أصاب أديب غربي كبد الحقيقة حين قال: «الرواية قصيدة القرن الحادي والعشرين»، فقد أصبح فن السرد ركناً مهماً بين الأجناس الإبداعية في عصرنا. وفي السودان- مثلما في إفريقيا والعالم العربي- هناك اندياح عارم في فن السرد: الرواية والقصة القصيرة. وربما كانت القصة القصيرة بإيقاعها الذي يجمع بين جمالية الحكي وموسيقى الشعر هي الأكثر جذباً للشباب.

بالمصادفة وقعت عيني على «زهور الجنوب الوسني»- قصة قصيرة رفعها كاتبها المغمور عبدالحفيظ مريود في موقع للتواصل الاجتماعي. لم يلفت انتباهي الاسم غير المألوف بالنسبة لي لكني واصلت القراءة. وإذ أكملت القصة وأعدت قراءتها، وجدتني أمام كاتب يملك من الموهبة ما يجعل إيقاع السرد جذاباً، ممتعاً. بعثت إليه برسالة عبر صفحته فصار بيننا تواصل مثمر. بعث لي بمجموعته الموسومة (حبشيات) وهي طي الدرج يفكر أن يدفع بها للنشر لكن لا يدري كيف. ومريود سينمائي سوداني شاب يدير مع أصدقاء آخرين شركة صغيرة للإنتاج السينمائي الوثائقي. أذيع لهم أكثر من عمل في (الجزيرة الوثائقية) وفي التليفزيون الفرنسي. لم يمض وقت طويل حتى دفع لي بمجموعته لأعيش متعة في السرد تصل حد الدهشة.

تضم مخطوطة مجموعته الأولى ثماني قصص قصيرة يتراوح طول الواحدة ما بين الصفحتين والأربع صفحات- وهو الحد المتعارف عليه عالمياً لحجم القصة القصيرة. أول خيط أثار انتباهي أنّ أبطال هذه القصص أجمعين نساء إثيوبيات. تدور أحداث معظم القصص في الخرطوم وبعض مدن السودان. لكن قصصاً مثل «لاليبيلا» و»زهور الجنوب الوسنى» و»جبال وعرة» تدور أحداثها في إثيوبيا. نلاحظ أنّ الرّجل في قصص مريود– من أي جنسية كان– يحتل مقعدا متواضعاً في صناعة الحدث. في قصته «ميمي» يكون الصراع محتدماً بين الأم السودانية وبناتها من طرف وميمي الإثيوبية من طرف حول تبعية بنتها لولدهم المتوفى ياسين. وتهدد ميمي بالطرد تارة وبحرمانها من العمل تارة أخرى حتى لا تطالب بأحقيتها في رعاية بنتها الطفلة– ثمرة الحب مع ياسين. لمريود مهارة في الصعود والهبوط بالحدث. يدير فسيفساء القصة ببراعة تجذب قارئه لمتابعة الحدث، بلغة بسيطة لكنها أنيقة العبارة. وفي معظم قصصه تنتصر إرادة المرأة، لكن بتغليب العنصر الإنساني في الصراع. انتصرت ميمي في نهاية القصة، لكنها قررت بمحض إرادتها أن تبقى وطفلتها مع عائلة زوجها الراحل ياسين بعد أن احتضنتها أمه وبكت معتذرة!

في قصته «جبال وعرة» لا يخالجك الشك أن مريود إما أن يكون إثيوبيا أو أنه عاش نصف حياته في إثيوبيا. يختار الأسماء الإثيوبية بمهارة. يوظف أدوات السرد بما يخدم الغرض الإنساني من وراء السرد. مارتا الشابة التي هجر أبوها أمها لزواج غريب من طبيبة هددت حياته كانت تريد أن تعرف ما الذي يجعل أمها تحتفظ بكل هذا الكبرياء ولا تريد أن تخوض في سيرة أبيها.. حتى كشفت لها استير صديقة أمها السر. في كل قصصه تنتصر إرادة الإنسان الإثيوبي ممثلة في المرأة رمز الحضارة!

لا شك عندي أنّ (حبشيات) مريود سيكون أول اختراق إبداعي– خارج نطاق شيوع الأغنية السودانية– وربما يكون همزة الوصل عبر فهم إبداعي حقيقي للشخصيتين: السودانية والإثيوبية خارج التنميط المعيب الذي يسود العقل السوداني بصفة خاصة عن شعب هو الأقرب إليهم بكل مقاييس الجغرافيا والدم والثقافة والتاريخ.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.