 وما بعدها)- وذكر ان  فى هذه المنطقة امكن إكتشاف بنية او تشييد العالم حيث استمد منها – إيراتوستينيس فكرة  قياس ابعاد الكرة الارضية عبر وسيلة مراقبة الظلال . وقال ان مدينة ساكى – سكا – شكا وجزيرة دافنيس ( جفنة) ومدينة الاحرار (عدوليس أى زيلع) انشأتها جماعة مستعبدة فرت من مصر. وتعد مركزا تجاريا لسكان الكهوف والايثوبيين. وتبعد على مسافة إبحار يومين  من نزل صيد بطليموس .

 عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.