من الفعالية الإيجابية إلى إنفعال التهويش الحركى

سفراء ودبلوماسيون من الجنوب على خط أفق السياسة الخارجية

  أسهم فى تنفيذ وتطوير الدبلوماسية السودانية والسياسة الخارجية السودانية دبلوماسيون سودانيون من جنوب السودان. وليس من الجائز عدم الاشارة إلى الدور البارز الذى لعبوه حتى عام الانفصال 2011 ؛ حيث بقوا طوال فترة الحرب الاهلية مستمسكين بوحدة السودان ومنهم من إختلف مع بعض القيادات السياسية فى الجنوب رغم ان الحرب كانت تحصد اهلهم وذويهم . ولقد عاصرت وعملت مع نفر منهم ؛ وعلى سبيل التخصيص اذكر: الراحل السفير أشول دينق أشول سفير السودان فى هولندا والمانيا (برلين) بعد التوحد ؛ وقديون جيما ؛ والور دينق أبوت الذى عملت معه فى سفارة السودان فى أثينا حيث أسهم فى إعادة فتح السفارة التى ظلت مغلقة ضمن الخطوات التى اتخذها الرئيس السابق النميرى فى عام الاغلاق الذى شطب 50% من البعثات الدبلوماسية بجرة قلم كما مضى الى القول احد السفراء . وبعد مجىء نظان الانقاذ  بقى ألور وأسرته باليونان بعد ان منح اللجوء السياسى ؛ حيث توفى هناك . وأذكر منهم ؛ مارك منسا باك ؛ صهر جون غرنق ؛ الذى عملت معه ايضا فى كنشاسا مع عدد من الدبلوماسيين على عهد سفارة السفير د.عمر عبد الماجد . ؛ واذكر اننى تعلمت من مارك منسا تفصيل البدل والقمصان حيث كان يستورد قمصانه وملا بسه من المانيا من ماركة فان هوزين الشهيرة ؛  وكان هناك أيضا  عبد الرحمن حاج مختار ؛ وميرغنى محمد صالح الذى كان سفيرا بالصين ؛ والاقتصادى المرح حسن جاد كريم ؛ والزميل من جنوب السودان كازميرو رودلف اللغوى المتحدث بلغة اللينغالا  الكنغولية بطلاقة مدهشة . ومن الزملاء الدبلوماسيين من جنوب السودان ممن مثلوا السودان قبل الانفصال أذكر الاستاذة والمستشارة القانونية المبرّزة سلوى غبريال بالإدارة القانونية والتى عملت ببعثة السودان فى الامم المتحدة ؛ والراحلة الاعلامية المتخصصة ساره ماليت التى حصلت على شهادة البكالوريوس والدبلوم العالى والماجستير فى مجال الاعلام ؛ والتى عملت بسفارة السودان فى لندن ومنحت لاحقا اللجوء السياسى بعد انقلاب الانقاذيين وتوفيت فى لندن. وتضم القائمة كذلك  بيتر لوهيد ؛ ومجاك فيلمون ماجوك . كما تشمل القائمة دبلوماسيين قانونيين تخرجوا من كلية القانون – جامعة الخرطوم امثال: سايمون الحاج كلوسيكا ؛ وكول الور كول ؛ وآيزك شنكوك ؛ وألير دينق رواى وديفيد شارلس على ؛ ومنهم زملاء الدفعة: ألور دينق الذى انتهى سياسيا وساعدا أيمن للدكتور جون غرنق فى عام 1983 ؛ ثم عين وزيرا لخارجية السودان بعيد اتفاقية السلام وأشكر له سؤاله عنا وعدم نسيان العشرة ؛ ووجبة الفول التى كنا نتناولها معا مع نخبة من الزملا بالدفعة إبان فترة التدريب باكاديمية السودان للعلوم الادارية . ومنهم ايضا  السفير ألير دينق رواى الذى كان سفيرا فى إيطاليا قبل الانفصال وزميل الدفعة بكلية القانون .  هؤلاء كلهم وغيرهم ممن لم تحضرنى اسماؤهم ؛ أسهموا بجد ومهارة من درجة السكرتير الثالث إلى السفير ؛ فى تنفيذ السياسة الخارجية للسودان خلال الفترة ما بين السبعينات إلى عام 2011 عام المشئمة. على عهد النميرى تم تعيين عدد قليل من السفراء الجنوبيين تعيينا سياسيا من بينهم فيليب أوبانغ ؛ وكان ابرزهم السفير ووزير الدولة السابق  د .فرنسيس دينق الذى تولى منصب سفير بالسويد ووزير الدولة بوزارة الخارجية . كما تم تعيين بعض السفراء على عهد الانقاذ مثل الفريق معاش جوزيف لاغو الذى عين سفيرا لدى الامم المتحدة فى نيويورك ؛ واللواء اندرو ماكور الذى شغل منصب السفير بالسويد وايطاليا ؛ والسيدة اغنيس لوكودو ؛ والعميد ميثيانغ دينق الذى شغل منصب السفير فى رومانيا ؛ إضافة إلى خميس حقار و المستشار عبدالله البرت ومحمد الحسن بخيت.  و تم تعيين اثنين آخرين من جنوب السودان وزراء خارجية ربما لأو ل مرة بعد الاستقلال ؛ اولهما الدكتور لام اكول الاستاذ الجامعى السابق والناشط  المعارض فى التجمع الوطنى الديمقراطى قبيل انتفاضة ابريل 1985 ؛ وثانيهما  الاستاذ والدبلوماسى السابق دينق الور.  وفى العهود السابقة كان الدبلوماسيين من جنوب السودان يعملون فى غالب سنى المهنة فى محطات اوربية وأسيوية وأفريقية ؛ ويلاحظ اتساع دائرة الايفاد الدبلوماسى لتشمل بعثات سودانية فى العالم العربى مثل مصر والكويت والرياض ودمشق وليبيا وبغداد وعمان وابوظبى وصنعاء. وحسب إحصائية اجريت فى عام 2010 قبل عام من الانفصال  كان هناك عددا من السفراء من جنوب السودان رؤساء للبعثات الدبلوماسية ؛ أشير إلى بعضهم على سبيل المثال: الير دينق رواى – روما ؛ أكوى بونا ملوال – اديس ابابا ؛ موسيس ماجوك – استكهولم ؛ ماجوك غواندو – نيروبى ؛ جون أوكيج – جنيف ؛ عابدون تركوج – طوكيو ؛ إجينغ إجيانغ – بوخارست ؛ الوزارى مونغا- مدريد ؛ أكيج كوج أشيو- واشنطن ؛ سبتالى آبى- لوساكا ؛ انطونيو لويس- كنشاسا ؛ بول موشوى- صوفيا.  ومن الدبلوماسيين من درجة الوزير المفوض كان هناك لوممبا استانسلاوس فى البعثة بنيويورك ؛ ستونا عبدالله فى فيينا ؛ حسن يوسف نغور فى برلين ؛ شول مادو فى هولندا ؛ وجو كوين فى موسكو .  ولا يفوتنى ان اشيد بجهود وكفاءة واحد من ابرز السفراء من جنوب السودان على خط أفق السياسة الخارجية السودانية إبان مرحلة الحرب الباردة ؛ وهو السفير " الملهم" أشول دينق الذى يحسب له ابتداع حل للازمة التى نشبت بالامم المتحدة بين الولايات المتحدة الامريكية دولة المقر ومنظمة التحرير الفلسطينية فى نوفمبر 1988 ؛ إبان عهد الديمقراطية الثالثة وحكومة السيد الصادق المهدى . ولقد اصدر وزير الخارجية الأميركى ؛ جورج شولتز ؛  قرارا برفض الحكومة الاميركية طلبا قدمته منظمة التحرير الفلسطينية إلى القنصلية الإمريكية فى تونس لمنح رئيسها ياسرعرفات تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة ليتمكن من مخاطبة إجتماع الجمعية العامة للامم المتحدة فى عام 1988. ان اتفاقية المقر تلزم الولايات المتحدة منح حقوق او مزايا معينة  تخول دخول وعبور واقامة الافراد المدعوين إلى مقر الامم المتحدة بمدينة نيوروك ؛ ولكن مجلس الشيوخ قام بتقييد هذا الحق بوضع اشتراطات حيال دخول هؤلاء الافراد ؛ تمكن السلطات الامريكية من الحجر على دخول الاجانب ذوى الصلة بالامم المتحدة أو المدعوين من قبلها  بهدف ضمان الامن القومى للولايات المتحدة الامريكية.  وتستثنى القيود المذكورة اعضاء منظمة التحرير الفلسطينية  من الدخول الى الولايات المتحدة نسبة لصلتهم بمنظمة تعتبرها الولايات المتحدة تمارس الارهاب ضد الافراد الاميركيين وغيرهم وذلك بسابق علم وتغاض من قبل زعيمها ياسر عرفات الذى كان مقيما وقتها فى تونس. وعلى الرغم من ان منظمة التحرير الفلسطينية ظلت منذ عام 1974 تتمتع بوضعية مراقب بالجمعية العامة حيث نجم عن ذلك تواجد فريق دبلوماسى فلسطينى ناشط بشكل دائم  بالامم المتحدة منذ عام 1975؛ إلا ان وزير الخارجية الامريكى لم يقبل على ممارسة  السلطة الإختيارية الممنوحة له بموجب القانون الامريكى والتى تخوله تقديم توصية الى المدعى العام الامريكى لرفع الحجر عن الاشخاص المصنفين تحت طائلة الشرطية القانونية، مستمسكا بالتأكيد على قرار القنصلية الامريكية فى تونس برفض التأشيرة . وقالت صحيفة نيويورك تايمز حينها ان قرار الرفض كان له وقع حسن لدى اسرائيل واليهود الاميركيين الذين دعموا قرار الادارة الامريكية برفض منح التأشيرة ؛ إذ قام بدعم القرار اكثر من 50  من اعضاء مجلس الشيوخ . وتمكن وضعية المراقب ممثلى منظمة التحرير من المشاركة فى مناقشات الجمعية الجمعية بدون التصويت على قراراتها. وكان عرفات يزمع مخاطبة الجمعية العامة ليتم تخصيص مقعد للدولة الفلسطينية التى تم الإعلان عنها من قبل البرلمان الفلسطينى فى الجزائر فى 15 نوفمبر عام 1988 ؛ وذلك تأسيسا على  قرار التقسيم الصادر من الأمم المتحدة فى عام 1947 ، خلال فترة الانتداب البريطانى على فلسطين ؛ حتى ان مستشار الرئيس عرفات ؛ بسام أبو شريف علق بذكاء على قرار المنع بقوله " إن الولايات المتحدة قد ارتكبت خطأ جسيما ؛ وان عرفات إرهابى تماما مثل جورج واشنطون". ان اتفاقية المقر المبرمة فى عام 1947 على إثر إنشاء منظمة الامم المتحدة فى نيويورك تلزم الولايات المتحدة بعدم إعتراض مثل تلك المشاركة لكونها مشروعة ؛ ولكن اميركا قامت بتفسيرها بحيث جعلت تلك المشاركة  مشروطة بحق دولة المقر فى الحفاظ على أمنها القومى.  فقدم السفير الراحل أشول دينغ خبير القانون الدولى (والحائز لزمالة  كينغز كولدج بجامعة كامبردج  لاحقا) مقترحا كان له اعظم الأثر فى حل الازمة الدولية وذلك بنقل اجتماعات الجمعية العامة الى جنيف وهو الحل الذى وافق المجتمع الدولى على إعتماده. وكان وقتها السفير أشول رئيس اللجنة السياسية السادسة بالإمم المتحدة بنيويورك فى اكتوبر 1988. وأذكر ان حكومة السيد الصادق المهدى قد شكرته رسميا على هذه البادرة  التى كان يستحق عليها وساما أسوة بغيرم من البلوماسيين الموسومين لصمودهم فى تمثيل السودان أو المتعرضين للظروف القاهرة مثل الحرب فى العراق  ويوغندا وتشاد وغيرها ؛ واذكر منهم احمد عمر احمد البشير و د. على حمد إبراهيم ويوسف مختار ويوسف سعيد وعبد الباسط بدوى وآيزك شنكوك . السفير أشول شخص طويل القامة لا تخطىء هيبته العين ؛ وهو مثال لشخصية الدينكا النموذجية المعروفة بالقامة الفارعة والسمرة الكهرمانية التى زادته مهابة. وكان الراحل عذب الحديث جدا إذ تتخلل احاديثه ضحكة نبيلة وصادقة تخرج من أعماقه ؛ وتحيط بوجهه وسامة ووقار لم تخطئها عيون اللندنيين واللندنيات فى  جادة (كينغز رود ) بمنطقة تشيلسى التى أقيم فيها منذ عام 1995.  لا سيما ان المفارقة بينى وبينه هى نفسها مدعاة للفت الانتباه ؛ حيث انا شخص ربعة ونحيف ، وكنت انظر إلى اشول بقامته الفارهة وكأنى احدّق فى احد فراعنة مصر القدامى ؛ وتبين لى ان أشول يشارك معظم السفراء وكبار الدبلوماسيين الذين عرفتهم ؛ الالمام الكافى والثقة بالنفس والهدوء وجزالة العبارة والمرح الجميل والعزة بالسودان ؛ وشتان ما بين تلك الصفات ووجوه وتوجهات المتشنجين الجدد الذى امتلئت بهم اكناف وزارة الخارجية فى أيام المشئمة . ولما قدم السفير أشول دينغ من المانيا إلى لندن قبيل انتهاء مهمته كسفير للسودان أراد شراء بدلة خاصة يذهب بها لمراسم وداعه ؛  فقرر الاستعانة بمعرفتى بدور الشياكة والاناقة اللندنية حيث اصطحبته الى منطقة " نايتز بريدج"  المشهورة بأنها مقر لكبريات دور الموضة الراقية وكبار المصممين العالميين ومنتجات السلع الفاخرة المبذوله للاغنياء فقط .  وهو الحى التجارى الذى يزدحم بدور صيحات الموضة ؛ والتى لا تسمع صيحاتها بالاذن المجردة ولا تدرك بالعين وحدها ؛ ولكن بالذوق السليم حتى يخال المرء انه أضحى ذواقة صوفى . متاجر متراصة ومتنافسة على الظفر بالزبائن المغرمين بتحصيل الجودة فى الملابس التى حيكت بحذق وأناة . هذى  بيوت الازياء الايطالية  ؛ جورجيو أرمانى ؛ فالنتينو ؛  فيراغامو؛ غوتشى ؛ دولتشى غابانا؛ روبرتو كفالى ؛ برادا؛ فيندى؛ تتخلها دور تصميم عالمية اخرى مثل  موسكينو وميسونى وبالقر ب منها بيوت الازياء الفرنسية ؛ إيف سان لوران وكريستيان ديور. وما  كنت أقصدها لتزجية الفراغ ؛ ولكنى كنت اريد إكتشاف سر الجودة فى الاداء والتصاميم والحياكة الراقية التى يطلق عليها الفرنسيون – أووت كوتيور- والذى تمسك به الغربيون فتقدموا ؛ وقعدنا نحن مجرد مستهلكين. أذواق متفردة ينافس بعضها البعض نزولا لدى حكم المشترين ؛  اعنى لماذا حّكموا أذواقهم وعقولهم ؛ وحكّمنا نحن امزجتنا العكرة وخضعنا لسيادة التخلف المريع .  أسئلة فلسفية تطرق ذهنى كلما مررت بشارع " اسلون اسكوير"  او جادة " كينغز رود" وتمليت فى عمارة فارهة تشيدها شركة " روبرت مكالباين" وهى الشركة التى انشأت مشروع سكر كنانه لو صحت ذاكرتى ؟ لا ادرى هل التخلف موروث جينى؟ ان الغربيون يشيدون بكل انجاز حتى ان اعجبتهم ربطة عنقك مدحوك؛ والسودانيون ان تقدمت خطوة جذبوك إلى الوراء. انتهى الشوط بنا إلى محل ( هايى آند مايتى) المتخصص فى تصنيع البدل والاحذية والملابس الرياضية للاشخاص المفرطى الطول وكنت اتردد عليها للبحث عن احذية للسيد الصادق المهدى خلال فترة التسعينات وهو أيضا مصنف من مرتبة (سيوبر هاى آند مايتى) . السفير أشول دبلوماسى محترف ؛ شديد الأناقة والوجاهة ؛ فهو أحد أفصح  الدبلوماسيين الجنوبيين بوزارة  الخارجية ويتحدث العربية بلا لكنة كغيره  من الزملاء  " الجنوبيين" ومنهم وزير الخارجية السابق  دينغ ألور والزميل بكلية القانون وبالعمل المعارض إبراهام وليم دينغ. وبجانب ذلك كان أشول  أستاذا " سكولر" ملما  بالقانون الدولى وتفريعاته ومعروفا لدى الاكاديميين الدوليين بهذه الصفة وهو ما تبينته وانا خارج نطاق الدبلوماسية. وتراه فى سمته المهيب فتحسبه احد ملوك الدينكا المعولمين ؛ ولم يكن إنفصاليا وأختلف بشكل صريح مع د. جون قرنق .ولا يعطيك أشول الاحساس قط بأنه منهزم امام ثقافة " نيلو- عربية" متعالية. وكان الراحل مهتما بمعرفة مصائر المبعدين من الوزارة  واحوال الذين بعثرتهم الانقاذ أيدى سبأ .  يحدثك حتى عن أصواتهم المميزة وخصالهم ولا انسى معروفا أسداه إلى الراحل أشول فى التسعينات وكان حينها سفيرا للسودان لدى هولندا (1991-1994) حيث كتب داعما  لطلب تقدمت به إلى أكاديمية لاهاى للقانون الدولى للمشاركة فى الكورس الخاص للقانون الدولى العام الذى تقيمه الاكاديمية سنويا  ويدرس فيه جهابذة القانون الدولى من اوربا وامريكا ؛ وبموجب تلك التزكية تم قبول طلبى وإعفائى من الرسوم. وخلال تلك الفترة كانت محكمة العدل الدولية قد أصدرت احكامها ( أراء إستشارية)  فى ثلاث من الننزاعات الحدودية ؛ بين قطر والبحرين فى يوليو 1994 برئاسة قاضى المحكة الجزائرى محمد بجاوى ؛  والنزاع الحدودى بين نيجيريا والكميرون على إثر احتلال نيجيريا شبه جزيرة باكاسى التى تزعم الكيرون انها تقع ضمن نطاق إقليمها  ؛ والنزاع بين ليبيا وتشاد حول الحزام الحدودى الذى إحتلته ليبيا.  ولقد أصدرت حكمها برئاسة القاضى البريطانى الشهير سير روبرت جينينغز فى فبراير 1994. كما تهيأت لنا فرصة بحضور جلسة إصدار الاحكام الاستشارية للمحكمة حول نزاعى ليبيا وشاد وقطر والبحرين. وعلمت أن السفير أشول كان يداوم على حضور الدورات القانونية للاكاديمية بإنتظام ، واكتشفت انه معروف لدى أساتذة القانون الدولى الهولنديين وقضاة محمكة العدل الدولية ؛ ليس ذلك فقط بل كان يمتلك نفوذا كبيرا داخل الصفوة القانونية الدولية بشكل يبعث على الفخار وهو بعد خفى عن كثير من الزملاء. ولشد ما غمرتنى المفاجئة عندما علمت ان السفير اشول دينغ والذى ترأس وفد السودان للمؤتمر الخاص بإنشاء إتفاقية حقوق الملكية الفكرية ( وذلك قبل ان تنشأ المنظمة ويترأسها بعد ذلك السفير د. كامل الطيب إدريس وهو ايضا احد اميز عقول القانون الدولى للملكية الفكرية ) قد اختيرعضوا فى مجموعة العمل الدولية الخاصة ( مايو 1991)  برئاسة قاضى محكمة العدل الدولية مانفريد لاخ ؛ وهى مجموعة ضمت 22 خبيرا دوليا من 18 دولة ؛  بمثابة مستودع فكرى او هيئة إستشارية لتقديم أفضل الوسائل لترقية أداء محكمة التحكيم الدولية الدائمة وإعادة الحيوية إلى إختصاصها التحكيمى الدولى وبلورة خطة لأعادة تقديم المحكمة المعنية مجددا إلى المجتمع الدولى ؛ حيث  ظلت مصابة بالشلل منذ عام 1972 بدون نشاط ملحوظ ؛ لإحجام الدول عن إحالة نزاعاتها إلى إختصاصها القانونى للبت فيها. ولقد تفوقت عليها محكمة العدل الدولية والغرفة التجارية الدولية والمركز الدولى لتسوية النزاعات الاستثمارية التابع للبنك الدولى. وازدادت دهشتى اضعافا عندما علمت بأن اللجنة ضمت كل من: محمد بجاوى (الجزائر) قاضى محكمة العدل الدولية ؛ ومستر فلينتر ماك استاذ القانون الدولى بجامعة ليمبرخ الهولندية ؛ ومستر أندريه أغيلار قاضى محكمة العدل الدولية ( فنزويلا) ؛ وقوروش حسين عاملى عضو محكمة الدعاوى الايرانية- الامريكية ؛ ومستر جلبرت غيوم قاضى محكمة العدل الدولية (فرنسا)؛ وسير روبرت جينينغز رئيس محكمة العدل الدولية (بريطانيا) ؛ وكريستوفر بينتو سكرتير عام محكمة الدعاوى الايرانية- الامريكية (سريلانكا) ونيكولاى تراسوف قاضى محكمة العدل الدولية ( دول الاتحاد الروسى).  يجدر بالذكر ان محكمة العدل الدولية تشكل الجهاز القضائى الرئيس لمنظمة الامم المتحدة منذ عام 1946 ؛ وهى الجهاز الوحيد الذى يوجد مقره خارج نيويورك من بين ستة أجهزة اخرى تابعة للامم المتحدة. وتكمن مهمتها الاساسية فى الفصل بموجب القانون الدولى فى النزاعات القانونية للدول الاعضاء التى ترفعها الدول عن طواعية وإختيار حيث تصدر احكامها او أراءها  الاستشارية للبت فى تلك النزاعات؛  وهى تتألف من 15 قاضى دولى تنتخبهم الجمعية العامة للامم المتحدة لدورة قضائية تستمر مدة 9 سنوات. وحاز السفير اشول دينغ قبل وفاته على زمالة القانون الدولى بكلية " كينغز كولدج"  فى جامعة كمبريدج . وانتهزت الفرصة لزيارته بالجامعة   زرته بالجامعة حيث إقترح اشراكى كقانونى فى تنفيذ مشروع بحثى اكاديمى تشرف عليه جامعة كمبريدج و يتطلب السفر إلى  دول منابع النيل والقرن الافريقى لتجميع معلومات بغرض إعداد  ابحاث قانونية بهدف مراجعة النظام القانونى للانهار ومن بينها نهر النيل . وهو المجال الذى ينشط فيه حاليا وبشكل غير مسبوق البروفسور سلمان احمد سلمان استاذنا السابق بكلية القانون بجامعة الخرطوم والخبير السابق بالبنك الدولى.  إلا ان المنّية عاجلت السفير أشول دينغ ولم يكتمل المشروع. اردت ان اذكّر القراء والمهتمين بالشأن الدبلوماسى ان سياسة السودان الخارجية والدبلوماسية السودانية أسهم فيها بقسط كبير دبلوماسيون من جنوب السودان قليلا  ما يُذكرون ؛ منهم من ارتحل ومنهم من بقى على قيد الحياة وأصبح ممثلا لدولة اخرى جديدة . فيجب التحدث عن إسهماتهم عندما يكتب السفراء مذكراتهم ؛ ونأمل ان يهيىء الله لنا فرصة جديدة لكى نلتقيهم تحت سودان واحد وكبير لا يفرق فيه بين الابيض والاسود ؛ وتحت ظلال غد  أسعد .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.