من أجمل ما قرأت للشاعر الكبير محمود درويش:

مدنٌ تمضِي وظلٌّ يتبدّدْ
هذه حرّيتي بيْنَ حِوارِ الظلِّ والضوْءِ..
نهارٌ وجِدارْ
إنّ وجهي واحدٌ .. والموتَ واحِدْ
****
مذ جثا كابوس "الإنقاذ" فوق بلادنا حتى يومنا هذا وشعبنا لا يذكر أن سنة واحدة من الست والعشرين سنة ونيف من عمر هذا النظام قد مضت أو بعضها دون نازلة أقضت مضجع الكثيرين من أبناء شعبنا في ركن من أركان الوطن. نظام يحسن القائمون عليه صنع الكوارث بمكر يحسدون عليه! ينفخ رأس النظام أوداجه متوعدا كل من حلم بالحوار ومبدأ تداول السلطة، بأنهم أخذوا السلطة بالقوة ومن يريدها عليه أن ينتزعها منهم بالقوة! ذلك ديدن النظام لقرابة السبع وعشرين سنة. حروب جهادية على إخواتنا في الجنوب أدت لفصله كما أراد الإسلامويون! وحائط النظام يتساقط اليوم طوبة إثر طوبة!

وما أن خمدت الحرائق بفصل الجنوب حتى أشعل النظام نار الحرب في دار فور وفي جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق. حروب حصدت عشرات الآلاف وشردت الملايين وأحرقت مئات القرى والمزارع ! حروب حصدت ارقاماً خرافية لتضاف إلى فظائع مجرمي حرب الإبادة العرقية في رواندا وفي يوغسلافيا السابقة. حرب النظام في دارفور وجبال النوبة وجنوب النيل الأزرق حرب عنصرية قذرة ، تفوقت في قذارتها على الكثير من حروب الإبادة العرقية بما حفلت به من استخدام لاغتصاب النساء كسلاح يمتهن كل ذرة لكرامة النفس البشرية! حصدت الحرب أرواح الأبرياء وحصدت معها اقتصاد البلاد. وبناء دولة الرعب يتساقط طوبة إثر طوبة بينما جنرال الحروب – المطارد دولياً- تزداد شهيته للحرب!

حتى إذا لم يجد من ينازل قواته المدججة بالسلاح ، وحسب أنه أخاف الكل بقبضته الحديدية ، انبرى له من تحت سقف النظام من ولد الغالبية منهم سنة تربعه على كرسي الحكم. جاءوه بسلاح لم يعرفه، فالسلاح ابن العصر وعمر البشير وأركان حكمه جاءوا من العصور الوسطى. حاول إخافتهم بأنه سيضرب كل من يثير اضطرابا بيد من حديد – وكل الرعاديد الجبناء من الحكام يملكون يدأ من حديد للبطش بشعهوبهم، وعقولاً من وحل وطين! مدّ جيل الشباب له ألسنتهم ساخرين، وتمترسوا خلف أجهزتهم الذكية يطلقون رسائل التوعية لشعبهم الذي كاد يقضي عليه اليأس من هطول مطر الرحمة!! ورأس النظام الذي تفزعه ضحكة طفل يحصن نفسه بأجهزة القمع من أمن وشرطة ومليشيات مدفوعة الثمن. بيد أنّ من ولدوا ليلة البارحة خلطوا الأوراق بأسلحة جديدة هي بنت زمانها : واتساب وفيس بوك وتويتر وراجمات أخرى لا صوت لها ولا ترى بالعين المجردة. وجدار دولة الخوف يتساقط طوبة إثر طوبة. وشعبنا يعبر حاجز الرّعب ويوقن أنّ ظل الخوف يتبدد والموت واحد كما يقول درويش!

وآخر الأنباء ما أفصحت عنه موجات الأثير وأجهزة الحاسوب ومواقع شبكة العنكبوت بأنّ شباباً هو من صلب شعب يمقت الحروب العبثية والموت المجاني الرخيص ، أشهر سلاح العصيان المدني بحيث جعل آخر طوبة في جدار النظام تسقط ، وورقة التوت تسقط ..و يقف هناك في الساحة العارية نظام القتلة واللصوص في مواجهة شعب يصرعهم بسلاح الصمت – سلاح العصيان المدني!
مشكلة نظام القتلة واللصوص أن من أنبروا لنزاله يحملون من الأسلحة والذخيرة ما لا يُرَى أو يُسمع له صوت: سلاح الهواتف الذكية والكيبورد و ...... سلاح العصيان المدني! لذا حين صاح رأس النظام حتى بحّ صوته داعياً شعبنا لمنازلته في الشارع ، كان شعبنا الذي بارحه الخوف وتزود بالأمل والإيمان بالمستقبل يتفرج على دون كيشوت زمانه الذي ينازل في ساعة خيبته طواحين الهواء !

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.