في مقابلة بتلفزيون "العربية" صرح السيد الصادق المهدي رئيس حزب الأمة القومي (أنّ القوى المسلحة في العالم وصلت إلى الاقتناع بالحلول السياسية وأنه يسعى لحل يخلو من العنف).. وأعاد ما ردده على الأسماع مراراً باستعارة تجربة الكوديسا في جنوب أفريقيا لحل المشكل السوداني (مؤكداً أن ما حدث في جنوب أفريقيا سيحدث في السودان!) وفي اللقاء قال السيد الصادق المهدي (أنه لا بجب فصل الدين عن الدولة ولكن يجب ضبط العلاقة بينهما !!) وأكد المهدي أنّ (الوقت لم يحن لاندلاع انتفاضة شعبية!!)
وضعنا ما قاله السيد الصادق المهدي بين القوسين حتى لا يتهمنا أحد بالتجنّي على الرجل ونسب ما لم يقله إليه. ونعترف أنّ علامات التعجب في نهاية كل اقتباس من عندنا.

كتبت قبل أيام قلائل عن (إعلان باريس) ، وقلت إنه اختراق ضخم في روليت السياسة السودانية. وفي مقالي يومها لم أظلم الرجل حقه. قلت إن وجوده كطرف ثان في الإعلان مع الجبهة الثورية السودانية ، وكزعيم لحزب من أكبر الأحزاب السودانية وكسياسي مجرب وله علاقات واسعة في المحيطين الإقليمي والدولي قد أعطى الإعلان وزناً إضافياً ووهجاً. وأشدت بتحركه هذه الأيام للترويج لهذه الخطوة السياسية التي حركت مسار البحث عن حل للمشكل السوداني وجعلت الكثيرين يرحبون بالإعلان.

قلنا هذا ونحن نعلم أنّ السيد الصادق المهدي حين ذهب إلى باريس لتوقيع الاتفاق المعني مع الجبهة الثورية لم يذهب عن محبةٍ واقتناع بخط الجبهة الثورية ومناصريها الذين يمثلون أكبر ثقل عسكري وسياسي وديموغرافي بالسودان اليوم. ذهب السيد المهدي إلى باريس لأنه كما قال في خطابه الذي شكا فيه تجربته المريرة مع النظام القائم للشعب السوداني قال بأنّه لا ينكر الوزن العسكري والسياسي والجماهيري للجبهة الثورية إلا مكابر. وباعتقادنا أنه نجح في توقيعه للإعلان مع الجبهة الثورية في رد الصاع لحكومة الإنقاذ صاعين وأكثر (الإشارة هنا لاستجواب جهاز الأمن الفاشي للإمام وإيداعه سجن كوبر لأنه انتقد فظائع قوات الجنجويد – واسم الدلع الجديد لها قوات التدخل السريع!!)

من حق السيد الصادق المهدي أن يفكر في الحلول الممكنة للكابوس السياسي الجاثم على شعبنا ربع قرن من الزمان ، ومن حقه أن يقول باستيراد حلول جاهزة لشعب من شعوب العالم ، فلا أحد ينكر عليه سعيه المتواصل كسياسي وطني ينشد الخلاص لبلاده من الواقع البائس الذي يعيشه شعبنا وبلادنا ، لكن من حقنا أن نقول له إنّ الشعوب – ومنها أشقاؤنا في جنوب افريقيا – ابتكروا الكوديسا (التشاكي والاعتراف والعفو) مستوحين ذلك من واقعهم السياسي المعقد (الفصل العنصري بين بيض وسود وملونين) ، وكان جيش رمح الأمة (امخنتو) في الأطراف تعاضدها التظاهرات لإدانة النظام والتي ما انقطعت في الداخل والخارج إضافة إلى وجود سجين من الوزن الثقيل (نيلسون مانديلا) ورفاقه في سجنهم بروبن آيلاند يحركون منه شوارع جوهانسبيرج وبريتوريا وغيرهما بإشارة منهم!
لم تأت الكوديسا من فراغ.. جاءت من ثقافة مسيحية يلعب عنصر التسامح دوراً أساسياً في معتقدها. لذا كانت الكوديسا بالنسبة لهم هي الخروج من عنق الزجاجة. ومع احترامنا لتجربة شعبنا في جنوب افريقيا فإن الشعب السوداني يملك رصيداً طيباً من العراك السياسي لقرابة القرن ونصف القرن ، وله ثقافته التي تطبع ابتكاره لنمط الثورات والحلول السياسية وفق مزاجه الثقافي ورصيده التاريخي ، وليس بحاجة أن (يستلف) تجربة الآخرين. والمسألة هنا ليست عنادا ومكابرة ولكنها معالجة تخضع لظرف يعيشه شعب من الشعوب اكتوى بنار عصبة اغتصبت حريته بليل وشطرت بلاده وأذلته على مدى ربع  القرن. تخضع لتحليل الواقع الحالي في السودان من منظور جيو-سياسي لواقع ربما تجاوزه العالم منذ خرج من سجنه بطل نيلسون مانديلا ليقلب الطاولة على نظام الفصل العنصري ويرمي به في سلة مهملات التاريخ. والسيد الصادق المهدي يعلم جيداً أن شريكه في إعلان باريس (الجبهة الثورية السودانية) لم يوقع معه ذاك الإعلان بحجة أنهم سيلقون سلاحهم.. ذلك أن الذي أعطى الجبهة الثورية حجمها ووزنها الثقيل مما دفع الإمام – وكان قريبا من ألد خصومها- أن يلتحق بقادتها في باريس ليوقع معهم الإعلان- أنّ الجبهة عرفت كما عرف الإخوة في جنوب أفريقيا وكما عرف الثوار في كل مكان أنّ قوة السلاح لا يمكن أن تعاب على ثائر. إذ لا يمكن لأحدنا أن يطلب ممن فقدوا الأهل والمأوى والزرع والضرع بفعل حرب الإبادة التي يشنها نظام الخرطوم الهمجي أن يلقي سلاحه وينبذ العنف (ونحن نسميه نضالاً) لحوار من لا يقيم وزناً لآدميتهم أصلاً !!

ثم إنّ مقولة عدم فصل الدين عن الدولة لم يقل بها أحد – قلنا فصل الدين عن السياسة- والفرق واضح بين الاثنين. أكثر من ثلاثة أرباع بلدان أوروبا تتخذ من الصليب قاسماً مشتركاً في العلم – رمز سيادتها.. ذلك لأن المسيحية هي معتقد تلك الشعوب وأساس ثقافاتها. بل إن ملكة بريطانيا هي رئيسة الكنيسة الانجليكانية. يحدث كل هذا وفي أكثر من حكومة اوربية عدد من الوزراء من ملل أخرى: مسلمين ويهود وهندوس إلخ.. الخوف ليس من أن يكون دين من الأديان عاملاً كبيراً من عوامل مكونها الثقافي ولكن الخوف من استخدام الدين في السياسة – وهنا تلتقي الطائفة والأحزاب الدينية في السودان في أشواقها ومراميها السياسية التي تجعل من الدين حصان طروادة. ولسنا بعيدين من تجربة ماثلة الآن أذاقت شعبنا الأمرين. ليس هناك خيار يا سيادة الإمام. لم يحدث أن قامت في تاريخ العالم دولة دينية أرست عدالة بين أبناء بلد واحد أو ساوت في حقوق مواطنيها. الأصل في الدولة أنها مدنية.. يصنعها الإنسان مستوحياً ثقافته ومعتقداته وإرثه التاريخي ، خاضعاً قوانينها ونظمها لعقد اجتماعي يساوي بين الناس اسمه المواطنة.. دون ذلك (يفتح الله)!

أما الثورة الشعبية في السودان فهي على مرمى حجر. وكفانا من جرعات التخدير التي يتم الترويج لها كلما قامت انتفاضة عارمة مثلما حدث في سبتمبر من العام الماضي. إن شعوب السودان التي رفعت السلاح دفاعاً عن كرامتها وشرف حرائرها ، والمد الشعبي الرافض في المدن – وفي عاصمة البلاد بالتحديد- وشهداءنا الذين دفعوا بأرواحهم في هبة سبتمبر وجلهم من الشباب اليانع لم يفعلوا ذلك حباً في الموت أو ممارسة للعبة التظاهر. فعلوه ويفعلونه قريبا جداً لأن أسباب بقاء هذا النظام كلها قد عفا عليها الزمن. هذا النظام مثل كلب مصاب بداء السعر ، يصيب بدائه كل من اقترب منه. والعلاج الوحيد له هو القضاء عليه- إما عن طريق حوار وطني برعاية دولية- أو القضاء عليه بثورة شعبية هي يا سيادة الإمام وبكل المعطيات على مرمى حجر. أراهن بأنه لن يطول انتظارنا لانتفاضة شعبنا..موعدنا الغد بمعناه التجريدي لا الحسابي..وإن غداً لناظره قريب!



عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
////////