تحية لزملاء الحرف داخل الوطن وخارجه!

============================
بمرور عشية العاشر من أغسطس الجاري أكون قد طويت من عمري 28 عاماً وثلاثة أشهر في منفى اختياري بعيدا عن وطني وأهلي. تحملته معي سيدة هي رفيقة دربي وأم أولادي. والتي كانت وما تزال سندا لي. فلها التحية.

كانت السنوات الثماني والعشرين هي عصارة سنوات الشباب في عمري، وأعلن اليوم على رؤوس الأشهاد بأني لست نادماً على قضائها في المنفى ، فأنا لست خيراً ممن دفعوا شبابهم الغض دفاعاً عن هذا الوطن وإنسانه.

ولأن خيار الكتابة فعل إنساني وحضاري فقد وجدتني أختاره وأدفع الثمن عن قناعة ودون ندم. وفي أحايين كثيرة أشتاق لو أكون في وطني وبين أهلي وأحبابي، لكني كائن لم ألزم الصمت منذ صرخة الميلاد حتى اليوم. وأدعي بأني كائن يرفض الإهانة لي ولسواي..لذا فإن الكتابة عندي هي ممارسة للرفض دون التنازل في منطقة وسطى. ولقد منحني منفاي خلال 28 سنة متسعاً من الوقت والمساحة لأقول "لا" بملء فمي في وجه "نعم"!

وتساءلت الليلة: ماذا يعني أن نختار ضياع العمر في المنافي وفي اليد قلم؟
قديم هو السؤال: هل الفن للفن أم أن الفن للقضية؟ لن يضيع كاتب هذه السطور الوقت في التنطع والشرح؛ فقد كان خياره منذ أمد طويل: الكتابة موقف، وموقف يؤكد إنسانية الكاتب !

كتب الروائي الفرنسي الشهير آندرية جيد (1869-1951) يقول: (من الأفضل أن تكون ممقوتاً لما تؤمن به من أن يحبك الآخرون لشيء لا تؤمن به !) ولعل هذا هو ما دفع بذاك الكاتب الإنسان أن يكون نسيج وحده في عصره، ليدين بصوت جهور الفاشية وجرائم هتلر ضد السامية. ويقول في موضع آخر: (طالما إننا نعيش وسط الناس، دعونا نعتز بإنسانيتنا!) ولهذه المواقف الواضحة من الكتابة كعمل إنساني خلاق، أصبح آندرية جيد أيقونة النبض الإبداعي والفكري لرهط من أميز المفكرين والمبدعين الفرنسيين من بعده ، ومنهم الروائي الشهير آلبير كامي.

وقد يتساءل البعض ما الذي يدفع سيدة بيضاء في جنوب افريقيا ، الروائية نادين غورديماير- وهي لأب يهودي من الطبقة الوسطى - أن تختار الصعاب في دولة تقوم على نظام الفصل العنصري (أبارتايد)، وما كانت لتحتاج بالمعنى الانتهازي للكلمة أن تتجشم المخاطر طالما أنها تستمتع كمواطنة بيضاء بكامل حقوقها؟ الإجابة بسيطة وواضحة . ففي مثل هذه الظروف كان على ضمير الكاتب أن يختار أحد طريقين لا ثالث لهما: طريق الوقوف بوجه العاصفة لإدانة الظلم والإنحياز دون تحفظ لحق الإنسان في الحرية والعيش الكريم.. أو أن يختار اللون الرمادي وإمساك العصا من منتصفها لتغبيش وعي الملايين التي يعصف بها الظلم. وهذا ما يمكننا أن نطلق عليه موت المثقف! ولأنّ غورديماير قد عرفت منذ شبابها النضال ضد الظلم، فقد اختارت طريق مصادرة الرقيب لما تنزفه أعصابها دفاعاً عن الحق. كانت معجبة بأسطورة النضال نيلسون مانديلا، وبكفاح السود من أجل الحرية والمساواة. كتبت تقول ( ليس في وسعك أن تغير نظاما على أساس من الشفقة. هناك أدوات أكثر قسوة للتغيير !)

ليس غريبا أن تنال غورديمير إذن جائزة نوبل للآداب تقديرا لكتاباتها الشجاعة التي وصف مانديلا صاحبتها بأنها «سفيرة الضمير الإنساني» !
لويس نكوزي، الروائي الجنوب – افريقي قضى أربعين عاماً في المنفى وهو يفضح نظام الفصل العنصري عبر السرد القصصي. اختار ألا يستسلم وعاد لوطنه بعد سقوط نظام الفصل العنصري ليتوفي بعد عشر سنوات من عودته فقيرا ومريضاً. لكنه اختار أن يكتب أدباً منحازاً للقضية لأن الكتابة موقف إنساني قبل أن تكون ممارسة للقوادة ومسح الجوخ! كتب في أخريات أيامه: «لقد رأيت مستوطنين بيض في جنوب افريقيا ممن أقسموا بأنهم لن يجلسوا قط في طاولة تجمعهم باولئك (القذرين السود) ! لكنهم جلسوا مع رجال القبائل السود ، شبه العراة عندما تحررت جنوب افريقيا. إنها السلطة التي تغير السلوك وتحول الكراهية إلى عاطفة!».

لا يمكن للإبداع ان يكون للتسلية وتزجية الفراغ. هذه مهمة يمكن مزاولتها بين البيت والمكتب إن كان الأمر كذلك. الكاتب الذي يختار كالبهلوان سكة السلامة هو أفشل من يمسك بالقلم ليقول للقارئ إن عالمه جميل إذ يختار طريقا بين، بين !

إختار محمود درويش، طريقاً وعراً، لأن الطريق الوسط في فلسطين غير متاح، وخاصة لشاعر تقول موهبته منذ نعومة أظفاره أنه ولد ليكون صوتاً للقضية وضميرها. كانت أشعاره منذ (بين ريتا وعيوني بندقية)، مروراً بـ«بيروت..بيروت» و«تلك صورتها وهذا انتحار العاشق» وانتهاء بـ «لماذا تركت الحصان وحيدا؟» كانت أشعاره تدخل أروقة الكنيست وأضابير أجهزة الموساد دون إذن. وكان درويش يدفع نظير المنفى والحب القاسي لبلد مغتصب وشعب مخيمات- كان يدفع عافيته.. لكنه اختار الموقف. كتب يقول:
من أي ريحٍ جئتِ ؟
قولي ما اسم جرحكِ
أعرف الطرقَ التي ..
سنضيعُ فيها مرتينْ
وكلَّ نبضٍ فيكِ يوجعني
ويرجعني إلى زمنٍ خرافي
ويوجعني دمي والملح يوجعني...
ويوجعني الوريد !!
الكتابة موقف، وموقف إنساني شديد الوضوح والشفافية!ّ لم أندم لحظة على عمري الذي أضعته في المنفى وقد اخترت أن أمارس حقي في الصراخ في وجه القتلة. أدعي أنني صاحب قضية وصاحب القضية لا يرتاح له بال ما دام على وجه الأرض ظالم. ونحن لسنا أشرف من موكب شهدائنا..لسنا أشرف من بطل المقاومة ضد المستعمر السلطان عجبنا الذي صاح قبل أن يشنق: قولوا للماشاف عجبنا يجي يشوف عجبنا!! ولسنا أشرف من شهداء انتفاضة سبتمبر 2013 وقد تقدم موكبهم شاب غض العود هو الدكتور صلاح مدثر السنهوري.

يا أدباء السودان وأديباته: بقي من المشوار أقله، فلا تنحنوا للعاصفة!
تحية لكل الأحرار والحرائر من زملائي وزميلاتي الكتاب والصحافيين ممن يعيشون نزيف الحرف داخل وطننا الأسير وخارجه!

فضيلي جمّاع
لندن في 11 أغسطس 2018
------------------

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.