تاريخية نبوءة المهدى بين الاختطاف السياسى وانطواء الفقهاء


الاستبداد الاموى والإنقلاب على الخلافة الراشدة:
المهدية كانت هى البشارة العالمينية لفتح الطريق امام وصل صدر الاسلام وبدء الأمر بمنتهاه الاخروى والمستقبلى ؛ وهى إضاءة السبيل المغلقة  اما الاحتمالات السياسية الكبرى ان الاسلام سيشرق فى خاتمة المسيرة الكونية –يلقى الاسلام بجرانه- مؤسسا لنظام اقتصادى عادل ونظام اجتماعى توزع فيه الثروة لكل حسب حاجته. وتشير الاحاديث ان المال سوف يحثى حتى لا يجد المهدى محتاجا يعطيه ما يكفيه منه.   نبوءة خروج المهدى فى آخر الزمان الواردة فى احاديث الرسول ص بحد ذاتها تحمل بشارة مستقبلية للمسملين بعدم اليأس من تراكم الظلم وتطاول أيام القهر والجبروت وإن لكل شىء نهاية حيث تندرج تلك النبوءة النبوية ضمن نطاق مستقبليات الاسلام مقارنة بمستقبليات العهد القديم او نبوءة دانيال لدى اليهود. ولقد انبرى الكثيرون من اهل السلطة والاستكبار لإختطاف الاسلام والسنة بهدف تثبيت دعائم واركان أنظمة حكمهم.  
تكريس الشرعية بيعة السيف: 
فى مجلس البيعة ليزيد بن معاوية وقف يزيد بن المقفع قائلا: امير المؤمنين هذا (واشار الى معاوية بن ابى سفيان ) وان هلك فهذا( واشار الى إبنه يزيد بن معاوية) فمن ابى فهذا( واشار إلى سيفه) فقال معاوية إجلس فإنك سّيد الخطباء. وكان خلفاء العهد الاموى اذا راموا انتهاج وجهة سياسية او فرض رأى معين ؛ نقبوا جادين بالبحث عن حديث صحيح يؤيد تلك الوجهة او الرأى فإن لم يجدوا حديثا إخترعوه إختراعا وكانوا يجدون ضالتهم فى بعض معاصريهم من الفقهاء. ويشير المستشرق جولدزيهر ان موقف السلطة الاموية من القدرية والمعتزلة انهم كانوا لا يحبون القائلين بالقدر ولم يكن ذلك عن ضيق منهم بالسجالات الكلامية بل لأنهم كانوا يرون فى تراجع عقيدة الجبر خطرا داهما على سلطانهم.  
ويقول احمد امين فى كتابه ضحى الاسلام "وبنو أمية كما يظهر كانوا يكرهون القول بحرية الارادة لا دينيا فقط ولكن سياسيا كذلك لأن الجبر يخدم سياساتهم فالنتيجة المنبثقة عن الجبر هى ان الله الذى يسير الامور قد فرض على الناس بنى أمية كما فرض كل شىء". ولقد لجأ حكام العهد الاموى إلى توظيف ايدولوجيا الجبرية لتوطيد دعائم حكمهم مما ادى موقف مضاد تمثّل فى إستصحاب إيدولوجيا القدرية والمسؤولية الفردية والاختيار لمناهضة البلاط الاموى  فى اوساط خصومهم من الثوار والخوارج.  
ولقد اخذ اليأس من نفوس العلماء والفقهاء ؛ حتى ان الامام أبو حامد الغزالى صاحب كتاب إحياء علوم الدين يرى بأن الثورة ضد شخص الخليفة هى ضد الارادة الالهية وان كان الخليفة مستبدا وغير عادل ". اين ذلك من قول مسلمى الصدر الاول لابى بكر الصديق: والله ان وجدنا فيك اعوجاجا لقومناك بسيوفنا ؛ واين ذلك من قول على وابو ذر: عجبت لمن لا يجد قوت يومه كيف لا يخرج على اناس شاهرا سيفه ...
وكذلك نلحظ فى وجهة النظر السلطانية فى فكر ابن جماعة إخضاع الشرع لآلة القهر حيث يقول: وإذا  طرأ على الامام والسلطان ما يوجب فسقه فالاصح انه لا ينعزل عن الامامة لذلك لما فيه من إضطراب الاحوال ؛ ثم يستطرد مبررا لانماط نظم فوضى قهرية خلاقة مبكرة فيما اسماه القهر بالشوكة:  ... فهو قهر صاحب الشوكة ؛فإن خلا الوقت عن إمام فتصدى لها من هو ليس فى اهلها؛ وقهر الناس بشوكته وجنوده بغير بيعة أو استخلاف انعقدت بيعته ولزمت طاعته لينتظم شمل المسلمين". 
ولم تجهد تلك النظم نفسها لتجد غطاء فقهيا لإستبدادها بتوظيف الآية القرآنية: واطيعوا الله واطيعوا الرسول واولى الامر منكم. وهو ما لخصه المفكر الليبى الراحل الصادق النيهوم فى كتابه قلب العالم-اطلس الوطن العربى بتحول الدين الاسلامى منذ ثمان قرون على يد الدولة من شريعة شاملة إلى لائحة حدود بعد إلغاء الشورى بين فرائضه لكى يصبح هو نفسه احتكارا فى ايدى طبقة رسمية من الموظفين المنتفعين حتى اصبح الاسلام فى الأسر؛ . 
ولم يكتف الامويون بتوظيف ايدولوجيا الجبرية ونفى الاختيار بل أسهموا فى طمس هوية المهدى الحقيقية بوضع الاحاديث التى تشير الى ان المهدى من ولد بنى عبد شمس بإستخدام الرَفّاعين للتحايل والتدليس برفع الأحاديث الموضوعة حول المهدى ونسبتها إلى ابن عباس ومحمد بن الحنفية (ابن الامام على بن ابى طالب ؛ وامه من بنى حنيفة وهو اخ الحسن والحسين لأب) ؛ اى ان الدعاية السياسية الأُموية عمدت إلى إشاعة ان المهدى ليس من عترة فاطمة ولا من بنى العباس.
كما وظف الأمويون عقيدة المهدى المنتظر ايضا بتلبيس هوية المهدى مع هوية المسيح عيسى بن مريم ؛ ويلخص ذلك قول معاوية لجماعة من بنى هاشم " زعمتم ان لكم ملكا هاشميا ومهديا قائما والمهدى عيسى بن مريم ؛ وهذا الامر فى ايدينا حتى نسلمه له". ( الشيخ مهدى حمد الفتلاوى؛ المهدى المنتظر من ولد الامام الحسن ام الامام الحسين؟ دار المحجة البيضاء؛ دار الرسول الاكرم ؛ بيروت؛ 2000 ص10-11). 
وهذه الدعاية السياسية الرامية إلى قطع نسب المهدى من عترة فاطمة وهو الثابت فى صحيح الحديث مدعوما بأحداث أول محاولة مهدية فى الاسلام حسبما نتطرق لها لاحقا ؛ إقترنت بها تصفية دموية لذرية على بن ابى طالب كما اوضحنا فى الجزء الثالث من هذه السلسلة. وذلك لتوطيد دعائم حكم البيت الاموى والحيلولة دون زعزعة استقراره بالقضاء على اى امكانية أو إحتمال حدوث ثورة من بنى هاشم او ذرية على بن ابى طالب الذين ما انفكوا يؤرقون راحة بال الحكام الاموييين وكذلك العباسيين من بعدهم بالخروج الصريح تارة وانتهاج استراتيجية الاختفاء طويل المدى تارة اخرى والهجرة الى أقاصى المعمورة مثلما فعل ادريس بن عبدالله بن الحسن بالهجرة الى بلاد المغرب ولكن المنصور العباسى بعث إليه من دس إليه السم.  ولقد سبق هذه الايدولوجيا الاموية وضع حديث لا تمر الايام والليالى حتى يملك معاوية.
وقام ابن عباس بالرد على معاوية ابن ابى سفيان ومواجهة تحديه بإنتزاع المهدية من مقرها الثابت فى آل البيت الهاشمى ودمج ثنوية المهدى وعيسى فى شخص واحد هو المسيح وذلك بقوله: " إسمع يا معاوية ؛أما قولك إنا زعمنا ان لنا ملكا مهديا؛ فالزعم فى كتاب الله شك؛ قال الله سبحانه وتعالى (زعم الذين كفروا ان لن يبعثوا قل بلى وربى لتبعثن-التغابن الآية 7 ) ؛ واما قولك: إن لنا ملكا هاشميا ومهديا قائما؛ فكل يشهد أن لنا ملكا ومهديا قائما ؛ لولم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لملكه الله فيه يملأ الارض قسطا وعدلا كما مُلئت ظلما وجورا ؛ اما قولك ان المهدى عيسى بن مريم؛ فإنما ينزل عيسى لقتال الدجال ؛ والمهدى رجل منا اهل البيت يصلى عيسى خلفه " نعيم بن حماد ؛ الفتن ص 102؛)
ويبدو ان هذا القول تسرب الى متن الاحاديث والتى نجد ان بعضها يشير الى ان المهدى هو عيسى بن مريم. ولقد طعن البلخى فى كتابه: كتاب البدء والتاريخ المترجم الى الفرنسية ان حديث لا مهدى إلا عيسى غريب وانفرد بروايته محمد بن خالد الجغدى وهو مجهول عن إبان ومنقطع عن الحسن. وقد قال ايضا داؤد بن على عم الخليفة العباسى ابى العباس عام 132 هجرية عندما اندحر حكم الامويين: ...فأعلموا ان هذا الامر فينا وليس بخارج منا حتى نسلمه الى عيسى بن مريم (الطبرى؛ج4؛ ص 248). وهذا من شأنه ان يثير التساؤل حول الحديث المشير الى نزول المسيح بمسجد المنارة البيضاء بدمشق اى مسجد الامويين!.  قال المتنبىء: كلما انبت الدهر قناة   ركب المرء للقناة سنانا.
وحذا العباسيون حذو الامويين فى صناعة الاحاديث بغرض توطيد دعائم ملكهم وسار العباسيون على سيرة اسلافهم الامويين في وضع الاحاديث حول نصرة العباسيين مثل حديث ام الفضل:... ياعباس اذا كانت سنة خمس وثلاثين ومائة فهي لك ولولدك منهم السفاح ومنهم المنصور ومنهم المهدي...وهو مسنود الى احمد بن راشد الهلالي؛ وحديث آخر منسوب إلى ابي هريرة ان رسول اللّه (ص) قال للعباس: فيكم النبوة والمملكة، اخرجه ابو نعيم في الدلائل وابن عدي في الكامل وابن عساكر برواية فيكم النبوة وفيكم المملكة. 
كما روى الترمذي عن ابن عباس: ان رسول اللّه (ص) دعا للعباس بدعاء قال فيه: واجعل الخلافة باقية في عقبه. وروى الطبراني: قال رسول اللّه (ص): الخلافة في ولد عمي وصنو ابي حتى يسلموها الى المسيح! (ميزان الاعتدال: ج 1 ص  97؛  تاريخ بغداد: ج 1 ص 63، تاريخ دمشق ج 4 ص 178).
ثم تم وضع احاديث تشير إلى ان المهدى المنتظر سيخرج من بين العباسيين مثل الحديث الذى استنكره السيوطى ووصفه بالموضوع والمنسوب إلى ابن عباس:  قال رسول اللّه (ص) هذا عمي ابو الخلفاء الاربعين، اجود قريش كفا واجملها، من ولده السفاح والمنصور والمهدي، بي ياعم فتح اللّه هذا الامر وسيختمه برجل من ولدك ( السيوطي ؛ اللالئ المصنوعة: ج1 ص 434 و 435) . وقال عنه الحافظ بن كثير انه حديث موقوف وإسناده ضعيف ( البداية والنهاية: ج 6 ص 246). ومثل حديث منسوب ايضا إلى ابن عباس  عن النبي (ص) انه قال لعمه العباس: ان اللّه ابتدا بي الاسلام وسيختمه بغلام من ولدك وهو الذي يتقدم لعيسى بن مريم ( تاريخ بغداد: ج 3 ص 323 ).  
الانطواء السنى:  الناجم عن السيطرة الشاملة لدولة الملك العضوض التى سطت على الفقه وجعلت منه مادة تعبوية وسلطوية ؛ وهو الذى تطور فى إطار المجتمع وفقهاء عامة المسلمين.
الإباء الحنفى:  رفض الامام ابو حنيفة النعمان الامارة والوظيفة الحكومية فى دولة الاستبداد بل وقف مع أول مهدى خرج من آل البيت ضد الحكم العباسى على عهد حكم المنصور وهو عبدالله بن محمد بن الحسن عام 145 هجرية.
التقية والقطيعة المالكية: اضطر الامام مالك ابن انس امام دار الهجرة ان يفتى بقوله - ليس على مكره طلاق- لتعنى ضمن سياق التداعيات السياسية دهرئذ - ليس على مستكره يمين. وهى الفتوى التى أسفرت عن ابتلاء شديد تعرض له الامام مالك  حين ضرب بالسياط حتى انخلعت كتفه ؛ بعد ان فسرها النظام السياسى على عهد ابى جعفر المنصور بأنها تحريض على إنتقاض البيعة التى كان يكره فيها المبايع على الحلف بالطلاق عند اخذها. ولقد رفض الامام مالك توجه الخليفة هرون الرشيد على حمل الناس على الالتزام بالموطأ وحده  دون غيره من الكتب كى يحظى بالسند السلطانى ؛لأن أصحاب الرسول ص تفرقوا فى الامصار فحدثوا فصار لدى اهل كل بلد علم.
البلاء الحنبلى: المحنة والسجال حول مسألة خلق القرآن وهى فتنة تولى امرها المعتزلة لقربهم من الخليفة المامون بعد ان حاجهم ابن حنبل فى المناظرات حول مسألة خلق القرءآن التى كانوا يعتقدون بها. وكان اجتهاد الامام أحمد قد استقر على ان القرءآن كلام الله وان الله ليس كمثله شىىء وهو السميع البصير؛ واستمرت محنته عبر اربعة خلفاء هم المامون والمعتصم فالواثق ثم المعتصم ؛ وقد سجن حوالى 3 سنوات وضرب بالسياط حتى تهرأ لحمه ولكنه لم يزدد إلا إصرارا على رأيه  " ...اشهدوا معشر العامة ؛ ان القرءآن كلام الله غير مخلقوق ؛ منه بدأ وإليه بعود".  
توجس الفقهاء: الماوردى امر بطباعة كتابه بعد مماته 
قنوط الفقهاء: الذى افضى بإغلاق باب الاجتهاد التماسا لحماية الاسلام من التلاعب
ولم ينج ابن خلدون فى القرن الخامس عشر الميلادى من القنوط من امر المهدى بشكل من الاشكال حين قال بأن عصبية قريش والفاطميين تلاشت من جميع الآفاق واستعلت عليها عصبيات امم اخرى ؛ وان الفاطمية وحدها بلا شوكة وعصبية غير ممكنة ؛ وان امر المهدى لا يتم إلا بالعصبية المكافئة لاهل العهد. ( تاريخ ابن خلدون: المجلد الاول ؛ دار الكتب العلمية ؛ بيروت؛ 1992 ؛ ص 348-349). 
ولذلك اتجه مخيال الامة الجمعى للبحث عن بديل ولكن ازمته ان هذا البديل التحررى يقصر دونه الأجل  وهو كامن فى رحم الغيب التى لا يعلمها الا الله ؛ وبدأت المنتظرية رواقا نفسيا يلجأ اليه المسلمون مما وقع عليهم من ظلم سلطانى ينتظرون ظهور المهدى المنتظر ليدفع عنهم الظلم ويقيم فيهم العدل. ومن امثلة فقه زمان الانتظار ما ورد عن الزيدية الذين قالوا بأن كل فاطمى ورع عالم شجاع يسل سيفه لنصرة العدل فهو كذلك –إمام ومهدى. 
انبثاق المهدية السودانية ادخلت مؤشر العودة لسلطة الناس التى استلبها المستكبرون وفرضوا طبائع استبدادهم على المسلمين . وهى سلطة لن تلتمس مصانعة ولا مدارة ولا تقّية ولا صلحا ولا انقيادا لسلطان المستبدين ولا الصبر على تحمل اذاهم إحتسابا أو تحسبا ؛ ولكن  بامتشاق السيف ومنازلة الاستبداد والتحريض على الثورة وغايتها دك حصونه وأفول سلطانه والاستراحه من غيه وجوره ...انها المجابهة الشاملة التى لم تأخذ فى الحسبان أفضلية الوضع الراهن وطالما البديل غير معلوم او غير موجود ؛ مطعون فى جاهزيتة او موجود ولكن مستلب فى غمرة السطوة الاعلامية والحملة التعييرية للنظام الراهن فيجب عدم التعويل عليه والتمسك بما هو كائن من نظم حكم الجور والاضطهاد .. الناس ...هم الاحرار ....هم جحافل الثوار ...هم الشبان الاغرار والنساء الفضليات والحرائر ...الموقف هو  جبر الانكسار بفتح ابواب كتاب الثورة المغلق ...فتحه من ألف (أبجد) إلى غين (ضظغ). 
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.