فنومنولوجيا المهدية
المهدى والامامة والغيبة الألفية فى المعتقد الشيعى  

أوضحنا فى المقالات السابقة رأى اهل السنة فى المهدى وأوصافه وملامحه وهيئته وعلامات ومكان ظهوره ؛ وعلى صعيد المقارنة مع الرؤيا الشيعية نذكر بأن تصور أهل السنة او العقل السنى للمهدى  يختلف عن رؤيا الشيعة حول المهدى او الحجة القائم. ولدى اهل السنة ان المهدى اسمه محمد/أحمد بن عبدالله ؛ وهو شخص غير معلوم من ذرية الحسن او من الحسن والحسين يأتى فى آخر الزمان ؛ وتشتمل امامته على إدارة الدين والدنيا والامام اشبه برئيس الحكومة. واهل السنة لا يقرون بمفهوم الغيبة ؛ والمهدى هو آخر الخلفاء الراشدين المهديين ؛ كما ان الشورى احدى سمات الاسلام الرئيسة  لدى اهل السنة وربما اقتصرت على مشورة اهل الحل والعقد وبذلك يمكن انتخاب الامام والاقرار بعدالة الصحابة وان المصدرين الرئيسين للشريعة هما الكتاب والسنة.

نشأة الشيعة والتشيع:

عرف ابن حزم الظاهرى فى كتابه الفصل فى الملل والاهواء والنحل؛ الشيعة بقوله إن كل من وافق عليا (ر) بأنه افضل الناس بعد رسول الله (ص) وأحقهم بالإمامة ثم ولده من بعده فهو شيعى. (ج2؛ ص 113). وفى دائرة معارف القرن العشرين (ج5؛ص 4242 ) تم تعريفهم بأنهم "الذين شايعوا عليا فى إمامته واعتقدوا إن الامامة لا تخرج عن أولاده؛ ويقولون بعصمة الائمة من الكبائر والصغائر أو القول بالتولىّ والتبرّى قولا وفعلا ؛ إلا فى حال التقية إذا خافوا بطش ظالم او حاكم جائر".  ( السيد عبد الرسول الموسوى؛ الشيعة فى التاريخ ؛ مكتبة مدبولى ؛ 202).

واختلف فى نشأة التشيع ، فهناك جماعة من بينهم ابن خلدون والمستشرق غولدتسهير والدكتور حسن ابراهيم والاستاذ احمد امين قالوا ان بدايته كانت على عهد النبى ص وإثر وفاته حيث تشيع لعلى بن ابى طالب يوم السقيفة فى عام 11 هجرية طائفة من الصحابة من بينهم  سلمان  الفارسى وابوذر الغفارى وابو سعيد الخدرى وعمار بن ياسر والمقداد وابو ليلى وشبير وابو عمرة وابو سنان. وهناك من قال ان التشيع بدأ بنزول الآية  214 من سورة الشعراء " وانذر عشيرتك الاقربين" حيث جمع الرسول ص بنى هاشم ولم يجبه الى مؤازرته ووراثته ووصايته وخلافته من بعده سوى على بن ابى طالب.

 ويورد العلامة محمد حسين الطباطبائى فى كتابه عن الشيعة فى الاسلام ويؤيد روايته فقهاء شيعة امثال الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء ؛ والعلامة محمد مهدى شمس الدين والعلامة محمد جواد مغنيه؛ إن النبى اشار إلى علي قائلا: ان هذا وشيعته هم الفائزون يوم القيامة. اما ابن النديم والمستشرق فلهاوزن يرون ان بدايته كانت بعد مقتل عثمان او فى موقعة الجمل فاطلق على اتباع على إسم الشيعة. ولكن مونتغمرى وات يرى ان بداية التشيع كانت فى واقعة صفين يوم خروج الخوارج عن على وترديد اتباع على مقولة– نوالى من والاك ونعادى من عاداك...وذلك فى عام 37 هجرية/658 م. وهناك من راى انه بدا على اثر مقتل الامام على فى عام 40 هجرية وتلاه مقتل الحسين فى كربلاء فى عام 61 هجرية.

وهناك راى مخالف يربط التشيع ونشأته بالفرس برده إلى عبدالله بن سبأ (ابن السوداء) اليهودى اصلا ولكن الشيعة يأبون ذلك   ( السيد عبد الرسول الموسوى؛ م. سابق ص 40-42) .

المهدى فى التأويل الشيعى للقرآن:

 خلافا لاهل السنة الذين أوردوا آيات قليلة أولوها بالدلالة على الامام المهدى ؛ يورد أئمة الشيعة آيات قرآنية كثيرة تدل على المهدى المنتظر ؛ لكونها وردت فى التفاسير والاخبار بأنها تدل على المهدى أو الحجة القائم من آل البيت جمعها السيّد جعفر علم الهدى. (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدً ) الآية 28- سورة الفتح. ( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ) 105 –سورة الانبياء ؛ وفى تفسير القمى انها تشير الى القائم وأصحابه. ( وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ) الآية 5- سورة القصص. ( إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ) الآية 51 –سورة غافر . (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ) الآية 55 –سورة النور. (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه ) الآية 39- سورة الانفال. (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ) الآية 171-173 –سورة الصافات

(أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء (خلائف الْأَرْضِ ) الآية 62 –سورة النمل ؛ وفى تفسير القمّي بسنده   عن أبي عبد الله قال : ( نزلت في القائم ، هو والله المضطرّ إذا صلّى في المقام ركعتين ودعا فأجابه ، ويكشف السوء ويجعله خليفة الأرض ) . ( وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ ) الآية 41 –سورة الشورى . (وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى ) الآية 2- سورة الليل  و عن أبي جعفر قال: ( النهار هو القائم منّا أهل البيت ، إذا قام غلب دولة الباطل). (يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) الآية 8-سورة الصف وتعنى (  القائم من آل محمّد صلوات الله عليه ، إذا خرج ليظهره على الدين كلّه حتّى لا يعبد غير الله ، وهو قوله يملأ الأرض قسطاً وعدلاَ كما ملئت ظلماً وجوراً ) . (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) الآية 17- سورة الحديد . وتعنى لديهم حسب رواية الشيخ باسناد عن ابن عبّاس إصلاح الأرض بقائم آل محمّد من بعد موتها ، يعني : بعد جور أهل مملكتها .

المهدى الشيعى فى الاحاديث النبوية:

وفى كتاب منتخب الاثر لمؤلفه السيد لطف الله الصافى الكلبايكانى ما يفيد على كثرة الأحاديث النبوية وفق الرواية الشيعية الدالة على الإمام المهدي تشير إلى 389 حديثا حول المهدى من آل البيت ؛ 139 حديثا حول الائمة الاثنا عشر وان 9 منهم من ولد الحسين بن على وتاسعهم قائمهم ؛ 50 حديثا ذكر فيها الائمة الاثناعشر بأسمائهم كما وردت فى رواية الشيعة ؛ 185  حديثا حول المهدى من ولد الحسين ؛ 148 حديثا حول المهدي تاسع أولاد الحسين ؛ 185 حديثا حول المهدى من ولد على بن الحسين ؛ 103 حديثا حول المهدى من ولد الباقر ومثلها حول المهدى من ولد الصادق ؛ 99 حديثا حول المهدى السادس من ولد الصادق ؛ 101 حديثا حول المهدي من ولد موسى الكاظم ؛ 95  حديثا حول المهدي الرابع من ولد الرضا ؛ 146 حول المهدي ابن الحسن العسكري   9 حديثا حول المهد بن سيدة الاماء و10 احاديث حول المهدى له غيبتان.

اختلافات السنة والشيعة حول المهدى:

من خلال الادبيات التى استعرضناها من قبل يتضح ان اهل السنة يرجحون ان المهدى اسمه محمد/أحمد بن عبدالله ؛حيث يتطابق اسمه واسم ابيه مع اسم النبى ص وإسم ابيه وفيهم من اكتفى بذكر اسمه فقط  دون تطابق اسم ابيه مع  مع اسم ابى الرسول ص. والراجح فى العقل السنى ان المهدى من ذرية الحسن او من الحسن والحسين معا ويأتى فى آخر الزمان. ان المهدى تشتمل امامته على الدين والدنيا وهو فى ذلك أشبه برئيس الحكومة ؛  وهو آخر الخلفاء الراشدين المهديين. اهل السنة لا يقرون بمفهوم الغيبة الذى يتمسك به الشيعه؛ وان الشورى احدى سمات الاسلام  لدى اهل السنة وربما اقتصرت على مشورة اهل الحل والعقد وبذلك يمكن انتخاب الامام ؛كما ان اهل السنة يقرون بعدالة الصحابة والمصدرين الرئيسين للشريعة وهما الكتاب والسنة.

والشيعة لا يقرون بعدالة الصحابة إلا بعد إحرازها ويرفضون الاحاديث المروية عن أبى هريره وعمر بن العاص ومعاوية بن ابى سفيان ومروان بن الحكم وسمرة بن جندب وابى الغادية (قاتل عمار بن ياسر). وتقتصر مصادر الشيعة حول سنة الرسول على ائمة آل البيت لانهم هم العترة الذين امر النبى بإتباعهم بجانب القرآن وهم يشكلون احد الثقلين المشار إليه فى الحديث ( إنى تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتى ) حسب رواية الشيعة. ( أحمد الكاتب ؛ السنة والشيعة ؛ ص 50-51 )

اما الشيعة ؛ تؤكد مراجعهم ان المهدى المنتظر شخص معلوم مسبقا وهو الامام محمد الحسن العسكرى امام الشيعة الثانى عشر (أولهم الامام على بن ابى طالب وصى النبى ص) ؛ والمهدى من ذرية الحسين بن على ؛ ويبدو ان ذرية الحسن قطعوا من سلسلة الامامة ربما لأن الحسن بن على اقدم على حقن دماء المسلمين بصلحه مع معاوية ؛ حيث قال: أما بعد أيها الناس ؛ فإن الله هداكم بأولنا ؛ وحقن دماءكم بآخرنا؛ وان لهذا الامر مدة والدنيا دول قال  الله عز وجل لنبيه محمد: قل ان ادرى اقريب ام بعيد ما توعدون ؛ إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون؛ وإن ادرى لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين (الانبياء -الايات 109-111) (المسعودى : مروج الذهب ج3 ؛ بيروت ؛دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع ؛ 1997 ؛ ص 10 ).

وادبيات الفكر الشيعى تبين ان المهدى ولد ثم اختفى فى الخامسه من العمر بعد ان اختاره والده نائبا له وافاد بأنه المهدى المنتظر الذى سيظهر آخر الزمان ؛ وظل فى غيبة صغرى ثم كبرى تجاوزت الف عام. والمهدى الشيعى خلافا لمعتقد اهل السنة معصوم ؛ وامامته فوق الدين والدنيا ، وان الامام تالى للنبوة ومناظر لها وهو خليفة النبى ص فى بيان الدين. وبذلك تكون شجرة ائمة الشيعة تنتسب إلى الامام الحسين وحده من ذرية الامام على ابن طالب وان الامامة يقتصر تداولها فيهم بشكل عمودى وتعاقبى. والامامة لدى  الشيعة لا تتم بالانتخاب بل بالنص الدينى لأن الرسول ص نص صراحة على الامام على بن ابى طالب.  وفى حديث برواية سلما ن الفارسى ان النبى  ص قال:  إن عليا وصيىّ ، ووراثى، وولده الحسن بعده ، ثم الحسين ، ثم ائمة تسعة هداة إلى يوم القيامة"  ( الحر العاملى: إثبات الهداة، ج3 الباب التاسع الفصل 27).

الشيعة الامامية والامامة:

نشات الفرقة الاثناعشرية فى اجواء معارضة الحكم الاموى فى القرن الثانى الهجرى (أحمد الكاتب؛ : تطور الفكر السياسى الشيعى من الشورى الى ولاية الفقيه؛ دار الشورى؛ لندن ص 15) والاساس النظرى لقوام الطائفة الاثنى عشرية هو إمامة على بن طالب حيث أوصى الرسول ص صراحة بأنه وصيه (الكلينى؛ الكافى؛ ج1 ص 236) وذلك تأسيسا على حديث الغدير– من كنت مولاه فعلى مولاه- (الكنجى: كفاية الطالب ص 29).  ويقوم معتقد الشيعة الامامية على ان الخلافة (الامامة)  لا تكون الا بالنص وليست بالانتخاب وان الامام هو الحاكم باسم الله وليس الشعب وبالتالى يتم إختياره  فقط "بلسان نبيه لا من الشعب بطريقة الانتخاب"؛ وان الامامة تنطلق من اسس الدين الخمسة الرئيسة: التوحيد والعدل والنبوة والبعث والامامة ؛والامام معصوم وسلطانه يسع كل الارض حيث ان الامامة منصوبة من الله عن طريق النبى ص وباقية إلى خروج الامام الغائب ومن مات بدون الايمان بسلسلة الائمة الاثنا عشر فهو كافر( جواد على: المهدى المنتظر عند الشيعة الاثنى عشرية: منشورات الجمل؛ المانيا ؛كولون 2005). ويشتمل معتقدهم أيضا على مبدأى التقية لدى التخوف من وقوع الضرر من قبل حاكم جائر ونفى صفة البداء عن الله (صفات الجهل وحدوث العلم).

الامامة والدور الرسالى:

تحتل الامامة وفلسفتها لدى الشيعة موقعا طليعيا ومركزيا يضاهى موقع النبوة حيث يقول الامام الباقر: كل من دان الله عز وجل بعبادة يجهد فيه نفسه ، ولا امام له من الله ؛ فسعيه غير مقبول ، وهو ضال ومتحيّر والله شانىء لأ عماله ..."  ( أصول الكافى: باب معرفة الحجة ، الحديث الثامن ) . ويمن جهة اخرى يؤكد د. على شريعتى احد كبار منظرى الشيعة المحدثين ورائد مدرسة الاصلاح الشيعى على " ضرورة الامام النموذج والقدوة بشأن كيف نحيا وكيف نكون". ويحدد دور الامام القيادى بكونه الحافظ للأمة التى ينتمى إليها الفرد وحريتها لما لمصطلح الحديث من حراك ، وان حياة الفرد الأمى ( نسبة الى الأمة) المنتمى " ليست حياة طليقة حرة بل حياة ملتزمة ومسؤولة.

ولذا يتحتم بمجرد انتماء الفرد إلى امتة ان يبدأ بمعرفة إمامة هذه الامة ثم يقبلها ويؤمن بها. ومن اهم واجبات الامامة او الدور الإمامى حسب تصوره الفلسفى وهو المتخصص فى علم الاديان المقارن ؛ التحرك بالأمة  من واقع الركود والثبات لبلوغ مرحلة الكمالات وإقامة أساس الحكم على قاعدة التغيير والتقدم والتكامل عبر بلورة الفلسفة السياسية للامامة وذلك بشكل عاجل وسريع. والامامة لدى شريعتى لا تأبه باختيار بعض الافراد للركود والثبات وعليه لا سبيل الى مجاراتهم ؛ بل ان الامامة لا تختار " اهدافها على اساس قبول العوام او منافع الخواص بل على أساس الرسالة فتختار ما ينبغى ان يكون فلا يقوم اختيارها على اساس المصلحة بل على اساس الحقيقة ".  ثم يحدد ماهية الحقيقة المعنية بأنها هى التى يطرحها آحاد الامة إنطلاقا من معتقد فكر ورسالة  هذه الآحاد ؛ (د. على شريعتى: الأمة والإمامة ؛ دار الامير ؛ ط 1 ؛ بيروت 2006 ص 61-62)  .

ويحدد شريعتى ان الهدف الغائى للانسانية ليس الوجود بل الصيروة ؛ وان نسبية الحرية والسعادة كمتلازمة للبقاء ليستا اهم من  سلامة الامة وسرعة مسيرة ركبها وان الاقتصاد ليس غاية بل اداة والحرية ليست مثالا فكريا بل اداة ضرورية لتحقيق المثال. والأمة التى يعنيها شريعتى مفتوحة لا تقبع فى بقعة خاصة من المعمورة وان المجتمع لا يقوم على اساس روابط الدم والتراب وذلك لأن الامة مجتمع لم يتشكل على اساس اى تشابه فى العمل او الوضع المعيشى والوارد المالى".  (م. سابق :ص 63 ). ويسبر شريعتى اغوار امة الإمامة والتى هى مجتمع ينضوى افراده تحت " قيادة كبرى ومتعالية ، تتحمل مسؤولية التقدم وكمال الفرد والمجتمع ... وان الحياة ليست وجودا بل سيرا باتجاه اللانهاية -الكمال المطلق- لأجل إكتشاف وخلق القيم المتعالية بنحو مستمر بوصفها صيرورة مستمرة للتكامل الانسانى وهجرة دائمة من حيث نحن واطلاق الاستعدادات الكامنة فى عمق الفرد.  

والمعنى الثورى العميق فى فكر شريعتى والذى يفضى الى الافاق الواسعة يقوم على شعارين: الصيروة باتجاه الكمالات المطلقة ؛ والمسير بإتجاه القيم المتعالية وفق الاستقامة والسرعة من " ماهو عليه" إلى " ما يجب ان يكون عليه". ( م. سابق ص 63-64 ؛ 85)  وفى امة الامامة القيادة تتم بأشكال مختلفة وتتميز عن السيادة ؛ والادارة مهمتها التربية والتكامل . ويسوق الدكتور على شريعتى شواهد انتصار للمنتظرية التى انبرى لانتقادها كتاب شيعة محدثين امثال الكاتب الشيعى الامامى احمد الكاتب ؛ ويبررها على النحو التالى   ( ص 100-105):  

•       ان الاعتقاد فى الشخصية النموذجية وبدور البطل جزء من المطلق النفسى الذى يعشقه الانسان وان لم يعثر المرء على امامه فى الواقع صنع بديلا له فى الخيال

•       علم النفس يجسد المعانى المجردة بتحويلها الى محسوس متجسد فى شخصية عظيم وفدائى وشريف

•       على حد رؤيا العالم التربوى - أدلر – ان اعتقاد المرء بفكرة الإنسان المنقذ والعظيم المتعالى ادى الى تمسك الانسان بالفضائل الانسانية الكبرى وبتحقق القدوة النموذجية لتحقيق الكمالات المرجوة وهذا يشكل احدى وسائل التطور الانسانى

•       ان مبدا الخلاص الفردى مقتبس من الديانات الهندية التى تضاد فكرة القائد المتعالى وانتظار المنقذين وهو الذى انتقل عبر سلسلة المراتب والمقامات الصوفية وكرس عبادة الاشخاص مشيرا إلى عشق جلال الدين الرومى لشمس التبريزى ومخاطبته بقوله " شمسى والهى".

المهدى الشيعى:

شخص معلوم لدى الشيعة وهو الامام محمد الحسن العسكرى امام الشيعة الثانى عشر (أولهم الامام على بن ابى طالب وصى النبى ص) ؛ وان المهدى من ذرية الحسين بن على ؛ولد ثم اختفى فى الخامسه من العمر بعد ان اختاره والده نائبا له وافاد بأنه المهدى المنتظر، وظل فى غيبة صغرى ثم كبرى تجاوزت الف ومائتى عام . والمهدى لدى الشيعة  معصوم وامامته فوق الدين والدنيا وان الامام تالى للنبوة ومناظر لها وهو خليفة النبى ص فى بيان الدين. وكل ائمة الشيعة ينتسبون الى الامام الحسين بن على ويقتصر تداول الامامة فيهم بشكل عمودى وتعاقبى. ونسب الامام المهدى الشيعى الكامل:  محمد الحسن العسكرى بن على بن محمد بن على بن موسى بن جعفر بن محمد بن على بن الحسين بن على ابن ابى طالب. وكان مولده فى النصف من شعبان عام 255 هجرية بمدينة سامراء على عهد حكم المعتمد العباسى . وحسب المصادر الشيعية فإن امه جارية تركية (ام ولد) واسمها نرجس ويتصل نسبها باوصياء عيسى بن مريم ( السيد عباس الرضوى: الامام المهدى منقذ البشرية المعذبه؛ دار الامام الرضا ؛ 1998. ص9-10).

وعرضه والده على اصحابه فى ثالث يوم من مولده وقال: هذا صاحبكم من بعدى وخليفتى عليكم وهو القائم الذى تمتد اليه الاعناق بالانتظار ؛ فاذا امتلات الارض جورا وظلما فيملأها قسطا وعدلا.  ومات ابوه وهو فى سن الخامسة (م. سابق ص 18-19).  واختفى الامام المهدى الشيعى فى سن الخامسة فى غيبة صغرى واكتفى بلقاء الخواص من شيعته عبر السفراء وذلك خلال الفترة مابين ( 260 - 329 هجرية). وكان الفقهاء يتصدون للقيادة خلال الغيبة الصغرى والتى  امتدت الى غيبة كبرى رسخت المنتظرية والغيبة وفتحت مداها الى زمن مفتوح بمستوى الفى ؟ أى ان غيبته بلغت حتى يومنا هذا اكثر من 1000 عام ؛ و تم خلالها تحريم تعاطى العمل السياسى .

ولكن الامام الخمينى اجرى تعديلات بإدخاله نيابة ولاية الفقية (غير معصوم)  وهو النائب عن الامام (المعصوم–الغائب)  وقد سبقه الى ذلك الشيعة الزيدية بهدف الخروج من مأزق المنتظرية الطويل وغيبة الامام المهدى المحيّرة حيث يعدونه من المنظرين ويقول الكاتب الشيعى أحمد الكاتب ان الامام الحسن العسكرى امام الشيعة الحادى عشر مات بدون ثبوت وجود عقب له  حيث أن مولده أحيط بسرية تامة ؛ وبرز له اربعة وعشرين وكيلا فى غيبته الصغرى خلال السبعين عاما التى تلت وفاة ابيه (احمد الكاتب م. سابق ص 5-6؛12). ولكن الشيعة يؤكدون مولد الامام الثانى عشر الحجة وقائم آل البيت والمنتظر الذى يترقبون خروجه ليملأ الارض قسطا وعدلا مثلما ملئت ظلما وجورا بعبارة لطيفة "عجّل الله فرَجه" .  

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
///////////