أحداث أول مهدية لآل البيت فى التاريخ

الحارث إدريس الحارث

مهدية ذو النفس الزكية:

اطلق اهل عصره لقب المهدى على محمد بن عبدالله بن الحسن بن الحسن بن على  بن ابى طالب (محمد بن عبدالله المهدى) المولد عام مائة هجريه ؛ حيث كان اهل بيته يجدون فيه سمات واوصاف المهدى المذكور فى الحديث. واعتبره علماء آل ابى طالب انه–ذو النفس الزكية- المذكور فى حديث الرسول ص " تقتل باحجار الزيت من ولدى نفس زكية ". ولدى خروجه على حكم ابى جعفر المنصور ( عبدالله بن محمد بن على بن عبدالله بن العباس بن عبد المطلب بويع خليفة عباسيا فى عام 136 هجرية وسمى ابنه محمد المهدى ) على عهد العباسيين بايعه بعض قادة بنى هاشم وآل ابى طالب وآل العباس وغيرهم من القبائل ؛ وامتنع البعض عن بيعته لأنهم رأو ا ان المهدى لم يحن اوانه بعد. وكان موقف آخرين ممن رفض ان يبايعه مهديا منتظرا بحجة أنهم - لا يبايعون رجلا بدون ان يختبروا عدله-  (مقاتل الطالبيين: ص 178 ؛ 180) ؛ ( مروج الذهب م2 ص 169 ) ؛ (البداية والنهاية  م 10/82-87).

وكان يلقب "صريح قريش" - أى أنه صريح النسب اما وابا - بدون ان يتحدر احد من اجداده من أمة أو جارية - والحافظ  للقرآن واعلم هل زمانه  بكتاب الله ومتفقها فى الدين. ولدى مولده وجد خال أسود بين كتفيه مثل البيضة ؛ كما إتضح ان فى لسانه عقده ؛ أى انه كان تمتاما يتلجلج الكلام فى صدره فيضرب بيده عليه حتى يستطيع الكلام. وكان شغوفا بطلب العلم اذا كان يختلف على دور الانصار طلبا للعلم وينام متوسدا عتبة بيوتهم فضلا عن شهودهم له بكثرة الصيام والصلاة. ( مقاتل الطالبيين ص198-205 ). وكتب محمد بن عبدالله الى الناس يدعو لنفسه بالمهدية بالمدينة المنورة فى أول رجب عام 145 هجريه ؛ وهو يلبس قلنسوة صفراء مضرّية وعمامة شدّ بها حقويه واخرى إعتّم بها وكان يتوشح سيفا. (الطبرى؛ تاريخ الطبرى؛ م 4 ؛ منشورات محمد على بيضون؛ دار الكتب العلمية ؛ بيروت 1997 ص 425). 

واشار الطبرى إلى ان محمد بن عبدالله كان آدم شديد الأدمة ( شديد السواد ) ؛ أدلم جسيما عظيما حتى انه كان يلقب –القارى- من سواده وكان يدعى ايضا -محمّم –دلالة ايضا على سواد بشرته ؛ وهذا يدل علىى ان المهدى الحقيقى سيكون اسود البشرة وليس أبيضها .  وبعد خروجه بالمهدية كان يكتب اسمه عبدالله المهدى محمد بن عبدالله . (م. سابق ص 439). 

وضمن خطابه التعبوى السياسى الموجه ضد الدولة العباسية إتهم أبى جعفر المنصور بأنه عاند الله فى ملكه ببناء قبة خضراء تصغيرا للكعبة ؛ وفى خطبة ظهوره مهديا بالمدينة قال: اللهم إنهم  قد احلوا حرامك وحرموا حلالك واخافوا من امنت ؛ اللهم فأحصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تغادر منهم أحد ... إنى والله ما خرجت من بين أظهركم وانتم عندى اهل قوة وشدة ؛ ولكنى اخترتكم لنفسى والله ما جئت هذه وفى الأرض مصرٌ يعبد الله فيه إلا وقد اخذ لى فيه البيعة ( تاريخ الطبرى ص 426).

ومهدية محمد بن عبد الله هذا هى السبب الذى حدا بأن يفتى الامام مالك بن أنس لمن قال له إن فى اعناقنا بيعة لأبى جعفر المنصور ؛ بقوله إنما بايعتم مكرهين وليس على مكرة يمين ؛ وهى فتوى دينية حول ازمة سياسية دستورية عبرت عن دعم الامام مالك لثورة آل البيت ضد حكم بنى عمومتهم العباسيين؛ حيث ذكر الطبرى ان وجوه الناس قد اتبعوا محمدا ولم يتخلف منهم سوى نفر قليل؛ كما ايد مهديته اهل المدينة المنورة وقبائل جهينة ومزينة وسليم وبنو بكر وأسلم وغفار؛ وقدّر عدد من من وقف معه حين خروجه بحوالى 100 مائة الف شخص (م.  سابق ص427-439).

وإثر خروجه من مخبئه الذى لجأ إليه بعد إعتقال ابو جعفر المنصور لابيه وإخوته واعمامه ونفر من آل البيت فى سبيل الكشف عن موقع مخبئه ؛شرع محمد بن عبدالله فى إبتعاث الممثلين إلى الامصار ؛ فذهب ابناؤه وإخوته يدعون إلى إمامته فى مصر واليمن والعراق والبصرة والجزيرة الرى وخراسان وأصبهان ؛ وقبلت مهديته فى بلاد فارس والاهواز وناصر الزيدية اخيه ابراهيم بن محمد بن عبدالله ممثله فى البصرة ؛ ووصل اخوه إدريس الى المغرب متخفيا ولكن المنصور بعث له من دس له السم هناك . (المسعودى؛ مروج الذهب ومعادن الجوهر؛ م 3 ص 307 ؛ ص  310). وناصره فى مهديته اهل المدينة المنورة وقبائل جهينة ومزينة وسليم وبنو بكر وأسلم وغفار حيث قدر عدد من شايعة حوالى مائة الف. ولكنه قبل بدء الاشتباك مع جيش العباسيية نادى على الناس محلا لهم من بيعته فلم يبقى معه سوى أقل القليل من الانصار (الطبرى ج4 ص 439). وكان ذو علم وورع وتقى وجرت بيعته فى كثير من الأمصار لزهده وورعه . وبقى قيد الخفاء حتى لا يلقى عليه المنصور القبض ولكنه اعتقل اباه وعمومته ونفر من اهل البيت.

أنصار مهدية محمد بن عبدالله:

عندما خرج معلنا مهديته فى اول رجب فى عام 145 هجريه كان يلبس قلنسوة صفراء مضرّية وجبة صفراء وعمامة قدة شد بها حقويه واخرى قد إعتم بها وكان يتوشح سيفا ( الطبرى ج4 ص 425). واتهم محمد بن عبدالله أبا جعفر المنصور بانه بنى قبة خضراء تجسينا مصغرا للكعبة ووصف حكم ابى جعفر المنصور العباسى : اللهم إنهم أحلو حرامك ؛ وحرموا حلالك ؛ وأخافوا من أمنت ؛ ....ايها الناس إنى والله ما خرجت من بين أظهركم وانتم عندى أهل قوة وشدة؛ ولكنى اخترتكم لنفسى والله ما جئت هذه وفى الارض مِصرٌ يعبد الله فيه إلا وقد اُ خذ لى فيه البيعة ؛ ولقد ذكر الطبر ان الذين تخلفوا عن بيعته من وجوه الناس قليل (م. سابق ص 426).  

وانتهت تجربة المهدية الأولى فى مهدها محاصرة بقدرها بالمدينة المنورة بعد ان قتل العباسيون كافة المبعوثين وقائد الثورة نفسه فى شهر رمضان عام 145 هجريه وهو فى الخامسة والاربعين من العمر؛ بعد ظفر جيش أبى جعفر المنصور الذى حاصر المدينة المنورة وتشتت انصار محمد بن عبدالله. وقال المسيب بن زهير الضَبى اثر القضاء على ثورة محمد بن عبدالله لأبى جعفر ا لمنصور: يا امير المؤمنين ... والله ما خلق الله على جديد الارض خلقا أعز علينا من نبينا ص ؛ وقد أمرتنا بقتل أولاده فاطعناك وفعلنا ذلك ( المسعودى؛ مروج الذهب ومعادن الجوهر؛ م 3 ص 307 ؛ ص 310) . ولكى نقف على تصور اهل ذلك العصر للمهدى فى تلك البيئة المبكرة نورد ابيا ت الشعر التالية التى وصفت مهدية محمد بن عبدالله الحسنى هذا علها تعطينا إضاءة لظاهرة تمثل اهل ذلك العصر لماهية المهدية فى ذلك الزمن المتقدم: (م. سابق  ص 206-  207)

قال الشاعر سلمة بن اسلم الجهنى :

إن الذى يروى الرواة لبيّن         إذا ما ابن عبدالله فيهم تجردا

له خاتم لم يعطه الله غيره         وفيه علامات من البر والهدى

وفى بيت آخر لا يعرف قائله:

إن يك ظنى فى محمد صادقا    يكن فيه ما تروى الأعاجم فى الكتب

وقال سلمة بن أسلم الجهنى :

إنا لنرجو أن يكون محمد       إماما به يحيا الكتاب المنزّل

به يصلح الاسلام بعد فساده         ويحيا يتيم بائس ومعّول

ويملأ عدلا  أرضنا بعد ملئها      ضلالا وياتينا الذى كنت آمل

وفى بيت آخر:

إن كان فى الناس لنا مهدى                  يقيم  فينا  سيرة   النبى

فإنه     محمد       التقى

ويقول محمد بن على بن هرمة:

لا والذى انت منه نعمة سلفت          نرجو عواقبها فى آخر الزمن

وحول تباشير مولده قال الشاعر:

ليهنكم  المولود  آل محمد        إمام هدى ؛ هادى الطريقة ؛ مهتدى

وحول انهاء ملك بنى امية:

فيقتلهم قتلا ذريعا  وهذه                   بشارة جديّه  على   وأحمد

من الواضح ان الابيات تشير إلى ان مفهوم المهدى فى العهد الأموى تمثله آل البيت تحت وطأة العسف السلطوى والمطاردة المستميتة وتشتت الشمل ؛ تمثلوه ثائرا يهدم ملك بنى امية ويشتت شملهم ويطردهم فى الافاق مثلما شردوا آل محمد. وكانوا يتعجلون ظهور كل من تبدو عليه الامارات التى جاءت فى الحديث حول  صفات المهدى المنتظر املا فى القضاء على ملك بنى امية. بيد ان محمدا بن عبدالله هذا قتل حسبما ما تنبأ بعض آل البيت انفسهم؛ بحسبان ان وقت ظهور المهدى المنتظرلم يحن بعد.

واعتبره علماؤهم "النفس الزكية" الذى ورد ذكرها فى الرواية وهو مقام مستقل يعد مقدمة لظهور المهدى ويقع ضمن حزمة المستقبليات المرتبطة بظهور المهدى وقيام الساعة . وهناك من اعتبر خروج ذو النفس الزكية فتنة زمنهم. ومنهم من وقف معه اما مدفوعا بضيم بنى امية او تيمنا وتفاؤلا وتأثرا بتقاه وورعه ( م. سابق ص209- 210). وقال ابن كثير ان محمد بن عبدالله بن الحسن الملقب بالنفس الزكية  تلقب بالمهدي طمعا أن يكون هو المذكور في الأحاديث، فلم يكن به، ولا تم له ما رجاه، ولا ما تمناه. (مقاتل الطالبيين ص 154- 217)

فمن هم الذين بايعو محمدا من العلماء والفقهاء بجانب الصفوة القرشية آنذاك ؟ اى من صدّق بمهدية محمد بن عبدالله ذى النفس الزكية المشهودة والتى قصدنا ان نجعل من مظاهرها وشرائط عصرها السياسية المؤشر الجديد الفنومنولوجى لقياس صدقية مهدى آل البيت فى آخر الزمان أوصدقية مهدية محمد المهدى بن عبدالله السودانى. لقد أيد مهديته ولد على بن ابى طالب ؛ ولد جعفر وعقيل ابناء ابى طالب ؛ وولد عمر بن الخطاب وولد الزبير بن العوام وسائر قريش واولاد الانصار ؛ وابوه محمد بن عبدالله بن الحسن المثنى بن على ابن طالب هو اخو ادريس بن عبدالله بن الحسن الذى فر الى المغرب خوفا من المنصور ولكن المنصور بعث إليه من يدس له السم فقتله.

•       كان ابو جعفر العباسى حينها احد من بايعوا محمد بن عبدالله هذا  بجانب السفاح والمنصور بل كان احد اميز المنافحين عن خروجه وبيعته فى مجالس البيعة المتكررة (م.  سابق ص 216 ).  وجرت بيعة محمد بن عبدالله اثر مقتل الوليد بن يزيد بن معاوية بن ابى سفيان فى سنة 126 هجرية ؛ وخرج بدعوته سنة 145 هجرية (م. سابق ص 221).

•       مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير وابنه عبدالله- مالك بن انس ؛ وكان يقول انه ما فيه قتال ولكن ليراه الجاهل ليقتدى به

•       المنذر بن محمد بن المنذر بن الزبير وكان من اهل الفقه والصلاح  والحديث

•       الفقيه ابوبكر بن أبى سبرة الذى روى عنه الواقدى وكان يحمل راية ومعلّم بعذبة حمراء. وخرج معه يزيد بن هرمز وعبدالواحد بن أبى عون مولى قبيلة الازد وعبد العزيز بن محمد الدرّاوردى مولى قبيلة بلى ّ القضاعية.

•       وخرج معه إسحق بن ابراهيم بن دينار وعبدالله بن عطاء الذى روى عن عبدالله بن الحسن بن الحسن والحسن بن على بن على بن الحسين وعيسى بن على بن الحسين .

•       اربعة من ذرية الحسن بن على: الحسين بن زيد وعيسى بن زيد وموسى وعبدالله ابنا جعفر بن محمد.

•       عثمان بن محمد بن خالد بن الزبير الذى روى عنه عبد الله بن مصعب ؛ والضحاك بن عثمان .

•       محمد ابن عجلان فقيه اهل المدينة الذى كان يدرس فى حلقة بمسجد النبى (ص) والذى وصفه الواقدى الذى رآه وسمع عنه بالثقة والراوى لأحاديث كثيره .

•       عبدالله بن عمر بن العمرى من ذرية عمر بن الخطاب راوى كثير من الاحاديث وعاش طويلا ومات فى خلافة هارون الرشيد سنة 171-172 هجرية . ولما سئل عن سبب خروجه مع محمد بن عبدالله قال: وقعنا فى أمر لم نعرف له وجها والفتنة كانت شاملة" ص 242

•       عبدالله بن جعفر بن عبدالرحمن بن المسور بن مخرمة وكان من اميز فقهاء المدينة فى الحديث والفتوى ؛ووصفه الواقدى بكمال العلم والمروءه ؛ وكان من ثقاة اصحاب ذى النفس الزكية. ولما سؤل عن سبب وقوفه مع محمد بن عبدالله مع ما عليه من الفقه قال: ما خرجت معه وانا اشكك فى انه المهدى لما روى لنا من أمره فما زلت أرى انه هو حتى رأيته مقتولا. وكان سفيان الثورى يقول ان يرد الله بهذه الأمة خيرا يجمع امرها على هذا الرجل اى محمد بن عبدالله .

•       واصل بن عطاء وهو احد قادة المعتزلة ويعتقد بأن اجدر من يقوم بهذا الامر- المهدية-  هو محمد بن عبدالله وكذلك بايعه منهم عمرو بن عبيد ( ص 239-244 ) ؛ عبيد الله بن عمر وهشام بن عروة ومحمد بن عجلان ( ص 244 ) وابو خالد الواسطى والقاسم بن مسلم السلمى (  ص 246 ) .

•       كما ناصر مهدية ذى النفس الزكية من الصفوة الهاشمية -بنى هاشم: الحسن ويزيد وصالح وبنو معاوية بن عبدالله بن جعفر؛ والحسين وعيسى ابنا زيد بن على ؛ وحمزه بن عبدالله بن محمد بن على بن الحسين بن على ؛ وعلى وزيد ابناء الحسن بن زيد بن الحسن بن على بن ابى طالب ؛ والقاسم بن اسحاق بن عبدالله بن جعفر بن ابى طالب؛  والمرّجى على بن جعفر بن اسحاق بن على بن عبدالله بن جعفر بن ابى طالب  (م. سابق ص 233  ؛ 246 ).

•       وبايعه كذلك ابو جعفر المنصور مرتين بالمدينة والمسجد الحرام بمكة قبل مهديتة ؛ وعثمان بن محمد بن خالد بن الزبير وعبد العزيز بن المطلب بن عبدالله المخزومى ؛  وهشام بن عروة بن الزبير؛ والحسن بن معاوية بن عبدالله بن جعفر بن ابى طالب ؛ وعثمان بن محمد بن خالد بن الزبير عامله على المدينة وعبد العزيز بن المطلب بن عبدالله المخزومى وعثمان بن عبيد اللخ بن عبدالله بن عمر بن الخطاب والحسن بن معاويه بن عبدالله بن جعفر عامله على مكة والقاسم بن إسحاق عامله على اليمن .

•       وكان الامام ابو حنيفه يجاهر بدعم ابراهيم بن عبدالله  بن الحسن بن الحسن بن على بن ابى طالب ( اخا ذو النفس الزكية ) بشكل شديد  ويفتى الناس بالخروج معه وكان متدينا عالما شجاعا وشديدا (م سابق 294 )