أبدأ مقالي بالترحّم على روح الشاب الخلوق إبراهيم حماد موسى غلو، الذي بكاه الأهل وبكاه أصدقاؤه من الدينكا والنوير. وإبراهيم حماد موسى غلو لقراء هذا المقال، من أسرة راسخة الشان – أسرة العمدة حماد غلو من ولاد عمران – إحدى كبريات عشائر المسيرية. وفوق كل ما حكوا عنه من دماثة خلق وكرم وشجاعة ، إلا إن ما يوجع حد الفجيعة في رحيله أنه كان أحد الذين أسسوا أسواق السلام، الأسواق التي استطاعت خلالها الدبلوماسية الشعبية بين أطراف النزاع (المسيرية ودينكا نقوك والنوير) أن تحدث اختراقاً هاماً فتوقف الحرب طويلة الأمد في المنطقة وترسي دعائم السلام والتعايش على مدى ثلاث سنوات عجزت حكومتا السودانين (السودان وجنوب السودان) أن تقوم بما قامت به تلك الأسواق. كان المرحوم أبراهيم حماد موسى غلو يذهب بنفسه إلى سوق ميوم في غرب النوير ليشتري المجوك ، شأن تجار المواشي في المنطقة، غير خائف ممن حوله من الدينكا والنوير ، فهم يعرفونه ويثقون به بل كان يأمنهم على نفسه فوق بعض بني بجدته. يبعث لي أحد أقاربي رثاءاً طويلاً كتبه عن المرحوم ابراهيم موسى حماد غلو. أظنه بعث لي بالرثاء لمعرفته بصداقة تربط أسرتي بأسرة العمدة حماد غلو، إضافة لصداقة تربطني بالراحل موسى (حلاوة) إبن عم الراحل المقيم. يصفه بأنه (..كان شديد الإيمان بالتعايش السلمي بين كل مكونات المنطقة، وهو من المبادرين بتكوين لجان السلام التي أقامت أسواق السلام وخاصة سوق (وار وار) الذي أصبح الآن مدينة كاملة الأركان، وقد لاقى في سبيل ذلك العنت والشطط والملاحقة والتضييق مع إخوته من المبادرين : المرحوم السيد حمدين وآدم دقشم واحمد بشارة حسين والأستاذ حسن شيخ الدين وآدم عبد الرحمن الرضي “شارلستون” وآخرين).

أتقدم بالعزاء للأهل في المنطقة كافة ولأهلنا ولاد عمران ولأسرة العمدة حماد غلو في الفقد الكبير، ولأصدقائه من الدينكا والنوير، سائلاً الله أن يتقبله عنده بمرتبة الشهداء والصديقين.

أسواق السلام: النشأة والأهداف:

كلما ذاقت الشعوب الأمرين عرفت أين تكون مصلحتها، فليس من مدرسة أنفع وأجدى فائدة للأفراد والجماعات من مدرسة الحياة وتجاريبها القاسية. ولعل المساحة الجغرافية الممتدة شرقاً من البردية ودلامي ولقاوة حتى التبون والميرم في الحدود الشرقية لجنوب دارفور بامتدادها جنوباً لأبي نفيسة شمال بحر الغزال وشرقاً بالقرب من شبه جزيرة ميوم – غرب النوير ،لعل هذه المنطقة التي تسكنها أعراق من إثنيات سودانية مختلفة – أكبرها تعداداً المسيرية ودينكا نقوك- لعل هذه المنطقة قد دفعت منذ منتصف الستينات من القرن الماضي ما لم تدفعه مساحة جغرافية ومجموعات بشرية في السودان بسبب التهميش والموت الرخيص. وإذْ خسر السودان نفسه في بداية الألفية الجديدة بتقسيمه إلى ما نحن فيه الآن وزادت الحروب والحروب بالوكالة ، كان حظ هذه المنطقة من الدمار وعدم الإستقرار والفوضى ما لا يصدقه عقل. ولأنّ مقالنا هذا عن أسواق السلام التي يؤمل أن تحل محل ما كان ينبغي أن تقوم به الدولة – إن كان هنالك دولة اليوم في السودان، فسأقتصر الكلام عن نشأة هذه الأسواق وأهدافها وما لاقته وتلاقيه من عنت منذ نشأتها حتى كتابة هذه السطور.

حين كثر الموت المجاني الرخيص وجرت أنهار الدم دون توقف في رقعة من أخصب بقاع السودان

-أنهاراً وسهولاً ورؤوس ماشية تقدر بالملايين وإنساناً لم يكن يعرف الحرب إلا في إطار النزاعات

العشائرية التي كثيراً ما كانت تحلها مجالس الأجاويد والمحاكم الأهلية- نقول حين كثرت الحروب بالوكالة منذ النصف الثاني للستينات وانتشرت مليشيات النهب والسلب – وصارت المنطقة بين فكّي كماشة الجنوب والشمال، ولا فزع من دولتين هما اليوم أنموذج للدولة الفاشلة – أقول حين فهم المواطنون من أطراف النزاع هذا الواقع التراجيدي البائس استيقظ الضمير ، فكانت الدبلوماسية الشعبية التي هي جزء من ثقافة عشائر السودان وفي هذه المنطقة بالتحديد. هدفهم الأول أن يوقفوا حرباً الخاسر الأساسي فيها الطرفان. وحين تقف الحرب يمكنهم تبادل المنافع والتعايش كما كان أسلافهم. ونجحت أسواق السلام التي كان الراحل ابراهيم من مؤسسيها.

هذه فرصة لأثني على من دعوا لها من الطرفين – أولئك الذين سهروا الليالي وطافوا بين العشائر ، يقبل سعيهم البعض ويرفضه آخرون..لكنهم لم يكلوا ولم يملوا فقامت أسواق السلام في فيض الزراف (أميت) على بعد 7 كيلو مترات من مدينة أبيي وفي وار وار وأبيم نم وفي ميوم. الغرض من الأسواق تبادل المنافع في جو من السلم والتعايش – مثلما هو شأن المنطقة في السابق. من طرف المسيرية ودينكا نقوك تنادى مواطنون لم يدخلوا أكاديميات اقتصاد سياسي ولا تدربوا في كليات قانون أو شرطة. خرجوا من الشعب وإليه. من المسيرية: حمدين مجوك/ دينق تاشي/ الصادق حيدب/ عبد الماجد محمد عيسى/جامع الصديق/ العمدة داود مالك/ نميري/ مهدي ام بدي كباشي / جديد عمارة والراحل المقيم إبراهيم حماد موسى غلو وآخرون ربما لم تسعفني معلوماتي بأسمائهم. ومن دينكا نقوك: السلطان كوات أجاك شول – رئيس محكمة السلاطين/ كورال مدينق/ دوت/ ألور ياي وآخرون لم تسعفني الظروف باستحضار أسمائهم.

قامت بقيام هذه الأسواق محاكم أهلية محلية وأعراف مشتركة لتنظيم الحياة والحفاظ على استمرارية الأسواق والغرض الإنساني الذي من أجله أقيمت. ورغم التفلتات التي قام بها البعض من الطرفين ، نجحت هذه الأسواق في وقف مسلسل الحروب بالوكالة من شمال وجنوب السودان حين أدرك المواطنون من الجانبين أن ساعة من السلام أجدى وأنفع لهم من حرب لا يجنون منها سوى الخراب وتمزيق النسيج الإجتماعي الذي يعود إلى ثلاثة قرون.

نجحت الدبلوماسية الشعبية منطلقة من موروثها التاريخي والثقافي في إرساء السلم والتعايش المجتمعي. ولا يرى كاتب هذه السطور شعاع أملٍ في أي وقت لسلام يعم هذه المنطقة الواسعة والغنية بمواردها وإنسانها خارج أطروحة التعايش على هذه الأرض البكر وتحت سمائها. أعرف أن يعاقبة الطرفين ربما مدّوا لي ألسنتهم النتنة ساخرين. لا بأس..سيشهد التاريخ من منّا قرأ الحدث ومفرداته قراءة لا خطل فيها ولا غباء.

للسلام أعداء كثيرون، لكنه المنتصر دائماً:

هنالك اختراقات لهذا العمل السلمي الشعبي الكبير من وقت لآخر يقوم بها متفلتون من الطرفين. الذين ينتظرون من كاتب هذا المقال أن يغطي النار بالتبن قد خاب مآلهم. دعونا نلمس موضع الجرح بمنتهى الشجاعة لنقوم بعلاجه. ولنفعل ذلك دون تمترس خلف عصبية لا فائدة منها في مثل هذا الموقف.

من أكبر هذه التفلتات التي كادت تطيح بفكرة الأسواق الهجوم الذي شنه حوالي 20 شخصاً بأسلحتهم على أكبر هذه الأسواق- سوق فيض الزراف (أميت). كان ذلك في الرابعة صباحاً من يوم 16/05/2017م. القصد كما يبدو في ظاهره نهب وكالات تحويل العملة وبعض ما خف وزنه وغلا ثمنه. لكن لا شك لدى الكثيرين أن هناك جهات رسمية (أمنية) سعت من قبل بكل الطرق الفردية لتدفع بهذا العدد الكبير من المسلحين بقصد إزالة هذا السوق. نعرف هدف أمثال هؤلاء..بل صرحوا به بكل وقاحة في أكثر من منبر قائلين: لماذا يكون هنالك جسر يربط بين الجنوب والشمال وكأن لا حدود بين دولتين؟ معلوم أن أسواق السلام هذه يؤمها خلق كثيرون من جنوب السودان وشماله. كما إن الأسواق وفّرت مناخاً إستوعب عدداً كبيراً من العاطلين عن العمل ومن الفاقد التربوي. راح ضحية هذا الهجوم الكبير على سوق فيض الزراف (أميت) التاجر الشاب عبدالله خيرالله محمد أغبش من ولاد توبا. وقد تم القبض على ثلاثة من المهاجمين بجهد مشترك بين قوات يونيسيفا والمواطنين. وأدلى المقبوض عليهم بإفادات وبأسماء بقية المشاركين في العملية التخريبية. كان المتفلتون من جانب المسيرية ( من قبيلة ولاد عمران )!!

نود أن نشير إلى أنّ المتفلتين والمارقين على نظم العشيرة لا يمثلون العشيرة بأي حال. فقبيلة ولاد عمران أقامت قبل شهرين فقط بقيادة المتعلمين والحادبين من أبنائها وبناتها ، مهرجانات السلام في الدبب. نظموا حيالها حملات للتعليم والصحة غير مسبوقة. كما استجابوا لنداء الصلح بينهم وبين أهلهم وأقربائهم الزيود، بعد حرب عبثية لم تجن منها العشيرتان غير موت بلا معنى وزيادة في عدد الأرامل والأيتام والمعاقين.

صحفيون أم فزاعة حرب؟

هناك في المركز المتداعي للسقوط ، ليتهم يتركوننا بما نحن فيه. إذ كلما صاحت بعض صحف النظام القميئة والعنصرية في الخرطوم – مثلما صاح ذلك الفتى الكذاب: (النمر النمر) ، تأكد لنا أنّ طبخة سيئة الإعداد يقوم بها فصيل من فصائل حكومة الإسلامويين لإشعال فتيل الحرب في هذه الرقعة التي تعبت من ويلات حروب بلا معنى. طالعتنا قبل شهور قلائل بعض صحف تقوم دائماً بدور فزاعة الحروب، طالعتنا بعناوين فاقعة تحمل من التحريض أكثر مما تحمل من الصياغة الصحفية المهنية. ملخص الخبر هو الهجوم الضخم الذي قام به فصيل مسلح من (الحركة الشعبية – جنوب السودان) على قبائل رحل ، ليحصد فوق الأربعين شخصاً معظمهم من النساء والشيوخ والأطفال وخطف عدد كبير من رؤوس الماشية. كانت مانشيتات تلك الصحف تطالب حكومة السودان لترد الصاع صاعين!! ومن جانبها لزمت حكومة الخرطوم الصمت وتعاملت مع الحدث ببرود يكاد يصل حد التجاهل. وإذا علم السبب بطل العجب. مرة أخرى : تقول الأخبار أنه حدث أن قام متفلتون من جانب المسيرية (يشير الإتهام إلى أنهم من ولاد عمران) بهجوم على النوير بقصد النهب. وللعرب الرحل عبارة عميقة الدلالة أن الجريمة التي يقوم بها أمثال هؤلاء المتفلتين (ترمي الدرب) على غيرهم. وكان أن جاء رد النوير قاسياً باستهدفهم لمواطنين عزل دون تمييز. هذا ما يحدث دائماً في مناخ تعمه الحروب والفوضى وينتشر فيه السلاح بلا رقيب أو عتيد. وقد راح ضحية الهجوم من عشيرة ولاد عمران عدد كبير من النساء والشيوخ والأطفال – مواطنون مسالمون لا ناقة لهم في المعارك ولا جمل.

حدث كل هذا ولم تعر حكومة الخرطوم الأمر اهتماماً لأنها لا تريد أن تفتح جبهة حرب مع الجنوب بسبب حروب قبلية يتسبب فيها متفلتون من الجانبين!!

تسربت منذ اليوم الأول للرحيل الفاجع لرسول السلام ابراهيم حماد موسى غلو أخبار مؤكدة أن

من اغتالوه متفلتون من أهله كان هدفهم الإنتقام لمن قتلهم رصاص النوير سابقاً، ولم يعلموا أن الرصاص إذ ينطلق في فوضى كهذه لا يعرف اللون ولا العمر ولا العشيرة. مرة أخرى مجموعة تحاول الثأر لقتلاهم الأربعين ، ينصبون كميناً لسيارة يستقلها رهط من التجار والمواطنين النوير في طريقهم لسوق ميوم. كان الراحل ابراهيم هو الوحيد من المسيرية قاصداً ميوم لجلب بعض بقر المجوك بقصد التجارة. صوب المتفلتون من أهله بنادقهم بقصد الإنتقام من النوير. وكان بين القتلي شخص واحد ليس من النوير هو الراحل ابراهيم حماد موسى غلو أحد مؤسسي أسواق السلام. هذا ما تناقله ثقاة ، وما وصلنا من أسباب إغتيال أحد رسل السلام.

نقول للأهل في المنطقة ولزعماء الإدارة الإهلية خاصة: كونوا العين التي تتابع سفيه القوم حتى لا يحصد الأبرياء بؤس ما يقوم به السفهاء. أقول للأهل بأنكم في هذا الجزء من العالم أكثر الناس تخلفاً لأنكم الأكثر حاجة للإستقرار. فالخدمات من صحة وتعليم وزراعة – وهي أدوات التمدين والرقي ، لا تقدمها حكومة مهما أتقنت فنون الكذب لقوم يقضون يومهم مترحلين على ظهر بهيمة. بل جل تفكير الفرد منهم في المرعى لبهائمه أكثر من تفكيره في مدرسة لتعليم أطفاله. ترجلوا من ظهر البهيمة ، وانظروا للدنيا حولكم. هل ينال الرقي والتمدين بدوي على ظهر بهيمة؟

وأختم بما قال شاعر عربي قديم – وهو ينصح قومه:

أبِنْتُ لهم نُصْحي بمنْعَطفِ اللّوا ** فلم يستبينوا النُّصْحَ إلّا ضُحَى الغدِ

اللهمّ هل بلّغت ؟ اللهم فاشهد !

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.