--------------

العذر لمن تملكته الدهشة لحدّة عنوان المقال. وأخصّ الذين تابعوا ما درج على كتابته صاحب هذا المقال، في الصحف والمواقع الإليكترونية من جهد متواضع في الشأن العام وفي الآداب والفنون. كنا وما نزال نتحرّى الأدب في حوارنا مع الآخر المختلف إتباعاً لمقولة الإمام الشافعي الخالدة: (رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب). وما زلنا نطمع في حسن الخطاب مع الأخر المختلف اقتداء بمقولة فيلسوف عصر النهضة الفرنسي فولتير (1694- 1778): "قد أختلف معك، ولكني على استعداد للدفاع عنك حتى الموت لكي تقول رأيك!". كان هذا ولما يزل مسلكنا في مقارعة الآخر الحجة بالحجة والرأي بالرأي. لكني اليوم أجدني أمام أمر لا علاقة له بالرأي والرأي الآخر !

أكتب اليوم عن الآخر حين يدس السم في الدسم، ويحاول كالأفعى أن يتسرب بنعومة الملمس ليلدغ خصمه ثم يعود إلى الجحر. أكتب اليوم عن آخر مخطط إجرامي لنظام الكيزان المتهالك وهو يحيك أقذر مؤامرة لإشعال حروب قبلية جديدة لا تبقي ولا تذر. ومثل هذا التآمر لنظام لا يعيش دون المؤامرات وإشعال الحروب - مثل هذا الفعل لا ينفع معه شعار الإمام الشافعي في السماحة وسماع صوت الآخر. ولا يقبله منطق فولتير في الدفاع عن الآخر حتى الموت ليقول ما يشاء. فالآخر هنا لا يقول رأياً ينتظر منك سماعه وإنما يحيك في وضح النهار مؤامرة لإشعال فتيل الحرب في منطقة شبعت من الحروب بالوكالة، وتريد أن تستريح ويعيش أبناؤها وبناتها في أمن وسلام كما ينبغي لساكني أي ميل مربع في هذا الوطن الذي ابتلاه الله - لحكمة هو أعلم بها - بكارثة الإخوان المسلمين ونظامهم الفاشي المسمى بالإنقاذ- والذي تعني أفعاله عكس مدلول الكلمة.

النظام باختصار يخطط منذ فترة غير قصيرة لإعادة سيناريو الحرب بالوكالة في جنوب غرب كردفان وبالتحديد في الحزام الرعوي الممتد من لقاوة شرقاً حتى التبون والميرم المجاورتين للجنوب الشرقي لدار فور. وبتحديد أدق: إشعال منطقة المسيرية. وهي قطاع جغرافي كبير في الجنوب الغربي لكردفان يضخ اكثر من ثلث المنتج النفطي للسودان وبه ملايين رؤوس الماشية والأرض الشاسعة الصالحة للزراعة. وفوق ذلك فإن المنطقة المذكورة غنية بالتنوع الإثني من قبائل ذات أصول عربية وأخرى أفريقية أصيلة ( دينكا نقوك، النوبة، الداجو، وغيرهم) ممن تمازجت دماؤهم ومصالحهم على مدى قرون. بل يصعب أحياناً أن تميز بين من الذي ينتمي إلى ماذا قياساً إلى الإثنية واللغة واللون!

ما كنت أحسبني سأكتب عن سقط القول والسم الزعاف الذي ينفثه صحافي زمن الغفلة اسحق احمد فضل الله لو لا أنني أعلم علم اليقين أن ما يكتبه وينشره على الملأ إنما هو أسقاطات جهاز أمن النظام الخائب. قرأت أعمدة أسحق الثلاثه، وكانت تكفيني مقالة واحدة لأمد سبابتي وأقول: لا تشغلوا بالكم بالصحفي إسحق..هنا المجرم الحقيقي فعليكم به! كتابة إسحق احمد فضل الله تعج بالهذيان والعبارات غير المترابطة، مما يضطرك لقراءة المقال مرتين وثلاث مرات لتربط بين العبارات سيئة التركيب والصياغة.. وحتى تعرف ماذا تعني الإشارة. جاءت العناوين كلها بما يوحي أن قبيلة المسيرية (وليس منطقة المسيرية) في خطر!! وأنّ "مخططاً" يحاك لجر هذه "القبيلة العربية" لحرب ضروس!! هكذا إذن؟ يقول الصحافي الذي يهذي بما تقوم بتلقينه دولة الشؤم:
(‏(ﺍﻟﺮﻗﺒﺔ ﺍﻟﺰﺭﻗﺎ‏) ﻋﻠﻲ ﺟﺎﻧﺒﻴﻬﺎ ﻳﻘﻴﻢ ﺍﻟﻤﺴﻴﺮﻳﺔ .. ﻭﺍﻟﻤﺴﻴﺮﻳﺔ ﻫﻢ ﺣﺎﺋﻂ ﺍﻟﺼﺪ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻮﻗﻒ ﺍﻟﺠﻨﻮﺑﻴﻴﻦ ﻣﻦ ﺍﻟﺘﺴﻠﻞ ﺍﻟﻲ ﺍﻟﺸﻤﺎﻝ ﻣﻊ ﺍﻟﺠﺒﻬﺔ ﺍﻟﺜﻮﺭﻳﺔ. ﻭإﺑﻌﺎﺩﻫﻢ ﻳﺘﻢ.. ﻛﻤﺎ ﺗﻘﻮﻝ ﺍﻷﻭﺭﺍﻕ .. ﺑﺄﺳﻠﻮﺏ ﻣﺪﻫﺶ.. ﺑﻌﺾ ﺍﻟﻤﺴﻴﺮﻳﺔ ﺍﻟﺰﺭﻕ ﻳﺸﻐﻠﻮﻥ ﺑﺎﻟﺤﺮﺏ ﺿﺪ ﺍﻟﺮﺯﻳﻘﺎﺕ ﺣﻴﻨﺎً ﻭﺿﺪ ﺍﻟﺠﻨﻮﺏ ﺣﻴﻨﺎً ﻣﻦ ﻫﻨﺎﻙ.. ﻋﻠﻲ ﺃﺣﺪ ﺟﺎﻧﺒﻲ ﺍﻟﻨﻬﺮ ﻭﺍﻟﻤﺴﻴﺮﻳﺔ ﺍﻵﺧﺮﻭﻥ ﻳﺠﺮﻱ إﺑﻌﺎﺩﻫﻢ ﻋﻦ ﻣﻨﺎﻃﻖ ﺍﻟﺒﺘﺮﻭﻝ.. ﻭإﺧﻼﺀ ﺍﻟﻤﻨﻄﻘﺔ ﻭﻫﻨﺎﻙ ﺗﺠﺪ ﺍﻟﺠﺒﻬﺔ ﺍﻟﺜﻮﺭﻳﺔ ﻣﻮﻃﺊ ﻗﺪﻡ.))

عيب هذا النظام أنه بعد أن جثم قرابة الثلاثة عقود فوق صدر شعبنا. أحرق إبانها الأخضر واليابس في كل شبر من وطننا وبذر الفتن والإحن وأقام في كل بيت مأتما.. ظل بعد هذا كله يرسب في إمتحان جغرافيا السودان وعلم الإجتماع. تصوروا شخصاً يحمل بطاقة صحفي. بل صحفي يأتمنه نظام الحيرة على أسراره لينفث "قرفها" وعفونتها على الناس، وبعد هذا كله لا يعرف المصطلحات التي ينشرها ويوزع عبرها معلومته على قرائه. المهم أن يهذي. وإلا فماذا يعرف اسحق احمد فضل الله عن القبيلة التي يخبرنا بأنها مستهدفة، حين يقول (الرقبة الزرقا على جانبيها يقيم المسيرية!!) ويضيف جاهلا بالمعلومة الجغرافية البسيطة : (بعض المسيرية الزرق يشغلون بالحرب ضد الرزيقات حينا وضد الجنوب حينا من هناك!!!!!!!!!!) (علامات التعجب الكثيرة من عندنا.) وإذا كان هذا السقوط في جغرافيا المنطقة لا يثير الدهشة من صحافي النظام الذي يبشرنا بمخطط لحرب ضروس فما الذي يثير دهشتنا إذن؟
صحافي النظام لا يفرق في التلقين - الذي تلقاه من أجهزة نظامه- بين المساحة التي يسكنها المسيرية بقسميهم: الحمر والزرق، وأين يكون الموقع الجغرافي لإخوتهم وبني عمومتهم الرزيقات! وبالمناسبة يا صحفي النظام ويا نظام الإنقاذ لم يعد الكثيرون من شباب وشابات المنطقة هذه الأيام يحفلون بالمسمى القبلي الذي صار جزءاً من مخططكم الكريه لتقسيم الشعوب السودانية. أبناء وبنات القبيلة التي تعنون نادراً ما يتحدثون عن (مسيري احمر ومسيري أزرق)، فهم – عدا القلة منهم- يعرفون أن هذا التقسيم لا معنى له ولا قيمة على الإطلاق في زمن الإنترنت والفيمتو سكند.

بعد قرابة الثلاثة عقود من قيام دولة فاشلة على كل الأصعدة.. دولة تعيش على أجهزة القمع والجبايات وإشعال الحروب في الهامش العريض- وبعد أن فشلت ترسانتها العسكرية التي التهمت اقتصاد البلد على تهالكه- نقول بعد أن فشلت ترسانتها العسكرية أن تسجل أي نصر عسكري على الثوار في الهامش –وخاصة بعبعها الأكبر الحركة الشعبية - شمال، يعود النظام الآن لإقحام منطقة المسيرية في الصراع! ما المانع؟ فالمنطقة في عرف الإنقاذ معمل تجارب منذ حكم جعفر نميري: غض الطرف عن سلاح "مراحيل"، ثم حكومات الديموقراطية الثالثة ومحاولة احتواء المسيرية كقبيلة "صديقة" وتدفق السلاح لبدو يطمعون فيه لحماية ماشيتهم وفرقانهم وليخوضوا حرباً بالوكالة ضد التمرّد في الجنوب وفي جبال النوبة! ما المانع إذن أن يقول البشير لبعض أبناء المسيرية وهو ضابط في ميوم بغرب النوير آنذاك- والكلام لإسحق فضل الله:
(ﺍﻟﺒﺸﻴﺮ ﻳﺤﺪﺙ ﺍﻟﻘﺎﺋﺪ ﺍﻟﻤﺴﻴﺮﻱ ﻫﺬﺍ ﻋﻦ ﺍﺧﻄﺎﺭ ﺗﺤﻴﻂ ﺑﺎﻟﻤﺴﻴﺮﻳﺔ ‏(ﻧﺼﻔﻬﺎ ﻳﺘﺤﻘﻖ ﻓﻴﻤﺎ ﺑﻌﺪ). ﺍﻟﺒﺸﻴﺮ ﻛﺎﻥ ﻳﺸﻌﺮ ﺃﻥ ﻣﺨﻄﻄﺎً ﻫﺎﺋﻼً ﻳﺤﻴﻂ ﺑﺎﻟﻤﺴﻴﺮﻳﺔ ﻟﻬﺪﻡ ﺍﻟﻘﺒﻴﻠﺔ ﻷﻧﻬﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﻫﻲ ﺣﺎﺋﻂ ﺍﻟﺼﺪ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻮﻗﻒ ﻗﺮﻧﻖ ﻣﻦ ﺍﻟﺘﻬﺎﻡ ﺍﻟﺸﻤﺎﻝ) !!!!!!!!!! (علامات التعجب من عندنا). إذن فالبشير منذ قبل الإنقلاب كان يعرف المنطقة أكثر من أهلها! وهكذا يعود نظام الإنقاذ هذه الأيام- وقد غمر المنطقة من قبل بالسلاح وجعلها تحارب بالوكالة عن جيشه أكثر من 15 عاماً، راهناً لذلك ضباطه لتجييش المليشيات – يعود النظام اليوم في خطوة جديدة لخلق مليشيات الجنجويد (ماركة المسيرية). وطبعا غير خاف على كل ذي فطنة أن عبارة (قوات الدعم السريع) هي إسم الدلع للجنجويد !! ليس في شرعة نظام الكيزان أن تستقر هذه المنطقة. فالسلام النسبي الذي عاشته المنطقة قرابة عامين الآن ، وأسواق السلام في فيض الزراف ومناطق أخرى والتي شهدت تعايشاً فريدا بين الحمر ونقوك ، والمجلد التي صارت منطقة عبور آمنة لإخوتنا من الشق الجنوبي نحو موطنهم الشمالي، كل هذا لا يعجب نظام الخرطوم. بل يطمح في خلط الأوراق من جديد بالتحريض على ما يسمى بالمخطط الذي يراد به سوءاً للمسيرية!!

لن نمضي في هذا المقال أبعد من ذلك ، فإن لكل حدث حديثا. لكني أريد أن أوجه رسالة- أنا ابن تلك الربوع- إلى الشباب بصفة خاصة من أبناء وبنات المنطقة من كل الإثنيات: أن سارعوا إلى إطفاء شرارة أراد بها النظام المتهالك إذكاء فتنة جديدة ، جاعلاً من الفاقد التربوي من أبنائكم كلاب صيد تحمي أرصدتهم في البنوك الخارجية كلما عاش النظام يوماً على حساب معاناتكم! ليس بينكم يا أهلي وبين نقوك وإخوانكم في جبال النوبة وجيرانكم من بني عمومتكم الرزيقات غير الحب وصلة الأرحام منذ حوالي ثلاثة قرون. عززوا روح التعايش معهم. ويا شباب المنطقة ادخلوا بيوت أهلكم وفرقانهم وقوموا بالتوعية. أهزموا مخطط تجييش القبائل تحت الوهم الذي يبيعه نظام عمر البشير بحسبان أن هناك مخططاً يحاك ضدكم. فالمخطط الإجرامي الحقيقي هو ما يقوم به نظام القتلة واللصوص في الخرطوم.

ولي كلمة أخيرة أتوجه بها لإخوتي وأخواتي من أبناء وبنات المنطقة من عضوية حزب المؤتمر الوطني. وأخص برسالتي أسماء بعينها: الدكتور عيسى بشري، الدكتور حمدي، الدكتور عبيد الله ، الأستاذ عمر سليمان ، وآخرين. ليس من حق أحد أياً كان أن يعترض على خياركم السياسي. من حقكم أن تختاروا فكركم وحزبكم السياسي كما يفعل الآخرون. لكن من حقنا - وقد نعمنا بما صرفه علينا دافع الضرائب وما لاقاه اهلنا من عنت لكي نتعلم - من حقنا أن نطلب منكم بأن تسارعوا إلى قادة هذا النظام الأرعن الذي أنتم بعض عضويته، بألا يشعل الحريق في المنطقة. يكفي ما عاناه أهلنا وما يعانون. فالذهب الأسود يجري تحت أقدامهم ، والجهل والأمراض الفتاكة تجد موطنها بينهم. سيذهب إلى سلة مهملات التاريخ هذا النظام أقرب مما تتخيلون..وسنلتقي لو طال العمر بإذن الله وللتأريخ أن يقول كلمته فينا.


فضيلي جمّاع


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.